الدرس في شرح تسهيل الفرائض 5، تابع الإرث - أركانه - شروطه - أسبابه - موانعه - أقسامه . فروع تتعلق بأسباب الإرث . ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يتناول هذا الفصل أسباب الإرث الثلاثة في الإسلام وهي النكاح والنسب والولاء، ويشرح معانيها وتأثيرها في توريث الأفراد مستنداً إلى القرآن والسنة.
يناقش هذا الفصل أحكام التوارث بين الزوجين في مختلف حالات الطلاق والفسخ، مع التركيز على تأثير العدة والارتداد وزواج الزوجة على الإرث.
يتناول هذا الفصل أقسام القرابة الثلاثة ويشرح شروط ورثة الأصول من الذكور والإناث، مع تقديم أمثلة وقواعد لتحديد الوارثين.
يناقش هذا الفصل أحكام توريث الجدات واختلاف أهل العلم حول شروط إرثهن، مع استعراض آراء المذاهب الفقهية المختلفة واستدلالات الشيخ العثيمين.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. قال شيخنا محمد بن صالح العثيمين رحمه الله تعالى في كتابه «تسهيل الفرائض»: قال: «وأسباب الإرث ثلاث: نكاح ونسب وولاء». قوله: «أسباب الإرث ثلاثة»: السبب لغة ما يتوصل به إلى الشيء أو إلى غيره، حسا كان أو معنا، ومنه قول الله جل وعلا: ﴿فليمدد بسبب إلى السماء﴾ أي: فليتخذ ما يوصله. وفي اصطلاح أهل العلم، قيل: إنه ما يلزم من وجوده الوجود ومن عدمه العدم لذاته. وهذا التعريف اشتهر بكتب الأصول، وهكذا في الفقه، وهو من تعريف المناطقة. وأحسن منه قول: «الوصف الظاهر المنضبط الذي دل الشرع على كونه معرفا لحكم شرعي». وهذا التعريف أحسن من الذي قبله؛ أولا لظهور ألفاظه، وعدم الدور، وثانيا لموافقته للمعنى الذي دل عليه اللفظ والإصطلاح. فمعنى «الوصف الظاهر المنضبط»: أي أن هذا: وصف وظاهر يعني واضح، ومنضبط؛ لأنه بوجوده يتم الحكم، وبعدمه لا يتم الحكم الذي دل الشرع. وبعضهم يقول: «دل دليل السمع». والشرع أحسن من قولهم «دليل السمع»؛ لأن هذا الباب توقيفي لا يعلم إلا بالشرع، والشرع أفضل من السمع؛ لأن التعبير بالسمع والعقل من عبارات المتكلمين. على كونه معرفا لحكم شرعي؛ يعني أنه يثبت هذا الحكم الشرعي. فبوجود هذه الأسباب المذكورة أو أحدها يثبت الإرث، وهو المقصود. وقوله رحمه الله: «ثلاث»: هذا هو المشهور في قول جمهور أهل العلم، وسيأتي أن بعضهم زاد أكثر من هذه الثلاث، وسيشير إلى ذلك إن شاء الله في آخر هذا المبحث. قال رحمه الله تعالى: «فالنكاح: عقد الزوجية الصحيح». هذا معنى النكاح في اصطلاح أهل العلم. وأما معناه في اللغة فهو مأخوذ من الضم. وقوله: «الصحيح»: أخرج غير الصحيح فاسدا كان أو باطلا؛ فإنه لا يدخل في هذا المعنى. قال رحمه الله تعالى: «فيرث به الزوج من زوجته والزوجة من زوجها بمجرد العقد، وإن لم يحصل وطء ولا خلوة؛ لعموم قوله تعالى: ﴿ولكم نصف ما ترك أزواجكم﴾ وقوله: ﴿ولهن الربع مما تركتم﴾». والمرأة تكون