الدرس في طريق الهجرتين وباب السعادتين لابن القيم 53، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
الإيمان بالقدر يشمل الأحاديث النبوية وأقوال الصحابة، والأخلاق قد تكون فطرية أو مكتسبة. بعض الناس يولدون بأخلاق فطرية جيدة مثل أشج عبد القيس.
الأخلاق المعنوية مثل الأخلاق الجسدية، بعضها فطري وبعضها يكتسب بالممارسة والتدريب. الإنسان مطالب بالمحافظة على الصفات الجيدة والتخلص من السيئة.
حديث أبي هريرة يبين أن الكتابة الإلهية لا تنافي عمل الإنسان واختياره، ومراتب الإيمان بالقدر هي العلم، الكتابة، المشيئة، والخلق.
الإيمان بالقدر يعطي المؤمن الثقة بالله واليقين بأن ما يصيبه هو ما كتبه الله له، وهو أحد أصول الإيمان الستة.
الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه «طريق الهجرتين وباب السعادتين»: قاله بالصحيح عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأشج عبد القيس: «إن فيك لخلقين يحبهم الله: الحلم والأناة». قال: يا رسول الله، أخلقين تخلقت بهما أم جبلت عليهما؟ قال: «بل جبلت عليهما». قال: الحمد لله الذي جبلني على خلقين يحبهم الله. وقال أبو هريرة رضي الله عنه: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «جف القلم بما أنت لاقٍ». رواه البخاري تعليقًا. وذكر البخاري أيضًا عن ابن عباس في قوله عز وجل: ﴿أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ﴾، قال: سبقت لهم السعادة. وفي سنن أبي داود وابن ماجة، من حديث عبد الله بن مسعود، وحديث ابن اليمان، وعب بن كعب، وزيد بن ثابت: أن الله لو عذب أهل سماواته وأهل أرضه، لعذبهم وهو غير ظالم لهم، ولو رحمهم، كانت رحمته خيرًا لهم من أعمالهم، ولو أنفقت مثل أحد ذهبًا في سبيل الله، ما قبله الله منك، حتى تؤمن بالقدر، وتعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطأك لم يكن ليصيبك، ولو مت على غير هذا لدخلت النار. فقاله زيد بن ثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم. هذه مجموعة من الأحاديث والآثار، كذلك لها تعلق بالقدر. ووجه تعلقها أنها فيها: ما جبل الله عز وجل الأشج عبد القيس على هذين الخلقين، وذلك معناه أنه خلق وفيه هذه الأخلاق أو هذين الخلقين. ولا ينافي ذلك أن الإنسان يكتسب، ولهذا سأل رضي الله عنه وأرضاه بقوله: تخلقت بهما أم جبلت عليهما؟ ولهذا قال العلماء: الأخلاق تأتي للإنسان من طريقين: طريق يكتسبهم الإنسان بما فطره الله عز وجل عليه. فتجد هذا شديدًا، وهذا رفيقًا، وتجد هذا غضوبًا، وهذا ليس بغضوب، بل تجده دائمًا مسرورًا. وتجد هذا كذلك، كما هي في الأخلاق الجسدية، كذلك في الأخلاق المعنوية: هذا قوي، وهذا ضعيف، وهذا أسود، وهذا أبيض. كذلك الأخلاق. ووجه آخر: أن بعضها يكتسب، فهذا الضعيف إذا مارس الرياضة وأعمال القوة، فإنه يصير قويا. وكذلك ذاك الغضوب إذا روض نفسه على أن يكتم غضبه ويتكلف السرور، فإنه يكون معه هذا الخلق. وكذلك الحلم والصبر وغيرها من الصفات. ومن ذلك الحلم والأناة، فجبل الله عز وجل هذا الصحابي بهذين الخلقين. ولا ينافي ذلك أن الإنسان يكتسب هذين الخلقين. فهذا بقدر الله، وأعمال العاملين بقدر الله سبحانه وتعالى. ولكن فضل الله واسع، قد يكرم الله عز وجل بعض الناس ببعض الصفات الحسية أو المعنوية. فإذا أكرم الله عز وجل بعض الناس ببعض الصفات، فهذا من فضل الله سبحانه وتعالى. فإن حافظ عليها بقيت، وإن لم يحافظ عليها ذهبت. كما يقال في الصفات الجسدية والحسية، كذلك يقال في الصفات المعنوية. بعض الناس يجبل على الكرم، فإذا حافظ على هذه الصفات واستعان بها بقيت فيها. ولكن إذا خالط أهل