الدرس السادس والثلاثون:من( وأما من كان لا يقطع الطريق ولكنه يأخذ خفارة أو ضريبة من أبناء السبيل ... ولا يحل للسلطان أن يأخذ من أرباب الأموال جعلاً على طلب المحاربين ).
يتناول حكم قتال المحاربين ودفع شرهم وفقا للضوابط الشرعية، ويشرح آراء الفقهاء في هذه المسألة.
يشرح حكم الدفاع عن النفس والعرض ضد المعتدين، ويبين أن الدفاع عنهما واجب بينما يجوز التسامح في المال.
يناقش أحكام التعويض عن الأموال المنهوبة ووجوب التعاون في محاربة المجرمين وتقديم الدعم المالي لذلك.
الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. قال رحمه الله تعالى: وأما من كان لا يقطع الطريق، ولكنه يأخذ خفارة أو ضريبة -عندكم ضريبة أو ضربية- ها ضريبة، نعمل الصواب. قال: ولكنه يأخذ خفارة أو ضريبة من أبناء السبيل على الرؤوس والدواب والأحمال ونحو ذلك، فهذا نجاش مكاس، عليه عقوبة المكاسين. والمكاس هو آكل المال الباطل من أهل الضرائب وغيرهم، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام فيمن تابت من الزنا: «لقد تابت توبة لو تابها صاحب مكس لكفته». وهذا يدل أن دم صاحب المكس أعظم من الزنا، أعظم من الزنا. وهؤلاء منهم. فقوله: «على الرؤوس والدواب والأحمال» يعني بعددهم، الرؤوس بعددهم الكبير كذا والصغير كذا، والدواب كذا، كل بهيمة عليها ضريبة أو خفارة، والأحمال كذلك، حمولة كبيرة وصغيرة ومتوسطة. فهؤلاء يأخذون هذه الأموال بالباطل، ولكنهم لا يأخذون أموال الناس التي في أيديهم. قال: وقد اختلف الفقهاء في جواز قتل هؤلاء، وليسوا من قطاع الطريق؛ فإن الطريق لا ينقطع بهم، مع أنه أشد الناس عذابا يوم القيامة. حتى قال النبي صلى الله عليه وسلم في الغامدية: «لقد تابت توبة لو تابها صاحب مكسن لغفر له». والحديث -كما أشار- أصله في الصحيح، في صحيح مسلم وغيره، من حديث عبد الله بن بريد عن أبيه، وهو يدل على أن هذا من الذنوب العظام، أعظم من الزنا. وأما مسألة الخلاف في قتل هؤلاء، فالصحيح أنه إذا لم يندفع شرهم وضررهم إلا بقتله فيقتل، لكن الأصل أنه لا يقتل. فهؤلاء من المفسدين، ومن آكل أموال الناس بالباطل، فلا يكون حكمهم حكم قطاع الطريق. وقد أشار شيخنا رحمه الله في التعليق إلى معنى ذلك. قال رحمه الله: ويجوز للمطلوبين الذين تراد أموالهم قتال المحاربين بإجماع المسلمين. قال: فيه نسخة «للمظلومين». فعلى نسخة «المظلومين» -أكثر النسخ- إيش عندكم؟ مظلومين أو مطلوبين؟ مظلومين. نعم. هل فيه نسخة؟ مظلومين. كذلك من الفتاوى؟ مظلومين. نعم. والنسخة الأخرى؟ أحد عنده نسخة هذه النسخة لمن؟ عندك؟ مظلومين كذلك. طيب، يعني أكثر النسخ «مظلومين». ويجوز للمظلومين الذين هكذا تراد أموالهم، تراد طيب تراد أموالهم قتال المحاربين بإجماع المسلمين؛ يعني إن كان المظلومون -أي من يحتاج إلى الاستعانة بهم في قتال المحاربين لرد مظالمهم- فيجوز لهم قتال المحاربين؛ لأنهم يدفعون عن أنفسهم. إذا كان المظلوم يقتل وينهب وهو ساكت، هذا غير صحيح. