الدرس في شرح تسهيل الفرائض 19، تابع باب ذوي الأرحام . ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يتناول المبحث موضوع توريث ذوي الأرحام وآراء الفقهاء فيه، حيث اختلف العلماء في أحقيتهم في الميراث. ذهب بعضهم إلى توريثهم بينما رأى آخرون عدم أحقيتهم.
يتناول المبحث آراء الفقهاء المختلفة حول توريث ذوي الأرحام، حيث تطرق إلى ثلاثة أقوال رئيسية: اعتبار قرب الدرجة، واعتبار قرب الجهة، واعتبار التنزيل. كل قول له أسسه الشرعية.
يُقدم المبحث أمثلة تطبيقية على توريث ذوي الأرحام وفقًا لمذهب الإمام أحمد، مشيرًا إلى كيفية تقسيم الميراث في حالات مختلفة مثل وجود ابن بنت وأخ شقيق، أو ثلاثة أخوال متفرقين.
ينتهي الدرس هنا لانتهاء الوقت، ويشير إلى استكمال باقي الموضوع في الدرس التالي بإذن الله، مؤكدًا أن الله تعالى أعلم بكل شيء.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. قال شيخنا، رحمه الله تعالى: وقد اختلف العلماء في توريث ذوي الأرحام، فقال مالك والشافعي: لا يرثون. وقال أبو حنيفة وأحمد: يرثون بشرط أن لا يوجد عاصب ولا ذو فرض يرد عليه. وهذا مروي عن عمر وعلي وأبي عبيدة وعمر بن عبد العزيز وعطاء وغيرهم، وهو الصواب لقوله تعالى: ﴿وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله إن الله بكل شيء عليم﴾، ولقول النبي صلى الله عليه وسلم: «ابن أخت القوم منهم» رواه البخاري ومسلم، وقوله صلى الله عليه وسلم: «الخال وارث من لا وارث له، يعقل عنه ويرثه» رواه أحمد وأبو داود وابن ماجة. ونصوص الكتاب والسنة في توريثهم إما مجملة كالآية، وإما في فرد واحد منهم كالحديث. فمن ثم اختلف القائلون بتوريثهم على ثلاثة أقوال. أشار رحمه الله ها هنا إلى اختلاف أهل العلم في توريث ذوي الأرحام، وبما تقدم، وكذلك سيأتي إن شاء الله. وأشارها هنا علمنا أن الراجح هو توريث ذوي الأرحام، وأشار إشارة يسيرة إلى هذا الخلاف. وفي المطولات من كتب الفقه والحديث كلام أهل العلم مبسوط في ذكر الخلاف في هذه المسألة. فأشارها هنا أن المروي عن مالك والشافعي، رحمهم الله، أنهم لا يورثون ذوي الأرحام، وهذا كذلك قول جماعة من الظاهرية، وانتصر له بشدة ابن حزم في المحلى. على أنه رويا الإمام الشافعي، رحمه الله، توريث ذوي الأرحام إذا لم ينتظم بيت المال. ومر معنا في أوائل الكتاب معنى انتظام بيت المال، أي أنه يسير في السير الذي أراده الله عز وجل له وشرعه. فإن كان ليس كذلك، فلا يوضع المال في موضعه ولا يرد على موارده. فهنا يذهب الإمام الشافعي، رحمه الله، وهي رواية مشهورة عنه، وفي مذهبه أنهم يرثون إذا لم ينتظم بيت المال. وهكذا كذلك أشار رحمه الله إلى أن المروي عن أبي حنيفة وأحمد، وهذا هو المشهور من مذهب أحمد، أنهم يورثون ذوي الأرحام، ولكن بشرط أن لا يوجد عاصب ولا ذو فرض يرد عليه. وهذا على القول الراجح، وهو القول بالرد، وسيأتي الكلام عليه إن شاء الله في موضعه في الكلام على مسألة الرد. فبعض أهل العلم، وهي رواية عن ابن عباس، كما تقدم وسيأتي معنا، من لا يقول بالرد. والصحيح القول بالرد، وسيأتي معنا هناك إن شاء الله خلاف أهل