الدرس في طريق الهجرتين وباب السعادتين لابن القيم 135، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يتحدث عن مشهد تسلط العدو على الإنسان حيث يغلب الهوى والشيطان عليه، ويبدأ في التوبة والالتفات إلى الله. الإنسان يلجأ إلى الله بالتوبة الصادقة ليخلص من تسلط العدو.
يصف حال من يريد التوبة ويعجز عنها، ويشبهه بمن لا يحسن السباحة، ويؤكد على أهمية الالتجاء الصادق إلى الله والتوبة والاستغفار. الله يلطف بمن يلتجئ إليه بصدق.
يشرح حال من يعجز عن التوبة بسبب ظرف طارئ، فيلجأ إلى الله بحسن الرجاء. يدرك أنه يستحق العقوبة ويرجو لطف الله ورحمته، ويقدم أمثلة على ذلك.
التوبة قبل الموت تجعل الله يقبل العبد، والموت بغتة يمنع من التوبة. يشير إلى أهمية التوبة وفضلها عند الله تعالى.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال الإمام بن القيم رحمه الله تعالى في كتابه «طريق الهجرتين»: قال فصل، ثم أصحاب هذا المشهد فيه قسمان، وجعل هذا الفصل لأنه يختلف عما قبله، ولكونه يتضمن شيئًا متشابهًا من بعض الأوجه، فلهذا جعل في هذا الفصل، ثم أدخل فيه هذان القسمان. قال رحمه الله: أحدهما، أي أحد هذين المشهدين والقسمين، وهو يعتبر بالنسبة للذي قبله المشهد الخامس، أي القسم الخامس مما يتعلق بأحوال الناس ومشاهدهم مع ما يبتلون به من المعاصي والذنوب. قال رحمه الله تعالى: أحدهما من يشهد تسلط عدوه عليه وقياده إياه بسلسلة الهوى، وكبحه إياه بالإِثام الشهوة، فهو أسير معه، بحيث يسوق إلى ضرب عنقه. معناه: غلبت عليه شهوته وتسلط عليه عدوه، وهو الشيطان والهوى، حتى صار أسيرًا مع علمه بخطائه وتقصيره. قال: فهو أسير معه، بحيث يسوقه إلى ضرب عنقه، وهو مع ذلك ملتفت إلى ربه وناصره ووليه، عالم بأن نجاته في يديه، وأن ناصية عدوه بيده، أي الشيطان، وهو النفس بيد الله عز وجل، وأنه لو شاء طرده عنه وخلصه من يديه، مع علمه أنه لا بد أن يبدل الأسباب من نفسه للتخلص من هذا العدو وتسلطه عليه، وذلك بالتوبة الصادقة بشروطها، والإقلاع الصحيح. قال: وأن ناصية عدوه بيده، وأنه لو شاء طرده عنه وخلصه من يديه، وكلما قاده عدوه وكبحه بلجامه أكثر الالتفات إلى وليه وناصره والتضرع إليه والتذلل بين يديه، وكلما زاد اغترابه وبعده عن بابه تذكر عطفه وبره وإحسانه وجوده وكرمه وغناه وقدرته ورأفته ورحمته، فانجذبت دواعي قلبه هاربة إليه مترامية على بابه منطرحة على فنائه، كعبد قد شدت يداه إلى عنقه وقدم لتضرب عنقه، وقد استسلم للقتل، فنظر إلى سيده أمامه وتذكر عطفه ورأفته به، ووجد فرجة فوثب إليه منها، فألقى نفسه بين يديه ومد له عنقه، وقال: أنا عبدك ومسكينك، وهذه ناصيتي بين يديك، ولا خلاص لي من هذا العدو إلا بك، وإني مغلوب فانتصر. فهذا مشهد عظيم المنفعة، جليل الفائدة، تحته من أسرار العبودية ما لا يناله الوصف، وصاحب هذا المشهد في الغالب يكون من غلبت عليه شهوته وهواه، فصار كالمدمن الذي يريد أن يقلع ولكنه يشق عليه. فمن كان هذا حاله وعنده عقيدة صحيحة، فإنه ينطرح بين يدي الله عز وجل، فيدعو بدعاء صادق بلسان الحال والمقال أن يعينه ربه سبحانه وتعالى للتخلص مما ابتلي به، فلا ييئس