شرح كتاب مختصر فرض طلب العلم  2

شرح كتاب مختصر فرض طلب العلم 2

الدرس في شرح كتاب مختصر فرض طلب العلم 2، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

مقدمة في طلب العلم الواجب

يشرح الدرس معنى طلب العلم الواجب الذي فرضه الله على كل مسلم ومسلمة، ويبين أهمية العلم في تحقيق الإيمان الصحيح. يشير إلى أن هناك علمًا لا يسع المسلم جهله إذا كان عاقلًا بالغًا.

دور العلم في تحقيق الإيمان والعمل الصالح

يؤكد الدرس على أهمية تعلم العلم لتحقيق الإيمان الصحيح والعمل الصالح، ويبين أن الإيمان ليس مجرد قول باللسان بل يجب أن يصدقه العمل. كما يشير إلى أن الجهل بالعلم الواجب يؤدي إلى الوقوع في الشرك والضلال.

تفاصيل العلم الواجب تعلمه للمسلم

يشرح الدرس تفاصيل العلم الواجب تعلمه للمسلم، مثل أحكام العبادات والمعاملات، ويبين أهمية تعلم أحكام الحج والصيام والتجارة. يشدد على أن الجهل بأحكام العبادات والمعاملات قد يؤدي إلى بطلانها أو الوقوع في المحرمات.

التفريغ النصي الكامل

يسر إخوانكم بموقع دار الحديث بالشحر أن يقدم لكم شرح كتاب مختصر فرض طلب العلم للإمام الآجري رحمه الله تعالى، اختصره فضيلة الشيخ عمر بن مصلح الحسين، شرح فضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، القائم على دار الحديث بالفيوش ودار الحديث بالشحر. والآن مع الدرس الثاني. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد، فهذا هو الدرس الثاني بكتابي مختصر فرضي طلب العلم، هذا الكتاب الذي تقدم أن أصله للإمام الآجري، أبو بكر محمد بن الحسين، صاحب المصنفات الكثيرة المشهورة المعروفة، رحمه الله، واختصره الدكتور عمر بن مصلح الحسيني، أحد كبار الجامعة الإسلامية، وله مناصب كثيرة وجهود حديثية متنوعة. وقد تقدم معنا أن أصل الكتاب فيه خرم وصقط، فلهذا انتقلنا إلى هذا المختصر. وآخر ما وقفنا عليه هو ما ذكره رحمه الله في قوله: «فطلب العلم فرض على المسلم»، قال صلى الله عليه وسلم: «طلب العلم فريضة على كل مسلم». وقد تقدم معنا هذا الحديث الذي جاء من حديث أنس وغيره، وهو بمجموعة طرق حديث حسن، وقد حسنه جماعة من العلماء والأئمة قديمًا وحديثًا. وعلمنا على وجه الاختصار ما معنى هذا الفرض الذي أشار إليه رحمه الله في الكتاب، وما أشار إليه رحمه الله كذلك في هذا الحديث. ثم قال رحمه الله تعالى، وهو يبين ويوضح معنى هذا الحديث، رحمه الله: قال رحمه الله تعالى: «فإن قال قائل: فإن العلم كثير لا يدركه كل أحد، فكيف يفرض على كل مسلم طلبه؟». هذا السؤال قد يرد، وورود هذا السؤال بسبب عدم فهم معنى طلب العلم الواجب الذي فرضه الله عز وجل على عباده. قال رحمه الله تعالى: «قيل له: العلم على وجوه كثيرة، فمنه علم لا يسع المسلم جهله». وقد سبقت معنا الإشارة إلى بعض معاني هذا العلم الذي لا يسع المسلم جهله، وسيأتي إن شاء الله بعض التنبيهات والأمثلة من المؤلف. قال رحمه الله تعالى: «قيل له: العلم على وجوه كثيرة، فمنه علم لا يسع المسلم جهله، إذا كان عاقلًا بالغًا، على أي حال كان». يعني: من هذا العلم علم لا يجوز لمسلم أن يجهله، ويعرض عنه ما دام عاقلًا بالغًا. العاقل ضده المجنون، ومن كان بمعناه ممن لا يعقل الخطاب الشرعي. وقوله: «بالغًا» ضده من ليس ببالغ، وعلامة البلوغ كما ذكره العلماء ثلاث