شرح أصول في التفسير للعثيمين 16

شرح أصول في التفسير للعثيمين 16

الدرس في شرح أصول في التفسير للعثيمين 16، الدرس السادس عشر : من : ( النوع الثاني : ترتيب الآيات ... وقد دل الحديث على أن لهم سنة يجب اتباعها ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

ترتيب الآيات في القرآن الكريم

ترتيب الآيات في القرآن توقيفي وثابت بالنص والإجماع، ولا يجوز تغييره. دلالة حديث عبد الله بن الزبير مع عثمان بن عفان على ثبوت ترتيب الآيات.

مسألة ترتيب السور في القرآن

ترتيب السور في القرآن مختلف فيه بين العلماء، فمنهم من يرى أنه توقيفي ومنهم من يرى أنه اجتهادي. اختلاف الآراء حول ترتيب السور.

توقيف ترتيب المصحف وجواز بعض التغييرات

الترتيب الحالي للمصحف توقيفي، ويجوز تقديم أو تأخير بعض السور في القراءة أو الكتابة لعدم وجود ضرر أو فتنة. استدلال بحديث حذيفة بن اليمان وتصرف بعض الصحابة.

اتباع سنة النبي في ترتيب المصحف

يبقى المصحف على ترتيبه الحالي ولا يجوز تغييره، وهو توقيف وسنة متبعة لسنة النبي والخلفاء الراشدين. اتباع سنة النبي في ترتيب المصحف.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، قال شيخنا أبو عبد الله محمد بن صالح العثيمين، رحمه الله تعالى: النوع الثاني، قال: النوع الثاني ترتيب الآيات بحيث تكون كل آية في موضعها من السورة، وهذا ثابت بالنص والإجماع، وهو واجب على القول الراجح، وتحرم مخالفته. ولا يجوز أن يقرأ «مالك يوم الدين الرحمن الرحيم» بدلا من «الرحمن الرحيم مالك يوم الدين». ففي صحيح البخاري أن عبد الله بن الزبير قال لعثمان بن عفان رضي الله عنهم في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ﴾، قال: قد نسختها الآية الأخرى، يعني قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾، وهذه قبلها في التلاوة. قال: «فلما كتبها -يعني على هذا النسق- قال عثمان رضي الله عنه: يا بن أخي، لا أغير شيئا منه من مكانه». أورد شيخنا رحمه الله تعالى هذا النوع الثاني من أنواع ترتيب القرآن، وقد مر معنا النوع الأول، وهو ترتيب الكلمات على حسب ما في لفظ الآيات في القرآن، وأنه يجب الالتزام بما ورد في ذلك. أولا لأن القرآن توقيفي، وهو من أمور التعبدية، ولا يجوز أن يغير ويبدل على غير ما كان على عهد النبي عليه الصلاة والسلام. وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام: «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد». ولا يجوز للإنسان أن يغير الشيء إلا بدليل حجته، ولا وجود لذلك، فوجب الالتزام بهذا. وهكذا كذلك ترتيب الآيات كما ذكر رحمه الله، لا يجوز أن تقول «مالك يوم الدين الرحمن الرحيم» بدلا من قولك «الرحمن الرحيم مالك يوم الدين». فالواجب الالتزام بترتيب الآيات على ما وردت في القرآن. ثم استدل على ذلك بحديث عبد الله بن الزبير حين قال لعثمان ما قال، والحديث كما ذكر في صحيح البخاري. وذلك أن الآية الأولى منسوخة بالآية الثانية: ﴿وَالَّذِينَ تُوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ﴾، كانت العدة السنة، ثم صارت عدة المتوفاة أربعة أشهر وعشرة أيام. فكأن ابن الزبير يقول لعثمان: الأولى في الترتيب أن يذكر المنسوخ ثم يذكر بعده الناسخ؛ لأن الناسخ نزل بعد المنسوخ، المنسوخ آية السنة، والناسخ آية أربعة أشهر وعشرة أيام. لكن في ترتيب القرآن آية الأربعة أشهر وعشرة أيام مقدمة على آية السنة. فسأل: لماذا فعلتم هذا؟ وهو يسأل عثمان. قال عثمان رضي الله عنه: «يا ابن أخي، لا أغير شيئا منه من مكانه». وهذا هو الشاهد، فإنه يدل على أنهم فعلوا ذلك تقيدا بما علموه من التوقيف في هذا الباب، وأن الأصل فيه التوقيف كما سمعوه وضعوه وأدوه. فالمسألة توقيفية، وقد أجمع الصحابة رضي الله تعالى عنهم على ذلك. وهذا نص في المسألة، فيدل على أنه لا يجوز تغيير ترتيب الآيات في القرآن، بل يجب أن تبقى على ما هي عليه، لا في تلاوتها ولا في كتابتها. انظر: عندنا في الترتيب ترتيب في التلاوة وترتيب في الكتابة، فلا يجوز إخلاف هذا الترتيب لا في التلاوة ولا في الكتابة، لا يجوز، بل يجب أن يبقى على ما هو عليه، يعني على ما هو عليه مما كان في عهد النبي عليه الصلاة والسلام وأجمع عليه الصحابة. ثم قال رحمه الله: وروى الإمام أحمد وأبو داود والنسائي والترمذي من حديث عثمان رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كان ينزل عليه السور ذوات العدد، فكان إذا نزل عليه الشيء دعا بعض من كان يكتب عنده، فيقول: «ضع هذه الآيات في السورة التي يذكر فيها كذا وكذا». وهذا الحديث له سبب كذلك، فقد جاء في الترمذي بإسناد ضعيف، ضعفه الشيخ العلامة الألباني رحمه الله، وظنه طرقا ولعله لأجله حسنه رحمه الله تعالى في المشكاة. فقد ضعفه في ضعيف الترمذي، وحسنه أو صححه في المشكاة. وذلك أن ابن عباس قال لعثمان: قلت لعثمان: ما حملكم على أن عمدتم إلى الأنفال وهي من المثاني وإلى التوبة وهي من المئين فقرنتم بينهما ولم تكتبوا بينهما سطر «بسم الله الرحمن الرحيم»، ووضعتموها في السبع الطوال؟ ما حملكم على ذلك؟ فأجاب عثمان رضي الله عنه بما أجاب، أنه كان ينزل عليه السور ذوات العدد، فكان إذا نزل عليه شيء -أي على النبي عليه الصلاة والسلام- دعا بعض من كان يكتبه، فيقول: «ضعوا هذه الآيات في السورة التي يذكر فيها كذا وكذا». وفي هذا فائدتان: الفائدة الأولى أن ترتيب الآيات توقيفي على حسب ما كان يأمر به النبي عليه الصلاة والسلام. والفائدة الثانية، وهي التي تليه: الفائدة الأولى أن ترتيب السور كذلك كان توقيفيا. فإن ابن عباس تعجب: كيف توقع سورة الأنفال وهي سورة قصيرة ليست من الطوال في وسط السور الطوال؟ وكان يقتضي الترتيب أن تخرج سورة الأنفال مع السور التي هي مثلها بالطول، ولا تكون مع السور ذوات المئين كما سمعتم في السؤال. ولماذا قرنتا من دون فصل ب«بسم الله الرحمن الرحيم»؟ فأخبر عثمان رضي الله عنه بما سمعتم من أن هذا الأمر توقيفي. وبه ننتقل إلى القسم الثالث. قال رحمه الله: النوع الثالث ترتيب السور بحيث تكون كل سورة في موضعها من المصحف، وهذا ثابت بالاجتهاد، فلا يكون واجبا. وفي صحيح مسلم عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه أنه صلى مع النبي صلى الله عليه وسلم ذات ليلة، فقرأ النبي صلى الله عليه وسلم البقرة ثم النساء ثم آل عمران. وروى البخاري تعليقا عن الأحنف أنه قرأ في الأولى بالكهف، وفي الثانية بيوسف أو يونس، وذكر أنه صلى مع عمر بن الخطاب الصبح بهما. قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: تجوز قراءة هذه قبل هذه، وكذا بالكتابة. ولهذا تنوعت مصاحف الصحابة رضي الله عنهم في كتابتها. لكن لما اتفقوا على المصحف في زمن عثمان رضي الله عنه، صار هذا -لما سنه الخلفاء الراشدون- يعني على هذا الترتيب صار التوقيف. وقد دل الحديث على أن لهم سنة يجب اتباعها. قال شيخنا رحمه الله في هذا النوع الثالث في ترتيب السور: بأن ترتيب السور هذا مبني على الاجتهاد، وأن الصحابة اجتهدوا في ترتيبها على هذا النسق الذي هو موجود اليوم، فلا يكون ترتيبه ترتيب السور واجبا. وهذا الذي ذكره رحمه الله تعالى فيه نظر. ولهذا علق في شرحه رحمه الله تعالى -علق شيخنا رحمه الله في الشرح بالتراجع بعض الشيء عن هذا القول- وهو أن أكثر القرآن