شرح أصول السنة للرازيين 20

شرح أصول السنة للرازيين 20

الدرس في شرح أصول السنة للرازيين 20، الدرس العشرون:من( والمرجئة المبتدعة ضلال ... وأن الرافضة رفضوا الإسلام ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

المرجئة وطوائفهم ومعتقداتهم

يتناول هذا الفصل الحديث عن المرجئة وطوائفهم الثلاث، ويشرح معتقداتهم وآراءهم حول الإيمان والأعمال. يُبين أنهم مبتدعة لخروجهم عن الحق ومخالفتهم للسنة.

تكفير الجهمية والقدرية وضلالهم

يتناول هذا الفصل آراء الفرق المختلفة في الإسلام حول الإيمان والعقيدة، ويشير إلى أن الجهمية والقدرية يُعتبرون من الفرق الضالة. يُبين أسباب تكفيرهم بسبب تعاليمهم المخالفة للسنة.

الرافضة وعلاقتهم بالوعيدية والمرجئة وموقفهم من الصحابة

يتناول هذا الفصل موقف الرافضة من الصحابة ومخالفتهم لأهل السنة، ويشرح علاقة الرافضة بالوعيدية والمرجئة في أقوالهم ومعتقداتهم. يُبين أن الرافضة تغلو في بعض الصحابة وتطعن في البعض الآخر.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، ومما ذكراه مما سمعاه عن أئمة الأمصار قال: رحمهم الله تعالى والمرجئة المبتدعة ظلال. مر معنا في درس سابق الكلام على علاقة الإرجاء بالإيمان، فإن المرجئة في طرف والوعيدية في طرف آخر. وأصل شبهة المرجئة والوعيدية أنهم جعلوا الإيمان شيئًا واحدًا، إذا زال زال كله، وإذا ثبت ثبت كله. وسبقت الإشارة إلى هذا المعنى، وكيف أن أئمة بيّنوا علاقة ذلك كما نص عليه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في «مجموع الفتاوى» في المجلد الثامن، وهكذا في المجلد السابع في مواضع. ومر معنا هناك التنبيه على معنى هذه العلاقة. ولهذا ناسب ذكرة في هذا الموضع. قال: رحمهم الله تعالى والمرجئة المبتدعة ظلال. ولم يفرق بين طوائف المرجئة. والإرجاء معناه مأخوذ من التأخير، وقيل معناه مأخوذ من إعطاء الرجاء. وكلاهما يصح هنا. وعن طوائف المرجئة وطوائف المرجئة بالتفصيل تصل إلى اثني عشر فرقة، وبالإجمال على ثلاثة طوائف. الطائفة الأولى من يقول: الإيمان تصديق القلب وقول اللسان، وهو قول العلماء، ولا إمام ممن ينسب إليهم الإرجاء كابن كلاب وحماد بن أبي سليمان، ويروى عن أبي حنيفة، وقيل أنه رجع والله أعلم. وهؤلاء قولهم هو القول الذي ينسب إلى من يسمى بمرجئة الفقهاء. وقول هؤلاء أن الأعمال ليست من الإيمان باطل، خلاف الحق والصواب الذي دلت عليه دلائل الكتاب والسنة. ولكنهم يحصل لهم شبه موافقة لقول أهل السنة، فهم يقولون: أن الله يعذب من يعذب من أهل الكبائر، ثم يخرجهم منها - أي من النار - بالشفاعة. وهذا حصلت لهم موافقة مع أهل السنة، وهم يقولون: أن الإيمان من النظر ونظر اللسان. ويقولون: أن تارك الأعمال المفروضة الواجبة يستحق الذنب والعقاب، يستحق الذنب - أي مذموم - فهو فاسق ومؤمن ناقص الإيمان، وهو كذلك يستحق العقاب. وتأمل قولهم: يستحق، فهو يوافق قول أهل السنة بالمشيئة، فأهل المعاصي تحت المشيئة. وهم كذلك يوافقون أهل السنة أن فاعل هذه المعاصي ليس بكافر. ولهذا صار هذا النوع من الإرجاء ليس بكفر. ومع ذلك فهو قول مبتدع باطل، وهو من الضلال. ولهذا دخل قولهم في معنى الإرجاء المذموم. والمرجئة المبتدعة ظلال، لم يفرقوا - رحمهم الله تعالى - أي الأئمة - بين طوائف الإرجاء من جهة