الدرس في كتاب الصلاة 38، الحديث الثامن والثلاثون:من( الحديث الثالث والسبعون:عن أبي هريرة رضي الله عنه ... بحيث يصلي المأموم جالساً مع قدرته على القيام لجلوس إمامه العاجز ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يتم شرح حديثين نبويين حول كيفية متابعة المأموم للإمام في الصلاة، مع مقارنة الروايات المختلفة وتوضيح معاني الألفاظ الغريبة.
يتم تفسير روايات حديث عائشة حول متابعة المأموم للإمام، مع توضيح معاني الألفاظ المهمة وتأكيد أهمية المتابعة في الصلاة.
يتم مناقشة أهمية متابعة المأموم للإمام في أفعال الصلاة، مع توضيح آراء أهل العلم حول صلاة المأموم جالسا إذا صلى الإمام جالسا.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، قال الحافظ عبد الغني المقدسي رحمه الله تعالى: الحديث الثالث والسبعون، قال: عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إنما جعل الإمام ليؤتم به، فلا تختلفوا عليه، فإذا كبر فكبروا، وإذا ركع فاركعوا، وإذا قال: سمع الله لمن حمده، فقولوا: ربنا ولك الحمد». فقولوا: ربنا لك الحمد، هكذا عندي بدون واو، عندكم بواو أو بدون واو؟ بدون واو، هل في نسخة بواو؟ هل في شيء من النسخة بواو؟ عندك؟ بالواو، طيب نكتب في نسخة بالواو، قال: «فقولوا: ربنا لك الحمد، وإذا سجد فاسجدوا، وإذا صلى جالسا فصلوا جلوسا أجمعون». قال: الحديث الرابع والسبعون، عن عائشة رضي الله عنها، قالت: صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيته وهو شاكٍ، فصلى جالسا، وصلى وراءه قوم قياما، فأشار إليهم أن يجلسوا، فلما انصرف قال: «إنما جعل الإمام ليؤتم به، فإذا ركع فاركعوا، وإذا رفع فارفعوا، وإذا قال: سمع الله لمن حمده، فقولوا: ربنا ولك الحمد، وإذا صلى جالسا فصلوا جلوسا أجمعون». أورد الحافظ عبد الغني المقدسي رحمه الله هذين الحديثين في سياق ذكره لأحكام الإمامة، وهذان اللفظان ليس أحدهما لفظ البخاري ولا مسلم، أي بعينه، ولكن أقرب الألفاظ إليه -أي الحديث الأول حديث أبي هريرة- هو لفظ الإمام البخاري الذي ذكره في باب إيجاب التكبير وافتتاح الصلاة، قال: حدثنا أبو اليمان، قال: أخبرنا شعيب، قال: حدثني أبو الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة رضي الله عنه، فذكر الحديث، غير أنه لم يذكر قوله: «فلا تختلفوا عليه»، لم يذكر قوله: «فلا تختلفوا عليه». فهذه اللفظة ليست في هذا الحديث، وإنما ذكرها البخاري رحمه الله في باب إقامة الصف من تمام الصلاة، عن أبي هريرة رضي الله عنه، وفيه: «إنما جعل الإمام ليؤتم به، فلا تختلفوا عليه، فإذا ركع فاركعوا» إلى أن قال في آخره: «أقيموا الصف في الصلاة، فإن إقامة الصف من حسن الصلاة». فكما ترون، جمع المؤلف في هذا اللفظ بين لفظين في حديثين مختلفين، فقوله: «فلا تختلفوا عليه» ليست هي في هذه الرواية، وإنما هي في رواية حديث آخر. ورواه مسلم رحمه الله نحوه. وفي لفظ البخاري في هذا الموضع -باب إيجاب التكبير وافتتاح الصلاة- لم يذكر فيه الواو، وإنما قال: «ربنا لك الحمد» بدون واو. وقد جاء بزيادة الواو في موضع آخر، منها ما جاء في باب إقامة الصف من تمام الصلاة. وقد رويت ألفاظ هذا الموضع من الحديث بأربع روايات: بحذف الواو، وإضافة الواو، وإضافة اللهم «ربنا لك الحمد» بدون واو، واللهم «ربنا ولك الحمد» بالواو، فهي أربع صيغ يجوز أن يقولها المأموم خلف الإمام إذا قال الإمام: «سمع الله لمن حمده». جاز للمأموم أن يقول: «ربنا لك الحمد»، وجاز له أن يقول أحيانا: «ربنا ولك الحمد»، وجاز له أن يقول أحيانا: «اللهم ربنا لك الحمد»، وجاز له أن يقول أحيانا: «اللهم ربنا ولك الحمد». هذه أربع كيفيات، كلها جاءت في الصحيحين أو أحدهما. وأما حديث عائشة رضي الله عنها، فكذلك هذا اللفظ الذي أورده ليس هو لفظ البخاري ولا لفظ مسلم. وأقرب الألفاظ إليه هو لفظ الإمام البخاري، ذكره في باب «إنما جعل الإمام ليؤتم به»، قال: حدثنا عبد الله بن يوسف، قال: أخبرنا مالك، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة، فذكرت الحديث، غير أنها لم تذكر جملة «وإذا قال: سمع الله لمن حمده، فقولوا: ربنا ولك الحمد». فهذه الجملة ليست في هذا الحديث. وهكذا قوله في آخر الحديث: «جلوسا أجمعون»، لفظة «أجمعون» ليست في هذا الحديث، وإنما قالت: «إنما جعل الإمام ليؤتم به، فإذا ركع فاركعوا، وإذا رفع فارفعوا، وإذا صلى جالسا فصلوا جلوسا». ورواه مسلم رحمه الله نحوه. قال الشارح رحمه الله: الغريب، قوله: ألفاء الواقعة في «كبروا» و«فاركعوا» إلى آخره، للترتيب والتعقيب. ومعنى الترتيب: أن تقع بعده، والتعقيب: بأن تليه مباشرة، فلا تساويه ولا تتأخر عنه. وهذا من فقه الحافظ عبد الغني المقدسي رحمه الله، لما أورد في الحديث الأول أنه لا يجوز التأخر عن الإمام، أورد في هذين الحديثين ما معناه: لا يجوز كذلك. كما أنه ذكر بالحديث الأول: لا يجوز مسابقة الإمام، ذكر في هذين الحديثين أنه لا يجوز التأخر عن الإمام. فمن تمام ائتمام المأموم بالإمام وحسن متابعته له أن يباشر متابعته ويعقب ذلك، ويرتب من دون مسابقة ولا تأخر. كما أن المسابقة محرمة، كذلك التأخر محرم إلا من عذر. قال: ومعنى الترتيب: أن تقع بعده، والتعقيب: أن تليه مباشرة، فلا تساويه ولا تتأخر عنه، بل وسط. المسابقة لا تجوز، والتأخر لا يجوز. قال: الثاني، قوله: «جعل» من أفعال التحويل، تأخذ مفعولين، أحدهما نائب الفاعل، والثاني محذوف تقديره إماما. والمعنى: «إنما جعل الإمام ليؤتم به». إشارة منه رحمه الله إلى أن ذلك يقتضي معنى محذوف. هذا المعنى المحذوف يزيد في المعنى، فكأنه قال: يعني جعل الإمام إماما ليؤتم به. جعل الإمام إماما ليؤتم به، فإذا لابد من تحقق كمال المتابعة لتحقق تمام الائتمام. قال: الثالث، «أجمعون» تأكيد لضمير الجمع، يعني لما قال: «فصلوا جلوسا»، أي أنتم أجمعون. قال: قوله: «شاكٍ» اسم فاعل من الشكاية، وهي المرض. والغالب أنه يقال شاكٍ إذا صار المرض مما فيه معنى الشكوى، كالجرح والألم وما كان بمعنى. قال: المعنى الإجمالي في هذين الحديثين: بيان صفة اقتداء المأموم بالإمام متابعة له. فقد أرشد النبي صلى الله عليه وسلم المأمومين إلى الحكمة في جعل الإمام، وهي أن يقتدى به ويتابع، فلا يختلف عليه بعمل من أعمال الصلاة، وإنما تراعى تنقلاته بنظام ودقة، فلا يسابق ولا يتأخر عنه. بل في هذه الأحاديث إشارة إلى أن من تمام الائتمام أن يتابع حتى في الكيفية. وسيأتي معنا إن شاء الله الكلام على معنى المتابعة هذه. فقوله: «إذا صلى جالسا وصلوا جلوسا أجمعون»، الصحيح فيه تفصيل كما سيأتي إن شاء الله. قال: فإذا كبر للإحرام فكبروا أنتم كذلك، وإذا ركع فاركعوا بعده، يعني لا تتأخروا. وإذا ذكركم أن الله مجيب لمن حمده بقوله: «سمع الله لمن حمده»، فقول الإمام: «سمع الله لمن حمده» تذكير لنفسه وللمأمومين أن يحمدوا ربهم، قال: فاحمدوه تعالى بقولكم: «ربنا لك الحمد». وإذا سجد فتابعوه واسجدوا. وإذا صلى جالسا لعجزه عن القيام، فتحقيقا للمتابعة صلوا جلوسا، ولو كنتم على القيام قادرين. وسيأتي معنا أن الصحيح في هذه المسألة التفصيل فيما إذا ابتدأ الإمام الصلاة من أول الصلاة جالسا، فيجلس المأموم. وإذا ابتدأ قائما ثم جلس، فيستمر المأموم في القيام. قال: فقد ذكرت عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم اشتكى من المرض فصلى جالسا. وهذا المرض فسر في حديث أنس: مرضان، مرض جاء في حديث أنس أنه جحش فخذه، سقط من على الخيل عليه الصلاة والسلام، فجحش فخذه، فصلى جالسا، وهو الذي جاء في حديث أبي هريرة، فأمر الناس بعده أن يصلوا جلوسا. وفي حديث عائشة أنه في مرض موته صلى جالسا. ولكنه صلى جالسا مرتين: مرة ابتدأ الصلاة جالسا، فصلوا خلفه جلوسا، أمرهم أن يصلوا جلوسا. ومرة في حديث كذلك عائشة صلى جالسا خلف أبي بكر، فتأخر أبو بكر، وكان أبو بكر افتتح الصلاة قائما، فلم يأمرهم بالجلوس. ولأجل هذا اختلف أهل العلم. فبعض أهل العلم قالوا: إذا صلى الإمام جالسا مطلقا، فالمأموم يصلي جالسا. وقال بعض أهل العلم: إذا صلى الإمام جالسا، فالمأموم يصلي قائما؛ لأن آخر عهد النبي عليه الصلاة والسلام في مرض موته صلى جالسا، والناس خلفه قياما. وذهب بعض أهل العلم للتفصيل: إذا صلى من أول الصلاة صلى جالسا، وإذا صلى من آخر الصلاة، إذا صلى أول الصلاة قائما ثم جلس في ثنايا الصلاة، فلا يلزم المأموم الجلوس. وهذا الأخير هو الصحيح جمعا بين الأدلة، فإعمال الدليلين أولى من إهمال أحدهما. وسيأتي إن شاء الله تنبيه عليه. قال: فقد ذكرت عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم اشتكى من المرض فصلى جالسا، وكان الصحابي يظنون أن عليهم القيام لقدرتهم عليه، فصلوا وراءه قياما، فأشار إليهم أن يجلسوا. فلما انصرف من الصلاة أرشدهم إلى أن الإمام لا يخالف، وإنما يوافق لتحقق المتابعة التامة والاقتداء الكامل، بحيث يصلي المأموم جالسا مع قدرة على القيام لجلوس إمامه. وسيأتي معنا إن شاء الله الكلام على هذه المسألة وغيرها من مسائل المتابعة والاقتداء في الكلام على اختلاف أهل العلم. إلى هنا والله تعالى أعلم.