ترتيب السور فيه توقيفي. بل الصحيح -كما سمعنا قبل قليل في حديث عثمان- على قول من يصححه، مع ما سيأتي يدل على أن ترتيب السور توقيفي. ترتيب السور توقيفي. وأما حديث حذيفة بن اليمان الذي في الصحيح، وأشار إليه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ بالبقرة ثم النساء ثم آل عمران، فهذا يدل على جواز عدم الترتيب، ولا يعني ذلك أنه لم ينزل هكذا مرتبا. وفرق بين المسألتين. فمسألة كونه نزل مرتبا، هذا تدل الأدلة بعمومها وخصوصها على أنه توقيفي. يعني لا نقول: ترتيب القرآن ليس مرتبا، يجوز أن يكون ترتيب البقرة أو آل عمران أيهما كان قبل الآخر، ولم يكن له ترتيب، هذا خطأ. بل الصواب: هذا الترتيب الذي سار عليه الصحابة رضي الله تعالى عنهم توقيفي. هذا الترتيب توقيفي. لكن لما كان عدم الترتيب في السور في كتابتها وفي قراءتها لا يضر، أجاز ذلك النبي عليه الصلاة والسلام من فعله. ومن كذلك فعل الصحابة وإقرارهم على ذلك. أما من فعله، فمن قراءة النبي عليه الصلاة والسلام كما في حديث حذيفة: بالبقرة ثم النساء ثم آل عمران. وهذا الحديث يدل على ثلاث مسائل: المسألة الأولى: أنه قد استقر عند الصحابة أن ترتيب القرآن كان البقرة ثم آل عمران ثم النساء، استقر هذا عندهم، وكان هذا من العلم المثبت الذي هو أصل وليس هذا. لما خالف النبي عليه الصلاة والسلام في هذه القراءة وفي هذه الصلاة، فقدم النساء على آل عمران، كان هذا موضع تعجب من حذيفة رضي الله عنه، وممن بلغه هذا الحديث. وهذا أفاد ثانيا: جواز تقديم أو تأخير بعض السور على خلاف الترتيب. جواز تقديم أو تأخير بعض السور على خلاف الترتيب. ولا يدل ذلك على أن القرآن لم يأت على هذا الترتيب. بل الصحيح أنه أتى على هذا الترتيب، ولكن يجوز؛ لأمن الضرر والفتنة في ذلك، يجوز أن تقدم السورة أو تؤخر كما فعل النبي عليه الصلاة والسلام. ولأجل هذا كذلك كتب بعض الصحابة في مصاحفهم بعض السور متقدمة أو متأخرة، لكنهم أجمعوا على أن ترتيب القرآن على هذا الترتيب الذي هو عندنا اليوم. وهذا هو الذي قاله شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: أنه من سنة الخلفاء الراشدين. يعني أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «عليكم بسنة وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي». وأفاد حديث حذيفة رضي الله عنه كذلك ثالثا: أفاد أن هذا الترتيب في القراءة طيب. فإذا قيل: يعني يجوز إخلافه في القراءة. فإذا قيل: كيف في مسألة الكتابة؟ الجواب في مسألة الكتابة هو ما ثبت من مصاحف بعض الصحابة التي كتبوها، فإنه وقع الإقرار فيما بينهم بهذا، فيدل ذلك على هذا الأمر. لكن لا يفيد هذا ولا ذاك. يعني لا يفيد كونه ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام قدم النساء على آل عمران، أو ثبت عن بعض الصحابة أنه كان عنده تقديم أو تأخير في بعض السور، لا يدل على أن القرآن لم ينزل مرتبا. بل الصحيح أنه توقيفي كما سبق في حديث عثمان: ترتيب السور توقيفي. ولكن يجوز أن تقدم أو تؤخر السورة؛ لأن ذلك لا يضر؛ لأن ذلك لا يضر. فإذن عندنا الآن مسألتان في هذا النوع الثالث: المسألة الأولى: ترتيب السور، الصحيح أنه توقيفي على هذا الذي هو عليه المصحف، وهو الذي فعله عثمان، أجمع عليه الصحابة كما سيأتي معنا إن شاء الله. والأمر الثاني: أنه مع كونه على هذا الترتيب لا يمنع أن يقدم أو يؤخر بعض السور في القراءة أو في الكتابة. وأما في المصحف فيبقى المصحف على هذا الترتيب، لا يجوز تقديم ولا تأخير، بل يبقى على هذا التوقيف وسنة الخلفاء الراشدين، سنة متابعة لسنة النبي عليه الصلاة والسلام. والله تعالى أعلم.