الذنب. وأما من جهة الأحكام فهم يختلفون، كما سبقت الإشارة إلى ذلك. فهم يرون التفاضل - أي مرجئة الفقهاء - في الأعمال لا في الإيمان. وانتبه لهذا، هم يرون التفاضل في الأعمال لا في الإيمان الذي في القلوب. وهذا باطل منافي لأدلة الكتاب والسنة، وما نقل عن سلف الأمة، بل وما أجمعت عليه الأئمة. فإن الأدلة متكاثرة متواثرة في أن الأعمال تؤثر على الإيمان في القلب، فزيادة الأعمال الصالحة سبب لزيادة الإيمان في القلب، ونقصان الأعمال الصالحة سبب لنقصان الإيمان في القلب. قال الله عز وجل: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾. فهذه الآية وغيرها من الآيات والأدلة من الكتاب والسنة تدل على بطلان هذا القول. فقول مرجئة الفقهاء باطل. ويعلم كذلك أن قول من قال: أن الخلاف مع مرجئة الفقهاء خلاف لفظي، أنه ليس بصحيح. ولكن قد يقال: أن قوله هذا محمول على حصول الموافقة التي سمعناها. لكن ليس معناه أنه لا خلاف حقيقي بين أهل السنة ومرجئة الفقهاء، وإنما الخلاف في اللفظ فهذا إذا دقق النظر فيه وحقق ليس بصحيح، بل الصحيح أن الخلاف ليس بلفظي. لكن قد يرد مثل هذا اللفظ عن بعض أهل السنة، وليس يريدون بذلك التسامح في خطأ مرجئة الفقهاء، ولكن يريدون بذلك التفريق بين قول مرجئة الفقهاء وقول غيرهم ممن ضل في هذا الباب. والقول الثاني من مجمل قول المرجئة: قول غلاة المرجئة بأن التصديق: تصديق القلب هو الإيمان فقط، فتصديق القلب فقط هو الإيمان عندهم. وهذا وقول الغلاة من المرجئة كالجهمية، ومن وافقهم من الفلاسفة والباطنية، وهكذا قواف ممن ينتسب إلى الأشعري. وهؤلاء كفرهم أئمة كأحمد ووكيع وغيرهما من أئمة الإسلام. بل بيّن العلماء أن قول هؤلاء من أضل الضلال. فإن منتهى قول هؤلاء إنكار العقاب على أحد من أهل القبلة. بل صرح بعضهم بأن من قيل أنه كافر في الدنيا فإنه لا يعذب في الآخرة، كما فعل الفلاسفة وطوائف من الباطنية الاتحادية والقرامط وغيرهم. حتى قال أئمة: إن هؤلاء من الجبرية والمرجئة أكثر بالوعد والوعيد والأمر والنهي من الوعيدية - أي الخوارج والمعتزلة. ولو تأملت وجدت هذا المعنى صحيحًا. وقد أشار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى إلى هذا المعنى في مواضع من كتبه. والقول الثالث من مجمل أقوال المرجئة: القول بأن الإيمان هو القول فقط، وإن كان المطلوب إيمان الظاهر والباطن. وهذا هو المشهور من قول الكرامية، فالمنافق عندهم مؤمن، لكنه مخلد في النار. وهذا باطل ترده الأدلة الكثيرة، ويكفي بهذا قول الله عز وجل: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾. وزعم هؤلاء أنهم من المؤمنين. وهكذا كذلك قولهم: والمرجئة المبتدعة ظلال. هذا ما نقله عن علماء الأمصار. وقد صح ذم الإرجاء بكل معانيه عن علماء الأمصار، وهم كثر. ونص العلماء في كتب العقائد الكثيرة على تسميتهم، كأحمد والنعماني والزهري والأوزاعي، ويحيى بن أبي كثير وقتادة وشريك والثوري وميمون بن مهران، وأيوب بن أبي تميم السختياني، وسعيد بن جبير، وخلق كثير. نص على تسميتهم عدد من الأئمة، كما ذكرهم شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في مواضع في المجلد السابع من «الفتاوى»، وغيره كذلك ممن سبقه. وأما حكم المرجئة فهم كما سمعت: كلهم مبتدع ظلال، لمخالفتهم الصواب وخروجهم عن الحق، وهكذا