زوجة بمجرد العقد، ولا تكون زوجة إلا بعقد صحيح. ورواه الخمسة من حديث علقمة عن عبد الله بن مسعود: «أنه قضى في امرأة توفي عنها زوجها ولم يكن دخل بها: أن لها الميراث». فشهد معقل بن سنان الأشجعي: «أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى في بروع بنت واشق بمثل ما قضى به». وصححه الترمذي، والحديث صححه غير واحد. فقوله رحمه الله: «أن النكاح هو السبب الأول أو أحد أسباب الإرث، وهو عقد الزوجية الصحيح». ثم بيّن رحمه الله أنه يثبت به التوارث، ولو لم يحصل وطء ولا خلوة. أما الوطء، فالمراد به واضح. والخلوة: أي أن يخلو بالمرأة بإرخاء الستر. وقد قضى الخلفاء الأربعة: «أن الخلوة تلحق بمعنى الدخول». والحاصل أن الشيخ رحمه الله أراد أن يؤكد هذه المسألة من كون الإرث يقع ولو لم يكن دخول؛ سواء دخولا حقيقيا بوطء أو حكميا بخلوة؛ فالأول للحقيقي والثاني للحكمي. فلو لم يكن دخول، مجرد العقد يكفي في حصول التوارث. واستدل رحمه الله على ذلك بدليل القرآن والسنة. أما دليل القرآن، فعموما لهم؛ فالله عز وجل قال: ﴿ولكم نصف ما ترك أزواجكم﴾. والمعقود بها تسمى زوجة، ولو لم يدخل بها؛ فدل أنها ترث بعموم نص القرآن. وهكذا أكد ذلك ما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم في قصة بروع بنت واشق المشار إليه. وهذا يؤيد أولا عموم العمل بعموم النصوص الشرعية، وثانيا كذلك فقه الصحابة رضي الله تعالى عنهم في فهم هذه النصوص؛ فابن مسعود أفتى بهذه الفتوى، ولم يعلم بحديث النبي عليه الصلاة والسلام؛ فأيّد بهذا الحديث. فمكتمل فتوى الصحابة من عموم النص وظاهر اللغة. وكذلك أويد بالسنة، وفيه ما تقدم، وسبقت الإشارة إليه: من أن هذا الباب منضبط، وله قواعده من أدلة الكتاب والسنة وفتاوى الصحابة والقياس الصحيح. والشرع لا يجمع بين مفترق، ولا يفرق بين مجتمع. قال رحمه الله تعالى: «والنسب هو الرحم». يعني: معناه في اللغة الرحم، من معاني النسب الرحم، ويطلق ويراد به القرابة. فتقول: «بيني وبينه نسب» أي: رحم، أو تريد به قرابة ونسبا وصهرا؛ أي: رحما وصهرا، أو قرابة ومصاهرة. ثم قال: «وهو الاتصال بين إنسانين بولادة قريبة أو بعيدة؛ لقوله تعالى: ﴿وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله﴾». هذا هو معنى النسب في اصطلاح أهل العلم: الاتصال بين إنسانين بولادة قريبة أو بعيدة. فالقريبة مثلا: الابن، والبعيدة مثلا: ابن ابن الابن؛ فهذا قريب بينك وبينه علاقة قريبة، وذاك بينك وبينه علاقة ورحم؛ فبينك وبينه ولادة، لكن هذه الولادة بعيدة. وكلهم من أنسابك، وبينك وبينهم رحم. ثم قال رحمه الله: «لقوله تعالى: ﴿وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله﴾». والآية عامة تشمل الولادة القريبة والبعيدة، وهذا هو الشاهد. وهذا النوع من أسباب الإرث هو أقوى هذه