عند الذكر، وتزيد الأنثى عن الذكر بعلامة رابعة. أولها: بلوغ سن خمسة عشر سنة، فمن بلغ سن خمسة عشر سنة فهو بالغ. ثانيها: أن ينبت الشعر الخشن في عورته، فمن أنبت الشعر الخشن في عورته فهو بالغ، ولو لم يبلغ سن خمسة عشر سنة. كما أن من بلغ سن خمسة عشر سنة، ولو لم ينبت الشعر الخشن فهو بالغ كذلك. والثالث: أن ينزل ما ينزله الإنسان عند شهوته، فإذا حصل الإنزال فإنه وصل سن البلوغ، ولو لم يكن قد بلغ سن خمسة عشر، ولو لم يكن أنبت شعر العانة الشعر الخشن. وتزيد الأنثى على الذكر بشيء رابع، ألا وهو نزول الدم المعروف عند النساء، دم الحيض. فإذا نزل منها دم الحيض الذي تعرفه النساء، ولو لم تر هذه الصفات الثلاث، فهي أنثى بالغة. ومن كان بالغًا يجب عليه أن يتعلم من أحكام دينه، كما ستأتي الإشارة إليه. قد سبقت الإشارة إلى بعضه مما لا يسع المسلم جهله، مما يقيم به دينه، ويعبد ربه سبحانه وتعالى على الوجه الذي أراده الله له. قال رحمه الله: «فمنه علم لا يسع المسلم جهله إذا كان عاقلًا بالغًا، على أي حال كان». ومعنى «على أي حال كان»: أي على أي وجه من الوجوه، سواء مسافرًا أو مقيمًا، صغيرًا كبيرًا، ما دام عنده عقل وبلوغ، فلا يسعه ترك ما يجب أن يتعلمه، مما سيأتي الإشارة إلى بعض أمثلته. وعلى الصحيح: حرا أو عبدًا، وغيرها من الصفات التي لا تسقط العلم الواجب. فمثلًا من المقولات الخاطئة والمفاهيم المنحرفة البعيدة كل البعد عن دين الله عز وجل، ما هو موجود في بعض البوادي والقرى البعيدة عن العلم، وعن زيارة حملة العلم. فعندهم مفهوم أن النساء لا يجب عليهن العلم الواجب، بل وربما أسقطوا عن النساء بعض الفرائض. وهناك مقولة يرددها بعض العوام، يقول: «حسب المرأة إذا أرادت أن تصلي أن تقول...» ويدكرون اسمًا يختلف بحسب المناطق، «حليمة تحب ربها وربها يحبها»، وربما قالوا: «سعدية تحب ربها وربها يحبها»، معناه: إذا قالت هذه المقولة تغنيها عن الصلاة، فلا صلاة ولا فريضة. وأعظم من هذا: لا تعلم لمسائل العقيدة وأمور الدين العظيمة التي لا يجوز للمسلم أن يجهلها. وأعظم من هذا: ما هو مشاع في المجتمعات المتصوفة. وقد سمعت هذا بأذني، وللأسف في بعض البلدان التي تعمق فيها التصوف، فإنهم جعلوا حسب عوام الناس ورعاعهم أن يتقربوا إلى القبور وإلى تلك الطواغيت. وأن الله أسقط عنهم العبادات، زعمًا منهم أنهم يختلفون عن السادة، وأن الله إنما تعبد السادة، وأن السادة يتحملون عن هؤلاء أعمالهم وأخطاءهم، عقيدة فاسدة كعقيدة النصارى، «سقوط الغفران» بمعنى آخر، وهو موجود، وللأسف إلى قريب، حتى في بلادنا اليمنية، في بعض مناطق حضرموت وما حولها، مما فيه التصوف المتعمق. فعندهم من عقيدتهم الفاسدة الضالة: وهو موجود ومسطر في كتبهم، أن السيد يسعه أن يأخذ من يشاء في خمشته إذا دخل الجنة، فجزموا لأنفسهم بدخول الجنة، بل وجزموا لأنفسهم بالشفاعة لمن شاء. ولذلك أغرقوا المجتمعات بالمعاصي والبعد عن فعل الطاعات والواجبات، بما فيه من أمور كثيرة منحرفة عقدية وتعبدية، بل وحتى أخلاقية. ثم يأتون ويتقربون إلى السيد، وهو يحمل عنهم كل ذلك، فلا صلاة ولا صيام ولا ذكر ولا عبادة ولا عقيدة طول العام، وهو في غفلة وفي بعد. ثم يوم في السنة يأتي إلى زيارة الحبيب، ويتقرب إلى الحبيب، ويطلب منه ما لا يجوز أن يطلب إلا من الله، فيزعم أن