طريق الهجرتين وباب السعادتين لابن القيم 133

طريق الهجرتين وباب السعادتين لابن القيم 133

الدرس في طريق الهجرتين وباب السعادتين لابن القيم 133، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

مشهد التوحيد وأثره في تحقيق العبودية

مشهد التوحيد يدرك فيه العبد عظمة الله وانفراده بالخلق والتدبير، مما يدفعه لتحقيق العبودية. هذا المشهد يعين على تجديد الإيمان وتحقيق معاني العبودية والخضوع لله.

تحقيق العبودية من خلال توحيد الرب وتعظيمه

يتطلب تحقيق العبودية شهود معاني توحيد الرب وتعظيمه، مما يؤدي إلى الخضوع والذل لله. العبد الموفق يجمع بين توحيد الرب وتعظيمه والنظر إلى نفسه واحتقاره.

أهمية الاستغفار واعتراف العباد بالتقصير

الاستغفار مهم للعبد حتى الأنبياء اعترفوا بتقصيرهم وطلبوا المغفرة من الله. حكمة الله في وقوع الذنوب تمنع الاغترار بالطاعات وتدعو إلى التواضع والاستغفار.

دعاء إبراهيم عليه السلام والالتجاء إلى الله

دعا إبراهيم ربه للسلامة من الشرك والتقصير، ويدل ذلك على أهمية الافتقار إلى الله. ينبغي للعبد أن يلتجئ إلى الله دائمًا للسلامة من الشرك والتقصير.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه «طريق الهجرتين»: قال المشهد الرابع مشهد التوحيد والأمر، فيشهد انفراد الرب تعالى بالخلق والنهي، وتعلق المشيئة، وتعلق الموجودات بأسرها بها، وجريان حكمه على الخليقة، وانتهائها إلى ما سبق في علمه وجرى به قلمه. ويشهد مع ذلك أمره ونهيه، وثوابه وعقابه، وارتباط الجزاء بالأعمال، واقتضائها له ارتباط المسببات بأسبابها التي جعلت أسبابًا مقتضية له شرعًا وقدرًا وحكمة. فشهوده توحيد الرب تعالى، وانفراده بالخلق، ونفوذ مشيئته، وجريان قضائه وقدره، يفتح له باب الاستعانة به، ودوام الالتجاء إليه، والافتقار إليه، وذلك يدنيه من عتبة العبودية. ووجهه أنه كلما كمل توحيده، كمل تعظيمه لربه وخالقه، فتكمل معاني ربوبية الرب سبحانه وتعالى، وألوهيته، وأسمائه وصفاته. فإذا حصل عنده هذا الشهود في قلبه وفي علمه، عرف قدر هذا الرب العظيم، فعند ذلك يحصل له من الخضوع والذل والمحبة والإجلال لهذا الرب العظيم ما تتحقق معه العبودية. ولهذا قال: «ويدنيه ذلك من عتبة العبودية»، لأن هذا العلم إذا صار شهودًا جلبه هذا إلى أن يحقق معاني العبودية في نفسه، بخلاف إذا كان جاهلًا بمعاني التوحيد وعظمة الرب سبحانه وتعالى، فإنه يحصل له من الغفلة ما يضعف معاني العبودية. ولهذا أمر المسلم أن يجدد توحيده وإيمانه بربه ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا﴾ يعني جددوا إيمانكم. فتجديد الإيمان بمعرفة معاني التعظيم والإجلال للرب العظيم سبحانه في معاني ربوبيته وإلوهيته وأسمائه وصفاته يعين على تحقيق هذه العبودية لله العظيم. وإذا تحققت هذه العبودية العظيمة تحقق عند صاحبه من الافتقار والخضوع والذل، وكذلك معاني المسكنة ما يدفعه لإصلاح نفسه والتوبة عن ذنوبه، وهذا هو أعلى المقامات وأرفع المشاهد. ولهذا سيأتي معنا أن هذا المشهد هو مشهد الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام، ومن اتبعهم بإحسان من الصديقين والشهداء والصالحين وخيار المؤمنين. قال رحمه الله تعالى: «ودوام الالتجاء إليه والافتقار إليه، وذلك يدنيه من عتبة العبودية، ويطرحه بالباب فقيرًا عاجزًا مسكينًا لا يملك لنفسه ضَرًا ولا نفعًا ولا موتًا ولا حياة ولا نشورًا». ولا يمكن أن يتحقق هذا إلا إذا تحقق شهود معاني توحيد الرب وتعظيمه وإجلاله سبحانه، وعند ذلك تأتي معاني العبودية بالخضوع والذل والإجلال للرب العظيم وحبه والافتقار إليه. قال رحمه الله تعالى: «وشهوده وأمره تعالى ونهيه وثوابه وعقابه يوجب له الجد والتشمير وبدل الوسع والقيام بالأمر، والرجوع على نفسه باللوم والاعتراف بالتقصير». ووجه ذلك أنه إذا شاهد الأمر والنهي من الرب العظيم حقق أولًا التوحيد والتعظيم للرب، وأتبعه حسن تعبد، فإن ذلك يورثه شهود الأمر والنهي والثواب والعقاب؛ لأنه علم أنه أمر ونهي من رب عظيم له حقوق عظيمة، ولعبد فقير مقصر عليه حقوق عظيمة. فإذا عرف حقوق العبد وعرف حقوق الرب العظيم أورثه هذا الجد والتشمير وبدل الوسع للقيام بالأمر. وقال «بدل الوسع»؛ لأن الناس يتفاوتون في هذا الوسع. ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «وما أمرتكم من أمر فأتوا منه ما استطعتم». قال رحمه الله تعالى: «والقيام بالأمر، والرجوع على نفسه باللوم والاعتراف بالتقصير، فيكون سيره بين شهود العزة والحكمة والقدرة الكاملة والعلم السابق والمنة العظيمة، وبين شهود التقصير والإساءة». الأول معاني ربوبية وألوهية الرب سبحانه وتعالى وكماله بأسمائه وصفاته وشرعه ودينه وقضائه وقدره، والثاني نظره لنفسه في معاني عبوديته أين هي من حق هذا الرب العظيم. قال: «وبين شهود التقصير والإساءة منه وتطلب عيوب نفسه وأعمالها، فهذا هو العبد الموفق المعاني الملطوف به المصنوع له الذي أقيم في مقام العبودية وضمن له التوفير». يعني هذه صفات العبد الذي كمل في عبوديته الذي يجمع بين توحيد الرب وتعظيمه بالمعاني المتقدمة، والنظر إلى نفسه واحتقاره في تحقيق معاني العبودية المتقدمة. قال رحمه الله: «هذا مشهد الرسل صلوات الله وسلامه عليهم، فهو مشهد أبيهم آدم إذ يقول: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾». وفيه أن هذا المقام لا يعني أن صاحبه يسلم من الخطأ والتقصير، بل والذنوب والمعاصي؛ فبمعنى بشريته يحصل منه التقصير. ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «كل ابن آدم خطاء، ولكن خير الخطائين منهم هم التوابون الذين يتوبون وينيبون ويرجعون إلى الله فيعترفون بتقصيرهم وتفريطهم وعظمة الرب العظيم، فعند ذلك تتحقق معاني العبودية، فتتجدد هذه العبودية». ولهذا كان من حكمة الله عز وجل القدرية في وقوع الذنوب والمعاصي هو عدم الاغترار بالطاعات حتى لا يغتر العبد بطاعاته، جعلت له هذه المعاصي قدرًا وإن كرهها الله عز وجل ولم يرضها ولم يحبها شرعًا، لكنه أوقعها قدرًا لحكمة أو لحكم كثيرة من هذه الحكم افتقار العبد إلى ربه وخالقه وعدم الاغترار بطاعاته وإحسانه. ولهذا قال آدم عليه الصلاة والسلام: ﴿وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾، فإذا قال هذا آدم أبو البشر عليه الصلاة والسلام، فنحن من باب أولى أن نقول هذا بلسان الحال وبلسان المقال، حتى ولو لم تذنب فأنت مقصر؛ لأنك لم تؤد العبودية على وجهها، وهذا نوع تقصير وذنب، فضلًا عن حال حقيقة الإنسان الذي لا يسلم من ذنب وتقصير. قال رحمه الله: «مشهد أول الرسل نوح عليه الصلاة والسلام إذ يقول: ﴿رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾». وتأمل قول آدم وقول نوح، فإنه ما قال «لنكونن من الخاسرين»، وقال «أكن من الخاسرين»، فالخسارة كل الخسارة ألا يغفر لك ربك ولا يرحمك، فلذلك أنت مفتقر إليه سبحانه وتعالى بالرحمة والمغفرة. فكان من أعظم الذكر الذي واظب عليه الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام، ومنهم نبينا عليه الصلاة والسلام، الاستغفار كثرة الاستغفار. وكان من كثرة استغفار عليه الصلاة والسلام أنه يشهد له في المجلس الواحد أكثر من سبعين استغفارًا، وفي رواية مئة استغفار في المجلس الواحد، كما في حديث ابن هريرة وحديث الأغر رضي الله عنهم وأرضاهم. وفي حديث ابن عمر: «كان يكثر يقول: رب اغفر لي وتب علي إنك أنت التواب الرحيم، رب اغفر لي وتب علي إنك أنت التواب الرحيم» يكرر ذلك، وهو إمام الأتقياء عليه الصلاة والسلام. قال: «ومشهد إمام الحنفاء وشيخ الأنبياء إبراهيم صلوات الله وسلامه عليه وعليهم أجمعين إذ يقول: ﴿الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ * وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ * وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ * وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ * وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ﴾». وهذا كذلك موضع آخر من مواضع افتقار الأنبياء عليهم الصلاة والسلام لربهم وخالقهم. فإذا كان هذا مقام الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، فنحن من باب أولى. قال: «وقال في دعائه: ﴿رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ﴾»، فعلم صلى الله عليه وسلم أن الذي يحول بين العبد وبين الشرك عبادة الأصنام هو الله لا رب غيره، فسأله أن يجنبه وبنيه عبادة الأصنام. وهكذا كذلك ينبغي أن يكون العبد في دوام الافتقار إلى الله سبحانه وتعالى، سواء مما وقع منه من تقصير أو لم يقع؛ لأنه لا تحصل له السلامة والأمن إلا بتحقق هذا الافتقار والالتجاء إليه. إلى هنا والله تعالى أعلم، صلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.