كذلك موافقتهم للباطل ومخالفة السنة. وهذا الحكم على من قامت عليه الحجة من هؤلاء، وإلا فالأصل من قال بقولهم فقوله مبتدع، والقائل يحتاج إلى أن تقام عليه الحجة. والمرجئة بجميع طوائفهم هم متفقون أن العاصي - كما سبق - تخرج عن مسمى الإيمان. ولهذا كلهم كانوا من المبتدع الظلال. ثم هم في العاصي زعموا أنه لا يعذب. ثم هم مختلفون في معنى عدم التعذيب، على تفصيل سبقت الإشارة إليه في خلاف المرجئة في ذلك. فكل طوائف المرجئة تكاد تتفق على معنى عدم التعذيب، إلا مرجئة الفقهاء، وبعض قول طوائف من الكرامية، على تفاصيل تذكر في كتب فيها تفصيل أكثر. ولكن هذا خلاصة قولهم. وفي مقابل هؤلاء الوعيدية من الخوارج والمعتزلة، فهم على العكس من ذلك كما تقدم، جعلوا الإيمان شيئًا واحدًا، فإذا زال زال الإيمان. فعند ذلك عندهم الفاسق ليس بمؤمن. وهم متفقون في هذا على خلاف مشهور فيما هو بين الخوارج والمعتزلة، وتقدمت أو سبقت الإشارة إليه. وهم يقولون في العاصي: أنه يعذب باتفاق بينهم، مع خلاف في بعض الأمور كما مر معنا. اتفق الخوارج والمعتزلة في خصلة، واختلفا في خصلة. وأما أهل السنة فكان لهم القول الوسط العدل الذي دلت عليه أدلة الكتاب والسنة، بأن العاصي يعذب بقدر معصيته، أو يستحق العذاب بقدر معصيته ما دام مسلمًا ما دام مسلمًا. وبهذا المعنى نعرف هذا الإجمال في قول المرجئة من قول الإمامين، وأنهما لم يفرقا بين فرقها لكون الجميع متفق على عدم حصول الوعيد مع الإيمان، على الخلاف الذي سبقت الإشارة إليه. وهكذا كذلك على إخراج الأعمال من مسمى الإيمان. وهاتان المسألتان دلت أدلة الكتاب والسنة، وما نقل عن سلف الأمة على خلافه. ولهذا فهو بدعة وضلال. قال: رحمهم الله تعالى والقدرية المبتدعة ظلال. فمن أنكر منهم أن الله عز وجل يعلم ما لم يكن قبل أن يكون فهو كافر. أتبع رحمهم الله تعالى بقول الوعيدية بعد قول المرجئة؛ لأن القول بالإرجاء فيما يتعلق بالأعمال والإيمان يقابله قول الوعيدية من الخوارج والمعتزلة، وهم المراد ذكرهم، الإشارة إليهم بقوله: والقدرية المبتدعة ظلال؛ لأن أصل الخلاف في الإرجاء، وكذلك القول بالوعيد هو الخلاف في الإيمان، وأنه شيء واحد إذا زال زال كله، وإذا ثبت ثبت كله. وهذا باطل وخطأ، والصحيح أن الإيمان يتبعض، فلا يلزم من زوال بعضه زوال البعض الآخر. فالله عز وجل سمى القاتل مؤمنًا كما مر معنا: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾. أثبت القتال، بل أثبت البغي - وهو القتال بغير حق - لأنه قد يكون القتال عن شبهة، ولكن أثبت البغي: ﴿فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾. ومع ذلك سماهم مؤمنين. وهذا يدل على أن الإيمان يتبعض، فهو ينقص بالمعصية وترك الطاعة، ويزيد بالطاعة وعدم المعصية. فلذلك ناسب أن يذكر رحمهم الله كما ذكر غيرهم من الأئمة. ولو تأملت كتب العقائد تجد هذا الترتيب والنسق، وهذا التتابع وذلك لعلاقة هذه المباحث بعضها ببعض. ولم يفرق أو لم يفرقا رحمهم الله تعالى بينهم؛ لكونهم متفقين على حصول الوعيد والعذاب مع الإيمان. فالخوارج والمعتزلة كما سبق معنا اتفقا في شيئين واختلفا في شيئين. فناسب ذكرهم في مقابل الجبرية والمرجئة. وكما مر معنا في دروس سابقة: أنه بين الإرجاء والجبر علاقة، كما بين القدر والوعيد علاقة. فالبدع يجر بعضها