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من قتل دون نفسه، ماله فهو شهيد». والمعنى: يجوز للمظلوم أن يرد عن ماله، ولو بالقتال، ليرد المحارب. وأما على نسخة: «ويجوز للمطلوبين الذين تراد أموالهم قتال المحاربين» يعني إذا كان هناك شيء من المطاردة بين أهل الحرابة وبينهم، فيطاردونهم، فيجوز أن يدفع هذا المطلوب طالبه من أهل الحرابة بالقتل. وقوله ذلك لماذا؟ قال: يجوز؛ لأن الأصل أن أمثال هؤلاء يدفع شرهم الأخف بالأخف، ثم الأشد. لكن لما كان الغالب على أهل الحرابة هو الإفساد، فإنه يخاف إن أخطأ في دفعهم -وقد حاول دفعهم- أن يشددوا في ماذا؟ في التنكيل به. فهنا يجوز له أن يقتلهم. والظاهر -والله أعلم- أن في هذا تفصيلا: إن علم من أهل الحرابة أن عندهم سلاحا قاتلا، فهنا يجوز له أن يدفع شرهم بالقتل. وإن علم أنهم ليس معهم سلاح قاتل، وعلم أنه وإن تمكن منه فلن يقتل، فلا يدفع شرهم بالقتل، بل يدفعه بغير القتل. وهذا على ما تقدم من أن أهل الحرابة لا يكون عليهم إلا بقدر ما كان من إيذائهم ومن مضرتهم. وهذا يقتضي كذلك معناه في هذا المقام. وأما إذا لم يتبين، فكما ذكر رحمه الله: يجوز أن يدفع شرهم، ولو بالقتل. قال رحمه الله: ولا يجب أن يبذل لهم من المال لا قليل ولا كثير، إذا أمكن قتالهم. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من قتل دون مالي فهو شهيد، ومن قتل دون دمي فهو شهيد، ومن قتل دون ديني فهو شهيد، ومن قتل دون حرمته فهو شهيد». والحديث بهذا اللفظ في السنن، وأصله في الصحيح، أصله في الصحيحين من حديث عبد الله بن عمر. وجاء معناه عن عدد من الصحابة، وهو صحيح. والشاهد: أن النبي صلى الله عليه وسلم أجاز مقاتلة من أراد أن يقاتل لأجل نفسه أو ماله أو عرضه أو دينه. وأما قوله: «ولا يجب أن يبذل لهم من المال لا قليل ولا كثير» يعني إذا قاتلهم، ولم يبتدئ بالمساومة بهم بالمال، ليس عليه إثم، حتى لا يظن أنه يجب عليه أن يتدرج في دفع شرهم بمفاوضتهم بأخذ القليل، فإن أبوا فأكثر قليلا. بل الصحيح أنه إذا خشي على نفسه، يدفع شرهم بالقتل مباشرة. وهؤلاء يستحقون ذلك لعموم الآية والأدلة في هذا البذا. قال: «وهذا الذي يسميه الفقهاء الصائل، وهو الظالم بلا تأويل ولا ولاية». فإذا كان مطلوبه المال، جاز دفعه بما يمكن. فإذا لم يندفع إلا بالقتال، قوتل. وإن ترك القتال وأعطاهم شيئا من المال، جاز. وقوله: «جاز» معناه: لا يجب. ولذلك فلو دفعهم بالقتال دون مال، معناه أنه ماذا؟ مصيب، ليس بمخطئ. مصيب، وليس بمخطئ. وإن أعطاهم شيئا من المال، جاز. فكان محسنًا. ومع ذلك فهو مخاطر بنفسه. أليس كذلك؟ الجواب: بلا. هذا الذي يحسن في محل، ليس هو محل إحسان من يحسن الظن بمجرم. لا يحسن الظن بمجرم، خصوصا إذا علم أن معهم من السلاح القاتل ما يمكن أن يبطشوا به. فأمثال هؤلاء إذا تمكنوا منك، وهم عندهم هذه القوة، لم يقبلوا منك لا بقليل ولا بكثير، بل ربما تعدوا المال إلى ما هو أعظم منه، خصوصا إذا كان عندك عرض أو غير ذلك. قال رحمه الله: «وإن ترك القتال وأعطاهم شيئا من المال جازا» كما سبق، «ولا يجب». يجوز، ولا يجب عليه. قال: «وأما إذا كان مطلوبه الحرمة، مثل أن يطلب الزنا بمحارم الإنسان، أو يطلب من المرأة أو الصبي المملوك أو غيره الفجور به، فإنه يجب عليه أن يدفع عن نفسه بما يمكن، ولو بالقتال، ولا يجوز التمكين منه بحال». فإذا في العرض، لا يجوز أن يقول: أدفع الشر الأخف بالأشد؛ لأن العرض في الإسلام مثل الدم. فينبغي أن يدفع. فإن لم يندفع إلا بالقتل، قتل. قال: «بخلاف المال؛ فإنه يجوز التمكين منه؛ لأن بذل المال جائز، وبذل الفجور بالنفس أو بالحرمة غير جائز». وهذا في دين الإسلام. أما عند أهل الكتاب وأهل الكفر، ربما يبذلون الفجور بغير مقابل. فإذا وقع لهم شيء من هذه الشدة، ظنوا أنه من الفقه ومن الحكمة أن يدفع بغير ماذا؟ بغير مضر أكبر، كما يظنون. وفي الحقيقة: أن هؤلاء لو مكنوا من هذا، لحصل به فساد عظيم. فإن الغالب على أمثال هؤلاء المفسدين: إذا علموا أنهم لا يقاومون، ازداد شرهم. وإذا علموا أنهم يقاومون، فإن الشر يندفع، ولو بقتل نفس أو نفسين أو ثلاثة، فيقل، ويخافون، ويعلمون أن ذلك سيؤدي إلى نهايتهم، ولو بعد الزمن؛ لأن كثرة القتل لا يطيقونه. وبهذا يكون بدل هؤلاء -في مقابل حفظ أعراض المسلمين- لو لم يكن حفظ عرضه؛ لأنه قد يقول قائل: هو ضعيف أمام الجماعة، سيقاتل، ربما يقتل، وتنتهك حرمته. فاجتمع له شران: شر القتل وشر انتهاك الحرمة. فالجواب: هذا أولى وأحفظ؛ لأنه أولا ليس بلازم أن يقتل، فقد يعينه الله فيقتلهم، أو يقتل منهم، فيخيفهم، أو يرونه مصرا معاندا، فيخافون ويهربون. وهذا هو الغالب: أن المعتدي عنده من الخوف والجبن ما لا يكون عند المظلوم. ومع ذلك لو قدر أن ذلك وقع، فهو أدى ما أمر به شرعا، ثم كان كذلك سببا في حماية غيره. فكأنه كان كالسد الذي يسد الشر عن المسلمين بتمنعه وتصلبه في موقفه. قال رحمه الله: «ولا يجوز التمكين منه بحال، بخلاف المال؛ فإنه يجوز التمكين منه؛ لأن بذل المال جائز، وبذل الفجور بالنفس أو بالحرمة غير جائز». وأما إذا كان مقصوده قتل الإنسان، جاز له الدفع عن نفسه. وهل يجب عليه؟ على قولين للعلماء، في مذهب أحمد وغيره. أي: أن العلماء اختلفوا في هذا. علق شيخنا فقال: فصار بهذه المسألة ثلاثة أقسام. الأول: أن يريد المال، فهذا يجوز أن تدع قتاله وتعطيه المال؛ لأن الإنسان يجوز أن يبذل المال مجانا. فإذا بدله دفاعا عن نفسه، فهو أجوز -يعني جائز- من باب أولى. قال: الثاني: أن يريد انتهاك الحرمة، كالزنا واللواط. فهنا لا يجوز بدله -أي لا يجوز للمرأة أن تمكن من نفسها، ولا للغلام أن يمكن من نفسه- بل يجب الدفاع، يعني ولو أدى إلى القتل. والأول يجوز، وليس معناه أنه يجب. فلذلك لو امتنع وقاتل، لم يكن مخطئا. ولم يقل في مثل هذا الإنسان أنه متهور أو أنه كذلك ما أحسن التصرف. بل فعل ما هو جائز. كذلك قال: الثالث: أن يريد النفس -يعني يريد أن يقتل الإنسان، ولا يريد ماله ولا أهله، وإنما يريد قتله- والغالب إذا كان عنده مال أو أهل، فهم سيكونون تبع. لكن هذا إذا لم يكن معه إلا نفسه، أو كان معه المال. قال: فهذا يقول المؤلف رحمه الله: يجوز له الدفع عن نفسه. وهل يجب أو لا؟ قال: الصحيح أنه يجب أن يدافع عن نفسه؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِلَّا مَا كَانَ مِنْكُمْ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعًا﴾. ويجوز ألا يدافع. بل قد يكون عدم المدافعة أولى؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إنها ستكون فتنة، وكن فيها عبد الله المقتول، ولا تكن القاتل». وهذا معناه صحيح. وذكر الشيخ رحمه الله بعد ذلك ما يدل على هذا المعنى. والشاهد: أنه يستفصل. فإن كان في هذه القضية وهذا المقام، فالصواب والأحوط أن لا يمكنهم من قتله؛ لأن في ذلك إعانة لهم على الإفساد. فكونه يمكنهم ليس هذا بصواب، لا من جهة الشرع، ولا من جهة العقل والفطرة، ولا الحس. لماذا؟ لأنه لو دافع، قد يعان فيندفع شرهم. وأما إذا مكن نفسه من أن يقتل من قبلهم، فهنا ليس له خيار، ولا احتمال نجاة. ولذلك كونه يحاول هذا، فيه أولا دفع ومدافعة لأهل الباطل والفساد، وهذا من الواجب. وفيه المحافظة على نفسه، وهذا من الواجب. فإن الله أمر المسلم أن يحافظ على نفسه. فنفسك ليست لك، تفعل فيها ما تشاء، بل تفعل فيها ما يشاء الله، لا ما تشاء أنت. ولهذا قال: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾. وكذلك ثالثا: لأنك بفعلك هذا تفعل ما هو مضنة النجاة. وأما إذا استسلمت، فأنت لم تفعل ما فيه مضنة النجاة. فلهذه الأمور الثلاثة -وغيرها- الصحيح: لا يجوز أن يسلم نفسه؛ لأن يقتل، إلا في الفتنة، كما قال الشيخ، وكما مر معنا قريبا في كتاب الإمارة، وكلام أهل العلم في هذا كثير، والأدلة فيه كثيرة. وقد أشار شيخنا رحمه الله إلى معنى ذلك. قال رحمه الله: «وهذا إذا كان للناس سلطان. فأما إذا كان -والعياذ بالله- فتنة، مثل أن يختلف سلطانان للمسلمين، ويقتتلان على الملك، فهل يجوز للإنسان إذا دخل أحدهم بلد الآخر، وجرى السيف، أن يدفع عن نفسه في الفتنة، أو يستسلم فلا يقاتل فيها؟ على قولين لأهل العلم، في مذهب أحمد وغيره». والصواب في هذا الموضع: أنه يعتزل الفتنة. فإن ابتلي ووقعت الفتنة وهو بين الناس، فلا يحمل السلاح، لا يحمل السلاح؛ كما أوصى النبي صلى الله عليه وسلم أبا ذر وغيره من الصحابة: يمشي من دون سلاح. وهذا -بإذن الله- مضنة السلام له؛ لأن أهل العدوان إذا رأوا الإنسان يمشي من دون سلاح، أمنوه. وأما إذا رأوه يحمل السلاح، لم يأمنوه. وعند ذلك ربما يقتل، وربما هو كذلك يخاف لمعة السيف أو القتل، فيقاتل. ولهذا أمر النبي صلى الله عليه وسلم من خاف من لمعة السيف أن يغطي عن نفسه؛ حتى لا يندفع للقتال، ولا يدفعه ذلك أن يشترك في القتال. وكذلك أمر: إن أبى إلا أن يتخذ سيفا، أن يتخذ سيفا من خشب، أن يتخذ سيفا من خشب في الفتنة. كل هذا مبالغة في اجتناب الفتنة. ففي الفتنة، لا يجوز للمسلم أن يقربها، بل يعتزلها؛ كما أمر النبي صلى الله عليه وسلم باعتزال الفتن. فيذهب