الدرس في الدرة البهية شرح القصيدة التائية 1، الدرس الأول:( ترجمة المؤلف ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
تربى الشيخ عبد الرحمن السعدي يتيما بعد وفاة والديه في سن صغيرة، وأتم حفظ القرآن في سن الحادية عشرة، ثم شرع في طلب العلم وتدريسه في سن مبكرة. نشأته وطلبه للعلم وأبرز شيوخه كانوا محط إعجاب وتقدير.
للشيخ عبد الرحمن السعدي العديد من المؤلفات الهامة مثل 'تيسير الكريم المنان في تفسير كلام الرحمن' و'إرشاد أولي الألباب'. كان اهتمامه بالتحقيق والتعليق والتأليف في مختلف الفنون واضحا في أعماله. بعض كتبه طبعت أكثر من مرة.
كان للشيخ عبد الرحمن السعدي أخلاق وصفات حميدة أثنى عليها معاصروه. توفي الشيخ في ليلة الخميس الثالث والعشرين من جمادى الثانية سنة 1376 للهجرة، وشيعت جنازته بحضور جماهيري كبير، ورثاه معارفه وأحبابه.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة، هذه هي رسالة مسماة الدر البهية شرح القصيدة التائية في حل المشكلة القدرية، النظم لشيخ الإسلام بن تيمية رحمه الله، والشرح للشيخ العالم العلامة عبد الرحمن بن ناصر بن عبد الله السعدي رحمه الله تعالى رحمة واسعة. ونقرأ اليوم ترجمة الشيخ السعدي فقط، ونترك الدرس للدرس اللاحق. قال المعلق رحمه الله تعالى: ترجمة المؤلف نسبه ومولده ونشأته، هو العالم الكبير والمفسر الجليل الشيخ عبد الرحمن بن ناصر بن عبد الله بن ناصر السعدي التميمي القصيمي، المكنى بأبي عبد الله. ولد ببلدة عنيزة من القصيم في اليوم الثاني عشر من المحرم سنة 1307 للهجرة، وربي تربية حسنة ونشأة فاضلة. وإن كان أبواه قد توفيا في صغره، فهو قد تربى يتيما رحمه الله، لكن الله خير حافظا وهو أرحم الراحمين؛ لأنه كان على قدر وفير من الذكاء والفطنة والرغبة في طلب العلم والمعرفة، فأولى العناية وحظي بالرعاية. قال: طلبه العلم واشتغاله بالتدريس، وقد بدأ حفظ القرآن الكريم في سن مبكرة حتى أتمه وأتقنه في الحادية عشرة من عمره، ثم شرع في طلب العلم وأخذ يتلقى عن علماء بلده وغيرهم ممن قدم إليه، وبذل جهده بسبيل ذلك حتى نال الحظ الأوفر والنصيب الأكبر من علوم كثيرة وفنون مختلفة. وفي سن الثالثة والعشرين ابتدأ يجمع بين طلب العلم وتدريسه، واستفادته وإفادته، وقضى في ذلك جميع وقته. وقد تلقى الكثيرون عنه وانتفعوا به، وقد استمر في التدريس والإفادة إلى سنة 1350 أو إلى سنة 1351 من الهجرة. وقد فتح الله عليه ما شاء الله أن يفتح، فأصبح هذا الأمر بناحيته من ذلك الحين راجعا إليه -يعني العلم- وصار معول الطلبة في التعلم والاستفادة قاصرا عليه، فهو عالم بلدة عنيزة. قال: شيوخه، تلقى الشيخ أنواع العلوم عن كثير من أجلة الشيوخ، ومن أبرزهم الشيخ إبراهيم بن حمد بن جاسر، وكان أول من قرأ عليه وأخذ عنه العلم، وهو من علماء بريدة. والشيخ صالح بن عثمان قاضي عنيزة، وقد أخذ عنه الفقه وأصوله والتوحيد والتفسير وعلوم العربية، وأكثر من القراءة عليه ولازمه ملازمة تامة إلى وفاته، وهو أحد أعلام عنيزة صالح بن عثمان القاضي، وكان قاضيا رحمه الله في عنيزة، وصاحب علم وتجرد، كان