بعضًا، فبدعة الإرجاء أو بدعة الجبر في باب القدر جرت إلى بدعة الإرجاء. وهكذا بدعة نفي القدر عند الوعيدية جرت إلى بدعة الوعيد عند هؤلاء الوعيدية. والقدرية درجات، وأشدهم وأكفرهم - كما أشار رحمهم الله - من أنكر العلم. قال: والقدرية المبتدعة ظلال. القدرية طوائف وفرق، وتحت هذه الطوائف والفرق أقوال. والإشارة إلى ذلك سبقت بحسب الإيمان بمراتب القدر كما سبقت الإشارة إليه. وأشد هذه الفرق من أنكر منهم أن الله عز وجل يعلم ما لم يكن قبل أن يكون. وهؤلاء كفار كما نص بهذا المعنى. قال: فهو كافر. فمن أنكر منهم أن الله عز وجل يعلم ما لم يكن قبل أو قبل أن يكون فهو كافر. وهذا المعنى صح عن عدد من الأئمة، أي تكفير من أنكر العلم، نقل عن الإمام أحمد، وقبله نقل عن الإمام مالك، وهكذا عن الإمام الشافعي، وجماعة من الأئمة. بل نقل عن جماعة من الصحابة والتابعين، فقد نقل عن ابن عمر وابن عباس، وواثلة بن الأسقع وغيرهم رضي الله تعالى عنهم أرضاهم. وأشار إلى ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في مواضع من كتبه، وهكذا الحافظ ابن رجب في «شرح حديث عمر» في «جامع العلوم والحكم»، وهكذا الحافظ ابن حجر كذلك في «الفتح»، وغيرهم من الأئمة. وهؤلاء القدرية الذين قال عنهم: أنهم مبتدع ظلال، كانوا مبتدعة وظلال بسبب إنكارهم مباحث القدر، وسبقت الإشارة إليه في الكلام على القدر. وكانوا كذلك ظلال لضلالهم في هذا الباب، وخروجهم عن ما عليه سلف الأمة، وما دلت عليه الأدلة من الكتاب والسنة. وأما تكفير من أنكر العلم؛ لأن العلم ما هو معلوم من الدين بالضرورة، ومثله لا ينكر، وإنكاره يستلزم لوازم عظيمة. فلهذا كفر أئمة من أنكر العلم. ولهذا فإن هذا القول كما نقل العلماء: أنه قول قديم قد اندثر، كاد لا يكون له قائل في الأزمنة المتأخرة - أي عن أحد من القدرية الوعيدية - فإنهم اندثر عنهم القول - أي ذهب وزال عنهم القول - بإنكار العلم؛ لما علموا من أن إنكار العلم يستلزم لوازم باطلة تستوجب الكفر من أنفسهم، فضلًا عن أن يكفرهم من غيرهم أحد أو يقول قائل بكفرهم. فإنهم لما تأملوا ما يجر إليه القول - أي من إنكار العلم - رجعوا عن مسألة إنكار العلم. قال: رحمه الله تعالى وأن الجهمية كفار. وناسب ذكر الجهمية في هذا الموضع؛ لأن للجهمية علاقة في مسألة الإيمان التي يرجع إليها قول الوعيدية والمرجئة، وهم من غلاة المرجئة كما تقدم. وهكذا مسألة القدر بين الجبرية والقدرية النفاة. والجهمية هم من غلاة الجبرية. وعلاقة مبحث الإيمان والقدر مع الجهمية له ارتباط وثيق. ولهذا ذكر رحمهم الله تعالى الجهمية في هذا الموضع. ونص عليهم رحمه الله تعالى بعد ذكر المرجئة والوعيدية والجبرية والقدرية، هذا بمثابة عطف الخاص على العام تنبيهًا لأهميته. فلما كان المرجئة طوائف، ومن أشد طوائف المرجئة من هؤلاء غلاة المرجئة وهم الجهمية كما سبقت الإشارة إليه. وكان الجبرية طوائف، ومن أشد طوائف الجبرية الجهمية. ناسب أن يذكرا رحمهم الله تعالى الجهمية تنبيهًا على باطلهم، وتكفيرًا لأئمة لهم خصوصًا. وأن للجهمية مقالات أخرى تتعلق بمباحث أخرى كما ستأتي الإشارة إليه إن شاء الله تعالى. وتكفير الجهمية نص عليه أئمة في كتبهم، حتى ألف بعض العلماء مؤلفات فيما يتعلق بالجهمية. وأصل هذه الفرقة تنتسب للجهم بن صفوان، فهو أصل هذه