من رحمة الله وفضله سبحانه وتعالى. ومن كان هذا حاله أعانه الله بإذن الله على الخروج من دوامته، لأنه في الحقيقة في دوامة يدور فيها يريد الخروج فلم يستطع، وليس كل الناس حالهم كهؤلاء، ولكن صنف خاص من الناس يكون عنده نية صادقة للتوبة، ولكنه بسبب غماسه لم يستطع الخروج، فيلتجئ إلى الله عسى الله سبحانه وتعالى أن يعينه للخروج مما ابتلي به. وكما مر معنا أن مثل صاحب الذنوب مثله الإمام بن القيم رحمه الله في بعض كتبه، ومن انغمس فيها كمثل من لا يحسن السباحة يدخل في الماء خطوة خطوة، فإذا ناداه المنادي: أنت لا تحسن السباحة، دخولك في هذا الماء مع غوره وعمقه خطر عليك فستغرق، يقول: ها أنا أدخل بقدمي وسأخرج بقدمي، ولا يدري أنه كلما ازداد تعمقًا في الماء ازداد ضعفًا وخورًا، فلا يستطيع أن يسيطر على نفسه، فإذا انغمس في هذا الماء زيادة وارتفعت قدماه عن الأرض يبدأ يغرق، وعند ذلك لا يستطيع الخروج. وهذا حال من انغمس في البحر الذي لا يحسن السباحة فيه، ومن انغمس بالذنوب والمعاصي وصل إلى هذا الحال، الغالب أنه يغرق أو ينجو، الغالب أنه يغرق، ولا يستطيع النجاة إلا أن يلطف الله عز وجل به، وقليل من يلطف الله به فيجعل له سببًا يخرجه وينجيه. وهذا حال الأمثال هؤلاء، نسأل الله أن يلطف بنا، وأن لا يسلط علينا هوى أنفسنا وشهواتها، فإن الإنسان إذا تسلطت عليه النفس الأمارة بالسوء بالهوى والشهوة فإنه يدخل في مثل هذا الإدمان، فليكن مع ذلك يجتهد في التوبة والاستغفار وبذل أسبابها، ومن ذلك البعد عن الرفقة السيئة إلى آخره، ثم يلتجئ بين يدي الله التجاءً صادقًا الذي يرى الهلاك المحتم، وبإذن الله سينجيه الله عز وجل، يدعو دعاء المضطر، والله عز وجل أجاب دعوة المضطرين من الكافرين، فكيف بمن كان من المسلمين؟ أم من يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء ويجعلكم خلفاء الأرض؟ آله مع الله التوحيد الخالص. ومن ذلك الاتجاء إلى الله بصدق الدعاء والانطراح بين يديه ينجي بإذن الله تعالى. قال: وفوقه مشهد أجل منه وأعظم وأخص تجفو عنه العبارة، وهذا هو المشهد السادس. قال: تجفو عنه العبارة وإن أشارت إليه بعض الإشارة، يعني صعب وصف هذا المقام وتقريبه إلى الفهم بضرب مثل يعبر منه إليه، وذلك مثل عبد أخذه سيده بيده وقدمه ليضرب عنقه بيده، فهو قد أحكم ربطه وشد عينيه، وقد أيقن العبد أنه في قبضته وأنه قاتله لا غيره، وقد علم مع ذلك بره به ولطفه ورحمته ورأفته وجوده وكرمه، فهو يناشده بأوصافه ويدخل عليه به، قد ذهب عنه همه وشهوده كل سبب، وانقطع تعلقه بشيء سواه، فهو معرض عن عدوه الذي كان سببًا غضب سيده عليه، قد محى شهوده من قلبه، فهو مقصور النظر إلى سيده وكونه في قفلته، وناظر إلى ما يسمعه به، منتظر منه ما يقتضيه عطفه وبره وكرمه. وهذا الصنف يختلف عن الصنف الذي قبله، أن هذا الصنف قد أراد الخروج ولكن ما أمكنه الوقت والزمان، كمن أدركه رمق الموت قبل أن يتوب وقبل أن يفارق ما ابتلي به، فإنه يكون على يقين أنه بين يدي ربه وخالقه، فعند ذلك ليس عنده إلا صدق الالتجاء إلى الله بتوجه القلب إليه وتغليب باب الرجاء على باب الخوف، وتغليب باب الرجاء على باب الخوف. وهذا مثل من أخذه سيده كما قال وقدمه ليغرب عنقه، فعند ذلك هو يعترف بأنه يستحق هذه العقوبة لأنه حصل منه من التقصير والإصرار والعناد ما يستحق هذه العقوبة وزيادة، ولكن لحسن ظنه بسيده وما رأى من لطفه، وهذا بالنسبة للمثل المحسوس، فكيف بالله العظيم الذي رحمته وسعت كل شيء؟ فعند ذلك يكون عنده من حسن الرجاء وخالص الالتجاء ما يعينه إن شاء الله على لطف الله عز وجل به. ولا يعني ذلك أنه إن كان هناك إمكان للتوبة الصادقة بشروطها أن لا يفعلها، ولكن الكلام أنه ذهب وقت الإمكان. قال رحمه الله: ومثل الأول هو الخامس الذي تقدم، مثل عبد أمسكه عدو ويخنقه للموت، وذاك العبد يشهد خنق عدوه له ويستغيث بسيده، وسيده يغيثه ويرحمه، هذا الذي ابتلي بهوى نفسه وشهواتها حتى صار مدمنًا، فهذا المدمن مثله كمثل من أراد عدوه أن يقتله، فعند ذلك من ينجيه من هذا العدو الله وحده لا شريك له، فكأنه يقول: إن قطعت بي السبل يا الله إلا بك، ولا رجاء إلا عليك، فعند ذلك يدعو دعاء المضطر أن يخلصه من عدو نفسه، فيلطف الله عز وجل به. قال: ولكن ما يحصل للثاني في مشهده ذلك من الأمور العجيبة فوق ما يحصل للأول، وهو بمنزلة من قد أخذه محبوبه فهو يخلصه خنقة، وهو لا يشهد إلا خنقه له، وهو يقول: أخنق خنقك، فأنت تعلم أن قلبي يحبك. وفي هذا المثل إشارة وكفاية، وهذا كما قلنا المشهد الثاني أن يكون الخنق من المحبوب وليس من العدو، والمعنى أنه انتهى وقت الإمكان، فعند ذلك استحق عقوبة الله. ومثال آخر: إنسان ابتلي بإدمان المعاصي، فعاجله الله بالعقوبة في الدنيا قبل الآخرة، مثلا أصابه بحادث فأصيب بشلل رباعي أو أدخل في العناية المركزة، أعضاؤه ليست معه لكن بقي له قلب وسمع وبصر، يتفكر في أثر ذنوبه على نفسه، وكيف عاجله الله بعقوبة الدنيا قبل الآخرة، فمن الذي عقبه الله ومن الذي قربه من الهلاك والموت؟ الله بعدل منه سبحانه وتعالى. ولكن لما في قلبه من التوحيد وحسن الظن بالله، وما جرب من لطفه ورحمته، أي الرب العظيم، صار في قلبه من الالتفات إلى جانب الرجاء ما هو أكثر من جانب الخوف، وليس هذا اتكال وتساهل في الذنوب والمعاصي، لكن ابتلاه الله ففاته وقت الإمكان، فعند ذلك إذا التجأ إلى الله بصدر فقال بلسان الحال والمقال: يا رب ما أصابني أستحقه، وأنت الحكم العدل، وهذا هو قوله: أخنق، لأنه يعلم أنه يستحق هذه العقوبة، ولكنه يرجو لطفه ورحمته، ف لذلك يطلب أن يخرج من هذه الدنيا تائبًا، ولو خسر جسده ولو خسر الدنيا كلها، كل ما يرجوه حين وصل إلى ما وصل إليه بعد ما أصابته العقوبة أن يخرج من الدنيا تائبًا قبله الله في باب عبوديته، فعند ذلك يحصل له ما يرجوه إن شاء الله. ولهذا كان الثاني أعظم من الأول، لأن الثاني ليس عنده قدرة، قد عاجلته العقوبة. قال: وفي هذا المثل إشارة وكفاية، ومن غلظ حجابه وكثف طباعه لا ينفعه التصريح فضلا عن ضرب الأمثال. والله المستعان وعليه التكلان، ولا قوة إلا بالله، فهذه ستة مشاهد، وبهذا يكون قد انتهى من هذه المشاهد الستة، وجعل الخامس والسادس في هذا الفصل لما بينهما من التشابه كما سمعنا إلى هنا. والله تعالى أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.