الأسباب الثلاثة؛ ولهذا بعضهم يقدمه، فيجعله أول هذه الأسباب؛ لأنه أقوى هذه الأسباب، كما سيأتي معنا إن شاء الله. قال رحمه الله تعالى: «والولاء: ولاء العتاقة، وهي العصوبة التي تثبت للمعتق وعصبته المتعصبين بأنفسهم؛ سواء أكان العتق تبرعا أو عن واجب؛ من نذر أو زكاة أو كفارة؛ لعموم قول النبي صلى الله عليه وسلم: «الولاء لمن أعتق» متفق عليه». قوله: «هو الولاء»: أي: السبب الثالث مما ذكره مجملا، ثم ذكرها هنا هذه الأسباب مفصلا. وقد مر معنا أن من أساليب التعليم ذكر الشيء مجملا، ثم ذكره مفصلا. «الثالث: الولاء»: أي: من أسباب الإرث. ثم قال: «ولاء العتاقة»؛ لأن معاني الولاء كثيرة؛ تأتي بمعنى النصرة، وتأتي بمعنى القرابة، وتأتي بمعنى الحلف، وغير ذلك من المعاني. لكن المقصود ها هنا ولاء العتاقة خاصة. ودليله ما أشار إليه في حديث عائشة في الصحيحين: «إنما الولاء لمن أعتق» في قصة بريرة رضي الله تعالى عنهم جميعا أرضاهم. ويؤيده كذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث ابن عمر الذي رواه الحاكم ابن حبان، وهو حديث يصلح للتحسين بمجموع شواهده وطرقه: قال عليه الصلاة والسلام: «الولاء لحمة كلحمة النسب». فقول النبي صلى الله عليه وسلم: «الولاء لحمة كلحمة النسب»: جعل الولاء حكمه كحكم النسب. قال العلماء: كما تسبب الأب في وجود ابنه بعد عدمه، فكذلك المعتق كان متسببا في حرية من أعتقه بعد أن لم يكن معتقا؛ فكما أن للأب فضلا فكان له إرث، فللمعتق فضل فهو كذلك له إرث. وبهذا المعنى كان الولاء لحمة كلحمة النسب. وبه استدل على ما أشار إليه بقوله رحمه الله: «وهي العصوبة التي تثبت للمعتق وعصبته المتعصبين بأنفسهم». يعني: تثبت للمعتق الإرث بنفسه، وبعصبته المتعصبين بأنفسهم. وسيأتي تفصيل ذلك إن شاء الله. والتعصيب سبقت إشارة خفيفة في أوائل هذا الكتاب: أنه أنواع. ومن هذه الأنواع: العصب بالنفس؛ كالابن والأب والجد مع عدم وجود الأب؛ فهؤلاء يعصبون بأنفسهم. وهناك عصبة بالغير، وعصبة مع الغير. لكن القول المشهور، وهو قول أكثر أهل العلم: أن الذي يرث بعد المعتق عصبته المتعصبين بأنفسهم. وسيأتي الكلام إن شاء الله على هذه المسألة قريبا. وقوله: «سواء أكان العتق تبرعا أو عن واجب»: يعني لا فرق أن يكون هذا المعتق أعتق هذا المعتق بتبرع، وهذا لا إشكال فيه، أو عن واجب، وهذا قد يشكل على بعض الناس؛ فيظنون أنه كونه عن واجب لا يستحق به معنى اللحمة والولاء. والأمر ليس كذلك، خصوصا وأن سبب حديث بريرة ظاهره التبرع؛ فبعضهم ربما يقول: قول النبي عليه الصلاة والسلام: «إنما الولاء لمن أعتق» في التبرع دون الواجب. وليس هذا بالصحيح؛ بل الصحيح أن هذه الأحاديث الواردة عامة تشمل التبرع وتشمل الواجب. وإذا قلنا: «يشمل الواجب»، فهذا عام يشمل النذر والزكاة والكفارة. وحديث «الولاء لحمة كلحمة النسب» يؤكد ويؤيد هذا. ونلاحظ أن هذه الأسباب الثلاثة، الواحد منها يكفي في إثبات الإرث؛ فالزوج سيرث بماذا؟ بكونه زوجا، والابن سيرث بكونه ابنا، والمعتق سيرث بكونه معتق معتقا. ولا مانع أن يجتمع الثلاثة في واحد، أو أن يجتمع وصفان في واحد. وقد ذكر العلماء مثالا لذلك؛ فقالوا: «إذا وجد الزوج هو ابن عم وهو معتق؛ فهو سيرث من ثلاث جهات: من كونه زوج، وكونه ابن عم، وكونه في نفس الوقت هو المعتق». ولا مانع من ذلك. قال رحمه الله تعالى: «فروع تتعلق بأسباب الإرث». قال: «الفرع الأول: يمتد التوارث بين الزوجين إلى أن تحصل البينونة بينهما بطلاق أو فسخ؛ فإذا حصلت البينونة انقطع التوارث بينهما». وعلى هذا: فيثبت التوارث بين الزوجين في الطلاق الرجعي ما دامت في العدة؛ لأن الرجعية لا تبين إلا بانقضاء عدتها. وأما الفسخ والطلاق البائن: فينقطع التوارث فيهما بين الزوجين بمجرد الفرقة؛ إلا أن تقع من أحدهما في حال يتهم فيها بقصد حرمان الآخر من الإرث؛ فإن المتهم يورث ولا يرث، معاقبة له بنقيض قصده السيء. ومثلوا لذلك بأمثلة منها أولا: قوله «الفرع الأول»: يعني من المسائل المتعلقة بأسباب الإرث، يقول: «يمتد التوارث بين الزوجين إلى أن تحصل البينونة بينهما». وهذه البينونة فسرها وبينها: أنها إما أن يكون بفسخ، أو أن الطلاق يكون بائنا؛ سواء بينونة كبرى أو صغرى، انتهت فيها العدة؛ لأنها في هذه الحال ليست زوجة. والحكم إنما أثبت للزوجة؛ لأن الله عز وجل قال: ﴿ولكم نصف ما ترك أزواجكم﴾ وقال: ﴿ولهن الربع مما تركتم﴾ فما دام عقد الزوجية موجودا يحصل التوارث، وإذا انقطع عقد الزوجية فلا يحصل التوارث. والحكم يدور مع علته وجودا وعدما. وكذلك هو في السبب: إذا وجد وجد الحكم، وإذا انعدم انعدم الحكم. فقوله: «يمتد التوارث بين الزوجين إلى أن تحصل البينونة بينهما بطلاق أو فسخ»: الطلاق إذا كان طلاقا رجعيا فهي في العدة فهي لا تزال زوجة، وإذا انتهت العدة وحصلت البينونة فهي ليست بزوجة. ولهذا قال: «فإذا حصلت البينونة انقطع التوارث بينهما». فقوله: «البينونة» يشمل الصغرى والكبرى. وأما الفسخ؛ لأن الفسخ فراق لا تثبت به معنى الزوجية، لا يثبت به معنى الزوجية، وهو غالبا يكون في معاني لا يكون فيها الطلاق؛ مثل نكاح الشبه الذي يقع بين المتراضعين فيفسخ بينهما فسخا، أو نحو ذلك من المسائل التي نص عليها العلماء فيما يكون فيها فسخ. فهنا كما قال: «يثبت التوارث بين الزوجين في الطلاق الرجعي ما دامت في العدة»: يعني إذا كان هناك طلاق رجعي فكذلك يثبت التوارث؛ لأنها ما دامت في العدة هي زوجة. ولهذا فالمرأة تبقى في بيت زوجها ما دامت في عدتها، والطلاق رجعي؛ خلافا لما عليه العامة؛ فإنهم يفعلون شيئا يخالف السنة تماما. ولهذا أكد فقال: «لأن الرجعية لا تبين إلا بانقضاء عدتها». وأما قوله: «وأما الفسخ والطلاق البائن فينقطع التوارث فيهما بين الزوجين بمجرد الفرقة»: لماذا؟ لأنها ليست زوجة. وأما قوله: «إلا أن تقع من أحدهما في حال يتهم فيها بقصد حرمان الآخر من الإرث؛ فإن المتهم يورث ولا يرث، معاقبة له بنقيض قصده السيء»: أما يورث هذا هو الأصل، وأما لا يرث معاقبة له بنقيض قصده؛ للقاعدة في هذا الباب التي دلت عليها نصوص كثيرة: من استعجل شيئا قبل أوانه عوقب بحرمانه. ودليل هذه القاعدة هو في هذا الباب باب المواريث؛ فقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم عدم توريث القاتل. وسيأتي معنا إن شاء الله. واستدل العلماء بهذا على هذه القاعدة، وقاسوا عليها غيرها. وقالوا: «الشرع لا يجمع بين مفترق، ولا يفرق بين مجتمع». فإذا كان القاتل وهو وارث لا يعطى من الإرث لأجل قتله. بل نص العلماء: أن قاتل بعضها للعلم يقول: عام يشمل القتل العمد والقتل الخطأ؛ حتى لا يتجرأ أحد على القتل فيظهر القتل العمد بصورة الخطأ؛ فيكون ذلك ذريعة للوصول إلى الإرث. فسدا لهذا الباب لا يرث القاتل. هكذا قال من قال من أهل العلم استدلالا بالحديث، فقاس عليه العلماء ما كان بمعنى. ومنه هذه المسألة التي أشار إليها الشيخ رحمه الله. وسيضرب لها بأمثلة. ثم قال: «ومثلوا لذلك بأمثلة منها أولا»: أن يطلق زوجته في مرض موته المخوف، متهما بقصد حرمانها؛ فلا يرثها لو ماتت؛ لأن البينونة منه؛ يعني كانت عن عمد. وأما هي فترثه ما دامت في العدة. وأما بعد انقضائها فلا ترثه في قول أبي حنيفة وأصحابه. وقديم قول الشافعي. وعن أحمد ما يدل عليه. لكن المشهور عنه: أنها ترثه ما لم تتزوج؛ لماذا؟ لأنها لو تزوجت تنازلت عن حقها. الآن من قال: «أنها ترث؛ لأنها اعتدى على حقها، وعوقب هذا المعتدي بأن من استعجل شيئا قبل أوانه عوقب بحرمانه». ولكن إذا تزوجت يقول رحمه الله: يقول الإمام أحمد: «إنها لا ترث». وهذا منقول عن جماعة من الصحابة والتابعين والأئمة. فذكر ابن حزم في «المحلى» رحمه الله آثارا في هذا الباب عن أبي حنيفة، وحكاه عن ابن أبي ليلى وعطاء وشريك. وذكر أنه قول أحمد وإسحاق وأبي عبيد. والتعليل في هذا: أنها بتزوجها تنازلت عن حقها. بتزوجها تنازلت عن حقها. وقوله: «قال الأصحاب: أو ترتد؛ فإن ارتدت أو تزوجت سقط إرثها؛ سواء عادت إلى الإسلام أم لا، وسواء فارقها الزوج الثاني أم لا»: لأنها كما تقدم فعلت هي نقيض ما كان لها من حق. قال: «وقال مالك: لا يسقط إرثها بالزواج؛ فترث ولو كانت مع الزوج». والله أعلم بالصواب. وقول الإمام مالك رحمه الله يصح إذا تزوجت بغير رضاها؛ لأنها إذا تزوجت بغير رضاها لم تتنازل عن حقها، وإنما أكرهت في ذلك. وبمعناه إذا اضطرت إلى ذلك. قال رحمه الله تعالى: «الثاني: أن تفعل الزوجة في مرض موتها المخوف ما يفسخ نكاحها من زوجها، متهمة بقصد حرمانه». العكس الآن. قال: «مثل أن يعقد عليها لطفل صغير؛ أن يعقد عليها لطفل صغير، فترضعه رضاعا تثبت به الأمومة»: يعني امرأة ممكن أن ترضع زوجت بطفل صغير؛ سواء كان في سن الرضاع أو أكبر من ذلك؛ على من يقول بنفوذ الرضاع فوق السنتين. وهذه المسألة مثال؛ يعني كما يقال: لا يلزم وقوعها، إنما مثال. قال: «فترضعه رضاعا تثبت به الأمومة»: يعني خمس رضاعات مشبعات؛ فإذا أرضعته خمس رضاعات مشبعات صار ابنا لها؛ خصوصا إذا كان في السنتين. يعني امرأة إذا بلغت عمرها تسع سنوات، ويوجد نساء يبلغن تسع سنوات، وتزوجت وتزوجت وطلقت وهي ابن تسع؛ فصار عندها لبن تستطيع أن ترضع الصغير. فعقد لها بطفل صغير، وكل هذا وصف صحيح. فأرضعت هذا الطفل الصغير؛ ينفسخ هذا النكاح؛ لماذا؟ انفسخ النكاح؛ لأنه ثبت حكم الرضاع بهذا الإرضاع. بخلاف رضاع الكبير؛ الصحيح أنه لا يثبت؛ فلو رضع الزوج من زوجته؛ الصحيح من أقوال أهل العلم: أنه لا يثبت به حكم. بمثل هذه المسألة. ولهذا قال الشيخ: «لطفل صغير». فالشاهد: فعل مثل هذا الفعل سبب لفسخ النكاح؛ ينفسخ النكاح عند ذلك. قال: «فيرث منها لو ماتت، ولا ترثه ما دامت فعلت هذا لهذا السبب». وهي قصد الحرمان؛ فكما مر معنا على القاعدة: هي تعاقب بمقتضى القاعدة: من استعجل شيئا قبل أوانه عوقب بحرمانه. وهو لا يعاقب على الأصل؛ يرث؛ فإن وقع ذلك بغير قصد الحرمان؛ فتنضي المسألة على أصلها؛ يعني لا يحصل توارث من الجميع. إنما الكلام الآن إلى وجد معنى التهمة. وذكر العلماء أمثلة أخرى من هذه الأمثلة؛ قالوا: «لو ارتدت؛ لو ارتدت؛ لو ارتدت بقصد الحرمان» كذلك الصحيح. وسيأتي معنا إن شاء الله في الكلام على الموانع: أنه يرث منها؛ ولو ارتدت؛ أنه يرث منها. لو ارتدت امرأة في مرض الموت ارتدت عن الإسلام؛ قد يحصل هذا؛ بعض الناس عنده قلة دين وقلة علم، وربما عند النساء قلة عقل مع كثرة الغيرة؛ إذا تزوج عليها زوجها ربما ما تبالي ترتد. ولا يرث زوجها؛ لأجل يذهب المال له؛ ربما تظن أنه يتزوج ثالثة ورابعة. فالشاهد: ذكر العلماء هذه المسألة؛ فإذا ارتدت في مرض موتها المخوف؛ فإنها لا ترث منه لردتها، وهذا هو الأصل. وزوجها يرث منها؛ ولو ارتدت، وغيرت دينها؛ لأنها فعلت ذلك بقصد الحرمان. وطبعا يعلم ذلك بالقرائن أو بالأدلة الصريحة في ذلك. وذكروا أمثلة أخرى؛ منها: أن تزني بأب الزوج أو بابن الزوج. وهذه المسائل على قول بعض أهل العلم؛ وإلا بعض أهل العلم لا يرى التحريم بمثلها. قال رحمه الله: «والتهمة في هذا المثال من الزوجة». وهذا واضح. قال: «الفرع الثاني: القرابة». قال: «القرابة ثلاثة أصناف: أصول وفروع وحواشي؛ فالأصول من لهم ولادة على الشخص؛ كالأم والأب وإن علوا». والوارث منهم الآن الكلام على الفرع الثاني، وهو ما يتعلق بالقرابة وأقسامها. فذكر أن القرابة ثلاثة أقسام أو ثلاثة أصناف: أصول وفروع وحواشي. وعلمنا