كتاب الصيام 3

كتاب الصيام 3

الدرس في كتاب الصيام 3، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

فضل السحور وتأخيره وتعجيل الفطر

يشرح الدرس أهمية السحور وتأخيره وتعجيل الفطر كما جاء في أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم، ويبين أن السحور سنة نبوية ويعين على الصيام.

أحكام السحور ووقت الإفطار

يتناول المقطع أحكام السحور ووقت الإفطار، ويوضح أن السحور يعين على الصيام وقيام الليل، ويربط بين غروب الشمس وإقبال الليل.

النهي عن الوصال في الصوم وتوضيح أحكامه

يشرح النهي عن الوصال في الصوم وأحكامه، ويوضح أن الوصال المحرم هو صوم يومين أو أكثر بدون فطر، بينما يجوز الوصال إلى السحر.

أحكام الصيام والنية واحتساب الأجر

يتناول المقطع أحكام الصيام والنية واحتساب الأجر، ويشرح أهمية الإخلاص في العبادة وذكر الله في التخفيف من مشاق الصيام.

التفريغ النصي الكامل

يَصِفُ إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدم لكم شرح كتاب الصيام من «اللؤلؤي والمرجان فيما اتفق عليه الشيخاني» للأستاذ محمد فؤاد عبد الباقي -رحمه الله تعالى- شرح فضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الباهي بن عمر بن مرعي العدلي، القائم على دار الحديث بالشحر ودار الحديث بالفيوش. والآن مع الدرس الثالث. بسم الله، والحمد لله، وصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، ومن مؤله. مر معنا ما سبق في هذا الباب: باب بياني أن الدخول في الصوم يحصل بطلوع الفجر، وأن له الأكل وغيره حتى يطلع الفجر، وبيان صفة الفجر الذي تتعلق به الأحكام: من الدخول في الصوم، ودخول وقت صلاة الصبح، وغير ذلك. وقد علمنا الجواب على هذه الأمور الأربعة. أولها: أن الدخول في الصوم يحصل بطلوع الفجر، أي الفجر الصادق لا الكاذب، وعلمنا الفرق بين الفجر الصادق والكاذب. وثانياً: وأن له الأكل وغيره حتى يطلع الفجر، أي حتى يطلع الفجر الصادق لا الفجر الكاذب. ومن ذلك: أنه من الخطأ أن يؤذن المؤذن بالوقت الاحتياطي -كما يزعمونه- فيجعلون وقتاً للإمساك، ووقتاً للصلاة، وهذا خطأ، وفيه محاذير سبقت الإشارة إلى بعضها. وهكذا كذلك صفة الفجر الذي تتعلق به الأحكام، والذي منها الدخول في الصوم. وقد علمنا من صفة هذا الفجر: أنه هو فجر الصلاة الذي تحل به الصلاة، لا فرق بينه وبين وقت الصلاة، وهذا هو الذي أشار إليه كذلك بقوله: «ودخول وقت صلاة الصبح». معناه: أن الفجر الذي يمسك فيه الصائم هو نفسه الفجر الذي تصح به صلاة الصبح، على خلاف ما عليه -وللأسف- بعض الناس. من الاحتياط في صلاة الفجر، وبعضهم يخصص ذلك في شهر رمضان. وقوله -عليه الصلاة والسلام- في حديث عبد الله بن مسعود -تأكيداً لما سبق-: «لا يمنعن أحدكم أو أحداً منكم أذان بلال من سحوره؛ فإنه يؤذن أو ينادي بليل؛ ثم فسر بقوله: ليرجع قائمكم، ولينبه نائمكم». فيرجع -يعني يرتاح- كما قلنا: يصلي، يصلي، يصلي، إذا أذن الأذان الأول؛ تنبيه له أنه وقت راحته. وهكذا إذا أراد أن يتسحر -وقت سحوره- وهكذا النائم يقوم ليتسحر، أو ليصلي ويدعو، ونحو ذلك. وقوله: «وليس له أن يقول: الفجر أو الصبح». «وقال: بأصابعي، ورفع إلى فوقي، وطأطأ إلى أسفل؛ حتى يقول: هكذا» -يعني حتى يظهر الفجر في الأفق-. وعلمنا كيف يظهر الفجر في الأفق؟ وذلك بأنه يبتدئ مثل الرأس الصغيرة في الضوء، ثم ينتشر في الأفق. قد يقول قائل: أنا ليس عندي خبرة بهذا، كيف أعرف هذا؟ يقال: بالمؤذن الموثوق، إذا كان هناك مؤذن موثوق؛ فهو يستطيع أن يميز هذا بخبرته. وإذا لم يكن؛ فبالاعتماد على التقاويم المعتمدة التي زكاها أهل العلم. وهناك تقاويم مشهورة معروفة اعتمد أهل العلم في حساب أوقات الصلاة، وقورنت هذه في الغالب بالواقع. والمعتمد منها -الذي اعتمده كثير من مشايخنا وعلمائنا- مشهورة معروفة؛ مثل: تقويم رابطة العالم الإسلامي، وتقويم «أم القرى» ونحو ذلك. إلا أنه في وقت الفجر يحصل خلاف بقدر ثلاث دقائق. والصحيح: أن هذه التقاويم تحتاج إلى ضبط في وقت الفجر؛ بقدر تقريباً ثلاث دقائق أو حولها. وقد تابعنا -ومعنا مجموعة من المشايخ وأهل العلم، وكذلك من أهل الخبرة بهذا العلم: علم الفلك والحساب- فيه عدة سنوات. وكانت مراسلات كذلك مع بعض أهل الخبرة والاختصاص؛ كالشيخ العجيري في الكويت -وغيره- رحمه الله؛ أكثر من خمس وعشرين سنة. فنحن نتابع، ونراقب، ونقارن بهذه التقاويم، وفي عدة بلدان؛ سواء مناطق اليمن أو خارجها. فوجدنا: أن هذه التقاويم منضبطة؛ أي: تقويم رابطة العالم الإسلامي، و«أم القرى». ولا فرق بين «العالم الإسلامي» و«أم القرى» إلا في توقيت صلاة العشاء؛ صلاة العشاء -يعني- شيء يسير يجعلونه زيادة في وقت رمضان. ولكن بالتطبيق وجدنا: أن هذا التقويم يحتاج إلى زيادة قدر ثلاث دقائق أو حولها في صلاة الفجر. فهم يعتمدون -مثلاً- «رابطة العالم الإسلامي» على درجة ثمانية عشر، وهذه التي تسمى «زاوية الشمس» في وقت الفجر. بينما في وقت العشاء يعتمدون على زاوية سبعة عشر. وبالواقع، وبكلام أهل الخبرة والمعرفة: لا ينبغي أن تختلف زاوية الشمس في العشاء والفجر؛ لأن الشروق قرين الغروب. فإذا كانت زاوية الشمس في الغروب جعلوها سبعة عشر؛ فينبغي أن تكون كذلك في الشروق -يعني في الفجر كذلك- كم سبعة عشر. ولكن هم جعلوها كم ثمانية عشر. وعند الحساب: إذا حسبت وغيرت الزاوية إلى سبعة عشر؛ سيكون وقت الفجر بعد الوقت في حساب «رابطة العالم الإسلامي»؛ بقدر أربع دقائق وكسور. ولهذا أخرجنا تقويماً جديداً سنسميه -إن شاء الله- «تقويم الجامعة الإسلامية العالمية» على زاوية سبعة عشر في الشروق -في الفجر- وفي العشاء. وهذا من ناحية الواقع مجرب، جرب. والله -عز وجل- يقول: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [العنكبوت:69]. وهذا ثانياً نقول: أولاً؛ لأنه من جهة الواقع والرؤية جرب، وجد هذا أضبطها. وثانياً: أن أهل العلم بالاختصاص يقولون: العدل ألا تختلف الزاوية في الغروب والشروق، وفي العشاء وفي الفجر. ويزداد الأمر ثالثاً: بأن الله -عز وجل- قال في الفجر: «حتى يتبين» -يعني يحصل زيادة يقين ووضوح في ظهور الفجر- وهذا لا يظهر بزاوية الثمانية عشر. ولذلك تجد: إذا اعتمدت على التوقيت بزاوية الثمانية عشر؛ يبدأ يظهر الفجر، لكن ما تستطيع الجزم واليقين. ويحصل الجزم واليقين بزاوية كم؟ سبعة عشر، بزاوية سبعة عشر يحصل الجزم واليقين. ولهذا كان اعتماد زاوية سبعة عشر في العشاء والفجر كذلك. وهذا هو أصح التقاويم في هذا الباب. هذا لمن أراد أن يعتمد ماذا؟ على التقاويم. ولمن أراد أن يعتمد على التقاويم؛ فهذا هو معنى قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: «وكما جاء في الحديث: حتى يقول هكذا» -يعني يظهر في الأفق-. قال -رحمه الله تعالى-: «باب فضل السحور، وتأكيد استحبابه، واستحباب تأخيره، وتعجيل الفطر». قال: «عن أنس بن مالك -رضي الله عنه- قال: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: تسحروا؛ فإن في السحور بركة». قالوا: «عن زيد بن ثابت، عن أنس: أن زيد بن ثابت حدثه: أنهم تسحروا مع النبي -صلى الله عليه وسلم-؛ ثم قاموا إلى الصلاة». «قلت: كم بينهما؟ قال: قدر خمسين أو ستين -يعني آية-». قالوا: «عن سهل بن سعد: أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: لا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطر». هذه ثلاثة أحاديث جعلها -رحمه الله تعالى- في فضل السحور، وتأكيد استحبابه، واستحباب تأخيره، وتعجيل الفطر. فهذه أربعة مسائل. قوله: «باب» -أي هذا مدخل لمعرفة هذه الأحكام الأربعة-. أولها: فضل السحور؛ وذلك لما جاء في حديث أنس المشار إليه، وبالصحيحين -كما تقدم-؛ فإنه بركة: «تسحروا؛ فإن في السحور بركة» -يعني ولو أكلت شيئاً يسيراً- بارك الله لك فيه؛ فاجعله لك عوناً على صيامك، ولقوة جسدك. فالقليل منه يجعل الله -عز وجل- فيه البركة. ومن فوائده كذلك: أنه سنة أهل الإسلام؛ فأنت تتعبد به كما جاء عن النبي -صلى الله عليه وسلم- الأمر بالتسحر، ومخالفة اليهود في ذلك؛ أن اليهود لا يتسحرون -يعني اليهود عندهم صيام، لكن ما عندهم سحور-. وأما أهل الإسلام؛ فعندهم سحور؛ فنخالف اليهود في هذا؛ فهو من سنة أهل الإسلام التي ينبغي أن لا يفرط فيها المسلم؛ فينبغي أن يحرص عليها. ومن فضائله كذلك -وفضائله كثيرة- لكن من أهم فضائله: أنه كذلك عون للإنسان على التقوي على الصيام. ومن فضائله كذلك: أنه يعين الإنسان على إدراك هذا الوقت الفاضل؛ وهو الثلث الأخير من الليل. ومن فضائله كذلك: أنه يعين الإنسان على التبكير إلى صلاة الفجر، ومن باب أولى: ماذا؟ أنه لا تفوته صلاة الفجر. ولذلك تجد: الذي يتسحر في آخر الليل؛ في الغالب يكون من المبكرين لصلاة الفجر، أو من المتأخرين من المبكرين؛ هذا ببركة ماذا؟ بركة السحور. فهذا بركة من بركات السحور؛ فليس السحور بركته فقط في الجسم؛ بل بركته حتى في ما يعينك من الطاعات. فهو يعينك على إدراك الثلث الأخير من الليل، وهذا من بركة السحور. يعينك على صلاة الوتر في آخر الليل، وهذا من بركة السحور. يعينك على التبكير إلى صلاة الفجر، وهذا من بركة السحور. وغير ذلك مما هو من معاني بركة السحور. وقوله: «تسحروا» -هل هو للأمر؟ نعم للأمر- هل هو للوجوب؟ في هذا خلاف بين أهل العلم، والصحيح: أنه ليس للوجوب. وما هو الصارف له من هذا الوجوب؟ الصارف: ما جاء عن النبي -صلى الله عليه وسلم- من تركه للسحور في بعض الأحيان. وما جاء كذلك في بعض الأحاديث عن النبي -صلى الله عليه وسلم- من عدم الجزم به. وهذا يدل على أن هذا من باب الآداب. ولهذا ذكر بعض أهل الفقه والأصول: أن من صوارف الأمر عن الوجوب كونه من الآداب، كونه من الآداب؛ فينقل إلى المستحبات. وأما الثاني: تأكيد الاستحباب؛ يعني لأمر النبي -صلى الله عليه وسلم- في هذا الحديث. وأما الثالث: استحباب تأخيره؛ فلحديث زيد بن ثابت، ولحديث سهل بن سعد: «لا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطر» -هذا المتفق عليه-. وفي رواية: «وأخروا السحور» -وأخروا السحور-. وكذلك في حديث زيد بن عمر -رضي الله عنه-، وأنس: «أنهم تسحروا مع النبي -صلى الله عليه وسلم-؛ ثم قاموا إلى الصلاة». قال: «قلت: كم بينهما؟ قال: قدر خمسين أو ستين آية» -يعني قدر تقريباً سورة السجدة كم آية؟ سورة السجدة ثلاثون آية، وستين ضعفها- يعني هذا في الآيات المتوسطة، والآيات القصيرة تكون أكثر. فالمعنى: يعني كان بين آخر وقت السحور، ودخول وقت الصلاة؛ قدر ربع ساعة إلى عشرين دقيقة. هذا هو الوقت الذي تقرأ فيه تقريباً خمسين إلى ستين آية متوسطة؛ من ربع ساعة إلى عشرين دقيقة تقريباً -يعني إذا قرأت قراءة تأني-. فمعناه: أنهم كانوا يتسحرون إلى آخر وقت الأكل والشرب؛ يؤذن المؤذن، وهم جلوس على المائدة، انتهوا من الأكل؛ ثم يقومون فيتجهزون للصلاة، ويصلون. ويكون قدر بين هذا وإقامة الصلاة؛ قدر خمسين أو ستين آية. وليس في هذا الحديث دليل على الأكل والشرب بعد دخول الأذان -كما فهم بعضهم خطأ-. فمن الأقوال الشاذة المروية عن بعض أهل العلم: يروى عن الأعمش وغيره: أنه يؤكل ويشرب، ولا يكون الفجر حتى ينتشر الضوء في الطرقات. وهذا قول شاذ، خلاف الصواب. واستدلوا بهذا الحديث. والصحيح: أن الحديث ليس فيه الأكل والشرب إلى وقت متأخر؛ بل فيه تأخير، استحباب تأخير السحور إلى آخر الوقت. وفيه كذلك: تبكير الصلاة بالفجر؛ أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان يبكر بالصلاة في الفجر -يعني بين وقت الأذان وإقامة الصلاة أقل من خمسين إلى ستين آية-. وخصوصاً في رمضان. ولهذا قال بعض أهل العلم في هذا الحديث: من الفوائد استحباب التعجيل بصلاة الفجر في رمضان -استحباب التعجيل بصلاة الفجر في رمضان- يعني لا يؤخر كثيراً ما بين الأذان والإقامة في رمضان؛ في وقت صلاة الفجر. فهذه سنة النبي -صلى الله عليه وسلم-. والحكمة من ذلك: أن الناس في رمضان غالباً يكونون قد انشغلوا بالقيام، وبالسحور، وغيره؛ فيحتاجون أن يصلوا الفجر، ويرتاحوا -لمن أراد أن يرتاح- أو غير ذلك. وكذلك في قوله: «لا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطر» -في فضيلة التعجيل بالفطر-. وهذا هو قوله: «وتعجيل الفطر»؛ فإن النبي -صلى الله عليه وسلم- صحى في عدة أحاديث الأمر بتعجيل الفطر. وبه نعرف خطأ ما يفعله بعض الضلال من الرافضة وغيرهم: أنهم لا يفطرون حتى تشتبك النجوم. وهذه سنة اليهود، وليست سنة أهل الإسلام. أما أهل الإسلام؛ فالسنة التعجيل بالفطر. ولكن المراد بالتعجيل بالفطر: إذا ماذا؟ إذا دخل وقت الفطر. وهو بأمرين اثنين: ما هذان الأمران؟ غروب الشمس، وإقبال الليل. قد يقول قائل: يعني هل الشمس تغرب مع عدم إقبال الليل؟ نعم، قد يكون هناك حاجز في جهة المغرب؛ مثل أن يكون هناك جبل. إذا كان هناك جبل؛ هل إذا دخلت خلف الجبل تفطر؟ لا تفطر أبداً. قال بهذا بعض العلماء، وهو قول شاذ، غير صحيح. ليس إذا غابت الشمس عن عينك؛ معناها أنك تفطر لا، لكن لابد أن تغرب، وتأكيد هذا الغروب هو إيش؟ إقبال الليل. إذا أقبل الليل؛ تأكد أن الشمس غربت. إذا غربت الشمس منها هنا، وأقبل الليل منها هنا؛ فقد أفطر الصائم -يعني حل فطر الصائم- حل فطر الصائم. قال -رحمه الله تعالى-: «باب بيان وقت انقضاء الصوم، وخروج النهار». قال: «عن عمر -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: إذا أقبل الليل منها هنا، وأدبر النهار منها هنا، وغربت الشمس؛ فقد أفطر الصائم». قال: «وعن ابن أبي أوفى -رضي الله عنه- قال: كنا مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في سفر؛ فقال لرجل: انزل فاجدح لي. قال: يا رسول الله الشمس. قال: انزل فاجدح لي. قال: يا رسول الله الشمس. قال: انزل فاجدح لي. فنزل فاجدح له؛ فشرب؛ ثم رمى بيده هنا؛ ثم قال: إذا رأيتم الليل أقبل منها هنا؛ فقد أفطر الصائم». أورد -رحمه الله تعالى- هذا الباب، والأحاديث؛ ليذكر ويؤكد وقت الإفطار. فقوله: «باب بيان وقت انقضاء الصوم» -يعني وقت انتهاء وقت الصوم، وحل الإفطار- «وخروج النهار» -يعني ما هو وقت خروج النهار، وغروب الشمس-. وذكر حديث عمر، وحديث ابن أبي أوفى، وبمعنى هذين الحديثين حديث أخرى كثيرة. فحديث عمر -رضي الله عنه- فيه ما تقدم: أن وقت الإفطار يكون بشيئين اثنين: الأول غروب الشمس، والثاني ماذا؟ إقبال الليل. والثاني: إقبال الليل. وحديث ابن أبي أوفى فيه معنى حديث ماذا؟ حديث عمر. فقول الصحابي: «الشمس» -يعني يا رسول الله الشمس توها نزلت الآن نزلت- هل نفطر؟ أجاب النبي -صلى الله عليه وسلم- بقوله: «إذا رأيتم الليل أقبل منها هنا؛ فقد أفطر الصائم» -يعني كونها نزلت الآن لا يضر في الإفطار- ولو كان هناك ضوء؛ لأنه ما ذكر الشمس بعينها موجودة، ولكن أراد الضوء -ما زال موجود يا رسول الله- الضوء الذي هو أثر الشمس؛ لا يضر. لكن لأجل أن يؤكد النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه لا يضر ماذا؟ قال: «إذا أقبل الليل منها هنا». فإذا أقبل الليل؛ معناه تأكيد ماذا؟ غروب الشمس. وعلى هذا يحمل ما جاء في بعض الأحاديث: لو أن أحدنا صعد على راحلته لرأى الشمس -من باب المبالغة- يعني تو الشمس نزلت في الأفق. وإلا لو صعد حتى على جبل؛ ما سيرى الشمس. الشمس إذا نزلت في أفق البحر؛ هل إذا صعد سترى الشمس على الراحلة؟ ما سترى الشمس. لو صعدت على أطول بيت؛ ما سترى الشمس. لكن هذا من باب المبالغة: يعني نزلت الشمس، وأمرنا بالإفطار. لكن الصحيح: لم يأمر النبي -صلى الله عليه وسلم- بالإفطار إلا بعد دليل آخر. ما هو الدليل الآخر؟ إقبال الليل؛ بدليل ماذا؟ حديث عمر، وحديث ابن أبي أوفى. فهذان الحديثان يؤكدان: أننا لا نكتفي بغروب الشمس؛ ولكن نزيد مع غروب الشمس ماذا؟ إقبال الليل. نزيد مع غروب الشمس إقبال الليل. قال -رحمه الله تعالى-: «باب النهي عن الوصال بالصوم». قال: «عن عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما- قال: نهى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عن الوصال. قالوا: إنك تواصل. قال: إني لست مثلكم؛ إني أطعم وأسقى». وفي رواية: «أبات أطعم وأسقى». قال: «عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: نهى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عن الوصال في الصوم؛ فقال له رجل من المسلمين: إنك تواصل -يا رسول الله- قال: وأيكم مثلي؟ إني أبيت يطعمني ربي ويسقين». «فلما أبوا أن ينتهوا عن الوصال؛ واصل بهم يوماً؛ ثم يوماً؛ ثم رأوا الهلال؛ فقال: لو تأخر لزدتكم -كالتنكيل لهم- حين أبوا أن ينتهوا». «وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: إياكم والوصال -مرتين- قيل: إنك تواصل. قال: إني أبيت يطعمني ربي ويسقين؛ فاكلفوا من العمل ما تطيقون». «وعن أنس -رضي الله عنه- قال: واصل النبي -صلى الله عليه وسلم- آخر الشهر؛ وواصل ناس من الناس؛ فبلغ النبي -صلى الله عليه وسلم-؛ فقال: لو مد بي الشهر؛ لواصلت وصالاً يدع المتعمقون تعمقهم؛ إني لست مثلكم؛ إني أظل يطعمني ربي ويسقين». «وعن عائشة -رضي الله عنها- قالت: نهى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عن الوصال -رحمة لهم- فقالوا: إنك تواصل. قال: إني لست كهيئتكم؛ إني يطعمني ربي ويسقين». هذه مجموعة أحاديث في بيان النهي عن الوصال في الصوم. ومناسبة إيراد هذا الباب: أنه لما ذكر استحباب الإفطار؛ ناسب أن يذكر حكم الوصال. والوصال ثلاثة أنواع: أحد الوصال أن يواصل بالصوم إلى ما يستطيع من تتابع الأيام؛ يوم ويومين وثلاثة، وهو صائم. والنوع الثاني: أن يصوم يومين مع بعض. والنوع الثالث: أن يصوم يوماً وبعض اليوم. لا يجمع يومين، لا يجمع يومين. فأما الأول والثاني؛ فهو محرم على الصحيح على المسلمين، وهو خاص بالنبي -صلى الله عليه وسلم-؛ هذا من خصائصه -عليه الصلاة والسلام-. والدليل: هذه الأحاديث التي وردت بين أيدينا؛ فإن النبي -صلى الله عليه وسلم- نهى عن الوصال، وبيّن أن هذا من خصائصه -عليه الصلاة والسلام-. وذلك لأنه -عليه الصلاة والسلام- كان يتعبد لله -عز وجل- بقدر ما أكرمه الله -سبحانه وتعالى-. فمقام الأنبياء أعظم من مقام سائر الناس. ولهذا كان قيام الليل في أول الأمر واجباً على النبي -صلى الله عليه وسلم-؛ لأن مقام النبوة أعظم من غيره. ولهذا كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يقوم من الليل حتى تتشقق قدمه، وفي رواية: تتفطر قدمه، وفي رواية: تدمي قدمه. فتقول له عائشة -رضي الله عنها وأرضاها-: يا رسول الله! تفعل هذا بنفسك؛ وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك، وما تأخر؟ فماذا قال النبي -صلى الله عليه وسلم-؟ «أفلا أكون عبداً شكوراً». فالأنبياء هم أعبد الناس، وأكثر الناس شكراً لله -عز وجل-. وهكذا كان نبينا -صلى الله عليه وسلم- في صيامه، وفي قيامه. ولكن كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يعان على ذلك بعبادته، وذكره لربه -سبحانه وتعالى-. وهذا هو معنى: «أبيت يطعمني ربي ويسقين» -ليس معناه الإطعام الحقيقي، والإسقاء الحقيقي- لو كان كذلك؛ ما كان صياماً. لكن المعنى: ما يحصل من أثر الإيمان، واليقين، والانشغال بعبادة الله، وطاعته، وذكره؛ ما يغني عن الأكل والشرب. وما يحصل من أثر قوة هذه العبادة على الجسد؛ فهذا خاص بالنبي -صلى الله عليه وسلم-، وليس هذا لكل أحد. ولهذا كان هذا النوع من الوصال خاص بالنبي -صلى الله عليه وسلم-؛ يعني يومين مع بعض، أو أكثر من يومين؛ يصوم متواصل لا يفطر؛ يومين أو أكثر من يومين؛ هذا من خصائص النبي -صلى الله عليه وسلم-. أما الناس؛ فالأفضل في حقهم ماذا؟ أن يعجلوا بالفطر، أن يعجلوا بالفطر؛ هذا هو الأفضل والأكمل. وهل يجوز الوصال؟ الصحيح: يجوز القسم الثالث؛ يجوز القسم الثالث، وليس هو الأفضل. لقول النبي -صلى الله عليه وسلم- فيما جاء في الصحيح: «لكن ليس من الألفاظ المتفق عليها». ولهذا لم يذكره بهذا الكتاب؛ لأن هذا الكتاب خاص بماذا؟ بالمتفق عليه. قال -عليه الصلاة والسلام-: «ومن أراد منكم أن يواصل؛ فليواصل إلى السحر فقط» -معناه صمت، وأردت أن تواصل؛ لا بأس- واصل، لكن حاول أن تفطر أكثر ما يمكن من التعجيل. فإن استطعت أن تفطر عند غروب الشمس؛ فهذا أفضل. أو تأخرت؛ فلا بأس. لكن لا تتعدى السحر؛ آخر حد هو متى؟ وقت السحر؛ لابد تتسحر قبل أن تصوم اليوم الثاني. واضح؟ يعني آخر تأخير إلى وقت السحر؛ تصوم إلى وقت السحر؛ يجب أن تفطر وقت السحر؛ لابد أن تفطر -يعني لا تصوم يومين مع بعض- هذا لسائر الناس؛ يجوز، ولكنه خلاف إيش؟ خلاف الأفضل. طيب إذا كان خلاف الأفضل؛ لماذا أجازه النبي -صلى الله عليه وسلم-؟ قال بعض أهل العلم: أجازه النبي -صلى الله عليه وسلم- لأمور؛ من هذه الأمور التي ذكرها أهل العلم. أولاً: أن بعضهم كان عنده من الفقر والفاقه ما لا يجد أن يفطر به؛ يعني ما فرقت عنده أنه أفطر أو ما أفطر؛ ما عنده إلا الماء؛ ما عنده إلا الماء، وهو يستطيع أن يصبر على الماء. لكن إذا كان كذلك؛ فشربه للماء عند السحور مهم؛ لأجل إيش؟ يعينه على صيام اليوم الثاني؛ يعينه على صيام اليوم الثاني. أو بعضهم إذا عنده أكل؛ ما عنده إلا ماذا؟ تمرة واحدة؛ هذا الذي في البيت؛ ربما ما فيه في البيت إلا ماذا؟ إلا تمرة واحدة. إذن: فين الأفضل؟ يأكل التمرة في وقت الإفطارة، وفي وقت السحور؟ إذا خيرك إنسان؛ قال لك: معك تمرة؛ متى تريد تأكلها؟ ستختار وقت إيش؟ السحور. فإذن: في حق هذا الإنسان؛ الأفضل إيش؟ يؤخرها إلى السحور؛ يؤخرها إلى السحور. وهكذا كان حال الصحابة؛ فقر، يأتي النبي -صلى الله عليه وسلم- هو صائم في صيام النافلة؛ فيقول لعائشة: هل عندك من طعام؟ فتقول: لا. فيقول: «اللهم إني صائم» -يعني ما في فائدة أني أفطر- إذن: ساء الصيام أفضل لي. هذا الحديث يشبه يشبه حال من؟ حال من أذن له بالوصال النبي -عليه الصلاة والسلام- أراد أن يفطر أم لم يريد؟ أراد أن يفطر؛ لكن ما وجد الطعام؛ فماذا قال؟ «اللهم إني صائم». كذلك من أراد أن يطبق السنة؛ فيفطر في وقت الإفطار؛ فلم يجد الطعام؛ إذن ماذا يفعل؟ يواصل إلى السحر؛ لا يزيد على ذلك؛ يواصل إلى السحر؛ لا يزيد على ذلك. هذا بعض الأوجه التي ذكرها أهل العلم في هذا الباب. طيب نكتفي بهذا القدر إلى هنا. والله تعالى أعلم. صلى الله وسلم على نبينا محمد، وآله، وصحبه وسلم. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله؛ صلى الله عليه، وعلى آله، وصحبه وسلم. أما بعد: يقول: رواية «لا يزال الناس بخير ما عجل الفطر، وزيادة: أخر السحور». قال الألباني -رحمه الله-: رواية منكرة؛ معناها صحيح. وبعض أهل العلم يحسنها؛ فهي من حيث المعنى صحيح، ومن حيث التحسين بعض أهل العلم يحسنها. نعم يقول: طيب نقدم الأسئلة التي تتعلق بالموضوع؛ ثم نؤخر الباقي. يقول: هل في مذهب الشافعي الإمساك قبل الفجر بحوالي عشر دقائق؟ هذا عند بعض المتأخرين من الشافعية؛ وليس الإمام الشافعي -رحمه الله-. الإمام الشافعي -رحمه الله- لا يقول بهذا؛ بل لو خالف الإمام الشافعي السنة؛ فقد قال: «ارموا بقول عرض الحائط» -رحمه الله رحمة واسعة-. والواجب الأخذ بسنة النبي -صلى الله عليه وسلم- في هذا الباب. يقول: إذا جاءت رحلة العمرة في منتصف النهار؛ فهل أفطر أو أتم الصيام؟ وهل قوي الإيمان يخفف عنه الصيام؛ حتى في وقت الحر الشديد؟ الانشغال بطاعة الله، وكذلك ذكره؛ يخفف الصيام، ومشقته؛ حتى ولو كان في الحر الشديد؛ حتى ولو كان في الحر الشديد. فإذا تعلق القلب بطاعة الله -سبحانه وتعالى- وذكره؛ فإنه يحصل للإنسان من القوة الإيمانية، والقوة الجسدية؛ ما يخفف عليه المشاق؛ ما يخفف عليه المشاق. وهذا له نظائر كثيرة في كتاب الله -عز وجل-. ولذلك أمر الله -عز وجل- بعدد من الطاعات والعبادات في وقت الشدائد؛ لأجل أن تخفف هذه الطاعات عن هذه الشدائد؛ تخفف عن هذه الشدائد. ومن ذلك: الصلاة، من ذلك الصلاة. ففي وقت الكسوف والخسوف؛ أمر الله -عز وجل- النبي -صلى الله عليه وسلم- أن يفزع، وأن يأمروا أمته أن يفزعوا إلى ماذا؟ إلى الصلاة. وأمرهم أن يستمروا على ذلك، وذكر الله؛ حتى يزول ذلك. فهذا يخفف عنهم من هذا الأمر. وهكذا كذلك في صلاة الخوف، وفي غيرها من المواضع الأخرى. يقول: أذن المؤذن في مسجدنا، وهو لا يعلم أن الوقت لم يدخل، وكان هناك أناس صيام؛ فأفطروا. ماذا على المؤذن؟ وماذا على الذين أفطروا؟ المؤذن إذا أخطأ؛ استغفروا الله: «ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا، أو أخطأنا». وعليه أن يتثبت مرة أخرى، ولا يستعجل بالأذان. والذين أفطروا: إذا كان ذلك بسبب هذا المؤذن الذي أخطأ؛ فلا يضرهم ذلك. ولكن متى ما علموا أن الوقت لم يخرج -لم يأتي وقت حل الفطر-؛ فعليهم أن يمسكوا. وعليهم أن يمسكوا. وإذا لم يعلموا إلا بعد انتهاء الوقت؛ فلا حرج عليهم. وسيأتي معنا بعض الأحاديث في هذا الباب. ومن ذلك: ما جاء في قصة حديث أسماء: «أنهم أفطروا بسبب غيم، وفتبين لهم أنه لم تغب الشمس؛ فلم يأمرهم النبي -صلى الله عليه وسلم- بالقضاء» -لأجل الخطأ-. وكذلك الحديث الذي تقدم معنا؛ يدل على هذا المعنى. يقول: ذكرتم في تحقق العباد: ثلاثة أمور: النية، واحتساب الأجر. ما الفرق بين النية، واحتساب الأجر؟ الفرق: أن احتساب الأجر شيء أخص من النية. النية تتناول قصد العمل -قصد العمل-. مباحث النية كثيرة، وصحيح من مباحث النية: احتساب الأجر. لكن إذا أردنا أن نفرق؛ نقول: النية بمعنى قصد العمل: أن تقصد العمل؛ تتعبد بهذا العمل لله. وتحتسب الأجر: يعني في كل أجزاء العمل؛ تحتسب أجر هذا العمل. فيكون العمل متعبداً لله في أجزائه، وأصل العمل لله -سبحانه وتعالى-. فأنت تنوي أن هذه عبادة، ولهذا يقول العلماء: مبحث النية له معنيان. المعنى الأول: يميز العادة من العبادة. والمعنى الثاني: يميز العبادة من العبادة -يميز العبادة من العبادة-. أنت تصلي: تفرق بين صلاة راتبة الظهر من راتبة الفجر. إذا كنت تقضي مثلاً؛ فهذا يكون تفريق بين العبادة وعبادة. وأنت تغتسل: تفرق بين غسل للتبرد، وغسل لرفع الجنابة؛ بماذا؟ بالنية. بالنية إذا تعبدت لله -عز وجل- بالعبادة؛ فأنت أولاً تنوي أن هذه عبادة لله؛ فتكون خالصة لله. الإخلاص في العبادة مهم؛ ليزيل عنك معنى ماذا؟ الرياء، والسمعة، وغير ذلك. ثم كذلك تتعبد لله باحتساب الأجر في أجزاء هذه العبادة. فإن كانت صياماً؛ ففي كل جزء من أجزاء هذا الصيام، وكل لحظة من لحظاته؛ أنت تحتسب. متى تعبت؟ متى نصبت؟ متى عطشت؟ متى جعت؟ كل هذا تحتسبه لله -سبحانه وتعالى-. يقول: ذكر