الدرس في شرح أصول في التفسير للعثيمين 37، الدرس السابع والثلاثون : من :( القرآن محكم ومتشابهة ... العالم الراسخ في العلم خلاف ذلك ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
ينقسم القرآن إلى محكم ومتشابه، والإحكام يعني الإتقان والجودة في ألفاظه ومعانيه. القرآن كله محكم بهذا المعنى، حيث يتسم بالإتقان والمنع من النقص والعيب.
التشابه في القرآن إما عام في الإتقان والبلاغة، أو خاص في معاني الآيات التي قد تكون خفية أو تحتمل أكثر من معنى. هناك أمورا لا يعلمها إلا الله، بينما يعلم أهل العلم الراسخون بعض المتشابه.
المتشابه في القرآن يشمل أمورا لا يعلمها إلا الله، وأهل العلم الراسخون يعلمون بعضه. كما يوضح الفرق بين الظن والوهم من خلال مثال اختلاف شخصين في العلم بالشيء.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، قال شيخنا أبو عبد الله محمد بن صالح العثيمين رحمه الله تعالى في كتابه "الوصول في التفسير": قال القرآن محكم ومتشابه، يتنوع القرآن الكريم باعتبار الإحكام والتشابه إلى ثلاثة أنواع. النوع الأول: الإحكام العام الذي وصف به القرآن كله، مثل قوله تعالى: ﴿كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾، وقوله: ﴿تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ﴾، وقوله: ﴿وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾. قال: ومعنى الإحكام الإتقان والجودة في ألفاظه ومعانيه، فهو في غاية الفصاحة والبلاغة، أخباره كلها صدق نافع، ليس فيها كذب ولا تناقض ولا لغو، لا خير فيه. وأحكامه كلها عدل وحكمة، ليس فيها جور. النوع الثاني: التشابه العام الذي وصف به القرآن كله، مثل قوله تعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ﴾، الذي عنده مثاني يصيب عنده معاني صوابه متاني. قال: تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم، ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله. ومعنى هذا التشابه أن القرآن كله يشبه بعضه بعضا في الكمال والجودة والغايات الحميدة. ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا. فأورد شيخنا رحمه الله تعالى هذا الفصل في الكلام على تقسيم القرآن إلى محكم ومتشابه، وذكر أن القرآن الكريم باعتبار الإحكام والتشابه ينقسم إلى ثلاثة أقسام: الإحكام العام، والتشابه العام، والإحكام الخاص والتشابه الخاص. يعني إذا أردنا أن نختصر نقول: معنى الإحكام وما يقابله التشابه في القرآن لقسمين: إما إحكام عام ويقابله تشابه عام، وإما إحكام خاص ويقابله تشابه خاص. فأما الإحكام العام، فالمراد به كما قال: الإحكام والإتقان والجودة، أي لا يتطرق إليه خلل لا في لفظه ولا في معناه. وهذا يدل على كماله في لفظه ومعناه: فصاحة وبلاغة وصدقا وعدلا وحكمة، ليس فيه نقص ولا خلل لا لفظا ولا معنويا. ومن ذلك قوله سبحانه: ﴿كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ﴾، يعني أتقنت لفظا ومعنى. وهكذا قوله: ﴿تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ﴾، أي المحكم المتقن لفظا ومعنى. ﴿وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾، كذلك محكم ومتقن غاية في العدل والحكمة، وكذلك النفع والصدق، ليس فيه نقص أبدا. وعلى هذا المعنى يكون الإحكام العام، فالقرآن كله محكم بهذا المعنى. وأصل الإحكام لغة هو الإتقان مع المنع من النقص والعيب والفساد. ومعانيه في تصرفاته جميعا قريبة من هذا المعنى. إن قلت: أحكمه أو حكمه أو حكمه أو نحو ذلك من