الدرس في طريق الهجرتين وباب السعادتين لابن القيم 12، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يشرح الشيخ ابن بريك مفهوم الفقر والعبودية لله تعالى، حيث يبين أن الفقر الحقيقي هو الاستمرار في رؤية النفس مقصرة. هناك درجات للفقر، والفقر الحقيقي هو الذي يصل بالعبد إلى درجة الاضطرار والوقوع في يد الله تعالى وحده.
يشرح الكاتب مفهوم الفقر والغنى بالله، ويبين أن الفقر الحقيقي هو الاضطرار إلى الله والاعتراف بالعجز والضعف أمامه. يحذر من خلط بعض المتصوفة بين هذا المفهوم والجبر، مما يؤدي إلى الكفر والإلحاد.
يشرح المقطع حقيقة العبودية والافتقار إلى الله، ويوضح أن كمال الرب سبحانه وتعالى لا يقتضي الجبر. العبودية تكون بالامتحان والابتلاء واختيار العبد، ويجب على العبد أن يلتجئ إلى الله مع بذل الأسباب للخروج من الذنوب والمعاصي.
الذين لا يرون ذنوبهم كأسر لا يفكرون بالخروج منها، وهذا يؤدي إلى الوقوع في الجبر والضلال. هؤلاء يرون أنهم مجبورون على أفعالهم ولا يلومون أنفسهم.
الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدم لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه «طريق الهجرتين»: «وكذلك الرجوع إلى السبق بمطالعة الفضل يمحص من أدناس مطالعة المقامات، فالمقام ما كان راسخًا فيه، والحال ما كان عارضًا لا يدوم. ومطالعات المقامات وتشرفه بها، وكونه يرى نفسه صاحب مقام أدحقه وكمله، فاستحق أن ينسب إليه ويوصف به، مثل أن يقال: زاهد، صابر، خائف، راج، محب، راض. وكونه يرى نفسه مستحقًا بأن تضاف المقامات إليه، وبأن يوصف بها على وجه الاستحقاق لها، خروج عن الفقر إلى الغنى؛ لأن الفقير الحقيقي هو الذي يحسن ولا يزال يرى نفسه مقصرًا، لعلمه علم اليقين أنه فقير وأنه كذلك ناقص، فهو لا يزال ولم يزل يفتقر إلى خالقه ومولاه، ولا يتحقق ذلك إلا كما تقدم، إذا تحققت المعرفة الصحيحة الكاملة لعظمة الرب سبحانه وتعالى وغناه. فمتى ما تحقق ذلك، فهو لا يزال ولم يزل يرى نفسه فقيرًا ناقصًا مقصرًا، حتى ولو أحسن، فيرى الإحسان إنما هو بمحض فضل من الله. والذين يأتون ما آتوا وقلوبهم وجلة، فهذا هو العبد الحقيقي، لا يرى نفسه أبدًا أنه الصابر الخائف الراجي المحب الراضي، بل يرى نفسه دائمًا المقصر في صبره، المقصر في خوفه، المقصر في رجائه، المقصر في حبه ورضاه وعبوديته لربه ومولاه. فهذه منزلة العبد: الفقر الدائم مع طلب العبودية، وكذلك رؤية التقصير؛ لذلك الأمرين العظيمين، إذ دائمًا يرى عظمة الرب وكماله لا يفارقه لحظة، ويرى غنى الرب جل وعلا وافتقار نفسه إليه». قال رحمه الله: «وبأن يوصف بها على وجه الاستحقاق لها خروج عن الفقر إلى الغنى، وتعد لطور العبودية وجهل بحق الربوبية. فالرجوع إلى السبق بمطالعة الفضل يستغرق همة العبد، ويمحصه ويطهره من مثل هذه الأدناس، فيصير مصفى بنور الله عن رذائل هذه الأرجاس. ولذلك الذي لا يكمل فقره لربه سبحانه وتعالى ويغتر بنفسه، يدنس نفسه حقيقة بالعجب والغرور والرياء، ثم يستدرجه الشيطان حتى يرى أن ما عنده من فضل يمحو ما عنده من تقصير، فعند ذلك يلوث نفسه بالأدناس بإحسانه بنفسه، فلا يزال يرى لنفسه فضلًا مع وجود تلك المعاصي والأدناس». وهذا الذي جاء عن عمرو بن مسعود وغيره: «أن الذنوب عند المنافق والفاجر كأنها ماذا؟ بعوضة أو ذبابة»، قال: «هكذا». وأما هي بالنسبة للمؤمن، الصغير منها كأنها جبل على ظهره يثقله ويثقل همته. وهذا هو معنى من معاني تحقق الافتقار والعبودية للعبد، ونقص هذا الافتقار أو ذهابه، وذهاب ونقص تلك العبودية. قال رحمه الله تعالى تفسير الدرجة الثالثة من الفقر: «قوله: والدرجة الثالثة صحة الاضطرار والوقوع في يد التقطع الوحدان، والاحتباس في يد التجريد، وهذا فقر الصوفية. هذه الدرجة فوق الدرجتين السابقتين عند أرباب السلوك، وهي الغاية التي شمروا إليها وحاموا حولها. فإن الفقر الأول فقر عن الأعراض الدنيوية، والفقر الثاني فقر عن رؤية المقامات والأحوال، وهذا الفقر الثالث فقر عن ملاحظة الوجود الساتر للعبد عن مشاهدة الموجود، فيبقى الوجود الحادث في قبضة الحق عز وجل، كالهباء المنثور في الهواء يتقلب بتقليبه إياه، ويصير في شاهد العبد كما هو في الخارج، فتمحو رؤية التوحيد عن العبد شواهد استبداده واستقلاله بأمر من الأمور، ولو في النفس واللمحة والطرفة والهمة والخاطرة والوسوسة، إلا بإرادة المريد الحق سبحانه وتدبيره وتقديره ومشيئته. فيبقى العبد كالكرة الملقاة بين صولجانات القضاء والقدر، تقلبها كيف شاءت، بصحة شهادة قيوميته، من له الخلق والأمر وتفرده بذلك دون ما سواه. وهذا الأمر لا يدرك بمجرد العلم، ولا يعرف إلا من تحقق به أو لاح له منه بارق. وربما ذهل صاحب هذا المشهد عن الشعور بوجوده، لغلبة شهود وجود القيوم عليه. وهناك يصح من مثل هذا العبد الاضطرار إلى الحي القيوم، ويشهد في كل ذرة من ذراته الظاهرة والباطنة فقرًا تامًا إليه، من جهة كونه ربا، ومن جهة كونه إلهًا معبودًا، لا غنى له عنه كما لا وجود له بغيره. فهذا هو الفقر الأعلى الذي دارت عليه رحى القوم، بل هو قطب تلك الرحى. وإنما يصح له هذا بمعرفتين لا بد منهما: معرفة حقيقة الربوبية والإلهية، ومعرفة حقيقة النفس والعبودية. وهناك تتم له معرفة هذا الفقر، فإن أعطى هاتين المعرفتين حقهما من العبودية، اتصف بهذا الفقر حالًا. فما أغناه حينئذ من فقير، وما أعزه من ذليل، وما أقواه من ضعيف، وما آنسه من وحيد. وهو الغني بلا مال، القوي بلا سلطان، العزيز بلا عشيرة، المكفي بلا عتاد، قد قرت عينه بالله، فقرت به كل عين، واستغنى بالله، فافتقر إليه الأغنياء والملوك. ولا يتم له ذلك إلا بالبراءة من فرث الجبر ودمه، فإنه إن طرق باب الجبر، انحل عنه نظام العبودية، وخلع ربقة الإسلام من عنقه، وشهد أفعاله كلها طاعات الحكم القدري الكوني». وأنشد: «أصبحت منفعلًا لما يختاره مني، فعله كله طاعاته». قال: «وإذا قيل له: اتق الله ولا تعصه، يقول: إن كنت عاصيًا لأمره، فأنا مطيع لحكمه وإرادته. فهذا منسلخ من الشرائع، بريء من دعوة الرسل، شقيق لعدو الله إبليس. هذه المرتبة ظاهرها الرحمة وباطنها العذاب، فأهل هذا المقام المزعوم هم من يزعمون أنهم يرتقون إلى أعلى درجات الفقر والمشاهدة بالحقيقة، حتى زعموا أنهم يصلون إلى هذا الوصف الذي ذكره رحمه الله، بأنهم وصلوا إلى أعلى المقامات». وكذلك قطب الرحى التي لا يوصل إليها إلا بهذا الحضور والوصول إلى تلك الحقيقة، وزعموا أن ذلك بأن تصل معرفة العبد أنه كالكرة الملقاة، أي: خرجوا من معنى تحقيق الافتقار والشهادة بكمال الربوبية والإلهية إلى القول بالجبر، فالعبد ليس له أي اختيار، فلذلك إن عصوا كما زعموا، فإنما هم فعلوا ذلك بقدر الله ومجبورون على ذلك، وأن