طريق الهجرتين وباب السعادتين لابن القيم 144

طريق الهجرتين وباب السعادتين لابن القيم 144

الدرس في طريق الهجرتين وباب السعادتين لابن القيم 144، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

مقدمة في خطورة الخواطر

الخواطر بحر لا ساحل له وقد تؤدي إلى الوقوع في المعاصي إذا لم يقاومها الإنسان. يجب على الإنسان أن يحارب الخواطر ويعالجها.

التساهل في الخواطر الوسواسية ونتائجه

التساهل في الخواطر الوسواسية قد يؤدي إلى الوقوع في المعاصي والهوى. هذا التساهل يمكن أن يؤدي إلى الإدمان على المعصية.

أهمية الخواطر الإيمانية وتربية النفس

الخواطر الإيمانية تؤثر على سلوك المؤمنين وأعمالهم. يجب الحفاظ عليها وتربية النفس عليها.

ختام الدرس والصلاة على النبي

المقطع الأخير يشير إلى انتهاء الحديث والصلاة على النبي محمد وآله وصحبه. يعبر عن شكر المشاهدين.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه «طريق الهجرتين»: «قال التاسع: أن يعلم أن تلك الخواطر بحر من بحور الخيال لا ساحل له، فإذا دخل القلب في غمراته غرق فيه وتاه في ظلماته، فيطلب الخلاص منه فلا يجد إليه سبيلًا، فقلب تملكه الخواطر بعيد من الفلاح، معذب، مشغول بما لا يفيد». وهذا هو التاسع مما يعالج به باب الخواطر. فالخواطر كما تقدم معنا هو أحد الأمرين الذين يفسدان طريق السائر إلى الله، ومن يطلب الاستقامة. فإن مما يعين على الاستقامة في الأفعال والأعمال والأحوال أن يحارب هذه الخواطر ويعالجها، هذا الأمر الأول. وقد مرت معنا عدة وسائل تعين وأسباب على علاج ودفع هذه الخواطر، ومن هذه: هذا التاسع، أن يتقرر أن الخواطر كما ذكر: بحر من بحور الخيال لا ساحل له. فإذا تقرر هذا، كان ثمرته أن لا يتساهل الإنسان في باب الخواطر؛ لأنه إذا تساهل في باب الخواطر غرق في ذاك البحر الذي لا ساحل له، وكانت نهايته فساد قلبه وتعذيبه وإشغاله بما لا يفيد. ولا شك أن الإنسان مرت به في حياته بعض الخواطر التي شغلته وأضرت به ضررًا عظيمًا، فيكون له عبرة وعظة بما ابتلي به أن لا يقع في مثله مرة أخرى. والمؤمن لا يلدغ من جحر واحد مرتين. وقد يقول قائل: قد يزين الشيطان للإنسان بلذة المعصية، وفضول النفس الأمارة بالسوء أن يدخل في هذه الخواطر، ثم زعمًا منه بمجرد أن يعرف أنها خطر وسوء سيرجع منها. فيقال له: احذر، احذر من هذا؛ فإنه كذلك من وساوس الشيطان، هذه التجربة التي تزعمها، وهذا كذلك المقترح الذي وضعه لك الشيطان، إنما هو كذلك من الاستدراج. وما مثل من يستدرج بمثل هذا إلا مثل كمن ضرب فيه أهل العلم مثلًا، ضرب الإمام ابن القيم رحمه الله مثلًا في بعض كتبه الأخرى، فيمن يتعمق في الذنوب والمعاصي: كمن يتعمق في البحر وهو لا يحسن السباحة؛ فإنه يدخل برجليه ويقول: دخلت برجليه وسأخرج برجليه، ولا يدري أنه كلما ازداد تعمقًا في الماء وارتفعت رجلاه من الأرض أنه عند ذلك لا يستطيع الرجوع، فيغرر فيطلب النجاة ولا يساعده أحد. فكذلك بحر الخواطر، من استدرجه الشيطان وقال له: فقط أدفع الفضول وأدخل وأخرج، ولا يدري أنه إذا دخل غرق في هذا البحر، كالذي يدخل البحر وهو لا يحسن السباحة؛ فإنه لن يحسن الخروج من هذا البحر العظيم. وكلما كبرت هذه الخواطر عظم ذاك الخطر. وهذا مثل الذي يلعب بالنار، كذلك الذي يلعب بالنار ويستصغر شررها لا يدري إلا وأحرقته، خصوصًا إذا كان الذي يلعب بالنار في جسده فتيل لإشعال هذه النار، كمن يكون معه مثلًا البنزين ويلعب بالنار، فلا يدري إلا والشرر وقع في ذاك البنزين فانفجر عليه فهلك. وهذا كذلك حال من يتساهل في الخواطر؛ فإنه يلعب بشرر لا يدري أنه سينفلت من يده السيطرة عليه. وما أكثر الذين ابتلوا بمثل هذا، يتساهلون في الخواطر فما يدرون إلا واستدرجهم الشيطان ودخلوا في بحور الهوى والمعاصي حتى لم يستطيعوا الرجوع. قال العاشر: «أن تلك الخواطر هي وادي الحمقى وأمان الجاهلين، فلا تثمر لصاحبها إلا الندامة والخزي. وإذا غلبت على القلب أورثته الوساوس وعزلته عن سلطانه وأفسدت عليه رعيته وألقته في الأسر الطويل». وهذا كذلك الذي يخوض في الخواطر هو مثل الحمقى والجاهلين؛ لأنه تساهل في شيء خطير. وما أكثر من دخل هذا الوادي من الحمقى والجاهلين. والثمرة ماذا؟ الندامة والخزي، لكن متى؟ حين لا ينفع الندم. وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام: «وجعل الذل والصغار على من خالف أمري». وكما قال: «إذا غلبت على القلب أورثته الوساوس وعزلته عن سلطانه». السلطان هو العلم الذي به يرجح المصلحة من المفسدة، والمنفعة من المضرة، والخير من الشر. إذا دخل في هذا الباب انعزل عن هذا الميزان والمعيار الصحيح، وتمردت عليه الرعية. هذا مثل من يدخل على رعيته عدو فتان، تكون الرعية خاضعة مستجيبة متبعة، فأدخل العدو الفتان فحرض الرعية، فصارت الرعية ضد أميرها. والأمير هو القلب، والرعية هي الجوارح. كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، ألا وهي القلب». ويلقى في الأسر الطويل؛ ذلك لأنه يصعب عليه التخلص من ذلك. ولذلك مع الوقت يصير الإنسان مدمنًا للمعصية، وإن كان لا يجد لها لذة، لكنه صار مدمنًا للمعصية. اللذة ذهبت، إنما كانت اللذة في أول الأمر، ولكن بعد ذلك صار مأسورًا. ما هو الذي أسره؟ تمرد الجوارح، تعودت الجوارح على هذه المعصية وهذا الهوى، فصارت الجوارح مستعصية أن تستجيب لأمر القلب. هذا الذي تعود النظر إلى الصور المحرمة، والآخر الذي تعود العادة السرية، أو تعود كذا وكذا من الذنوب والمعاصي. في أول الأمر دخل فيها بإثارة الخاطر والتدرج وطلب اللذة، ثم بعد ذلك تمردت عليه الجوارح، فعند ذلك يصير مدمنًا، يصعب عليه الخروج من هذا الأسر. فهو مأسور، ما هو الذي أسره؟ أسرته ذنوبه ومعاصيه، فأثقلت عليه جوارحه، حتى إن بعضهم ربما يريد التوبة، ولكن تثقل عليه أبواب التوبة، يريد الطاعة تثقل عليه أبواب الطاعة. ما هو الذي أثقله؟ الذنوب والمعاصي وتعود الجوارح لهذا الباب. قال رحمه الله: «كما أن هذا معلوم في الخواطر النفسانية، فهكذا الخواطر الإيمانية الرحمانية أصل الخير كله». فإن أرض القلب متبذرة فيها خواطر الإيمان والخشية والمحبة والإنابة والتصديق بالوعد ورجاء الثواب. وسقيت مرة بعد مرة، وتعاهدها صاحبها بحفظها ومراعاتها والقيام عليها، أثمرت له كل فعل جميل، وملأت قلبه من الخيرات، واستعملت جوارحه في الطاعات، واستقر بها الملك في سلطانه، واستقامت له رعيته. ولهذا لما تحقق الطائفة من السالكين ذلك، عملوا على حفظ الخواطر، وكان ذلك هو سيرهم وعملهم. وهذا نافع لصاحبه بشرطين: يعني الاعتناء بالخواطر وتربية النفس على الخواطر الإيمانية، وقطع الخواطر الشيطانية من الأمور المهمة. لكن وضع رحمه الله شرطين اثنين لأجل أن لا يقع الإنسان في إفراط أو تفريط. قال: «وهذا نافع لصاحبه بشرطين: أحدهما أن لا يترك به واجبًا ولا سنة، الثاني أن لا يجعل مجرد حفظها هو المقصود، بل لا يتم ذلك إلا بأن يجعل موضعها خواطر الإيمان والمحبة والإنابة والتوكل والخشية، فيفرغ قلبه من تلك الخواطر ويعمره بأضدادها، وإلا فمن عمل على تفريغه منها معًا كان خاسرًا». فلابد من التفطن لهذا. ومن هنا غلط أقوام من أرباب السلوك، وعملوا على إلقاء الخواطر وإزالتها جملة، فبذر فيها الشيطان أنواع الشبه والخيالات، فظنوها تحقيقًا وفتحًا رحمانيًا، وهم فيها غالطون، وإنما هي خيالات وفتوحات شيطانية. والميزان والكتاب الناطق والفطرة السليمة والعقل المؤيد بنور النبوة. والمعنى: لا تدفع الخواطر كلها، ولكن ادفع الخواطر السيئة وأبدلها بالخواطر الطيبة، وأتبع ذلك بالعمل. وقوله: «غلط أقوام من أرباب السلوك» يعني الذين زعموا أنهم يعالجون الخواطر فتركوا الأعمال، وعند ذلك دخلت عليهم الشبه والخيالات بما يسمونه فتحًا رحمانيًا. وهؤلاء هم الباطنية، حتى زعموا أنهم يعبدون الله لا لجنة ولا لنار، ولا بخوف ولا رجاء، ولكن محبة خالية من المطامع. وهذا خطأ وجهل، وإنما هي فواتح شيطانية وليس رحمانية. فغلط أصحاب هذه الخيالات والفتوحات مثل ابن عربي، سمى كتابه «الفتوحات» وهي في الحقيقة إنما من الشيطان فتوحات شيطانية. والميزان هو ماذا؟ الكتاب الناطق، والفطرة السليمة، والعقل المؤيد بنور النبوة. كما قال ابن عمر رحمه الله: «إنما علم: آية ناطقة، أو سنة ماضية، أو لا أدري». طيب، لهنا والله تعالى أعلم، صلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم. شكرًا للمشاهدة.