الحبيب يتحمل عنه، أي هذا الولي المعبود من دون الله، والعياذ بالله، يتحمل عنه كل شيء. عقيدة من ضل من أهل الكتاب من النصارى وغيرهم، مثلها مثل «سقوط الغفران». وهذا لا شك أنه منافي لما أمر الله عز وجل به في كتابه، وما أمر به رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم في سنته، من النصوص الكثيرة المتواترة الواضحة البينة، التي توجب على كل مسلم ومسلمة طلب العلم الواجب الذي يقيم به دينه. من عمل صالحًا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن، فلنحيينه حياة طيبة، ولن جزينهم أجرًا بأحسن ما كانوا يعملون. مفهومه: من لم يتعلم ويعمل، فهو ليس له الحياة الطيبة في الدنيا ولا في الآخرة، وهو متوعد بغضب الله وعذابه وعقابه في الدنيا والآخرة. كما قال ربنا سبحانه وتعالى: «ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض، ولكن كذبوا فأخذناهم بما كانوا يكسبون». وغيرها من الآيات والأدلة الكثيرة، وحديث النبي عليه الصلاة والسلام المتقدم: «طلب العلم فريضة على كل مسلم». وهكذا كذلك قول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين». وغيرها من الأدلة الكثيرة الدالة على هذا المعنى. فلذلك ينبغي أن يعاد مثل هذا المفهوم، ويكرر؛ لأن من يخطئ فيه هم أصناف كثيرة. ومن هؤلاء من سمعنا، وضربت بهم بعض الأمثلة. وهكذا من هذه الأصناف: أناس آخرون يظنون، وهذه عقيدة من عقيدة أهل الإرجاء، يكفي أن يقول: «أنا مؤمن»، ويقول: «أنا أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله»، «والإيمان في القلب»، ثم يعرض عن العلم، تعلم العقيدة، تعلم ما يجب عليه من أمور العبادة، لا صلاة، لا صيام، لا صدقة، لا شيء. ثم يقول: «أنا مؤمن، والإيمان في القلب». هذا كذب؛ لأن الإيمان إذا كان في القلب صدقه العمل؛ لأن الإيمان في نصوص معناه: في نصوص الكتاب والسنة، وعقيدة أهل الإسلام: قول باللسان، واعتقاد بالجنان، وعمل بالجوارح والأركان، يزيد بالطاعة، وينقص بالمعصية. لا يصح إيمان من دون عمل، لا يكفي أن تقول: «أنا مؤمن»، وأعمالك تكذب هذا الإيمان. ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم، كما في حديث أبي هريرة في الصحيح: «لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن». المؤمن الكامل في إيمانه، لا يخدش إيمانه بالزنا، الزنا ينقص الإيمان. فإذا كان الزنا ينقص الإيمان، فكيف بمن ليس عنده شيء من خصال الإيمان؟ ولهذا جاء في حديث أبي هريرة الآخر في الصحيحين: «الإيمان بضع وستون شعبة»، وفي رواية في مسلم: «بضع وسبعون شعبة»، «أعلاها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من شعب الإيمان». إذن: الإيمان شعب ودرجات. من ارتقى في سلم الإيمان وصل إلى أعلى الدرجات. ومعنى «ارتقى»: أخذ العلم، وصدقه بالعمل. يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات. فإذا لم تصدق أقوالك بأعمالك المبرهنة لهذا الإيمان، فأنت كاذب في هذا الإيمان. فإذن: أنت تحتاج إلى العلم لتحقق هذا الإيمان. كيف تحقق الإيمان وأنت تجهله؟ تجهل خصال الإيمان، أنت تجهل خصال الإيمان، ثم تزعم أنك مؤمن؟ أين الإيمان؟ أنت ما علمته، فضلا أن تعمل به. إذن: أنت تحتاج أن تتعلم من خصال وأركان وشعب الإيمان ما تحقق به الإيمان، من مسائل العقيدة والتوحيد والعبادة، ما تحقق هذه العقيدة وهذا التوحيد وهذه العبادة. وهكذا قال رحمه الله تعالى: «قال: وفي كل وقت». يعني: على أي حال كنت، وفي أي وقت كذلك كنت؛ لأن هذا العلم لا يسع الإنسان جهله. فمثلًا: مسائل العقيدة لا يسع المسلم جهلها. صحيحًا كان أو مريضًا، مسافرًا أو مقيمًا، ذكرًا أو أنثى، عبدًا أو حر، مشغولًا أو غير مشغول. هي الأصل التي بها بعث الرسل. ولقد بعثنا في كل أمة رسولًا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت. لما أرسل النبي صلى الله عليه وسلم رسله، أول ما أمرهم أن يأمروا به الناس: الدعوة إلى التوحيد. ففي حديث ابن عباس في الصحيحين، وجامعنا من حديث معاذ: أنه لما أرسل معاذًا إلى اليمن، قال له: «وليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله». وفي رواية في البخاري: «أن يوحدوا الله». معناه: ماذا؟ معناه: أن أول ما تدعوهم إليه: العقيدة، أن يتعلموا مسائل العقيدة. الذكر والأنثى، والصغير والكبير، والحر والعبد، والمشغول وغير المشغول، والمسافر والمقيم، الكل على أي حال، لا يسع المسلم أن يجهل عقيدته، حتى يعبد الله عز وجل على بصيرة. ولما جهل الناس مسائل العقيدة، وقعوا فيما وقعوا فيه من الشرك، أنواع الشرك الظاهر والخفي. ولما انتشرت العقيدة الصحيحة، وتعلمها الناس، وبث أهل العلم تعلم هذا، بالمسموع والمقروء، وبحلق العلم للصغار والكبار، والذكور والإناث، انتشرت العقيدة الصحيحة، واندثرت مظاهر الشرك من المجتمعات. وهذا قليل من كثير مما يدل على أهمية تعلم العلم الواجب الذي منه العقيدة. قال رحمه الله تعالى: «وذلك معرفة الله عز وجل بصفاته، بصحة توحيده وإخلاصه فيه». يعني: من مسائل العلم الواجب والفرض الذي لا يسع المسلم جهله: معرفة الله عز وجل بصفاته، وبصحة توحيده. يعني: بأسمائه وصفاته، ولوهيته وربوبيته، بما يكون به توحيده سبحانه وتعالى. بك أسماء التوحيد الثلاثة: توحيد الربوبية، وتوحيد الأسماء والصفات، وتوحيد الألوهية. وإخلاصه فيه: أي تخلص في توحيدك، فتحقق معنى التوحيد، معنى «لا إله إلا الله»، الذي يجهله، وللأسف كثير من الناس. «لا إله إلا الله» الذي معناها العظيم، وللأسف جهله كثير من الناس، إلا من رحم الله. لا معبود بحق إلا الله. لو عرف الناس حقيقة معنى هذه الكلمة، ما وقعوا فيما وقعوا فيه من شرك، مما هو منتشر، وللأسف في كثير من المجتمعات. والسبب هو الجهل بتعلم العلم الواجب في هذا الباب، في باب العقيدة. ولذلك ألف العلماء كتب التوحيد والعقيدة، التي تذكر تفاصيل مسائل التوحيد والعقيدة، التي هي تفسير لمعنى «لا إله إلا الله». «لا إله إلا الله»، لا معبود بحق إلا الله. اقرأوا أبواب كتاب التوحيد لابن خزيمة، وابن منده، ومن بعدهم. وهكذا كتب التوحيد في كتب السنة، كتاب التوحيد للإمام البخاري. وهكذا في صحيح مسلم، وغيره من كتب السنة الأخرى، ومسائله المنثورة في كتب السنة، سنة الإمام أحمد، سنة ابن أبي عاصم، وهكذا من ألف من جاء بعدهم، مثل هذا الكتاب العظيم النافع الماتع: كتاب شيخ الإسلام المجدد محمد بن عبد الوهاب رحمه الله، المسمى بكتاب التوحيد، الذي ألفه على نسق كتاب التوحيد للإمام البخاري، أبوابًا وآيات وأحاديث، وشيء من الآثار. ثم يعلق المسائل التي تستفاد من هذه التبويبات والآيات والأحاديث والآثار. فمن يجهل مثل هذه الكتب، لا شك أنه