هذا مما يحبه الله ويرضاه. ولا شك أن هذا هو عين الضلال. ولذلك خلط هؤلاء المتصوفة بين تحقيق معنى الافتقار والغنى بالله عز وجل، وتحقيق معنى المعرفة لله عز وجل وحاجة العبد للعبودية، بفرض معنى الجبر في هذه الحقيقة. ولذلك كما ذكر رحمه الله: «أن هؤلاء خلعوا ربقة الإسلام ووقعوا في الكفر والإلحاد». وسيأتي كذلك كيف أن الشيطان أدخل هذه الشبه على هؤلاء، فصاروا عبدة الشيطان من حيث لا يشعرون. قال رحمه الله: «وإذا قيل له: اتق الله ولا تعصه، يقول: إن كنت عاصيًا لأمره، فأنا مطيع لحكمه وإرادته. فهذا منسلخ من الشرائع، بريء من دعوة الرسل، شقيق لعدو الله إبليس». بل وظيفة الفقير في هذا الموضع، وفي هذه الضرورة، مشاهدة الأمر والشرع، ورؤية قيامه بالأفعال وصدورها منه كسبًا واختيارًا، وتعلق الأمر والنهي بها طلبًا وتركا، ترتب الذم والمدح عليها شرعًا وعقلًا، وتعلق الثواب والعقاب بها آجلًا وعاجلًا. فما تجتمع له هذا الشهود الصحيح إلى شهود الاضطرار في حركاته وسكناته، والفاقة التامة إلى مقلب القلوب، ومن بيده أزمة الاختيار، ومن إذا شاء وجب وجوده، وإذا لم يشأ امتنع وجوده. وأنه لا هادي لمن أضله، ولا مضل لمن هداه، وأنه هو الذي يحرك القلوب بالإرادات، والجوارح بالأعمال، وأنها مدبرة تحت تسخيره، مذللة تحت قهره، وأنها أعجز وأضعف أن تتحرك بدون مشيئته، وأن مشيئته نافذة فيها كما هي نافذة في حركات الأفلاك والمياه والأشجار. وأنه حرك كلًا منها بسبب اقتضى تحريكه، وخالق السبب المقتضي، وخالق السبب خالق للمسبب، فخالق الإرادة الحادثة التي يسببها الحركة والفعل الاختياري خالق لهما. وحدوث الإرادة بلا خالق محدث محال، وحدوثها بالعبد بلا إرادة منه محال، وإن كان بإرادة، فإرادته للإرادة كذلك، ويستحيل هنا التسلسل، فلابد من فاعل أوجد تلك الإرادة التي يسببها الفعل. وهنا يتحقق الفقر والفاقة والضرورة التامة إلى مالك الإرادات ورب القلوب ومصرفها كيف شاء. فما شاء أن يزيغه منها أزاغه، وما شاء أن يقيمه منها أقامه: «ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا، وهب لنا من لدنك رحمة، إنك أنت الوهاب». فهذا هو الفقر الصحيح المطابق للعقل والفطرة والشرع، ومن خرج عنه وانحرف إلى أحد الطرفين زاغ قلبه عن الهدى، وعطل ملك الملك الحق وانفراده بالتصرف والربوبية عن أوامره وشرعه وثوابه وعقابه. وجه الضلال كما بين رحمه الله هنا: «أن هؤلاء نظروا إلى معنى كمال الرب سبحانه وتعالى في كل أسمائه وصفاته، ومن ذلك قهره، وكذلك إرادته ومشيئته، فظنوا ضلالًا وظلمًا وخطأ أن هذا يقتضي الجبر، بينما هذا لا يقتضي الجبر. افتقار العبد لربه واعترافه بكماله سبحانه وتعالى لا يقتضي الجبر، بل كما أشار رحمه الله: كماله في مشيئته وقدره وتدبيره لخلقه لا يقتضي هذا المعنى، وإنما متى ما اعترف العبد بحقيقة إرادته ومشيئته النافذة التي لا تنافي ما أراده الله عز وجل من العبد من تحقيق عبوديته، إذ العبودية إذا لم تكن باختيار لم تصر عبودية. وإنما العبودية بالامتحان والابتلاء، ولهذا صار الناس يجازون بالإحسان على تحقيق هذه العبودية، وبعدله سبحانه وتعالى إحسانه بفضله، وعقوبته جل وعلا بعدله. ولن تكن ذلك من الحكم العدل إن كان ذلك بغير اختيار من العبد. فلذلك العبد مبتلى بتحقيق الافتقار والعبودية لله سبحانه وتعالى، وطلب الوصول إلى مرضاة الله سبحانه وتعالى بالتدرج في سلم هذه العبودية درجة درجة يرتقي بها بماذا؟ بفعله وإرادته التي لا تنافي فعل الله سبحانه وتعالى وإرادته، مع أنها لكمال الرب وعظيم قدرته لا تخرج عن مشيئته سبحانه وتعالى وإرادته. فلا منافاة بين إرادة العبد وبين إرادة الرب جل وعلا. ومن لم يفهم سر الله عز وجل في القدر ضل بين الجبر ونفي القدر، ضل بين الجبر ونفي القدر. وهذا هو الذي أوقع هؤلاء المتصوفة في هذا الضلال، فضمنوا أن هذه المعرفة التي تقتضي غاية افتقار العبد تعني نزع الإرادة من العبد، وأن تلك المعرفة التي تقتضي غنى الرب جل وعلا وكماله تقتضي جبر الرب لعباده ونفوذ مشيئته وإرادته من دون مشيئة وإرادة للعبد، وهذا خطأ وهو عين الضلال. قال رحمه الله: «فهذا هو الفقير الصحيح المطابق للعقل والفطرة والشرع، ومن خرج عنه وانحرف إلى أحد الطرفين زاغ قلبه عن الهدى، وعطل ملك الملك الحق وانفراده بالتصرف والربوبية عن أوامره وشرعه وثوابه وعقابه». وحكم هذا الفقير المضطر إلى خالقه بكل طرفة عين وكل نفس: أنه إن حرك بطاعة أو نعمة شكرها، وقال: «هذا من فضل الله ومنه وجوده، فله الحمد». وإن حرك بمبادئ معصيته صرخ ولجأ واستغاث، وقال: «أعوذ بك منك يا مقلب القلوب، ثبت قلبي على دينك، يا مصرف القلوب، صرف قلبي على طاعتك». فهذه حقيقة العبد الحقيقي الذي يفتقر إلى الله، ويرى أن ما وصل إليه من فضل فهو من الله وبفضل الله ومنته وجوده، وما وصل إليه من تقصير ومعصية فهو ماذا؟ من نفسه وتقصيره. ولذلك يستغيث بالله من نفسه ليعيده سبحانه وتعالى ويعيده من شر نفسه، ويرده إلى فضل ربه. فالله عز وجل هو العربية هو العوذ وهو اللوذ. والله جل وعلا هو الذي يقلب القلوب ويثبتها، فيسأل الله عز وجل مقلب القلوب تثبيت قلبه على دينه، وأن يصرف قلبه كذلك إلى طاعته. وهذا كان أكثر دعاء النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كما لا يخفى علينا. قال: «فإن تم تحريكه بالمعصية، التجأل ويعلم أنه لا خلاص له من أسره إلا بأن افتكه سيده من الأسر، ففكاكه في يد سيده، ليس في يده منه شيء البتة، ولا يملك لنفسه ضرا ولا نفعا، ولا موتا ولا حياة ولا نشورا». وهذه المعرفة بأنه مفتقر إلى الله في الخلوص من تقصير نفسه لا يعني أنه لا يملك إرادة، بل هو يلتجئ إلى الله مع بدل الأسباب في الخلوص من الخروج من هذا الأسر، مثل الأسر الحقيقي الذي أسر بذنوبه ومعاصيه، هو مأسور عند عدو. فلذلك ليس من الصواب أن تستسلم لهذا العدو، بل الصواب أن تتربص الفرصة والحين للخروج والفكاك من هذا العدو. فأنت تعين سيدك أن يخلصك من هذا العدو بأن تجد الفرصة في الخروج متى ما فتح لك الباب للخروج. أما إذا فتح لك الباب للخروج وأصررت في السجن مستقرًا راضيًا قانعًا، كيف تخرج؟ حتى ولو فتح لك الباب فإنك ماذا؟ لن تخرج. لكن إذا أخذت بالأسباب وبحثت عن المخرج، والتجأت إلى من سيعينك في الخروج، فإنك متى ما وجدت الفرصة وفتح لك باب الخروج، فإنك ماذا؟ ستخرج وتنجو من هذا الأسر. وهكذا من أسر بذنوبه ومعاصيه، فهو يرى أن هذه الذنوب والمعاصي أسر وسجن. فمن لم ير الذنوب والمعاصي أصلًا أسر وسجن، كيف سيفكر أصلًا بالخروج؟ وهذا هو الفرق. فهؤلاء الذين ضلوا في باب القدر ووقعوا في الجبر، هم لم يروا أصلًا أنهم وقعوا في أسر، بل هم يرون أنهم مجبورون على ذلك، غير ملومين على فعلهم. وهذا عين الضلال.