فيما تقدم الأصول، وعلمنا الفروع، وعلمنا الحواشي؛ فالأصول من جهة الآباء والأمهات وإن علوا. والفروع الأبناء والبنات وإن نزلوا؛ على تفاصيل ستذكر. والحواشي هم الإخوة والأعمام وأصولهما وفروعهما؛ ذكورا وإناثا. وسيأتي في هذا كذلك تفصيل. قال: «فالأصول من لهم ولادة على الشخص؛ كالأم والأب وإن علوا». وقوله: «على هذا» يفيد أن الولادة من أعلى؛ ولهذا سمى أصولا. وقوله: «كالأم والأب»: يعني من جهة الذكورية وكذا الأنوثة. وقوله: «وإن علوا»: والوارث منهم إلى آخره؛ معناه ما تفرع من الأم، وما تفرع من الأب. ثم تحت هذا منهم من يرث، ومنهم من لا يرث؛ فلضبط هذا الباب قال رحمه الله: أولا: «كل ذكر ليس بينه وبين الميت أنثى؛ كالأب وأبيه وإن علا بمحض الذكور»: يعني هذا وارث؛ لأنه قال: «والوارث منهم». الوارث من الأصول؛ خذ هذه القاعدة: أولا: «كل ذكر ليس بينه وبين الميت أنثى؛ كالأب وأبيه وإن علا بمحض الذكور»: فإن كان بينه وبين الميت أنثى؛ فهو من ذوي الأرحام؛ كأبي الأم ونحوه. الآن الأب والجد وأب الجد وجد الأب وجد الجد إلى ما لا نهاية من الارتفاع في الذكورية؛ كل هؤلاء يرثون. قال: «وإن كان بينه وبين الميت أنثى؛ فهو من ذوي الأرحام»: لأن عندنا قاعدة: أنه لا يرث من أدلى بأنثى. ويستثنى من هذه القاعدة كما تقدم قريبا: أولاد الأم. وقوله: «فهو من ذوي الأرحام»: يعني ليس بوارث. وسيأتي معنا أن ذوي الأرحام فيهم خلاف: هل يرثون أو لا يرثون؟ لكن لو ورثوا؛ فإنهم لا يرثون مع أصحاب النسب. قال: «الثاني»: يعني من الوارثين من الأصول: «كل أنثى ليس بينها وبين الميت ذكر قبله أنثى»: لماذا ذكر قبله أنثى؟ لأن الذكر الذي قبله أنثى لا يرث؛ كما تقدم القاعدة: لا يرث من أدلى بأنثى. لا يرث من أدلى بأنثى. قال: «كالأم وأمها وأم الأب»: هذا محض إناث؛ أم وأمها إلى ما لا نهاية؛ أم أم الأم، أم أم أم الأم؛ ما دام بمحض الإناث فهي ترث. لكن لا ترث مع وجود من هو ماذا أولى منها؟ فإذا وجدت الجدة التي هي أم الأم لا ترث مع وجود الأم؛ فإذا لم توجد الأم ترث أم الأم وهكذا. قال: «وأم الأب»: أنثى ليس بينها وبين الميت ذكر قبله قبله أنثى، أو قل بعبارة أخصر: ليس بينها وبين الميت من لا يرث؛ ليس بينها وبين الميت من لا يرث. فالأب يرث أو لا يرث؟ ها يرث. أم الأب ترث؛ فمن أدلى بوارث ورث؛ من أدلى بوارث يرث؛ إلا من أدلى بأنثى؛ انتبهوا لهذا. من أدلى بأنثى فليس يرث؛ أب الأم ما يرث؛ لأنه أدلى بماذا؟ بأنثى؛ لأنه أدلى بأنثى؛ فأم الأب ترث؛ لماذا؟ لأنه أدلى بوارث. ها هذه عبارة أخصر. وإن شئت فخذ عبارة الشيخ: «كل أنثى ليس بينها وبين الميت ذكر قبله أنثى». وإن شئت قل: «كل أنثى أدلى بوارث». فأم الأم أدلى بأم وهي وارثة. وأم الأب أدلى بأب وهو وارث. وأم الجد أدلى بجد وهو وارث. قال: «وإن علون بمحض الإناث»: يعني لو قلت: «أم أم الأم عشر درجات»؛ ما دام أن كل واحد أدلى بأنثى فهي ترث. وإن شئت فقل بعبارة أخرى: ما دام كل واحدة أدلى بوارثة فهي ماذا؟ فهي ترث؛ على أي العبارتين شئت فعبر. قال: «فإن كان بينها وبين الميت ذكر قبله أنثى؛ فهي من ذوي الأرحام»: لماذا؟ لأن وجود الذكر قبل الأنت هذا ليس وارث؛ هذا ليس وارث. ولهذا إن شئت فقل: «كل أنثى بينها وبين الميت من لا يرث فهي لا ترث». كل أنثى بينها وبين الميت من لا يرث فهي لا ترث. قال: «كأم أبي الأم»: أم أبي الأم؛ أبو الأم يرث؟ الجواب لا. أبو الأم ما يرث؛ لأنه أدلى بمن بأنثى على القاعدة. ومن أدلى بأنثى فلا يرث؛ هذه القاعدة. واستثني من القاعدة كما سبق استثناء بالدليل: وهم أبناء الأم. فأم أبي الأم لا ترث؛ لماذا؟ لأنها أدلى بمن لا يرث؛ أدلى بمن لا يرث. قال: «لأنها مدلية بمن هو من ذوي الأرحام؛ فكانت من ذوي الأرحام». فإذن القاعدة الثانية في الأصول: كل أنثى ترث ليس بينها وبين الميت ذكر قبله أنثى، أو إن شئت فقل: كل أنثى من الأصول ترث بشرط أن لا تدلى بمن لا يرث؛ أن لا تدلى بمن لا يرث. قال: «واختلف أهل العلم في الجد المدلية بذكر وارث فوق الأب؛ كأم الجد وأبيه وإن علت». والصواب أنها وارثة؛ لأنها مدلية بوارث؛ كأم الأب. وهذا مذهب أبي حنيفة والشافعي، واختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله. قال في «المغني»: «وروي عن ابن عباس قال ابن سراقة: وبهذا قال عامة الصحابة إلا شاذا». انتهى. هذه مسألة نبه عليها الشيخ رحمه الله في قضية الجدات الوارثات؛ اختلف أهل العلم في الجدات الوارثات. فعند المالكية: لا يرث من الجدات إلا اثنتان: أم الأم وأم الأب. وعند الحنابلة: لا يرث من الجدات إلا ثلاث: أم الأم وأم الأب وأم الجد. وبهذا رويت أكثر الآثار. وعند الحنفية والشافعية: كل جدة أدلى بإناث خلص أو ذكور خلص أو إناث إلى ذكور مشتركات؛ فهن يرثن. وهن مشتركات في السدس. وعلى هذا الخلاف: كان بمقتضى ذلك تطبيق الجد الوارثة. وهنا يقول الشيخ رحمه الله: «اختلف أهل العلم في الجد المدلية بذكر وارث فوق الأب؛ كأم الجد وأبيه»: يعني أم الجد وأم أب الجد. فعند الحنابلة: أم الجد ترث، وأما أم أبي الجد لا ترث. وبمقتضى القاعدة التي سبقت: فهي ترث؛ لأن كل امرأة من الأصول أدلى بوارث فهي ماذا؟ فهي ترث. هذا بمقتضى هذه القاعدة التي دلت عليها عمومات الشرع من الكتاب والسنة، وصحت بها الآثار. والشرع كما مر معنا: لا يجمع بين مفترق، ولا يفرق بين مجتمع. ولهذا رجح جماعة من أهل العلم من الحنفية والشافعية، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: أنها ترث لهذه القاعدة. فلذلك الصحيح: أن الجدات الوارثات أكثر من ثلاث؛ خلافا للحنابلة ولغيرهم من من خالف في هذا الباب. وهذا خلاصة ما يذكر في هذا. ونقف إلى هنا والله تعالى أعلم.