يقع في الخلل، حتى ولو كان منتسبًا لطالب العلم، فالانتساب شيء، وتحقيق التعلم عمليًا شيء آخر. ولهذا الناس تفاوتوا في معرفة العلم الواجب والعمل به، فهم درجات. بدرجات حرصهم على العلم والعمل. وهذا هو مصداق قول الله عز وجل: ﴿يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات﴾. هناك كثير من العوام معرضون، إلا من رحم الله. وهؤلاء المعرضون يحرمون خيرًا كثيرًا، فضلا عن واجب يجهلونه، فيقعون في الغرر بسبب الجهل، فتأتي الأسئلة والإشكالات. وهكذا من ينتسب لطلب العلم، هم متفاوتون بحسب صدقهم وبرهانهم لهذا الانتساب، تعلم العلم والعمل به، فهم كذلك درجات. فمن أدمن النظر في كتب التوحيد والعقيدة، صار صاحب عقيدة قوية، وإيمان قوي، وتوكل قوي. ومثل هذا يرتقي في سلم الإيمان، حتى يرتفع إلى الدرجات العالية. وأمثال هؤلاء هم الذين يجعلهم الله عز وجل إما كما قال الله عز وجل في حق أمثال هؤلاء: ﴿وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون﴾. قال الشيخ: «رسول الله من أهل العلم من قبله». بمعنى: لا تنال الإمامة بالدين إلا بالصبر واليقين، صبر على تعلم العلم، صبر على العمل بالعلم، صبر على أقدار الله سبحانه وتعالى مما يصيب المؤمن. ولا يكون ذلك إلا بالعلم والعمل بالعلم، والعمل تعان عليه، وتلهم به بيقين يعينك على الصبر مع البلاء. ولهذا تجد المواقف المختلفة، يبتلَى إنسان بمصيبة، فيقول: «إن لله وإن إليه راجعون، حسبنا الله ونعم الوكيل». علم وتطبيق لهذا العلم، جعله سليقة عنده، عند الخبر المفاجئ، يخرج ذلك من لسانه، واليقين في قلبه، وكذا آثار المصيبة في جوارحه. وآخر إذا جاءه الخبر المحزن أو المؤسف، ربما صرخ، ضرب الخدود، شق الجيوب، اعترض على قدر الله. ما هو السبب؟ الجهل بالعلم، ربما علم، ولكن لم يعود نفسه على العمل، فضعف، فعند ذلك لم يصبر. وهكذا اليقين، اليقين لا ينال إلا بالعلم. ﴿وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون﴾. إذن: لا بد من علم، لا بد من علم. فالذي أدمن في كتب التفسير، يقرأ ويتلذذ بهذه القراءة، كلام أهل العلم، أهل التوحيد، أهل السنة، تمعن في كلام الله، وتدبره، كيف يكون قلبه في الإيمان؟ كيف تكون حياته؟ يكسب نورًا وبصيرة يدرك بها ما لا يدرك غيره. ومن هنا تفهم قول الله عز وجل: ﴿إن في ذلك لآيات للمتوسمين﴾. بما أعطاه الله من العلم النافع، وما جاء من يقين في قلبه بالعمل الصالح، فصار بذلك مؤمنًا تقيًا، وليًا من أولياء الله. ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، الذين آمنوا وكانوا يتقون. إذن: فهمنا من هذا أن العلم الناس يتفاوتون فيه، حتى الواجب. وأن المرأة كلما اجتهدت في تعلم العلم الواجب، أعينت بما فيه الخير لها في دنياها وفي آخرتها. قال رحمه الله تعالى: «ومعرفة عدوه إبليس». يعني: أصل الأبالسة، وهو إبليس، وجنوده من شياطين الجن والإنس؛ لأن الله عز وجل حذرنا منه في كتابه، ونبينا صلى الله عليه وسلم في سنته، وحذرنا ربنا سبحانه وتعالى من خطواته، ومن طرقه، وما يطمع به من إفساد العقيدة والعبادة، وغير ذلك مما فيه خسارة لهذا الإنسان. فإذا علمت ذلك، فأنت بهذا بإذن الله تعالى تحرص، بما أعطاك الله من العلم، أن تأخذ حميتك وتتحصن من إبليس وجنده، شياطين الجن والإنس، وطرقهم ووسائلهم التي يحرصون بها على إغواء الإنسان. انظروا: من العلم، على سبيل المثال، إذا تدبرنا كتاب الله عز وجل، أفادنا ذلك الشيء الكثير في حياتنا. انظروا وتأملوا في قول الله عز وجل: ﴿قل أعوذ برب الناس ملك الناس إله الناس﴾. هذه توسلات بالله عز وجل بثلاثة من أنواع التوحيد: ربوبية، أسماء وصفات، ألوهية. ﴿قل أعوذ برب الناس﴾ ربوبية، ﴿ملك الناس﴾ أسماء وصفات، ﴿إله الناس﴾ ألوهية. تعوذ بهذه الأنواع الثلاثة بالله عز وجل من ماذا؟ من هذا الشيطان. ﴿قل أعوذ برب الناس ملك الناس إله الناس من شر الوسواس الخناس الذي يوسوس في صدور الناس من الجنة والناس﴾. تأملوها وتدبروها، مع أنه في السورة الأخرى، سورة الفلق، قال: ﴿قل أعوذ برب الفلق من شر ما خلق ومن شر غاسق إذا وقب ومن شر النفاثات في العقد ومن شر حاسد إذا حسد﴾. ذكر جميع أنواع الشر في الدنيا، من شر ما خلق إلى آخره، شر غاسق إذا وقب، شر النفاثات في العقد، السحرة، أنواع الشر التي خلقها في البر، في البحر، في الهواء، محسوسة، غير محسوسة، في الليل، في النهار. ومع ذلك بماذا ابتدئ؟ بالربوبية: ﴿قل أعوذ برب الفلق﴾. وأما في الشيطان: بالربوبية والألوهية والأسماء والصفات. وهذا يدل على عظيم خطره وشره. فخص بأنواع التوحيد الثلاثة. بالعلم نعرف هذا الخطر، وقدره، وعند ذلك نأخذ الأسباب العلمية والعملية التي تعيننا على حفظ أنفسنا من هذا العدو. هذا مثال. قال رحمه الله: «ومعرفة نفسه الأمارة بالسوء». كذلك بالعلم تعرف أن النفس أمارة بالسوء، كما ذكر الله عز وجل في كتابه، في قصة امرأة العزيز في سورة يوسف. وكما ذكر لنا في آيات كثيرة، في أمثلة كثيرة وقصص، كان من معانيها وعبرها وعظاتها لمن تدبرها: أن النفس أمارة بالسوء، مهما كملت وحرصت على الكمال. فإن نفسك أمارة بالسوء، والموفق من يجرها إلى الخير، والمحروم من تجره إلى ذلك السوء. فالأول موفق، والثاني محروم، والناس في هذا درجات ودركات. وإذا تأملت وتدبرت معاني ذلك في كتاب الله، وفي سنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وفي كلام أهل العلم من السلف، تعرف أنك فقير إلى الله سبحانه وتعالى، تحتاج إلى العلم الذي يحفظك ويعينك. فكيف بعد ذلك تعرض عن العلم؟ ومن الكتب الموفقة النافعة العظيمة في هذا الباب: كتاب الإمام ابن القيم رحمه الله، الذي ذكر فيه وسائل الشيطان في إفساد الإنسان، المسمى «بالداء والدواء». وهكذا كذلك بعض خطرات ووساوس النفس التي تمر بالإنسان، وكيف يدفعها، وكيف يجاهد نفسه في علاجها. ومن هذه الكتب النافعة في هذا الباب: كتاب «مختصر منهاج القاصدين»، فهو كتاب نافع مفيد، يذكر العبادات، جعله أربع أرباع، قسمه إلى أربعة أرباع، ثم ذكر في كل ربع من هذه الأرباع الموضوع، وما قد يعترض له، مما يعين الإنسان على تحقيق النفي والإثبات الذي يفتقر إليه في أصل التوحيد، وفي كل جزء من جزئية العبادة، وفي سيره إلى الله سبحانه وتعالى. أصل هذا الدين: نفي وإثبات، «لا إله إلا الله»، توحيد وتبرؤ من الشرك، إيمان وتبرؤ من الكفر، سنة وتبرؤ من البدعة، طاعة وتبرؤ من المعصية، حرص وجد ومثابرة وتبرؤ من غفلة وكسل وخور. وهكذا. قال رحمه الله تعالى: «ومعرفة طهارته وصلاته». كذلك كما تقدم، سبقت الأمثلة عليه: أنت تحتاج لأن تعرف أحكام الطهارة، تحتاج تعرف أحكام الصلاة. قال: «وما بني عليه الإسلام، فليس يسع المسلم أن