الدرس في كتاب الصلاة 22، الدرس الثاني والعشرون:( الحديث الحادي والستون:عن أنس بن مالك رضي الله عنه ... وهذا عدا التكبير وقد قامت الصلاة فقد ثبت تثنيتهما فيهما ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
الأذان له أهمية كبيرة في الإسلام، حيث يظهر شعائر الإسلام ويجمع الناس للصلاة. كما أن للمؤذنين أجرًا عظيمًا كما ورد في الأحاديث النبوية.
الأذان والإقامة فرض كفاية على الرجال، بينما يختلف حكمها للنساء، حيث لا يلزم النساء الأذان واختلف العلماء في الإقامة. كيفيتهما تختلف أيضًا بين الرجال والنساء.
الأذان يشفع والإقامة توتر، حيث أن الأذان يكرر لتنبيه من هم خارج المسجد، بينما الإقامة تكفي مرة واحدة لمن هم داخل المسجد. تثنية جملة الإقامة تميزها عن الأذان.
تثنية جملة الإقامة تفرق بينها وبين الأذان حتى لا يلتبس الأمر على السامع، خاصة غير المبصرين. هذا التمييز يساعد في معرفة بداية الصلاة.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، قال الحافظ عبد الغاني المقدسي رحمه الله تعالى: باب الأذان، الحديث الحادي والستون، عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: أمر بلالًا يشفع الأذان ويوتر الإقامة. أورد الحافظ عبد الغاني المقدسي رحمه الله هذا الحديث في سياق ذكره لأحكام الأذان والإقامة وما يلحق بهما، وأقرب الألفاظ إليه، لفظ الإمام البخاري حديث خمسمائة واثنين وسبعين، قال: حدثنا علي بن عبد الله قال: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم قال: حدثنا خالد عن نبي قلابة عن أنس رضي الله عنه، فذكر الحديث بلفظه، ورواه مسلم نحوه. قال الشارح رحمه الله تعالى: باب الأذان والإقامة، وأشار في التعليق إلى أنه أضاف لفظ الإقامة تتمة للفائدة ولما ورد من الحديث في أحكام الإقامة. قال: الأذان لغة الإعلام، قال الله تعالى: ﴿وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾، أي إعلام منها، وهو إعلام خاص، فإن القاعدة أن اختلاف المبنى يدل على اختلاف المعنى. قال: وهو شرعًا الإعلام بدخول وقت الصلاة المفروضة بألفاظ مخصوصة، والأحسن التعبد لله بالإعلام عن دخول وقت الصلاة بالألفاظ المشروعة والكيفية المخصوصة. قال: وهو على اختصاره مشتمل على مسائل العقيدة، لأن التكبير يتضمن وجود الله وإثبات صفات الجلال والعظمة له، والشهادتان تثبتان التوحيد الخالص ورسالة محمد صلى الله عليه وسلم وتنفيان الشرك، والدعاء إلى الفلاح يشير إلى المعاد والجزاء. وذكر العلماء له حكمًا عظيمة، منها إظهار شعائر الإسلام، وإظهار كلمة التوحيد، وإثبات الرسالة، والإعلام بدخول وقت الصلاة، ومنها الدعوة إلى الجماعة. هذه بعض فوائد الأذان، وللأذان فوائد كثيرة، منها نيل الأجور، ومنها كذلك مخالفة أهل الكتاب في الاجتماع، ومنها رفع راية لا إله إلا الله والتكبير باسمه، ومنها تذكير الناس ووعظهم. في حين يقول المنادي: الله أكبر الله أكبر، المتأمل لهذه الكلمات تكون له موعظة عظيمة، الله أكبر الله أكبر من العمل الذي أنت فيه، فتذهب وتستجيب لله في ندائه، الله أكبر من الدنيا التي انشغلت بها، فتترك الدنيا التي بين يديك وتستجيب لله في ندائه. قال: وفي القيام به فضل عظيم، لما روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لاستهموا»، وغيره من الأحاديث كثيرة. والشاهد أنه حث على النداء بهذا الحديث حتى أنهم لو لم يجدوا إلا أن يستهموا لاستهموا، يعني لعظيم فضله، لا بأس بالشح وعدم التساهل فيه. قال: والأذان والإقامة كل واحد منهما فرض كفاية على الرجال للصلوات الخمس، وهو من شعائر الإسلام الظاهرة، يقاتل أهل بلد بتركهم إياهما، كما صح عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه كان يترقب قبل الفجر، فإذا سمع الأذان أمسك، وإذا لم يسمع الأذان غزا القوم مع الفجر. وهكذا كذلك قوله: أنه على الرجال، يعني الأذان، وهل هو على النساء؟ الصحيح ليس على النساء، ولكن اختلفوا في الإقامة، هل تقيم المرأة أو لا تقيم؟ وظاهر الأدلة لا يدل على أنه يلزمها شيء، وهذا هو الأصل لعدم ورود شيء صحيح صريح يدل على ذلك، ولو قامت لا حرج. قال رحمه الله تعالى: وقد شرع في المدينة حينما استشار النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه بطلب طريق يعرفون بها دخول الوقت ليأتوا إلى الصلاة في المسجد، وهكذا ليصلي النساء والشيوخ والأطفال في البيوت. فالحديث فيه قصة طويلة خلاصتها أن الله ألهم الصحابة بهذه الرؤى المتتابعة، قال: فرأى عبد الله بن زيد الأنصاري في المنام من أعلمه صفة الأذان، فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم برؤياه، فقال: «إنها رؤيا حق»، فألقاها على بلال لأنه رفيع الصوت، فكان أفضل وسيلة لمعرفة أوقات الصلاة. وجاء في أحاديث وروايات أنه ليس رؤيا عبد الله بن زيد وحده، بل رآه معه أناس، ومنهم عمر رضي الله عنه، حين سمع الأذان جاء إلى النبي عليه الصلاة والسلام وأخبره أنه قد رأى في المنام نفس الذي سمع من الأذان. قال الشارح رحمه الله: غريب الحديث «أمر بلال» مبني للمجهول، والآمر هو النبي صلى الله عليه وسلم، فله حكم المرفوع، يعني هذا من الموقوف الذي له حكم الرفع، فبلال لا يأمره إلا النبي عليه الصلاة والسلام. وهكذا جاء في بعض الروايات، قال: واختلف أهل الأصول هل تستدعي هذه الصيغة وأمثالها الرفع أو لا؟ والصحيح أنها تستدعيه إذا لم توجد قرينة ما. قال: لأن الظاهر أن الآمر من له الأمر الشرعي وهو الرسول عليه الصلاة والسلام، وهو كذلك إلا أن تدل قرينة أنه ليس كذلك. قال: ثانيًا أن يشفع الأذان، يعني يأتي بألفاظه شفعًا، أي مثنى، والمثنى مرتان، يعني يقول: الله أكبر الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله، الله أكبر الله أكبر. بينما في الإقامة يأتي بها وترًا، وفيه دليل على أن التكبير لا يفرد، هكذا استدل به أهل العلم، يعني لا يقال: الله أكبر وحده، الله أكبر وحده لا، ولكن الأفضل أن يؤتى به مثنى مثنى. فإنه قال: «يشفع الأذان»، والشفع يكون في الشيء الواحد إذا ثني، وهذا يدل أن التكبير ما كان يربع فيه، وإنما يثني، ولا يثني إلا إذا جمع بين التكبيرين مع بعض، يعني يقول: الله أكبر الله أكبر، ليس واحد واحد أربع مرات. وهكذا كذلك في هذا الحديث في قوله: «يشفع الأذان»، يعني ما حقه الشفع، وإلا ففي الأذان الذي فيه تثويب الفجر ورد أنه يقول مرة، يعني في الإقامة لا يقوله. نعم، في الإقامة لا يقوله، والمعنى أن ما يؤثر هو مما يقال في الأذان، وما لم يقل في الإقامة، ولو قيل في الأذان، لأن الأذان تبع لأن الإقامة تبع لأصل الأذان مما ليس به زيادة. وهذا يؤيد أن التثويب هو في الأذان الأول، ليس في الأذان الثاني، وسيأتي إن شاء الله الكلام عليه. قال: «ويوتر الإقامة»، قال: يعني يأتي بألفاظها وترًا، وهو نقيض الشفع، والوتر هو الواحد، وما كان بمعنى الواحد، وهو ضد الزوج، والمراد به ها هنا واحد واحد. وهذا هو الأصل أي في الإقامة أنها توتر، إلا ما دل الدليل على التثنية، ويكون معناه وترًا بالنسبة للأذان، كالتكبير، فهو وتر بالنسبة للأذان. قال رحمه الله: المعنى الإجمالي، أمر النبي صلى الله عليه وسلم مؤذنه بلالًا أن يشفع الأذان لأنه لإعلام الغائبين، فيأتي بألفاظه مثنى، وكما قلنا هذا اللفظ العام بين بالسنة ما المراد بمثنى. قال: وهذا عدد تكبير في أوله، فقد ثبت تربيعه، وسمع الجواب قبل قليل أن قوله مثنى يدل أن تثنية التكبير بإتيانه مرتين مرتين من الله أكبر، فيكون بهذا تثنية. قال: وكلمة التوحيد في آخره، يعني مرة واحدة على ما ورد في الأذان، قال: فثبت إفرادها، كما أمر بلالًا أيضًا أن يوتر الإقامة، لأنها لتنبيه الحاضرين، وذلك بأن يأتي بجملها مرة مرة. وتجد بهذا حكمة الشرع، لما كان الذين يدعون إلى الإقامة هم في المسجد وموجودون، اكتفي بالأذان مرة مرة لتنبيهم إلى إقامة الصلاة، بخلاف لما كان الأذان لمن هو خارج المسجد، احتيج إلى تكريره لأجل أن يكون ذلك أدعى لتنبيههم وحضورهم إلى الصلاة، فكرر. فلله الحكمة البالغة في شرعه، قال رحمه الله تعالى: وذلك بأن يأتي بجملها مرة مرة، وهذا عدد تكبير، وقد قامت الصلاة، فقد ثبت تثنيته، والعبرة بما ورد بالسنة. فالتكبير لأنه في الأذان أربع مرات، فصار وتره في الإقامة ماذا؟ مرتين، ولأنه كما مضى أن التكبير يقال مرتين مرتين، كل مرة بمرتين أصلا. وأما «قامت الصلاة» ثنيت، لأنه المقصود من هذه الإقامة، لأجل أن لا يلتبس على سامع غير مبصر أنه الأذان، لعله قد لا يدري أنه أذان أو إقامة، لكن إذا سمع «قد قامت الصلاة» عرف أنها إقامة وليس أذانًا. فمن حكمة الله شرع تكرير لفظ الإقامة، يعني بعينها «قامت الصلاة» مرتين. نكتفي بهذا ونترك الباقي إلى درس لاحق، والله تعالى أعلم.