العلم في الرد على الزوجين. فمن أهل العلم من أخرج الزوجين من ذوي الفروض ممن يرد عليهم، وسيأتي معنا الكلام هناك إن شاء الله. وهنا ذكر الشيخ المسألة على وجه الإجمال؛ لأنه سيأتي الكلام عليه في موضعه إن شاء الله. ثم أشار إلى أن المروي عن عمر وعلي وأبي عبيدة وعمر بن عبد العزيز وعطاء وغيرهم، وهو الصواب. وأشار إلى هذا التصويب بالأدلة العامة التي وردت في الكتاب والسنة، كما قال: أدلة مجملة أو أدلة خاصة في فرد واحد، يعني الخال. وأورد الآية: ﴿وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله إن الله بكل شيء عليم﴾. وتقدم معنا في أول الكتاب أن بعض أهل العلم يرى أن الآية عامة، وكذلك ليست صريحة في توريث ذوي الأرحام. ولكن من قال بتوريث ذوي الأرحام استأنس بهذا العموم مع أدلة أخرى عامة وخاصة، وفتاوى الصحابة التي تؤيد هذا المعنى، وكذلك القياس الصحيح. فمن الأدلة العامة الأخرى قول الله جل وعلا: ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ﴾، فذكر النساء مع الأقربين فيه إشارة كما قال غير واحد من أهل العلم من أهل التفسير والفقه والحديث وغيرهم. قال غير واحد: إن فيه إشارة إلى ذوي الأرحام، وأنه لا ينكر كل منصف تتبع هذا اللفظ وتمعن فيه أن فيه هذه الإشارة. وتؤيد هذه الإشارة بنصوص أخرى منها عامة ومنها خاصة. فمن السنة من العام قول النبي صلى الله عليه وسلم: «ابن أخت القوم منهم». فمن لم يقل بتوريث ذوي الأرحام نظر إلى سبب ورود الحديث، فالحديث في الصحيحين من حديث أنس في قصة الأنصار ودعوة النبي صلى الله عليه وسلم لهم في وجمعهم، فقال: «هل معكم أحد غيركم أو من غيركم؟» فقالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: «لا، إلا ابن أخت لنا». فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «ابن أخت القوم منهم». وفي رواية: «من أنفسهم». وفهم جماعة من أهل العلم المعنى العام، أي: النصرة والمشورة والمودة والحفظ وحفظ السر وهكذا، كذلك الإرث. وأخذ بعضهم بسبب ورود الحديث أن المراد في حفظ السر والنصرة وتأييد، وأن هذا هو سبب ورود الحديث، فلا يدخل فيه القول بالتوريث. وانتصر لهذا بشدة المالكية، وهكذا كذلك طائفة كبيرة من الشافعية. ولكن الصحيح أن الحديث فيه معنى التوريث، وإن لم يكن صريحا، لكنه بالنصوص الأخرى الواردة. ومن هذه النصوص كما قال الشيخ: نص خاص، لكنه في فرد واحد منهم، وهو قول النبي عليه الصلاة والسلام: «الخال وارث من لا وارث له، يعقل عنه ويرثه». وهذا الحديث قد روي من طرق كثيرة، وما من طريق من هذه الطرق إلا وفيها شيء من الضعف. فهذا اللفظ جاء من حديث المقدام بن معدي كرب، وقد نص بعض الحفاظ على ضعفه. فقد رجح البيهقي رحمه الله تعالى في هذا الحديث أنه مضطرب، فعله بالاضطراب. ولكن وصححه كذلك جاء من حديث عائشة، وصححه موقوفا عن عائشة، وكذلك الدارقطني. ولكن بعض أهل العلم صحح هذا الحديث، فأبو زرعة الرازي رحمه الله صححه. وصنيع الإمام أحمد رحمه الله وفتواه تدل على تصحيح هذا الحديث. ويؤيد ذلك أنه جاء معنى هذا الحديث من طرق كثيرة، وإن كانت الطرق لا تخل من مقال. فقد جاء من حديث