يجهل ذلك». يعني: سائر مباني الإسلام الخمسة، الأصل التي لا يصح إسلام مسلم إلا بها. بني إسلامه على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وحج البيت، وصوم رمضان، وحج البيت من استطاع إليه السبيل. حديث ابن عمر في الصحيحين، وجاء معناه عن عدة من الصحابة. فأنت تحتاج لتعلم هذه الأحكام التي تقيم بها هذه العبادات، وغيرها، على الوجه الذي يحبه الله ويرضاه، والذي تؤدي به ما أوجب الله عليه. قال رحمه الله: «فليس يسع المسلم أن يجهل ذلك». فإذا قرب شهر رمضان، علم كيف يصوم. وإذا وجب عليه الحج، تعلم كيف يحج. هكذا إذا أردت أن تحج، من أعظم ما يجب أن تتزود له: تتعلم كيف تحج. وللأسف كثير ممن يذهب إلى الحج بجهل، يفسد حجه، فيحرم أصل فريضة الحج. مثلًا: إنسان ذهب إلى الحج؛ لأنه لم يتعلم أحكام الحج، لم يطف طواف الإفاضة الذي هو ركن من أركان الحج، فرجع بدون طواف إفاضة، استثقل الزحام، وظن أن المسألة سهلة، الله هو الرحيم. فما علم أنه أبطل بهذا حجه. ونحو ذلك. فالعبادات تحتاج إلى أن يتعلم المسلم ما يؤديها على الوجه الذي أوجبه الله عليه، بل أعظم من هذا: على الوجه الذي يحبه الله ويرضاه لك. قال رحمه الله: «فليس يسع المسلم أن يجهل ذلك». فإذا قرب شهر رمضان، علم كيف يصوم. وإذا وجب عليه الحج، تعلم كيف يحج. وإذا أراد الجهاد، طلب علم ما يجب عليه من أحكام الجهاد. ولا يسعه أن يجاهد بجهل. وكذلك إذا اتجر بالأموال. يعني: كل هذه المسائل فيها أحكام. والمراد بالجهاد: الجهاد الشرعي بضوابطه وشروطه التي بينت في كتاب الله، سنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وما بينها علماء الإسلام من علماء أهل السنة والجماعة. ليس هذا الجهاد المكذوب المزعوم الذي شوه به هؤلاء خوارج هذا العصر معنى الجهاد، واستغله أعداء الإسلام، واستغله أعداء الإسلام ليضربوا به الإسلام. فاستغلوا أمثال هؤلاء الخوارج أن يشوهوا جمال الإسلام بالجهاد المكذوب. وللعلماء مؤلفات كثيرة قديمًا وحديثًا في بيان هذه الضوابط الصحيحة الشرعية لمعنى الجهاد الشرعي. قال رحمه الله تعالى: «ولا يسعه أن يجاهد بجهل، وكذلك إذا اتجر بالأموال». يعني: عنده أموال، ودخل في التجارة، عليه أن يتعلم أحكام تجارته. فمن دخل مثلًا في تجارة الذهب، وما أدراك ما تجارة الذهب؟ لما فيها من معاملات دقيقة مهمة، ينبغي لصاحبها أن يتعلمها؛ ليسلم من الربا، ليسلم من المعاملات المحرمة الكثيرة التي يقع فيها أهل هذه التجارة، وغيرها من أنواع التجارات. فأنت تحتاج أن تتعلم ما تقيم دينك، وتقع في الحلال، وتجتنب الحرام. قال: «وهو لا يعلم». وإذا اتجر بالأموال وهو لا يعلم الحلال من المكاسب، ولا المحرمات منها، وجب عليه فرضًا طلب علم ذلك. ثم الناس يتفاوتون في معرفة هذا الفرض. وأنا أضرب لكم مثلًا فقط يقرب المقصود. مثلًا: إنسان اشترى جهازًا جديدًا، هل يستطيع أن يشغل هذا الجهاز ويستفيد منه من دون أن يتعلم؟ الجواب: لا. إذن: نحن متفقون أنه يحتاج أن يتعلم كيف يشغل هذا الجهاز ليستفيد منه. ثم هذا الذي يحتاج أن يتعلم، الناس في هذا متفاوتون. إنسان حريص، يقول: «أعطوني الكتاب المرافق لهذا الجهاز؛ لأعرف صفات هذا الجهاز، وما ينبغي وما لا ينبغي، وما هو أفضل أوقات التشغيل، ومتى ينبغي أن يرتاح، ومتى ينبغي... إلى آخره». فمن أخذه بمثل هذا التعلم، صلح حاله، واستفاد كمال الاستفادة من هذا الجهاز، فانتفع به. وآخر اكتفى: «من أين أشغل؟ ومن أين أطفئ؟ كيف أشغل؟ وكيف أطفئ؟ وانتهى». فما درى. صاحب الجهاز الذي فقط اهتم: «من أين يشغل؟ ومن أين يطفئ؟» بعد أيام خرب عليه الجهاز؛ لأنه ما راع شروطه وضوابطه وأموره التي يكون بها سلامته. ما استفاد من جهازه. والآخر الذي أخذ الكتاب المرافق، وقرأ وتفحص، وعلم نفسه، وأولاده كيف يستخدم الاستخدام الصحيح، وماذا يجتنب، وماذا لا يجتنب، وكيف يحافظ على صيانته، وغير ذلك، دام معه الجهاز، واستفاد منه، بل واستفاد منه عدة استفادات، عرف أن فيه صفات ومواصفات، وأشياء تنفع في أمور كثيرة، ليس مجرد آلة، بل آلة محتوية على عدة معاني، وعدة منافع. فاستفاد من كل هذه المنافع في سفره، وفي حله، وفي ترحاله، وفي ليله، وفي نهاره، عارفًا في صفات للليل، وفي صفات للنهار، وفي صفات للسفر، وفي صفات لغير السفر، وغير ذلك. وهكذا من باب التقريب: انتفاع المسلم بما فرض الله عز وجل. إنسان عرف حقيقة الصلاة، وأثرها، وعظيم معانيها في أقوالها وأفعالها وأركانها وواجباتها وسننها وأوقاتها، وغير ذلك من تفاصيل في الفرائض والنوافل، انتفع انتفاعًا عظيمًا، فأثر في حياته، وأثر في قلبه، وأثر في أهله وولده، فصارت أعظم شيء في حياتهم. ويقرأ كلام أهل العلم، يتدبر، يبكي، يحتقر نفسه، مع حال الصادقين مع هذه العبادة. وآخر اكتفى: «الله أكبر، السلام عليكم ورحمة الله»، متى يدخل؟ متى يخرج؟ ولهذا قال بعض أهل العلم: «رب رجلين كلاهما بجانب الآخر يصليان، فرق ما بين صلاتهما كما بين السماء والأرض؛ لما عند هذا من العلم واليقين والإخلاص والتدبر، وما عند ذلك من الجهل والغفلة والإعراض والتململ». وهذا موجود. بسبب ماذا؟ الحرص على العلم والعمل، والبعد عن كذلك العلم والعمل. نسأل الله سبحانه وتعالى أن نفقنا وإياكم العلم النافع والعمل الصالح، ونجعلنا وإياكم هداة مهتدين، غير ضالين ولا مضلين. نكتب بهذا القدر، وإلى هنا. وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم. طيب نأخذ ثلاثة أسئلة إن شاء الله، وإن شاء الله نكمل في درس لاحق. طيب السؤال الأول يقول السائل: ما حكم أخذ الغنيمة من العدو إذا لم يخبر القائد أولًا؟ ينبغي أن نعرف ما معنى الغنائم. الغنائم الشرعية في الجهاد الشرعي الصحيح، وبوصف الإمام الشرعي، التي بها يصح أن تسمى غنيمة. وإلا فإن ذلك من معنى الغلول والسرقة المحرمة. فمن أخذ الغنيمة، فضلا عما هو ليس أصلًا غنيمة، فهذا أشد. ولم يخبر القائد، صار من أهل الغلول. فعليه أن يرد هذا الذي أخذه، ويتبرأ في الدنيا قبل الآخرة. وتعرفون حديث الصحيحين في قصة الرجل الذي غل شملة، وهو مجاهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في الجهاد. ومع ذلك ماذا قال النبي صلى الله عليه وسلم؟ «ما زال يحترق بشملته تلك التي غلها». والعياذ بالله. فينبغي الحذر من هذا. بارك الله فيكم. وهذا سائل آخر يقول: ما هو الجمع بين حديث دعاء الوضوء الذي في آخره: «يدخل من أي بواب الجنة الثمانية شئت». وحديث الصائم: «أنه يدخل من باب الريان، لا يدخل أحد غيرهم»؟ الجواب: هذا مثل قول الله عز وجل: ﴿ولهم ما تشتهي الأنفس وتلذ الأعين﴾. تشتهيه من الحلال الطيب، وكذلك مما يكون جائزًا له. ولذلك لا يطلب ما لا يحق له، كما قال العلماء