الدرس في كتاب الحج 58، الدرس الثامن والخمسون : من : (الحديث الرابع والأربعون بعد المائتين ... ليس على الحائض التي أفاضت طواف وداع ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يشرح الشيخ ابن بريك الحديث الذي يأمر الناس بأن يكون آخر عهدهم بالبيت الحرام، ويوضح أن هذا الحكم يشمل كل من يغادر البيت الحرام. الخضوع والخشوع يجب أن يكون لله وحده لا للبيت نفسه.
اختلف أهل العلم في وجوب طواف الوداع في العمرة، فمنهم من قال بعدم وجوبه لعدم ثبوت دليل عليه، ومنهم من ذهب إلى وجوبه أو استحبابه. الجمهور ذهب إلى وجوبه على غير الحائض.
إذا عجز الشخص عن إتمام مناسك العمرة، فلا يجب عليه فداء أو دم على الرأي الصحيح. يسقط عنه مثلما يسقط عن الحائض والنفساء، ولا يجمع الشرع بين أحكام متفرقة.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. الحمد لله الرحمن الرحيم، قال الحافظ عبد الغني المقدسي رحمه الله تعالى: الحديث الرابع والأربعون بعد المئتين، قال: عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال: «أمر الناس أن يكون آخر عهدهم بالبيت، إلا أنه خفف عن المرأة الحائض». أورد الحافظ عبد الغني المقدسي رحمه الله تعالى هذا الحديث في سياق ذكره لمسائل الطواف، وأقرب الألفاظ إليه ولفظ الإمام مسلم رحمه الله في حديث 1828، قال رحمه الله تعالى: وحدثنا سعيد بن منصور وأبو بكر بن نافع شيبة واللفظ لسعيد، قال: حدثنا سفيان عن ابن طاووس عن أبيه عن ابن عباس قال: «أمر الناس أن يكون آخر عهدهم بالبيت» الحديث. قال الشارح رحمه الله تعالى: المعنى الإجمالي لهذا البيت الشريف تعظيم وتكريم، فهو رمز لعبادة الله والخضوع والخشوع بين يديه، فكان له في الصدور مهابة، وفي القلوب إجلال وتعلق ومودة، وهذا ليس لذاته، ولكن طاعة لله سبحانه وتعالى. الخشوع والخضوع ليس للحجر، ننتبه، ليس للبيت. فإن بعض من لا يفهم إن قلبت عنده المسألة فصار عنده شيء من الوثنية. ولهذا تجد بعضهم يقطع شيئا من أستار البيت يستشفي بها، واعتقاد النفع والضر في البيت شرك بالله سبحانه وتعالى، وهو قد يكون شرك أكبر، وقد يكون شرك أصغر. إذا اعتقد أنه ينفع ويضر بذاته فهو شرك أكبر، وإذا اعتقد أن الله جل وعلا جعله سببا للنفع والضر فهو شرك أصغر، لأن الله لم يجعله سببا. فننتبه لهذا، فالخضوع والخشوع لله، ليس للبيت. بعض الناس يخضع ويخشع ويذل للبيت، ليس لله، وهذا خطأ. ولهذا ربما مما يدل على ذلك إذا أراد أن يخرج لا يريد أن يستدبر الكعبة، يمشي على القفا، وهو منكس رأسه، يعني هذا السجود لمن؟ هل هو لله أم للحجر؟ وهذا الخضوع والذل لمن؟ هل هو لله أم للحجر؟ الله سبحانه وتعالى في السماء في علوه جل وعلا، وإنما جعل هذا امتحانا وابتلاء، يبتلي ويمتحن من يطيع ومن لا يطيع. فننتبه. قال رحمه الله: «ولذا شرع للقادم عليه أن يُحَيِّيَهُ بالطواف به قبل كل عبادة»؛ لأن الطواف ميزته... مزيته، كل النسخ كلها هو، لو قال: مزيته، أحسن؛ لأنها من مزايا، ليس من مميزات، وفرق بين الأمرين. قال: «ولد السفر أن يكون آخر عهد بالبيت»، ما في كلمة قبلها، ولده، مثلا: أمر بالسفر، ها، وولد السفر كذلك، ناقص. «ولد السفر أن يكون آخر عهد بالبيت» عبارة غير مستقيمة، كأنه فيها سقط. قال: «أن يكون آخر عهده بالبيت؛ ليتفرغ لتلك الساعة الرهيبة» طيب التي تنقطع فيها القلوب وتذرف فيها الدموع عند مفارقة هذا البيت الذي تهفو إليه الأفئدة وتحن للقرب منه القلوب شوقا إلى رحابه المقدسة ومشاعره المعظمة، حيث تنزلت وحلت البركات وهبطت الرحمات، وشعّت الأنوار. وهذه الكلمات المقصود منها أن الإنسان يستعين بذلك على زيادة التعبد لله سبحانه