الدرس في شرح العقيدة الواسطية للهراس 104، الدرس الرابع بعد المائة:من( وأصناف ما تضمنته الدار الآخرة من الحساب والثواب ... الذي لا ينطق عن الهوى صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يتحدث عن أقسام شرع من قبلنا وهل هو شرع لنا، حيث قسم العلماء ذلك إلى أقسام، فمنه ما جاء نسخه في شرعنا، ومنه ما دل شرعنا على أنه مقر. يشرح تفاصيل هذه الأقسام مع الأمثلة من القرآن الكريم.
يناقش الأحكام الشرعية المنقولة عن الشرائع السابقة والآثار المأثورة عن الأنبياء، ويبين شروط الأخذ بها ومدى مطابقتها لشرعنا الإسلامي. يوضح أن بعضها قد يكون منسوخا أو غير صحيح.
يشير إلى أن العلم الموروث عن النبي يكفي ويشفي لمعرفة تفاصيل الآخرة والحساب والجزاء، وأن أصل الجزاء على الأعمال ثابت بالعقل والسمع، بينما تفاصيل الجزاء ومقاديرها لا تدرك إلا بالسمع.
يؤكد أن العلم المتعلق بالأجزية ومقاديرها لا يُدرك إلا بالسمع والنقول الصحيحة عن النبي، ويعلق على أخذ العلم من أهل الكتاب بالتقييد بما يوافق شرعنا. يشدد على أن هذا الباب توقيفي ويحتاج إلى النقل الصحيح.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، قال شيخ الإسلام ابن قيمية رحمه الله تعالى: «وأصناه ما تضمنته الدار الآخرة من الحساب والثواب والعقاب والجنة والنار، وتفاصيل ذلك مذكورة في الكتب المنزلة من السماء، والآثار من العلم المأثور عن الأنبياء، وفي العلم الموروث عن محمد صلى الله عليه وسلم من ذلك ما يشفي ويكفي، فمن ابتغاه وجده». أورد رحمه الله تعالى هذا الفصل في الكلام على ما يلحق من أخبار اليوم الآخر، وما يؤمن به أهل الإسلام، بل وأهل الملل الأخرى من أهل الديانات السماوية. ويشير بهذه الجمل إلى بعض ذلك. فقوله رحمه الله «أصناه ما تضمنته الدار الآخرة من الحساب والثواب والعقاب والجنة والنار» يعني: أن كل ما لم يسع المقام لذكره مما ذكر من أخبار اليوم الآخر، والحساب والثواب والعقاب والجنة والنار، فكذلك يؤمن به أهل السنة والجماعة. ثم قال: «وتفاصيل ذلك مذكورة في الكتب المنزلة من السماء» يعني: ما علم منها مما أيده القرآن، كالتوراة والإنجيل والزبور، مما هو في أيدي الناس. وأيد بعض ذاك المعنى القرآن، فهو مما يؤمن به أهل الإسلام. وهنا تأتي مسألة: شرع من قبلنا، هل هو شرع لنا أم ليس بشرع لنا؟ والعلماء قسموا ذلك إلى أقسام. فقسم من شرع من قبلنا جاء نسخه وبيان بطلانه في شرعنا، فهذا لا شك أنه ليس من شرعنا. وقسم آخر دل شرعنا أنه مقر، وأنه من شرع الله، فهو من شرعنا. وقسم ثالث، وهذا هو المقصود، والذي وقع فيه الخلاف: جاء على وجه، جاء في شرع من قبلنا، ولم يذكر في شرعنا ما يدل على نسخه أو تخطئته، ولا ما يدل على تأييده، فهذا الذي لا نصدقهم ولا نكذبهم فيه؛ لأننا لا ندري هل هو من المغير المبدل أو ليس من المغير والمبدل. وبعضهم ذكر تفاصيل أكثر من ذلك، فقالوا: مثلا من شرع من قبلنا حكم نقل إلينا، ودل شرعنا أنه منسوخ، مثل قول الله عز وجل: «قل لا أجد فيما أوحي إلي محرما على طاعم يطعم إلا أن يكون ميتة» إلى آخره. وهكذا كقوله: «وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر ومن البقر والغنم حرمنا عليهم شحومهما إلا ما حملت ظهورهما أو الحوايا أو ما اختلط ببعض» فهذا دل شرعنا صريحا أنه ليس بشرع لنا، بل كان شرع لمن كان قبلنا، ونسخ بالنسبة لنا، فهذا ليس من شرعنا بدليل ما دل من شرعنا على نسخه. وحكم آخر نقل إلينا، دل الشرع على الأمر به لنا، أنه كان شرع لمن كان قبلنا، وكذلك نحن أمرنا به، مثل قول الله عز وجل: «يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون». فهذا الشيء مما شرع لمن كان قبلنا، وهو كذلك شرع لنا، وإن كان في تفاصيل هذه العبادة ما فيه بعض الخلاف -يعني في الأحكام- عن شرع من كان قبلنا، لكن أصل العبادة واحد. وهكذا ثالث حكم نقل في كتب أصحاب الشرائع، فهذا لا يجوز العمل به كما نقل العلماء باتفاق، وليس هو بشرع لنا؛ لأننا لا نعلم صحته من عدم صحته، وتبديله من عدم تبديله. والرابع: حكم جاء في الكتاب أو السنة، ولم يأت دليل أنه منسوخ أو مشروع في حقنا، وهذا اختلف فيه على قولين مشهورين للعلماء. وذهب أكثر أهل العلم أنه ما ذكر على وجه الإقرار فهو من شرعنا، ما ذكر على وجه الإقرار فهو من شرعنا، مثل: «وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس والعين بالعين والأنف بالأنف والأذن بالأذن» إلى آخره، فإنه ذكر في شرعنا على وجه الإقرار، وإن كان لم يذكر معه ما يدل صريحا أنه منسوخ أو مشروع في حقنا، لكن عمومات وأدلة أخرى تدل على أنه من شرعنا، وأشياء أخرى ربما يستأنس بها، فتكون من شرعنا، أو يوجد قرينة فتخرج فتكون ليست من شرعنا. فالمهم ليس كل ما جاء مما في أيدي أهل الكتاب فهو شرع لنا، بل ينبغي أن يفصل فيه كما ذكر العلماء ذلك. وقوله رحمه الله تعالى: «وتفاصيل ذلك مذكورة في الكتب المنزلة» كما سبق، يشير رحمه الله إلى التوراة والإنجيل والزبور، وما كان بمعناه مما في أيدي أهل الكتاب، ولكن كما قلنا: ما كان على وجه يقره شرعنا، وأما ما كان على وجه لا يقره شرعنا، فإنه ليس من شرعنا، ولا يجوز أن نثبته في دين الله عز وجل؛ لأننا لا نعلم ربما هو من المغير والمبدل. وقوله رحمه الله: «والآثار من العلم المأثور عن الأنبياء» هذا العلم المأثور عن الأنبياء كذلك يقال فيه كما قيل في شرع من قبلنا؛ لأن هذا المنقول عن الأنبياء منه ما هو صحيح، ومنه ما هو ليس بصحيح، بل مكذوب ومفترأ، أو صحيح لكنه منسوخ. وكما قال أهل العلم: إنه ليس أحد من الأنبياء صح عنه شيء مسند إلا نبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، إلا أشياء نقلت عن بعض أهل الكتاب. كما ذكر شيخ الإسلام رحمه الله في مواضع من كتبه بعض ذلك مما صح به إسناد، وإلا فالأصل أنه لم يصح إسناد في شيء من العلم المنقول عن الأنبياء إلا ما جاء من طريق شرعنا، يعني مما أقر شرعنا أنه صح عن الأنبياء، كأكثر الأخبار المنقولة عن موسى وعيسى وإبراهيم عليهم الصلاة والسلام، فينقله أهل الكتاب أخبارا وقصصا ووقائع، لكن نحن لا نستطيع أن نصدقهم في ذلك أو نكذبهم إلا لما جاء في شرعنا ما يثبت ذلك ويقره، فعند ذلك تابعنا ما نقل عن أهل الكتاب فيما وافق ما جاء في شرعنا. فعلى هذا يحمل ما ذكره رحمه الله: «والآثار من العلم المأثور عن الأنبياء». ثم قال: «وفي العلم الموروث عن محمد صلى الله عليه وسلم من ذلك ما يشفي ويكفي، فمن ابتغاه وجده» يعني: أن المنقول عن النبي عليه الصلاة والسلام فيما يتعلق بأخبار اليوم الآخر، والحساب والثواب والعقاب والجنة والنار، وتفاصيل ذلك يكفي ويشفي، فمن ابتغاه وجده، يعني فيما جاء عن النبي عليه الصلاة والسلام. فلماذا إذن ذكر ما سبق؟ ذكر ما سبق لأن بعض أهل العلم ذكره في كتبهم، وليس كل ما ذكره أهل العلم في كتبهم فهو باطل؛ لأن بعضه مما نقل عن أهل الكتاب وأقره شرعنا، أو جاء تأييده في شرعنا، فهو مما نقره كذلك. قال الشارح رحمه الله تعالى: «وأما قوله: وأصناه ما تضمنته الدار الآخرة من الحساب إلى آخره. قال: فاعلم أن أصل الجزاء على الأعمال خيرها وشرها ثابت بالعقل، كما هو ثابت بالسمع. وقد نبه الله العقول إلى ذلك في مواضع كثيرة من كتابه، مثل قوله تعالى: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ﴾ يعني خطابا للعقول: أن خلق الخليقة لابد أن يكون لحكمة، وأن من هذه الحكمة إثابة المحسن ومعاقبة المسيء. قال: وقوله: ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنسَانُ أَن يُتْرَكَ سُدًى﴾ يعني بعد إذ عمل ما عمل في الدنيا، قال: فإنه لا يليق في حكمة الحكيم أن يترك الناس سدى مهملين، لا يؤمرون ولا ينهون، ولا يثابون ولا يعاقبون، كما لا يليق بعدله وحكمته أن يسوي بين المؤمن والكافر، والبر والفاجر، كما قال تعالى: ﴿أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ﴾ والجواب: أنه لا شك لن يكون أهل الإيمان والصلاح كالمفسدين، ولن يكون أهل التقى كأهل الفجور أبدا. قال: فإن العقول الصحيحة تأبى ذلك وتنكره أشد الإنكار. وكذلك نبههم الله على ذلك بما أوقعه من أيامه في الدنيا من إكرام الطائعين وخذلان الطاغين، فوقوع نظائر ذلك في الدنيا من إكرام المحسنين ومعاقبة المسيئين، دليل على أن أشياء أعظم تنتظر الناس في اليوم الآخر، مما هو مصداق عدل الرب جل وعلا وحكمته سبحانه وتعالى في خلقه. قال: وأما تفاصيل الأجزية ومقاديرها، فلا يدرك إلا بالسمع والنقول الصحيحة عن المعصوم -يعني النبي عليه الصلاة والسلام- ولهذا قال بعضهم: لو أنه قال: «وفي العلم الموروث عن محمد» أو «عن محمد صلى الله عليه وسلم فيما صح» أو يقول: «وفيما صح من العلم الموروث عن محمد صلى الله عليه وسلم»؛ لأن ليس كل ما ينقل عن النبي عليه الصلاة والسلام فهو مما يثبت به حكم، بل الصحيح، وهذا القيد قد يحتاج إليه إذا كان قد يقع وهم، وإلا فالظاهر أن سياق الكلام المؤلف رحمه الله إنما هو فيما صح. وفي العلم الموروث عن محمد -يعني ما صح عنه- قال رحمه الله: «أما تفاصيل الأجزية ومقاديرها فلا يدرك إلا بالسمع والنقول الصحيحة عن المعصوم الذي لا ينطق عن الهوى صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله» والمعنى: أن هذا الباب توقيفي، فيكون في هذا تعليق مجمل من الشارح رحمه الله على ما ذكره المؤلف رحمه الله تعالى مما أشار إليه من العلم الذي قد يؤخذ عن بعض أهل الكتاب، وهو مقيد بما وافق شرعنا. والله تعالى أعلم.