طريق الهجرتين وباب السعادتين لابن القيم 142

طريق الهجرتين وباب السعادتين لابن القيم 142

الدرس في طريق الهجرتين وباب السعادتين لابن القيم 142، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

مفهوم الإنابة ودرجاتها

الإنابة هي الرجوع إلى الله تعالى وتتضمن المحبة والخشية، ولها درجات متفاوتة تبدأ بترك المعاصي وتصل إلى إنابة الروح بجملتها إلى الله بمحبة خالصة.

صفات العبد المنيب وأعلى درجات الإنابة

يتميز العبد المنيب بتوجه جميع أجزائه إلى الله، وتتنوع درجات الإنابة حتى تصل إلى أعلى درجاتها وهي إنابة الروح بمحبة خالصة.

لذة الإنابة والقرب من الله وثمارها

الإنابة الخالصة تنتج عن التوبة الصادقة وتجعل العبد يجد لذة في طاعة الله، والإقبال على الله بجوارح الإنسان وروحه وقلبه يجعل الإنسان يجد حلاوة الإنابة.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه «طريق الهجرتين»: قال قاعدة، وفي نسخة: أو إضافة من بعض النساخ، قال في الإنابة ودرجاتها. قال: كثيرًا ما يتكرر في القرآن ذكر الإنابة والأمر بها، كقوله تعالى: ﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ﴾، وقوله: ﴿وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾، وقوله: ﴿تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِ عَبْدٍ مُّنِيبٍ﴾، وقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ﴾، وقوله عن نبيه داود عليه السلام: ﴿وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ﴾. فالإنابة الرجوع إلى الله، وانصراف دواع القلب وجواذبه إليه، وهي تتضمن المحبة والخشية، فإن المنيب محب لمن أناب إليه، خاضع له، خاشع، ذليل. والناس في إناباتهم على درجات متفاوتة، فمنهم المنيب إلى الله بالرجوع إليه من المخالفات والمعاصي، وهذه الإنابة مصدرها مطالعة الوعيد، والحامل عليها العلم والخشية والحذر، وهذه درجة من درجات الإنابة، لكنها إنابة ناقصة وقاصرة؛ لأن الإنابة الكاملة هي الرجوع إلى الله المتضمن للمحبة والخشية والخضوع والذل. فإذا اكتملت هذه الأربع، فإنها تكون إنابة كاملة. وأما هذا الأول، فهي إنابة فيها أحد هذه الأربع، وهو الخشية والحذر؛ فلذلك كانت إنابة قاصرة وناقصة. قال: ومنهم المنيب إليه بالدخول في أنواع العبادات والقربات، فيوسع فيها بجهده، وقد حبب إليه فعل الطاعات وأنواع القربات. وهذه الإنابة مصدرها الرجاء ومطالعة الوعد والثواب ومحبة الكرام من الله. وهؤلاء أبسط نفوسًا من أهل القسم الأول؛ لأنهم جمعوا شيئًا زائدًا عن أصحاب القسم الأول، فصار معهم من الرجاء ومطالعة الوعد والثواب ما هو زائد عن الخشية والحذر. قال رحمه الله: أشرح صدورًا، وجانب الرجاء ومطالعة الرحمة والمنة أغلب عليهم. وإلا فكل واحد من الفريقين منيب بالأمرين جميعًا؛ يعني الذي رجع إلى الله بترك المعاصي والمخالفات، كذلك يرجو التواب، لكن الدافع الأكثر هو ماذا؟ الخشية والحذر. والذي رجع إلى الطاعات والقربات، كذلك عنده خشية، ولكن الداعي الأكثر هو مطالعة الوعد والثواب. قال رحمه الله تعالى: ولكن خوف هؤلاء درج في رجائهم، فأنابوا بالعبادات. ورجاء الأولين درج تحت خوفهم، فكانت إنابتهم بترك المخالفات؛ لأنهم مع ترك المخالفات فعلوا الطاعات، ولكن قد يكون لم يبلغوا الدرجات العالية فيها. والذين فعلوا الطاعات تركوا المخالفات، ولكن غرضهم ومهمتهم هو طلب الوعد والرضوان والثواب والوصول إلى الدرجات العالية. قال: ومنهم المنيب إلى الله بالتضرع والدعاء والافتقار إليه، والرغبة وسؤال الحاجات كلها منه. ومصدر هذه الإنابة شهود الفضل والمنة والغنى والكرم والقدرة، فأنزلوا به حوائجهم وعلقوا به آمالهم. فإنابتهم إليه من هذه الجهة مع قيامهم بالأمر والنهي، ولكن إنابتهم الخاصة إنما من هذه الجهة. وأما الأعمال، فلم يرزقوا فيها الإنابة الخاصة. فهؤلاء الذين نظروا إلى افتقارهم إلى الله وغنى الرب سبحانه وتعالى وفضله، كان معهم معنى زائد عن الرغبة والخوف والخشية، وذلك أنهم نظروا إلى عظمة الرب سبحانه وتعالى وفقر أنفسهم، وهذا نوع من الخضوع والذل، فكان في هذا الجانب أوفى من غيره من الجوانب الأخرى، ولهذا كانت لهم في هذا خاصة، وفي غيرها عامة، وهم أفضل من الدرجتين السابقتين. قال: ومنهم المنيب إليه عند الشدائد والضراء فقط، إنابة الطرار لا إنابة اختيار، كحال الذين قال الله فيهم: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ﴾، وقوله: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾. وهؤلاء أقل هؤلاء الثلاثة مرتبة، وهم الذين ما عرفوا الله إلا في الشدائد، شبهوا أنفسهم بالمشركين الذين ما عرفوا الله إلا في الشدة، وهم أضعف هذه الدرجات. قال: وهؤلاء كلهم قد تكون نفس أرواحهم ملتفتة عن الله معرضة عنه إلى مألوف قبيح نفساني قد حال بينها وبين إنابتها بذاتها إلى معبودها وإلهها الحق، فهي ملتفتة إلى غيره، ولها إليه إنابة بحسب إيمانها به ومعرفتها له، وإن شاء كذلك بحسب اشتغالها بغيره. فمن الناس من ينشغل عن الله سبحانه وتعالى بالمعاصي، والمعاصي بريد الكفر، فإذا تدرج في خطوات الشيطان ربما وصل به إلى الكفر والشرك والنفاق. ومنهم من انشغل بالمباحات أو كذلك الرخص ونحو ذلك، فيكون هذا مدعاه إلى الغفلة. فالناس متفاوتون في حصول الشواغل التي تأخذ التفاتهم من التوجه إلى الله الخالص والالتفات إلى غير الله سبحانه وتعالى. قال: فأعلى أنواع الإنابات إنابة الروح بجملتها إليه بشدة المحبة الخالصة المفنية لهم عما سوى محبوبهم ومعبودهم. وحين أنابت إليه أرواحهم لم يتخلف منه شيء عن الإنابة؛ فإن الأعضاء كلها رعية وملكها تبع للروح، فلما أنابت الروح بذاتها إليه إنابة محب صادق المحبة، ليس فيه عرق ولا مفصل إلا وفيه حب ساكن لمحبوبه. وأنابت جميع القوال والجوارح، فأناب القلب أيضًا بالمحبة والتضرع والذل والانكسار، وأناب العقل بانفعاله لأوامر المحبوب ونواهيه وتسليمه لها وتحكيمه إياها دون غيرها، فلم يبق فيه منازعة ولا معترضة دونها. وأنابت النفس بالانقياد والانخلاع عن العوائد النفسانية والأخلاق الذميمة والإرادات الفاسدة، وانقادت للأمر خاضعة له راغبة