وتعالى بامتثال أمره وطاعته، والقرب مما أمر الله جل وعلا به، وهو الموضع الذي حصل فيه نزول الوحي، عبادة الأنبياء، وغير ذلك من أسباب القرب والرحمة والبركة ونحو ذلك. قال رحمه الله تعالى: وهذا الطواف الأخير وتلك الوقفة الحزينة بين الركن والباب بحق كل راحل من مقام هذا البيت، سواء كان حاجا أو غيره. في الحقيقة، هذه الكلمات تفتن بعض العامة، لو أنهم ما تدبروا حقيقة الأمر، ربما حصل عندهم غلو، حصل عندهم غلو في البيت. قال: «إلا المرأة الحائض؛ فلكونها تلوث المسجد بدخولها سقط عنها الطواف بلا فداء». وبعضهم استدل بهذا على أن الطواف بالبيت صلاة، على أن الطواف بالبيت صلاة. فحديث عائشة، وبمعنى ما جاء عن جابر: أن النفساء والحائض لا تطوف بالبيت. وهذا الحديث يدل على معنى أن الطواف بالبيت صلاة، فإذا كانت صلاة، فإذا الحائض لا تصلي، والنفساء لا تصلي، فهي لا تطوف. وهذا هو قول جمهور أهل العلم، على ما سبق الإشارة إليه في المسألة. ولكن الحديث ليس صريحا في أن حكمها كحكم الصلاة تماما بشروطها لا. قال: ما يأخذ من الحديث وجوب طواف الوداع في حق كل مسافر من مكة، سواء كان حاجا أم غيره. قال شيخ الإسلام: وطواف الوداع ليس من تمام الحج، ولكن كل من خرج من مكة عليه أن يودع. ولهذا من أقام بمكة لا يودع على الصحيح، فوجوبه ليكون آخر عهد الخارج بالبيت. يعني أهل مكة ما عليهم طواف وداع، لكن طواف الوداع على الذين أتون من خارج مكة. وهل هو كذلك في العمرة؟ في المسألة خلاف بين أهل العلم، وظاهر كلام المؤلف أنه كذلك في العمرة. واستدل بعضهم بالحديث الذي مر معنا قريبا: «اصنع في عمرتك ما تصنع في حجك» أو «في حجتك». وهذا في الحقيقة ليس على إطلاقه، والأصل هو عدم الأمر. ولهذا كان الراجح أن العمرة لا يجب فيها طواف وداع؛ لأمور: أولا: أن النبي صلى الله عليه وسلم اعتمر خمس مرات، ولم يثبت في حديث واحد أنه عليه الصلاة والسلام أتى بطواف الوداع. وأحد هذه الأربع التي لم تتن فيها العمرة تنبيه، فإذا كان كذلك، علماء أنه ليس بمشروع. هكذا كذلك ثبت أن الصحابة رضي الله تعالى عنهم أتوا بعمرات كثيرة، ولم يثبت عن أحد منهم ما يدل أن النبي صلى الله عليه وسلم شرع لهم طواف الوداع. وهكذا كذلك القياس، قياس العمرة على الحج يستلزم إذا عملنا به بهذا المعنى أن نشبه به على كل الوجوه، وليس الأمر كذلك، فهناك فروق كثيرة بين العمرة والحج، لا يحصل فيها التكافؤ والتساوي. ففي العمرة يحصل التحلل، ولا يحصل ذلك في كل أنساك الحج. وهكذا العمرة وقتها قصير، والحج وقتها طويل. وهكذا العمرة فيها أعمال قليلة، والحج فيها أعمال كثيرة، كثيرة. فلا يقال: إن المعتمر يعمل مثل الحاج أبدا، ولا الحاج يعمل مثل المعتمر، بل هذا له مناسكه وأعماله بما دل عليه الدليل، والآخر له مناسكه وأعماله بما دل عليه الدليل. لكن يقال: يصنع المعتمر ما يصنع الحاج في مدل الدليل على ثبوت حصول أصل الفعل. مثلا: ثبت الدليل أن المعتمر يطوف، والحاج يطوف، إذن طواف المعتمر مثل طواف الحاج. في ماذا؟ مثلا في طواف القدوم، طواف القدوم للمعتمر مثل طواف القدوم للحاج؛ لأن طواف القدوم ثبت بدليله الخاص في المعتمر، وثبت بدليله الخاص في الحاج. كذلك المعتمر عليه محظورات إحرام، والحاج عليه محظورات إحرام، فما كان من محظورات الإحرام في الاعتمار هو نفسه الذي في الحاج، وما كان في الحاج هو نفسه الذي في العمرة. لكن ليس أصل الفعل نثبته بالقياس، إنما نثبت تفاصيله بالقياس. واضح، فمثلا لو أثبتنا طواف الوداع، هل ثبت وجود طواف الوداع في العمرة أصلا؟ الجواب: لا، ما ثبت. فنحن الآن أثبتنا شيئا جديدا يحتاج إلى دليل. وإنما القياس في شيء له أصل. فالنبي عليه الصلاة والسلام قال ليعلى بن أمية: قال ليعلى بن أمية ذلك حين صنع ما صنع في ماذا؟ في إحرامه، إذ أنه مس الطيب وتخلق بالخلوق، فنهاه عن ذلك، وأمره أن يصنع في عمرته ما يصنع في حجه. يعني: لا تفرق في محظورات الإحرام، محظورات الإحرام التي في العمرة هي محظورات الإحرام التي في الحج. فأصل الفعل ثابت، وإن المراد التسوية فيما ثبت هنا وثبت هنا، وأما ما لم يثبت لا يصح أن نثبته ابتداء. وفرق بين المسألتين، ننتبه له. فإذن لا يصح القياس والاستدلال بهذا الحديث وزيادة. وهذا الوجه الأخير: أننا نقول: إثبات هذا الحكم على الناس إلزام ومشقة، ولا يجوز للمسلم أن يشق على الناس أو يلزمهم بغير دليل شرعي. لا يجوز للإنسان أن يلزم الناس بشيء ويشق عليهم بغير دليل شرعي. والأصل البراءة، الأصل براءة الذمة. فلهذه الأوجه جميعا، وربما وجد غيرها -لا أستحضره الآن- ذكر من ذكر من جمهور أهل العلم أن الراجح عدم ثبوت طواف الوداع في العمرة. قال رحمه الله تعالى: الثاني: أن الحائض ليس عليها طواف للوداع، ولا دم بتركه. والصحيح أنه لا دم كذلك لغيرها؛ لعدم ورود الدليل بذلك، لكنه يأثم، ويحتاج إلى توبة. قال: ثالثا: أن طواف الوداع يكون آخر شؤون المسافر؛ لأن هذا معنى الوداع. ومثل شراء بعض الأشياء في طريقه إلى السفر، وانتظار الرفقة، أو نحو ذلك من التأخر اليسير لا يضر. ويؤكد هذا ما مر معنا: أن النبي صلى الله عليه وسلم أراد من أهله ما يريد الرجل من امرأته، وهذا متى؟ بعد أن طاف طواف الوداع عليه الصلاة والسلام، وهم خارجون من مكة، ولم يخرجوا منها تماما. فقيل له: إنها حائض. فقال: «أحابسة؟» ظن أنها لم تطف طواف الإفاضة. فأخبر بأنها طافت طواف الإفاضة، ولكنها لم تطف طواف الوداع. فقال: «فلتنفر إذن». فإذا كان يجوز التأخر لمثل هذا في حاجة الرجل إلى أهله، فيجوز إلى ما هو مثله أو أولى منه من انتظار الرفقة. إذا كان معك رفقة وأنت طفت طواف الوداع، وانتظرتهم، فبقي وقت حتى يأتون، ذهبت تشتري أغراضا، أو زرت أحدا، لا بأس في ذلك، ولا يعد هذا منافيا لأن يكون آخر عهده بالبيت الطواف. ومن باب أولى إذا كان مراعاة لضرر الزحام. أنت مثلا تعرف أنك ستمشي في الليل، لكن تعرف أن الناس في الليل سيزدحمون جدا، فإذا عجلت بالطواف مسابقة للزحام حتى يتيسر لك الخروج مبكرا، ولو كنت تعلم أن رفقتك سيتأخرون، فلا بأس. أنت تنتظر الرفقة في الوقت الباقي. وما ثبت في حديث النبي عليه الصلاة والسلام المتقدم هذا مثله أو أولى. قال رحمه الله تعالى: اختلاف العلماء، ذهب مالك إلى استحباب طواف الوداع دون وجوبه على كل أحد؛ لسقوطه عن الحائض، ولو كان واجبا لما سقط بحال. والتخفيف في حديث ابن عباس يدل على الوجوب؛ لأن الاستثناء معيار العموم كما مر معنا، وذكر ذلك الأصوليون. فكون هذا يستثنى يدل على أن الآخر مشدد عليه، ليس مخفف. والتخفيف لا يكون إلا في الواجب. قال: وذهب الجمهور، منهم الأئمة الثلاثة، إلى وجوبه على غير الحائض؛ لظاهر الأمر به. قال ابن المنذر: قال عامة فقهاء الأمصار: ليس على الحائض التي أفاضت طواف وداع. وهذا هو العدل. كما دل الدليل أنه واجب في الحج على غير الحائض والنفساء. ويلحق بالحائض والنفساء على القول الصحيح أهل الأعذار، مثل المريض الذي ستذهب رفقته، فإنه يذهب. ما نقول: لا، انتظروا حتى يشفى مريضكم ويطوف طواف الوداع ثم تسافرون، لا. ما دامت الرفقة انتهت، والمريض ما استطاع أن يطوف، فيسقط عنه كما يسقط عن الحائض والنفساء. وهل يجب عليه فداء أو دم؟ الجواب: لا، لا يجب فداء ولا دم على الصحيح. والشرع لا يجمع بين متفرق، ولا يفرق بين مجتمع. طيب نكتب بهذا، والله تعالى أعلم.