أبي الدرداء، ومن حديث عائشة، ومن حديث أبي هريرة وابن عمر وعمر ورجل مبهم من الصحابة، بما لا يشك منصف أنه لا يقل عن رتبة الحسن، كما ذكر معناه الإمام ابن القيم رحمه الله، وانتصر لتصحيحه في مواضع من كتبه رحمه الله تعالى. قال: فمن ثم اختلف القائلون بتوريثهم على ثلاثة أقوال؛ يعني لأن الأدلة الواردة في هذا الباب ليست صريحة في كيفية التوريث، فلذلك اختلف العلماء في كيفية التوريث. قال: أحدها اعتبار قرب الدرجة، فمن كان أقرب إلى الوارث كان أولى بالميراث من أي جهة كانت. وحجة هذا القول قوله تعالى: ﴿وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله إن الله بكل شيء عليم﴾.﴾ قال: وما تعتبرن الأولوية، كان الأقرب أولى. هذا هو القول الأول: اعتبار قرب الدرجة، فمن كان أقرب إلى الوارث كان أولى بالميراث من أي جهة كانت. وعلى هذا ينزلون منازل كمنازل التعصيب، فيحجب الأقرب الأبعد، يحجب الأقرب الأبعد. ويسمي بعضهم هذا النوع من التوريث بالتوريث بالتعصيب، أو بمنزلة التعصيب. قال: القول الثاني: اعتبار قرب الجهة. وهذا مذهب أبي حنيفة، فيجعل الجهات أربعا: بنوة، ثم أبوة، ثم أخوة، ثم عمومة. فمتى كان في الجهة الأولى وارث من ذوي الأرحام، لم يرث أحد من الجهة التي بعدها، قياسا على الإرث بالتعصيب؛ يعني أن البنوة إذا وجدت، فهي تحجب الأبوة، وهكذا. قال: ويسمى هذا المذهب مذهب أهل القرابة، قاله في المغني، صفحة كذا، مجلد كذا. وذكر الصفحة: الجزء السادس، صفحة مائتين واثنين وثلاثين. فالشاهد والخلاصة في هذا: أن معنى هذا القول هو التوريث باعتبار الأقرب بالجهات، لا باعتبار الأقرب إلى الوارث، ولكن باعتبار الجهات. فلو كان هذا الوارث الذي هو من ذوي الأرحام من جهة البنوة بعيدا، فهو مقدم على جهة الأبوة، ولو كان جهة الأبوة قريبا؛ لأن التوريث هنا باعتبار الجهة، فالبعد والقرب لا اعتبار له هنا، ولكن الاعتبار بالجهة على هذا الترتيب الذي ذكر: الجهات أربعة. قال: القول الثالث: اعتبار التنزيل، فينزل كل واحد من ذوي الأرحام منزلة من أدلى به، ثم يقسم المال بين المدلى بهم، فما صار لكل واحد أخذه المدلى به. وهذا هو المشهور من مذهب الإمام أحمد. وإليك مثالا يظهر به أثر الخلاف: فلو هلك هالك عن بنت بنت بنت، وبنت أخ لغير أم. فالمال لبنت الأخ على القول الأول؛ لأنها أقرب إلى الوارث. ولبنت البنت على القول الثاني؛ لأنها أسبق جهة. وبينهما نصفين على القول الثالث؛ لأن بنت البنت بمنزلة البنت، فلها النصف فرضا، وبنت الأخ بمنزلته، فلها الباقي تعصيبا. ذكر هذا المثال في المغني، صفحة مائتين وخمسة وثلاثين، المجلد السادس من الطبعة المفردة. ونحوه في العذب الفائض، صفحة ثلاثة وعشرين، المجلد الثاني أو الجزء الثاني. قال: أحوال ذوي الأرحام، قال: حالات ذوي الأرحام ثلاث. الأولى: أن يكون الموجود واحدا، فله جميع المال بالتعصيب إن أدل بعاصب، وبالفرد والرد إن أدل بذي فرد. فلو هلك هالك عن بنت أخ شقيق، فلها المال كله تعصيبا. ولو هلك عن بنت أخ لأم، فلها السدس فرضا، والباقي ردا. قال: الثانية: أن يكون الموجود اثنين فأكثر، والمدلى به واحد، فلهم جميع