فيه، مؤثرة إياه على غيره. فلم يبق فيها منازعة شهوة اعترضها دون الأمر، وخرجت عن تدبيرها واختيارها توفيضًا إلى مولاها الحق، ورضًا بقضائه وتسليمًا لحكمه. وقد قيل: إن تدبير العبد لنفسه هو آخر الصفات المذمومة في النفس. وأناب الجسد بالأعمال والقيام بها على أوجهها، وأنابت كل جارحة وعضو إنابتها الخاصة. فلم يبق من هذا العبد المنيب عرق ولا مفصل إلا وله إنابة ورجوع إلى الحبيب الحق الذي كل محبة سوى محبته عذاب على صاحبها، وإن كانت عذبة في مبادئها. وهذا كل ما سوى الله، كل ما سوى الله ينشغل به الإنسان، تكون اللذة في أولها، ولكن عواقبها وخيمة. وأما الانشغال بالله عز وجل ومحبته، فهو الذي به تكون حلاوة في أولها وآخرها، ولا تنتهي بل تزداد، ويرتقي الإنسان في حلاوة الإيمان ودرجاته حتى يرتقي إلى أعلى الدرجات، فيصل إلى اليقين الذي يكون به الغيب والشهادة واحد، والظاهر والباطن واحد. وهذا لا يصل إليه إلا بأن يكتمل عنده تلك الصفات الأربع: الخوف والرجاء، مع ما يلحق به من المحبة والخضوع والذل التي يكون بها كمال العبودية لله عز وجل. وإذا تحقق هذا، صارت كما ذكر رحمه الله الروح والقلب والجسد والجوارح كلها مقبلة على الله سبحانه وتعالى. وقد يقول قائل: هذا المطلب يطلبه كل أحد، ولكن كيف يصل إليه؟ الوصول إليه شيء صعب. الجواب: أعاننا الله عز وجل للوصول إلى هذا الطريق بأوامره وبشرعه ودينه؛ فلم يرسل رسله ولم ينزل كتبه ولم يجعل شريعته إلا لأجل الوصول إلى أعلى الدرجات في العبودية. فإذا تدرج الإنسان في العلم والعمل وارتقى سلم الإسلام والإيمان والإحسان، فوصل بتدرجه في العلم والعمل إلى أعلى مراتب الدين، فإنه سيجد هذه اللذة التي تحدث عنها العلماء، ووصفتها نصوص الكتاب والسنة. فهذا الذي يذكره الإمام ابن القيم رحمه الله ليس شيئًا مكتوبًا غير موجود، ولا شيئًا خياليًا ليس له حقيقة، بل كل واحد منا قد يجد في فترة من الفترات ولحظة من اللحظات معنى هذه اللذة وهذا القرب من الله سبحانه وتعالى. ولكن إذا تأمل، يجد أن هذا القرب يكون في مواضع، من أعظم هذه المواضع حين يقرب إلى الله بالعبادات، فيجد من اللذة والأنس بالله والالتفات إليه دون غيره ما لا يجده في غير تلك اللحظات. وهكذا كذلك بعد توبته وإنابته كما تقدم معنا. ولهذا جعل رحمه الله فصل الإنابة بعد فصل التوبة؛ لأن حقيقة الإنابة هي ثمرة التوبة، حقيقة الإنابة هي ثمرة التوبة. إذا كملت التوبة وصدق صاحبه فيها، تحققت له الإنابة، فارتقت توبته إلى إنابة. فعند ذلك إذا كملت إنابته بكمال توبته، يجد هذه اللذة وهذا الوصف وهذا الخضوع لروحه وقلبه وجوارحه وجسده؛ لأنه قد تاب توبة صادقة كاملة، وارتقى بها الإنابة إلى الله، وأحسن في إسلامه. فإذا كمل إسلام المرء وكملت توبته وإنابته، وجد هذه اللذة. قال رحمه الله: «وإن كانت عذبة في مبادئها، فإن عذاب في عواقبها». فإنابة العبد ولو ساعة من عمره، هذه الإنابة الخالصة، أنفع له وأعظم ثمرة من إنابة سنين كثيرة من غيره. فأين إنابة هذا من إنابتي من قبله؟ وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء. بل هذا روحه منيبة أبدًا، وإن توارى عنه شهود إنابتها باشتغال، فهي كامنة فيها كمون النار في الزناد. والمعنى: احرص على الوصول إلى هذه المرتبة؛ لأنك إذا حرصت عليها، فستجد هذه اللذة التي ستشتاق إليها يومًا من الأيام، تصيب الإنسان غفلة بانشغاله بهذه الدنيا الواسعة وما فيها من شواغل. نسأل الله سبحانه وتعالى أن لا يشغلنا إلا بطاعته. ولكن حين يتذكر تلك اللذة التي وجدها في وقت توبته وإنابته ورجوعه إلى ربه، أو في وقت إقباله في طاعته في مواسم الخيرات ومواضع الرحمات، كما يجده الناس عامة الناس في العشر الأواخر من رمضان مثلًا، وفي طلب ليلة القدر، فإنهم يجدون من اللذة والإنابة والقرب من الله والأنس به وحلاوة مناجاته ودعائه ما لا يجدونه في غيره من الأيام. ما المانع أن يكون عند الإنسان هذا الإقبال في غير هذه العشر؟ هل هناك مانع؟ ما هناك مانع. ما الذي يمنع بينه وبين أن يجد تلك اللذة؟ فقط أن يعيد تلك الروحانيات التي كان يتمتع بها، فإذا عادها في الثلث الأخير من الليل، ولو كان وحده، بتلاوة القرآن والصلاة والدعاء والابتهال واللجوء إلى الله، فإنه سيجد هذه اللذة. ولهذا كان سلفنا وعلماؤنا وأمتنا يجدون في صلاة الليل لذة لا تساويها لذة. وهذا الذي يجدونه هو الذي جعلهم يكابدون الليل ويحافظون على قيام الليل؛ لأنهم ذاقوا حلاوة لا يريدون افتقادها. وهكذا كذلك الإنسان حين يجد هذه اللذة في لحظة من لحظات عمره، فيتذكرها خير له مما سواه، كما ذكر رحمه الله؛ لأن حنين القلب يرده لطلبها، فما عليه إلا أن يبدل أسبابها حتى يجد لذتها. قال رحمه الله: أما أصحاب الإنابات المتقدمة -يعني الأقسام الثلاثة الأخيرة- فإن أناب أحدهم ساعة بالدعاء والذكر والابتهال، فلنفسه وروحه وقلبه وعقله التفات عما قد أناب إليه، فهو ينيب ببعضه ساعة، ثم يترك ذلك مقبلًا على دواع نفسه وطبعه. والله الموفق والمعين، لا رب غيره، ولا إله سواه. ونستطيع أن نضرب لهذا مثالًا حال الناس في العشر الأواخر من رمضان، على سبيل المثال، تجد إقبال الناس في العمل في الظاهر واحد، لكن في الروح والقلب يختلف. وكما قال الإمام ابن القيم رحمه الله: «رب اثنين مصطفين بجانب بعضهما البعض، صلاة أحدهما كما بين السماء والأرض». هذا بغفلة قلبه، فجسده في المسجد، ولكن قلبه خارج المسجد، قلبه خارج الصلاة أصلًا، ليس خارج المسجد. ولذلك لو سألته حين يخرج من الصلاة: ماذا قرأ الإمام؟ ما درى. ولو شكفته وقلت: هل سها الإمام؟ قال: ما أدري. لكن الذي كان حاضرًا في الصلاة، فإنه يجد من الحضور، وكذلك إقبال القلب والروح والجسد والجوارح، ما جعلت صلاته ترتقي إلى أعلى الدرجات. فهذا هو الفرق: أن الإنسان كلما أقبل على الله بجوارحه وبروحه وبقلبه وبجسده، وجد ثمرة ذلك في الحلاوة التي يجدها. وهذه أعلى مراتب الإنابة. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يوفقنا وإياكم للتوبة إليه وإنابة إليه، وأن يجعلنا من خاصة أهل طاعته والتمسك بسنة نبيه صلى الله عليه وسلم. وإلى هنا والحمد لله رب العالمين.