يثني عليه كثيرا شيخنا محمد بن صالح عثيمين رحمه الله، ويذكر عجائب من قضائه وفقه وقوته وفطنته في معرفة أحوال الناس. قال: والشيخ صعب التويجري، والشيخ عبد الله بن عايض، والشيخ علي السناني، والشيخ علي الناصر المكنى بأبي وادع، وقد قرأ عليه الحديث الشريف وأخذ عنه الصحيحين والسنن الأربع وغيرها، وظفر بإجازته. والشيخ محمد الشنقيطي، فقد أخذ عنه لما قدم عنيزة ودرس بها، وقرأ عليه التفسير والحديث وعلوم العربية. والشيخ محمد بن الشيخ عبد العزيز المحمد المانع مستشار المعارف بالمملكة، وقد قرأ عليه في عنيزة. والشيخ محمد بن عبد الكريم الشبل، تلقى عنه بعض العلوم كالفقه والعربية. قال: مؤلفاته، كان الشيخ ذا معرفة تامة بالفقه وأصوله وخبرة كاملة بالتوحيد، ومال إليه بسبب اشتغاله بالكتب المعتبرة واهتمامه بالمراجع المعتمدة، وبتصانيف ابن تيمية وابن القيم خاصة. كما كان ذا عناية فائقة بالتفسير وفنونه، فقرأ تفاسير عدة حتى برع فيه وأدخله، بل صارت له اليد الطولى فيه. وقد عنا بالتحقيق واهتم بالتعليق واشتغل بالتأليف وأقبل على التصنيف، فوضع كتبا جمة في فنون مختلفة قاصدا نشر العلم والإرشاد إلى الحق، فلا غرو أن بارك الله فيها وقدر النفع لها، وظهر الكثير منها. فمن مؤلفاته التي ظهرت: الأول «الأجوبة القواطع والبراهين في إبطال أصول الملحدين»، وهو كتاب مشهور مطبوع في رسالة مثل رسالة القواعد والأصول الجامعة. الثاني «إرشاد أولي الألباب لمعرفة الفقه بأقرب الطرق وأيسر الأسباب»، وقد رتب على طريقة السؤال والجواب، طبع في سنة 1365، وقد أعيد طبعه تحت عنوان «الإرشاد لمعرفة الأحكام»، ولا أعرف أنه طبع مرة أخرى، وتوجد منه طبعات قديمة موجودة عند بعض الناس. الثالث «بهجت قلوب الأبرار وقرة عيون الأخيار بشرح جوامع الأخبار»، وهو شرح لتسع وتسعين حديثا. والرابع «تنزيه الدين وحملته ورجاله»، طبع قديما ولم يطبع مرة أخرى فيما أعلم. طبع في سنة 1366. والخامس «توضيح الكافية الشافية» نونية ابن القيم المشهورة، وهو شرح لكثير من محتوياتها، طبع بالمطبعة السلفية في القاهرة، وهو عبارة عن مختصر لشرح نونية ابن القيم. السادس «تيسير الكريم المنان في تفسير كلام الرحمن»، وهو في ثمانية أجزاء، وقد أكمل تأليفه في سنة 1344 للهجرة، وقد بدأ في طبعه بالمطبعة السلفية سنة 1375، وظهر منه نحو خمسة أجزاء من الفاتحة إلى آخر سورة النمل، ولا ندري أتم طبعه أم لا، وطبعة عادية خالية من التحقيق والعناية. وهذا الكتاب «تيسير الكريم المنان» هو الكتاب الأصل في التفسير، ولكن نرى أن بعض الطابعين جمعوا بين هذا الكتاب وبين الكتاب الذي بعده «تيسير اللطيف المنان» فجعل في كتاب واحد، واشتهر تفسير ابن كثير، تفسير السعدي بذلك. السابع «تيسير اللطيف المنان في خلاصة تفسير القرآن»، وهو هذا المشهور. الثامن «الحق الواضح المبين في شرح توحيد الأنبياء والمرسلين»، وطبع بالسلفية -يعني المكتبة السلفية-. والتاسع «الخطب العصرية القيمة»، طبعت مع «الدرر المختصرة» والخطب المنبرية على المناسبات، خلاف السابقة. وهذه كذلك كتب طبعت طبعات قديمة. الحادي عشر «الدر البهية شرح