إلى رؤوس الجبال، ومواقع القطر، يفر بدينه من الفتن. ويذهب إلى الأعراب والبدو، يفر بدينه من الفتن؛ كما صحت به الأحاديث. فإذا وقعت الفتنة وهو وسطها، فلا يتخذ سلاحا أبدا، بل يمشي أعزل. وإن استطاع أن يلزم داره وبيته، لزم ذلك. فإن أبوا إلا أن يقتلوه أو يقتل، فليكن عبد الله المقتول، ولا يكن عبد الله القاتل. فإذن المسألة فيها تدرج، يدفع الفتنة بهذه المراحل، وغيرها. قال رحمه الله: «فإذا ظفر السلطان بالمحاربين الحرامية، وقد أخذوا الأموال التي للناس، فعليه أن يستخرج منهم الأموال التي للناس، ويردها عليهم، مع إقامة الحد على أبدانهم؛ يعني بما يستحقون على الخلافة، الذي تقدم في الفصل الذي قبل هذا». قال: «وكذلك السارق، فإن امتنعوا من إحضار المال بعد ثبوته عليهم، عاقبهم بالحبس والضرب؛ حتى يمكنوا من أخذه بإحضاره، أو توكيل من يحضره». وقد تقدم معنا في أوائل هذا الكتاب -أو هذا الباب- جواز التأديب بالضرب أو الحبس؛ لأجل رد الحق. قال: «أو الإخبار بمكانه؛ كما يعاقب كل ممتنع عن حق وجب عليه أداؤه». فإن الله قد أباح -عندي- طمس... قد أباح للرجل... طيب. قال: «فإن الله قد أباح للرجل في كتابه أن يضرب امرأته إذا نشزت، فامتنعت من الحق الواجب عليها؛ حتى تؤديه». فهؤلاء أولى وأحرى -يعني إذا كان مع ما بين الزوجين من المودة والمحبة، وحسن الألفة والعشرة- ومع ذلك إذا نشزت، جاز له أن يضربها ضربا غير مبرح، لا يكسر عظما، ولا يجرح لحما. إذا ظن أن هذا الضرب يردها إلى الحق، جاز له ذلك. وكونه يجوز، ليس معناه أنه مستحب أو واجب. بل الأكمل لمن حسن تصرفه، وكملت أخلاقه وحكمته: أنه يستطيع أن يستغني عنه. ولهذا ما مد رسول الله صلى الله عليه وسلم يده على امرأة، ولا جارية، ولا غلام، ولا غيره. حتى الدابة -كما ذكرت عائشة رضي الله عنها-. ولكن ليس كل الناس يستطيع هذا. فالمهم: هو يجوز، فليس بواجب، ولا مستحب. ويجوز؛ لأجل الوصول إلى الحق. ووجه الاستدلال: أنه إذا جاز هذا مع هذا الوصف بين الزوجين؛ لأجل الرد إلى الحق، فمن باب أولى وأحرى أن يكون مع المجرم -أي أن يؤدب ويعاقب- حتى يرد الحق. ولكن ذكر الفقهاء شروطا وقيودا لمثل هذا الضرب، وهذا بمقتضى ما دلت عليه الأدلة؛ كما هو مفصل في كتب الفقه. قال: «وهذه المطالبة والعقوبة حق لرب المال». فإن أراد هبتهم المال، أو المصالحة عليه، أو العفو عن عقوبتهم، فله ذلك. بخلاف إقامة الحد عليهم -يعني لو قال صاحب المال: أنا تنازلت عن المال، خلاص لا تضربوهم، ولا تحبسوه- فإنه يترك. ولكن ليس معناه أن يعفى عنه؛ لأنه بقي عليه شيء، وهو حق الله في إفساده في الأرض. فيبقى عليه الحد. إن سرق، قطعت يده ورجله من خلاف. وإن قتل، قتل. إلى آخر ما ذكر، كما تقدم. قال: «فله ذلك، بخلاف إقامة الحد عليهم؛ فإنه لا سبيل إلى العفو عنه بحال». وليس للإمام أن يلزم رب المال بترك شيء من حقه. لا يجوز للإمام أن يلزم رب المال أن يترك شيئا، لا للمجرم، ولا حتى لبيت المال. فما يفعله بعض الجنود من أخذ بعض الحق عن المظلوم -أجرة لعملهم- فهذا من الظلم العدوان. بل عملهم يأخذوه من بيت المال، وليس يأخذونه من المظلوم. بل المظلوم ترد مظلمته كاملة. وقد تقدم معنى ذلك في أبواب سابقة. وهنا علق شيخنا رحمه الله فقال: وإذا كان ليس له أن يلزمه، فهل له أن يعرض عليه ذلك، ويرغب ويشجع على ترك شيء من حقه؟ قال: الجواب في ذلك تفصيل. فإذا كان فيه مصلحة، فله أن يرغبهم، ويقول: هذا شيء أخذ وتركه، واعفوا عنهم. أو يقول: نحن نعطيك... إذا أثثنا إبل الصدقة أن نعطيك. أو ما أشبه ذلك. أما إذا كان الأول أخذ الحق منهم، فلا يعرض عليه هذا. وهذا قد يصح إذا لم يأخذ الحق منهم، أو لم يستطع أخذ الحق منهم؛ حتى لا يطول الأمر، ويتعلق. وأما إذا أمكن أخذ الحق، أو كان ترك أخذ الحق يعينهم على زيادة الشر والفساد، فلا شك أنه لا يترك هؤلاء، ولا يطلب منه ذلك. قال: «وإن كانت الأموال قد تلفت بالأكل وغيره عندهم، أو عند السارق، فقيل: يضمنونها لأربابها؛ كما يضمن سائر الغاصبين». وهو قول الشافعي وأحمد رضي الله عنهما. «وتبقى مع الإعسار في ذمتهم إلى ميسرة». وقيل: لا يجتمع الغرم والقطع. وهو قول أبي حنيفة رحمه الله. وقيل: يضمنونها مع اليسار فقط، دون الإعسار. وهو قول مالك رحمه الله. والصواب الأول. وعلى قاعدة شيخ الإسلام -وهذا كثير- أنه إذا قدم القول، فهو يرجحه. هذا هو الغالب، وليس دائما. فإذن الصواب في هذا: أنهم يضمنونها لأربابها؛ كما يضمن سائر الغاصبين. وهذا قول الشافعي وأحمد. وأنها تبقى مع الإعسار في ذمتهم إلى ميسرة. ولا مانع أن يجتمع لهم قطع وغرم في نفس الوقت. لماذا؟ لأنه العدل، وهم معتدون. القطع لأجل الحد، والمال بقي عندهم، فهو غرم؛ لأنهم ولو ردوا المال، فإنهم سيقطعون؛ كما تقدم. لماذا يقطعون؟ لأجل الحد الذي هو حق لله سبحانه وتعالى. فإذن لا مانع أن يجتمع غرم وقطع. فإذن هذا هو القول الصواب. قال رحمه الله: «ولا يحل للسلطان أن يأخذ من أرباب الأموال جعلا على طلب المحاربين، وإقامة الحد، وارتجاع أموال الناس منهم، ولا على طلب السارقين، لا لنفسه، ولا للجند الذين يرسلهم في طلبهم». بل هذا أعظم من الرشوة؛ كما تقدم معنا في الفصول السابقة. فهو محرم، حرم عظيمة. لا لنفسه -أي السلطان- ولا للجند. حتى لو قال: هذا أتعاب الجند. أو حتى لو قال: هذا أجرة المواصلات. فلا يجوز؛ لأن هذا كله يبذل من بيت المال. طيب، لو قال قائل: فإن لم يكن عند السلطان استطاعة؟ فكيف يصنع؟ من أين ينفق على مثل هذا العمل؟ الجواب: ينفق مما يجمع من المسلمين؛ كما تقدم. ليس يجمع من المظلوم، ولكن يجمع من المسلمين. وفي هذا مصالح: أولا عملا بالنصوص؛ لأن النصوص أمرت بإعانة السلطان في إقامة الحق. وثانيا: لأن في ذلك تخفيف لمؤنة وكلفة هؤلاء الجند في محاربتهم لأهل الفساد. والغالب أن المظلوم ضعيف، لا يستطيع وحده أن يتحمل هذا. فلو حمل المظلوم، لثقل عليه، وربما أدى ذلك إلى تنازله. وعند ذلك تعجز الدولة، ويعجز المظلوم. فماذا يحصل؟ يضيع الحق، بعجز الدولة وعجز المظلوم. لكن إذا قيل: يجب على جميع المسلمين في المنطقة التي وقعت فيها تلك الجريمة، فهنا تخف الكلفة، ويحصل التعاون. ولأن في هذا كذلك عدل؛ لأن محاربة هؤلاء المجرمين فيه مصلحة للجميع، ليس للمظلوم فقط. إذ الجريمة ستنقطع من ماذا؟ من البلد كلها. فلهذا كان التعاون في محاربتها يجب على جميع المسلمين. وهذا هو الصواب. فما يفعله بعض الناس اليوم، وربما بعض ولاة الأمور، يظنون أن هذا من العدل، فيقولون: ماذا تريدون أن نصنع؟ احنا ما عندنا شيء مبذول لمحاربة أولئك المجرمين. عندنا سيارة ما فيها بنزين، وعندنا جنود ما عندهم رواتب. تريدون تحركونهم؟ تعالوا، دفعوا. فيقال: لا، هذا لا يجوز. لكن ينبغي إذا وقعت جريمة أن يجمع عرفاء الناس -مثلا أهل الحارات، مشايخ الحارات- يقولون: يجمعون الناس. اليوم وقعت جريمة في المكان الفلاني، ولابد من محاربة ومطاردة هؤلاء المجرمين، وعدم تركهم. وفي هذا من التعاون والتكاتف ومحاربة الفساد ما يجعل أهل البلدة كالقلب الواحد والجسد الواحد. فيقوم مشايخ الحارات بجمع ما يتيسر جمعه، وربما يزيد أكثر من حاجة هؤلاء. وهذا أنفع. وهذا أنفع. بينما لو قيل للمظلوم: تحمل هذا ما استطعت. وقيل للدولة: تحمل هذا ما استطاعت. فعند ذلك يسقط، ويضيع الحق، ويزداد أهل الإجرام في إجرامهم وإفسادهم. ولهذا قدم شيخ الإسلام بما تقدم. وهنا أتبع بهذا: لا يجوز أن يطلب من المظلوم شيء، لا للسلطان، ولا للجند، وغيرهم. حتى ولو كان السلطان يتعب، أو ولي هؤلاء الجند والقائم عليهم والقائد يتعب. فيقال: تعبك لا يؤخذ من المظلومين. يؤخذ من بيت المال. فإن قال: ليس في بيت المال شيء يعينني على ذلك. فيقال: يجمع لك من المسلمين. يجمع لك من المسلمين. طيب، نقف إلى هنا، ونترك الباقي -إن شاء الله- إلى درس لاحق. والله تعالى أعلم. نعم. نعم. يدافع. يقول: هذا في حقه -يعني الحرابة ومحاربة أهل الإفساد- فإذا كان في الفتنة، وأراد بعض أهل الفتنة أن يعتدوا على عرضك، فهل يجوز أن تسكت؟ أم أن تدافع؟ الجواب: أن تدافع، أن تدافع، ولو قتلت؛ لأن في هذا دفع لشرهم. والناس يعظمون العرض أعظم من النفس في الإسلام، وفي الجاهلية -يعني العرب خصوصا يعظمون العرض أعظم من النفس في الإسلام، وفي الجاهلية-. فإذا كان كذلك، فإنه يرتدع. وهذا قليل وقوعه. هذا قليل وقوعه. قد وقعت حروب كثيرة في الجاهلية، وفي الإسلام، وفي أزمنة قريبة. ومع ذلك في الغالب الأعم ما مست عرضا أبدا. ما مست عرضا. فنحن مثلا في بلادنا هذه -اليمنية- كم ابتلينا بفتن مرت علينا؟ حروب أهلية شرسة، تسفك الدماء بالمئات، بل بالألوف، ويحصل اعتداء إلى البيوت. ومع ذلك ما مسوا عرض واحدة، مع كثرة من قتل في هذه الحروب. وما حصل مس عرض واحد أبدا؛ لأن الناس يعظمون هذا الباب، حتى ولو كانوا من عامة الناس. فلذلك لو ابتلي الناس بشيء من ذلك، فلا ينبغي السكوت، بل يدافع، ولو بالقتل. نعم. والله أعلم. تنبيه: بالنسبة للفظة «ماكس» أو «مكس» -بعد المراجعة- فهو كما ذكر في التعليق: «ماكس» من باب «ضرب» يضرب، ضربا. «ماكس» يمكس، مكس. وجمعه «مكوس».