تصرفات هذا اللفظ، فإنها تدور حول هذا المعنى: الإتقان معنى المنع من النقص والفساد. وهكذا كذلك المتشابه رد ذلك، فهو يعني من جهة الله، ومعناها اللغوي مأخوذ من المماثلة والمشاكلة، لكن مماثلة ومشاكلة مقيدة، لأن اختلاف المبنى يدل على اختلاف المعنى، وهذه قاعدة عند أهل العربية. فهي مماثلة ومشاكلة مؤدية إلى الالتباس، وغالب معنى التشابه بتصرفاته المتنوعة يدور حول هذا المعنى. لكن هذا التشابه في القرآن على أحد معنين: المعنى الأول التشابه العام، وهو أن القرآن كله متقن وكله كذلك محكم وغاية البلاغة والفصاحة والإتقان لفظا ومعنى. قال: ومعنى هذا التشابه أن يكون معنى الآية مشتبهاً خفياً، ليس في نفسه ولكن باعتبار الناظر إليه. إما لأن اللفظ غريب عليه لم يطلع عليه، وإما أنه لفظ مجمل يحتمل معنى ومعنى آخر، وبكل ورد في اللغة. قال: ومعنى هذا التشابه أن يكون معنى الآية مشتبهاً خفياً، قلنا: ليس في نفس اللفظ ولكن باعتبار الناظر إليه. ولهذا كان المتشابه في هذا القسم ينقسم إلى قسمين: متشابه لا يعلمه إلا الله، وهو ما كان بمعنى الحقيقة هو الكيفية. وعلى هذا يفهم الوقف على لفظ الجلالة: "وما يعلم تأويله إلا الله"، أي لا يعلم حقيقته وكيفيته إلا الله. فكيفية الأشياء لا يعلمها إلا الله، أي ما كان من الغيب ككيفية كل الغيبيات. ومن ذلك صفاته سبحانه وتعالى، ومن ذلك كذلك حقائق اليوم الآخر. وهكذا كذلك الحقائق التي تأول إليها الأشياء كيفية أو زمانا أو مكانا، كل ذلك لا يعلمه إلا الله سبحانه وتعالى. ومن المتشابه ما يعلمه أهل العلم كما يعلمه الله سبحانه وتعالى، وهو الخفي الذي يخفى على بعض الناس. فإن أهل الرسوخ يعلمونه، ثم أهل الرسوخ يتفاوتون في رسوخهم، وفوق كل ذي علم عليم. وعلى هذا يأتي قول ابن عباس رحمه الله تعالى: أن المتشابه هو ما له أكثر من وجه في التفسير. يعني أن لفظه أو سياقه يحتمل أكثر من وجه، وهو المسمى عند بعض المتأخرين بالمجمل أو يسمى أحيانا المؤول. فأما المجمل فهو فيما يقابل النص، وهو ما لا يحتمل إلا معنى واحدا. فالنص هو في هذا الموضع المحكم، والمجمل في هذا الموضع هو المتشابه. والنص عند الأصوليين ما لا يحتمل إلا معنى واحدا، والمجمل ما يحتمل أكثر من معنى. ولكن هذا ليس في نفس اللفظ، لأن السياق والأسباب وهكذا كذلك نصوص القرآن والسنة يفسر بعضها بعضا بما يزيل عن اللفظ المجمل معنى الإجمال. ولذلك يعلمه أهل الرسوخ، وقد لا يعلمه من ليس مثلهم في الرسوخ. وأما معنى المؤول، وهو اللفظ المصروف عن ظاهره، فهذا معنى محدث ليس له أصل لا في الكتاب ولا في السنة ولا في اللغة. وعلى هذا إذا وجدت في كتب الأصول أو في كتب أصول التفسير تسمية المتشابه بالمؤول، فهو معنى خاطئ. إذ أنهم يريدون اللفظ المصروف عن ظاهره، وهذا ليس بصحيح، فليس في الكتاب ولا في السنة ولا في كلام سلف الأمة بل ولا في اللغة ما يدل على أن المؤول يفسر بهذا المعنى، بل هو معنى محدث أحدثه بعض المتأخرين من أهل الأهواء الذين خاضوا في التحريف في باب الصفات. قال: ويفهم منه العالم الراسخ في العلم خلاف ذلك، يعني خلاف وهم الواهم. والوهم في اللغة ضد الظن، ويجعلون العلم مراتب، فمن مراتب العلم الوهم، وهو ما كان العلم فيه على المعنى المرجوح في أحد طرفي المعلوم في ذلك الشيء. فالظن هو العلم الراجح، والوهم هو العلم المرجوح. يعني لو قلنا مثلا اختلف اثنان في العلم بالشيء على قولين أحدهما أصاب والآخر أخطأ، فالذي أصاب كان قوله ظنا، والذي أخطأ كان قوله وهماً. والله تعالى أعلم.