المال أيضا؛ لأن المدلى به إما عاصب يحوز جميع المال بالتعصيب، وإما صاحب فرض يستحق جميع المال فرضا وردا. ثم يقسم المال بين هؤلاء الجماعة، كالمدلى به مات عنهم. غير أن الذكر والأنثى سواء على المشهور من مذهب أحمد، وهو الصحيح كما تقدم، ويقتضيه القياس الصحيح: أنهم ينزلون منزلة أولاد الأم، فلا يفضل ذكرهم على أنثاهم أي ذوي الأرحام. قال: فلو هلك هالك عن ابن بنت وأخ شقيق، فالمال بينهما تعصيبا؛ لأن جدهما يرثه كذلك، يعني الأخ الشقيق هذا هو الجد. قال: لكن الذكر والأنثى سواء؛ لماذا سواء؟ ولم نقل مثل الأخ الشقيق؟ لأنهم من ذوي الأرحام، وذوي الأرحام ينزلون منزلة الإخوة لأم. وهذا الذي يقتضيه كذلك القياس الصحيح. قال: ولو هلك هالك عن ثلاثة أخوال متفرقين، فالمال للخال لأم والخال الشقيق فرضا وردا؛ لأنهم مدليان بالأم، وهي ترثه كذلك. فللخال لأم السدس؛ لأنه أخ الأم من الأم، والباقي للخال الشقيق؛ لأنه أخ الأم الشقيق. ولا شيء للخال لأب؛ لأنه محجوب بالخال الشقيق. ولو كان بدل الخال الشقيق خالة شقيقة، لكان لها النصف؛ لأنها أخت الأم الشقيقة. وللخال لأم السدس؛ لأنه أخ الأم من الأم، والباقي للخال لأب؛ لأنهم يرثون الأم كذلك لو ماتت عنهم. هذه مسألة أخرى في الاشتراك إذا وجد. يقول: ثلاثة أخوال متفرقين؛ يعني شقيق، ولأب، ولأم. هذا معنى متفرقين: ثلاثة أحدهم شقيق، وأحدهم لأب، وأحدهم لأم. يقول: فالمال للخال لأم والخال الشقيق فرضا وردا. ومعنى أن الخال لأب يحجب؛ قال: لأنهما مدليان بالأم، وهي ترثه كذلك؛ يعني ترثه فرضا. قال: فللخال لأم السدس؛ لأنه أخ الأم من الأم، والباقي للخال الشقيق؛ لأنه أخ الأم الشقيق. أخ الأم الشقيق منزلته منزلة ماذا؟ منزلة الأخ الشقيق. قال: ولا شيء للخال لأب؛ لأنه محجوب بالخال الشقيق. إذا وجد عندنا أخ شقيق وأخ لأب، من يرث؟ الشقيق، والأخ لأب محجوب. وهكذا هنا. قال: ولو كان بدل الخال الشقيق خالة شقيقة، لكان لها النصف؛ لأنها أخت الأم الشقيقة. وللخال لأم السدس؛ لأنه أخ الأم من الأم، والباقي للخال لأب. قال: لأن الخالة ستصير صاحبة فرض بخلاف الخال الشقيق. الخالة الشقيقة تنزل منزلة من؟ الأخت الشقيقة. ستكون صاحبة فرض، لها النصف. والخال الشقيق ينزل منزلة الأخ الشقيق، فهو صاحب تعصيب. فإن كان موجودا الأخ الشقيق، فالأخ لأب سيحجب. كذلك الخال الشقيق إذا وجد الخال لأب، كذلك ماذا؟ سيحجب. فإن كان بدل الخالة الشقيق خالة شقيقة، فالأخ لأب لن يحجب؛ لماذا؟ لأن الخالة الشقيقة تنزل منزلة الأخت الشقيقة، والأخت الشقيقة ستأخذ كم؟ النصف. فكذلك الخالة الشقيقة ستأخذ النصف. وسيكون الباقي لمن؟ للخال لأب؛ لأنها نزلت منزلة من؟ الأخ لأب. نزلت منزلة الأخ لأب. قال: ولو هلك هالك عن بنت بنت بنت وبنت أخ لغير أم، فالمال لبنت الأخ على القول الأول؛ لأنها أقرب إلى الوارث. ولبنت البنت على القول الثاني؛ لأنها أسبق جهة. وبينهما نصفين على القول الثالث؛ لأن بنت البنت بمنزلة البنت، فلها النصف فرضا، وبنت الأخ بمنزلته، فلها الباقي تعصيبا. نقف إلى هنا لانتهاء الوقت، ونترك الباقي إن شاء الله في الدرس اللاحق، والله تعالى أعلم.