البخل، كرمه سيقل. إنسان ليس له رغبة بالشر، حاله بالغالب منزوي، ما يحب الفوضى والشر الذي عند بعض الناس، جبل على هذا. ولكنه إذا خالط الأشرار، سيكون عنده من الشر، وسيأتيه ولو قليلًا. فما أعطاك الله عز وجل مما أكرمك الله عز وجل به، فإن حافظت عليه وبدلت أسباب حفظه حفظها الله لك، فأنت مأجور في المحافظة على الصفات الجميلة التي أعطاك الله عز وجل. وإذا لم تحافظ عليها، فإنك تحاسب وتعاقب على ذلك. وهكذا كذلك قل في الصفات السيئة، فإنك إذا جاهدت نفسك في دفعها، أجرت على هذه المدافعة. أنت جاهدت نفسك على الغضب، جاهدت نفسك في دفع الحزن، وجاهدت نفسك في دفع كذلك الصفات الأخرى السيئة، فأنت مأجور على هذه المجاهدة وإصلاحك لنفسك. ولله يحكم كذلك في وجود هذه الصفات، قد تكون هذه الصفات تصل إلى الإنسان بالتوارث، تصل إلى الإنسان بالتوارث، يرثها الإنسان من أبائه وأجداده، وهذا موجود. أو يكون لها أسباب كذلك أثناء الحمل، كما يقولون: إذا كانت المرأة في حزن، قد يأتي هذا الحزن للمولود في حملها، وفي أوقات خاصة، وغير ذلك مما جاء معناه في الشرع، ويؤيده العلم الحديث. فالله سبحانه وتعالى جعل أسبابًا لوجود هذه الصفات، ولكن لا يعني ذلك أن الإنسان ليس محاسبًا على أعماله، وأنه كذلك ليس مطالبًا بشيء، بل هو مطالب. فما أعطاك الله، أنت مطالب بالمحافظة عليه، وكذلك تكثيره. وما حرمت أو لم تجده عندك، فأنت مأمور بتحصيله. فصفات الخير أنت مطلوب بتحصيلها، وصفات السوء والشر أنت مأمور بدفعها. وحديث أبي هريرة: «جف القلم بما أنت لاقٍ»، كذلك المقصود منه. والحديث كما ذكر، أورده البخاري معلقًا، ووصله الإسماعيلي في المستخرج وغيره بإسناد صحيح. ما معنى الحديث المعلق؟ عند من: الحديث المعلق: أن يحدث راوي أكثر من أول إسناد. أن يحدث المصنف شيخه فأكثر. فهذا هو المعلق. أن يحدث المصنف شيخه فأكثر، فيكون معلقًا. والبخاري رحمه الله في الغالب يورد الحديث المعلق لأحد أمور ثلاثة: إما أنه يورده وهو ليس على شرطه، ليس على شرطه، فلا يريد أن يدخله في كتابه وهو ليس على شرطه. لأن للبخاري شروط أشد من شرط الصحة. وثانيًا: أنه قد يكون ضعيفًا، ولكن معناه صحيح، ضعيف لكن معناه صحيح، فيورده لأجل أن يستدل به على معنى معين. وهذا المعنى دلت عليه عمومات أو أدلة، ولكن بهذا اللفظ لم يصح. والشاهد فيما يتعلق بما أورده الإمام ابن القيم رحمه الله هنا: «جف القلم بما أنت لاقٍ»، يعني أن كل ما يعمله الناس قد كتبه الله سبحانه وتعالى، قد جف القلم منه. وهذه الكتابة لا تنافي عمل العاملين كما تقدم معنا. وهكذا كذلك أثر ابن عباس في تفسير الآية: قال: سبقت لهم السعادة، يعني في علم الله سبحانه وتعالى. وهذا لا ينفي عمل العاملين وطلبهم لأسباب السعادة. وهكذا حديث أبي داود، وهو موقوف عن عدد من الصحابة، ورواية مرفوعًا، وصححه أكثرهم. هذا الحديث موقوفًا لا مرفوعًا، ومعناه ثبت في أحاديث أخرى مرفوعة كحديث ابن عباس المشهور. والشاهد: أنه لا يتم الإيمان حتى يؤمن بالقدر، أي بمراتبه الأربعة التي دلت عليها عمومات الأدلة من الكتاب والسنة. ما هي المراتب الأربعة؟ أولها: العلم. ثانيًا: الكتابة. وقوله: وتعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطأك لم يكن ليصيبك، كذلك هذا من القدر. أن الله عز وجل ما كتبه وقدره، وهو الذي يكون. فلذلك يكون المؤمن في ثقة بالله عز وجل ويقين: أنه لن يصيبه إلا ما كتب الله له، لن يصيبه إلا ما كتب الله له. وهذا أصل من أصول الدين، ولهذا قال: ولو مت على غير هذا لدخلت النار، لأنه من أصول الإيمان الإيمان بالقدر، أحد أركان الإيمان الستة. لهنا والله تعالى أعلم.