الدرس في شرح مختصر السيرة 45، الدرس الخامس والأربعون : فيه: (إسلام سعد بن معاذ وأسيد بن حضير ... فخرجوا مع مشركي قومهم حجاجاً ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يبدأ المقطع الأول بقصة إسلام سعد بن معاذ وأسيد بن حضير، حيث أرسل سعد بن معاذ أسيد بن حضير ليزجر مصعب بن عمير وأسعد بن زرارة، لكن مصعب أقنعه بالإسلام. يُظهر هذا الحوار بين مصعب وأسيد بن حضير بداية الدعوة في المدينة.
أسلم أسيد بن حضير بعد دعوة مصعب بن عمير، ثم أخبر سعد بن معاذ الذي أسلم بدوره بعد أن هدأ غضبه. كان إسلام سعد بن معاذ مدفوعًا بعاطفة القربى لابن خالته أسعد بن زرارة، مما يدل على تأثير العلاقات الشخصية في الدعوة.
دعا مصعب بن عمير الناس إلى الإسلام في المدينة، حيث أسلم سيد بني عبد الأشهل، وبدأ الناس في الدخول في الإسلام حتى لم يبق دار من دور الأنصار إلا وفيها مسلمون، مع بعض الاستثناءات مثل بني أمية بن زيد.
ينتهي المقطع الأخير بالإشارة إلى انتهاء الحديث حول موضوع معين، مع التأكيد على أن العلم الكامل عند الله تعالى، مما يعطي إشارة إلى نهاية هذه السلسلة من الدروس أو المحاضرات.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، قال شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى في كتابه «مختصر سيرة الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم»: قال إسلام سعد بن معاذ وأسيد بن حضير رضي الله عنهما، وما سيأتي من ذكر قصة إسلامهما وما فيها من وقائع، بعضها أصله في صحيح البخاري، فيما مر معناه في قصة وفود الأنصار على النبي عليه الصلاة والسلام، في قصة كعب بن مالك ونحوها، قصة جابر بن عبد الله في العقبة الأولى، بيعة العقبة الأولى وبيعة العقبة الثانية. وبعض ما في هذا الفصل رواه البيهقي بالدلائل مرسلًا، منه ما هو من رواية الزهري عن عروة، وهو مرسل صحيح، ومنه ما هو من رواية يزيد بن أبي حبيب مرسلًا بإسناد صحيح. وهكذا روى بن إسحاق بنحو ذلك مرسلًا صحيحًا. وهكذا البيهقي كذلك بالدلائل من طريق عبيد الله بن المغيرة بن معيقيم، وإسناده صحيح كذلك، ومن طريق عبد الله بن أبي بكر بن عمر بن حزم، وإسناده صحيح كذلك. وهكذا روى بعض هذه المراسيل أو نحوها البخاري رحمه الله بصحيحه، فبمجموع طرق هذه المراسيل يصحح بعضها بعضًا، ويؤكده، ويشهد بعضها لبعض، فتثبت أصل القصة بهذه المراسيل وبما صح في حديث كعب بن مالك، ومعناه في حديث جابر بن عبد الله. قال رحمه الله تعالى: فقال سعد بن معاذ سيد الأوس لأسيد بن حضير: «اذهب لهما، الذين قد أتيا ليسفها ضعفاءنا، فازجرهما، فإن أسعد بن زرارة ابن خالتي، ولولا ذلك لكفيتُك ذلك». وكان سعد وأسيد سيدي قومهما، فأخذ سيد حربته، ثم أقبل إليهما. فلما رآه أسعد بن زرارة قال لمصعب: «هذا سيد قومه قد جاء، فاصدق الله فيه»، يعني في نصحه، وكان يظن به الخير. قال مصعب: «إن يكلمني أكلمه». فوقف عليهما فقال: «ما جاء بكما إلينا تسفهان ضعفاءنا؟ اعتزلنا»، يعني ابتعدا عن هذا، «حتى ننظر في أمركما». قال: «إن كان لكما في أنفسكما حاجة»، فقال له مصعب: «أو تجلس»، يعني إذا كان جئتم لشيء من الدنيا فتكلموا به بصراحة، لا تأخذوا بهذه الطريق. قال: «أو تجلس وتسمع، فإن رضيت أمرًا قبلته، وإن كرهته كففتُ عنك ما تكره». فقال: «أنصفت»، يعني اسمع منا أولًا ونحن تحت حكمك. قال: «ثم ركز حربته وجلس، فكلمه مصعب بالإسلام، وتلا عليه القرآن». قال: «فوالله لعرفنا في وجهه الإسلام قبل أن يتكلم، في إشراقه وتهلله»، يعني استحسن ما سمع من كلام عن الإسلام. ثم قال: «ما أحسن هذا وما أجمله؟ كيف تصنعون إذا أردتم أن تدخلوا في هذا الدين؟» قال: «تغتسل وتطهر ثوبك، ثم تشهد شهادة الحق، ثم تصلي ركعتين». قال: «فقام واغتسل وطهر ثوبه وتشهد، وصلى ركعتين». ثم قال: «إن وراءي رجلًا إن اتبعكما لم يتخلف عنه أحد من قومه، وسأرشده إليكما الآن سعد بن معاذ». ثم أخذ حربته وانصرف إلى سعد في قومه، وهم جلوس في ناديهم، فقال سعد: «أحلف بالله، جاءكم بغير الوجه الذي ذهب به من عندكم»، يعني تغير. فلما وقف على النادي - والمراد بالنادي الموضع الذي يجتمع فيه الرجال - قال له سعد: «ما فعلت؟» قال: «كلمت الرجلين، فوالله ما رأيت بهما بأسًا، وقد نهيتهما». فقال: «لا نفعل ما أحببت». وقد حدثت أن بني حارثة خرجوا إلى أسعد بن زرارة ليقتلوه، وذلك أنهم عرفوا أنه ابن خالتك ليغضبوك. فقام سعد مغضبًا للذي ذكر له وأخبره بذلك، إما أن بعض ذلك الكلام صحيح قد وقع، وإما أن قاله ليهيجه ليتعاطف مع ابن خالته، فإنه كان مسلمًا، أسعد بن زرارة كان مسلمًا. فإذا أخذته عاطفة القربى، فإن ذلك يقرب منه إلى الإسلام الذي يحمله. وهكذا كان إسلام جماعة من الناس، كانت أولًا عاطفة القربى، ثم كان بعد ذلك حب الإسلام. فقام سعد مغضبًا - يعني سعد بن معاذ، وكان كافرًا - فقام سعد مغضبًا للذي ذكر له، فأخذ حربته. فلما رآهما مطمئنين عرف أن أسيدًا إنما أراد أن يسمع منهما، فوقف عليهما متشتمًا، يعني يشتمهما بلسان الحال أو بلسان المقال، لا يلزم أن يكون بلسان المقال. قال: «ثم قال لأسعد بن زرارة: والله يا أبا أمامة، لولا ما بيني وبينك من القرابة، ما رمت هذا مني، أتغشانا في دارنا بما نكره؟» وكانت العرب لا ترضى أن يؤثر عنها مثل ذلك، فكانوا يعظمون بيت الضيف، فيرون أن من أتى إلى دار قوم، فإنه لا يأتيهم إلا بما يحبون، لا بما يكرهون، فذلك شيمة الرجال ومكارم الأخلاق عندهم. قال: «وغدًا كان أسعد قال لمصعب: جاءك والله سيد من ورائه قومه»، يعني إن يسلم يسلم قومه من بعده. قال: «إن تبعك لم يتخلف عنك منهم أحد». فقال له مصعب - يعني ابن عمير -: «أو تقعد فتسمع؟ فإن رضيت أمرًا قبلته، وإن كرهته عزلنا عنك ما تكره». قال: «قد أنصفت». ثم ركز حربته فجلس. ومعنى: «اسمع منا، فإن كان الذي قلنا حقًا أخذته، وإن كان باطلًا فلسنا الذين نأتي بالباطل، بل سنفعل ما تأمرنا به، مما يرضيك». فرأى أن الكلام فيه إنصاف، فقال: «قد أنصفت». ثم ركز حربته فجلس. قال: «فعرض عليه الإسلام وقرأ عليه القرآن». قال: «فعرفنا والله بوجهه الإسلام قبل أن يتكلم، في إشراقه وتهلله». ثم قال: «كيف تصنعون إذا أسلمتم؟» قال: «تغتسل وتطهر ثوبك، ثم تشهد شهادة الحق، ثم تصلي ركعتين». ففعل ذلك. ثم أخذ حربته فأقبل إلى نادي قومه، يعني إلى موضع اجتماع رجالهم. فلما رأوه قالوا: «نحلف بالله لقد رجع بغير الوجه الذي ذهب به». فقال: «يا بني عبد الأشهل، كيف أمري فيكم؟» قالوا: «سيدنا وابن سيدنا، وأفضلنا رأيًا، وأيمننا نقيبة»، يعني أكثرنا بركة في الفضائل والمنازل. قال: «فإن كلام رجالكم ونسائكم علي حرام حتى تؤمنوا بالله ورسوله». وكان هذا مما يفعله العرب في إلزام قومهم بشيء، يعني سأهجركم حتى تتابعوني على ما أنا عليه. قال: «فإن كلام رجالكم ونسائكم علي حرام حتى تؤمنوا بالله ورسوله». فما أمسى فيهم رجل ولم يأس إلا أسلموا، يعني لم يأتِ المساء إلا وأسلمت القبيلة كلها. قال: «إلا الأصير»، يعني تأخر في إسلامه، فإنه تأخر إسلامه إلى يوم أحد، فأسلم وقاتل وقتل، ولم يسجد لله سجدة. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «عمل قليلًا وأجر كثيرًا». وأصل الحديث في الصحيحين، كما أشار إليه المعلق. قال: «فأقاما مصعب في منزل أسعد يدعو الناس إلى الإسلام، حتى لم يبق دار من دور الأنصار إلا وفيها رجال ونساء مسلمون، إلا ما كان من دار بني أمية بن زيد، وخطمة، ووائل، وواقف». وذلك أنهم كان فيهم قيس بن الأسلت الشاعر، وكانوا يسمعون منه، فوقف بهم عن الإسلام، حتى كان عام الخندق، بعد أن هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم. فلما كان من العام المقبل، وجاء موسم الحج، قال من أسلم من الأنصار: «حتى متى نترك رسول الله صلى الله عليه وسلم يطرد في جبال مكة ويخاف؟» فخرجوا مع مشركي قومهم حجاجًا. فلما وصلوا وعدوا العقبة... طيب نترك هذا الفصل الذي يتعلق ببيعة العقبة الثانية لدرس اللاحق لطوله وانتهاء الوقت. طيب لهنا، والله تعالى أعلم.