القصيدة التائية»، وهو كتابنا هذا. والثاني عشر «الدرر المختصرة في محاسن الإسلام». والثالث عشر «الدين الصحيح يحل جميع المشاكل». والرابع عشر «الرسالة اللطيفة الجامعة في أصول الفقه المهمة»، طبعت مع «مناهج السالكين» أو «منهج السالكين». الخامس عشر «الرياض الناظرة». والسادس عشر «طريق الوصول إلى العلم المأمول»، وهو مختارات من كتب ابن تيمية. والسابع عشر «فوائد مستنبطة من قصة يوسف عليه السلام». والثامن عشر «الفواكه الشهية في الخطب المنبرية»، وهو غير السالفين -يعني الكتب السابقة الاثنين-. التاسع عشر «القواعد والأصول الجامعة والفروق والتقاسيم البديعة النافعة»، وهو الذي نقرأ فيه -قال- أي في درس العشاء. العشرون «القواعد الحسان لتفسير القرآن». والحادي والعشرون «مناهج السالكين وتوضيح الفقه في الدين»، واشتهر مؤخرا بمنهج السالكين. والثاني والعشرون «وجوب التعاون بين المسلمين وموضوع الجهاد الديني». وبعده «الوسائل المفيدة للحياة السعيدة»، وهي رسالة صغيرة. قال: ومن مؤلفاته التي لم تظهر وستظهر قريبا إن شاء الله: تعليقات على كثير مما مر عليه من الكتب المختلفة، ومنها «التوضيح والبيان لشجرة الإيمان»، وحاشية على الفقه، وهي عبارة عن استدراكات على الكتب المستعملة في المذهب الحنبلي، وفتاوى كثيرة أو أجوبة عن مسائل وردت إليه من بلده وغيرها. وقد طبع في مجلد «فتاوى الشيخ السعدي». قال: أخلاقه وصفاته، كان الشيخ متحليا بالصفات الفاضلة، متخلقا بالأخلاق الكاملة، على جانب كبير من الأدب الرفيع والتواضع الكبير والصغير، والتواضع للكبير والصغير، ومراعاة العظيم والحقيقة مع الشرف والعفة والحزم والنزاهة. كما كان ذا شفقة على الضعفاء ورحمة للفقراء وبرا بالغرباء، وطالما أخذ بأيديهم وقام بمساعدتهم وجلب المعونة لهم واستدر عطفهم، محبا للخير عليهم -يعني بالشفاعات-. وكان إلى جانب ذلك مخلصا للعلم والدين، حريصا على مصلحة المسلمين، راغبا في النهوض بهم، عاملا على ترقية مجتمعهم، راجيا أن تكون مجتمعاتهم دينية ومنتدياتهم علمية. وكثيرا ما كان يتصل بالناس ويتفقد أحوالهم، فيتفاهم معهم ويحل مشاكلهم ويعلم جاهلهم ويرشد ظالمهم ويقوم معوجهم ويحقق الخير لهم. وكان في تدريس وتعليم من أحسن العلماء تعليما وأبلغهم تفهيما وأكملهم تبيينا، مرتبا وقته، منظما درسه، مختارا للعلوم المثمرة والكتب النافعة. وكان يشاور في ذلك تلاميذه ويأخذ برأي الكثير منهم ويعمل به، فلا عجب أن عظمت قيمته وكثرت طلبته واشتد احترامهم له وحرصهم على تلقي العلم عنه والانتفاع بكتبه. قال: خاتمته ووفاته، في أوائل سنة 1376 للهجرة طرأ على الشيخ وهو مقيم ببلدته عنيزة مرض مفاجئ شديد، فأثر في صحته وأنذر بدنو منيته. وفي ليلة الخميس الثالث والعشرين من جمادى الثانية من هذه السنة انتقل الشيخ إلى رحمة الله، وترك دار الفناء إلى دار البقاء، فذهب مبكيا عليه مأسوفا لفراقه من جميع ذويه وعارفيه، وخرج لتشييع جنازته الجم الغفير من مواطنيه، فرحم الله وأكرم مثواه. وكتب هذه الترجمة صاحب طبعة هذا الكتاب أبو كمال عبد الغني عبد الخالق بن عبد الخالق. إلى هنا والله تعالى أعلم.