الفرقة. ولفظ الجهمية قد يطلق ويراد به قول الجهم بن صفوان ومن وافق قوله في مكان يقول من بدع وظلال فكفر لأجل ذلك وقتل. وهكذا كذلك قد ينسب لمن أخذ ببعض تلك المقالات ولو كانت عنده مقالات أخرى. ولهذا قد يقال للمعتزلة جهمية كما نص على ذلك أئمة. ومنه رد الدارمي رحمه الله تعالى على بشر المريسي. وهكذا كذلك قد يطلق على من دون المعتزلة ممن سلك مسلك التعطيل والجبر والقول بالإرجاء. فصارت أصول الجهمية أربعة: الأصل الأول التعطيل في الصفات، وربما كانت تعطيل في الأسماء والصفات. والأصل الثاني القول بالجبر. والأصل الثالث القول بالإرجاء. والأصل الرابع وهو قد يكون أصل هذه الأصول الثلاثة: الاعتماد على العقل ورد الشرع، والإعراض عن الشرع، أو يقال: الاعتماد على المعقول وترك المنقول. فإذا اجتمعت هذه الصفات في فرقة وطائفة سماها بعض الأئمة جهمية. ولهذا نص بعض الأئمة على تسمية طوائف من الأشاعرة بأنهم جهمية. ووجه ذلك هو موافقتهم لأصول مذهب الجهمية، وإن كان عين قول تلك الطائفة ليس هو عين قول الجهمية. فمثلًا الأشاعرة ليس قولهم في القدر بالجبر كقول غلاة الجهمية. لكن باعتبار أنه حصل التوافق في أصل القول بالجبر، فهنا حصل الموافقة لأصل قول الجهمية. ولما حصل كذلك التوافق في أصل التعطيل للصفات، ولو كان تعطيل الأشاعرة ليس كتعطيل الجهمية الغلاة. ومع ذلك لأجل حصول هذا التوافق صح تسميتهم جهمية. وهكذا يقال في الأصول الأخرى الأربعة. والمراد من هذا التنبيه: أن الجهمية يطلق عند أئمة على معان، ولا يلزم ممن أطلق عليه أنه جهمي أن يقال أنه كافر. ولكن مراد ما ذكراه - أي الإمامان الرازيان - رحمهم الله الجهمية المتقدمة، الجهمية المتقدمة التي أصولهم تفضي إلى الحكم عليهم بالكفر. أما من تأخر ممن جاء بعد فإنهم اختلفوا في تكفيرهم كالأشاعرة. والصحيح التفصيل، فمن فرق الأشاعرة من يصل إلى الكفر. وسمعنا ما سبق في قول بعض غلاة المرجئة، ومنهم طوائف من الأشاعرة وافق قولهم قول الجهمية، وهم غلاة المرجئة. وهكذا من طوائف الأشاعرة من لا يكفرون، وإن كان بعض أئمة حكم عليهم بالكفر للوازم ثبتت عليهم. فمثلًا القول بخلق القرآن كفر كما سيأتي النص عليه، وسبقت بعض العبارات في هذا المعنى فيما نقل على أئمة كالإمام أحمد وغيره من الأئمة. وقول الأشاعرة منتها هو القول بخلق القرآن، ولكنه ليس صريحًا، فهم يقولون بالكلام النفسي. فلأجل منتهى القول كفرهم طائفة، ولأجل ظاهر القول لم يكفرهم طائفة. وفصل فيهم القول. فلأجل هذا ينبغي التنبه لمثل هذه المعاني. ومن من نص على تكفير هؤلاء أئمة كثر، نص العلماء بذكر أسمائهم، منهم من نص عليهم بالإسم، ومنهم من عد عددًا كما فعل الإمام البخاري رحمه الله في كتاب «خلق أفعال العباد»، وهكذا كذلك الإمام عبد الله بن أحمد في «السنة»، وهكذا اللالكائي في «أصول السنة»، وغيرهم ممن ألف في كتب العقائد. وروى عن ابن المبارك رحمه الله أنه كان يقول: إنا لنحكي كلام اليهود والنصارى ولا نستطيع أن نحكي كلام الجهمية - يعني لشدة باطله وكفره - فإنهم يستقبحون حكاية كلام الجهمية، فضلالهم أشد من ضلال اليهود والنصارى والعياذ بالله. وعقب الدارمي رحمه الله تعالى بعد هذا القول قال: صدق رحمه الله، إن في كلامهم ما هو أوحش من كلام اليهود والنصارى. ونص صاحب كتاب «الفاروق» على تكفير الجهمية. وشيخ الإسلام رحمه الله تعالى وذكر عددًا من الأئمة فيمن كفر هؤلاء. قال: رحمهم الله تعالى وأن الرافضة رفضوا الإسلام. كذلك ذكر رحمهم الله تعالى الرافضة في هذا الموضع، وهكذا فعل غيرهم ممن ألف في كتب العقائد. فإنك لو تأملت كتب العقائد تجدها تسير على هذا الترتيب والنسق كما ترى. معنى ذلك في كتب العقائد الكبار والصغار، وعلى وجه الاختصار لو تأملت في «العقيدة الواسطية» لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، وهكذا كذلك قبله «عقيدة الطحاوي» رحمه الله تعالى. ومسألة ذكرهم هاهنا هو أن الخوارج وطوائف من المعتزلة كانوا بطرف فيما يتعلق في القول في الصحابة. وكان طوائف أخرى في أطراف أخرى، ومنهم الرافضة. ولما كان الخلاف في الصحابة في أول الأمر هو أصل الخلاف فيما يتعلق بالمؤمن إذا وقع منه ما ينافي الإيمان، هل ينتزع منه اسم الإيمان أو لا ينتزع منه اسم الإيمان على ما تقدمت أو ما تقدم، وسبقت الإشارة إليه في خلاف المرجئة والوعيدية. فلذلك ناسب ذكر مسألة الصحابة رضي الله عنهم في هذا الموضع. ولما كان الكلام قد سبق على الوعيدية وظلالهم، ومقابل الوعيدية المرجئة وظلالهم، وذكر الجهمية من باب عطف الخاص على العام تنبيهًا على أهميته وعلى عين مسألتهم. ناسب أن يذكر كذلك الرافضة. والرافضة في طرف، فقول الرافضة يوافق قول من في مسألة الإيمان: المرجئة أم الوعيدية؟ إذا قلنا أن الخلاف فيما وقع من خلاف بين الصحابة رضي الله تعالى عنهم كان له علاقة بقضية الإرجاء في الإيمان والوعيد. فقول الرافضة في أي القولين؟ هما الوعيدية. ما وجهه؟ بينه يقول أخونا أبو محمد؛ لأنهم كفروا الصحابة إلا طائفة، فوافق قول الرافضة الوعيدية. نعم، الرافضة - لا نريد الرافضة - الرافضة - هل أحد عنده قول آخر؟ أبو عبد الله - نعم - إذا قول أبي محمد وافق الوعيدية. هل في شيء آخر زائد؟ وجه موافقتهم للوعيدية: أنهم كفروهم بصغائر الذنوب، حتى لو كانت كبائر لا يكفرون - نعم - يا عبد الله محمد. نفس القول. الصحيح أن الرافضة وإن كان قولهم وافق الوعيدية - وهو الغالب - إلا أن قولهم كذلك فيه قول من قول الإرجاء؛ لأنهم لم يضطردوا في هذه القاعدة - لم يضطردوا في قاعدة التكفير بالمعصية - فإنه قد ثبت عن بعض أهل البيت ما يوجب إضطراد القاعدة لو أنهم عملوا بها. لكنهم جعلوا مقام الإيمان وقرب النسب سبب لمحو الخطايا. فهم كأن قولهم يقول: لا يضر مع إيمان أهل البيت ذنب. ولهذا غلا طوائف من الرافضة حتى أنكروا كفر أحد من أهل البيت. فغلات الرافضة لا يكفرون أحدًا من أهل البيت. فصار عندهم من الباطل ما يعارضون به النصوص الصريحة. فطوائف من الرافضة وغلاتهم يقولون بإسلام أبوي النبي عليه الصلاة والسلام، مع أن الأدلة دلت على كفرهما. قال النبي عليه الصلاة والسلام: «أبي وأبوك في النار». وقال كما في صحيح مسلم: «استأذنت ربي أن استغفر لأمي فلم يأذن لي، واستأذنته أن أزور قبرها فأذن لي». فدل على أنها ماتت على الكفر. وهكذا يا أبا الرافضة أن يثبت أن أبا طالب عم النبي صلى الله عليه وسلم مات على الكفر. وهذا على قاعدة الإرجاء هذا يجري على قاعدة الإرجاء. فصار قول الرافضة قول مجتمع بين قول الوعيدية في حق من عاد أهل البيت، وبقول الإرجاء فيما يتعلق بأهل البيت. فمن كان من أهل البيت صارت قاعدتهم فيهم قاعدة المرجئة، ومن كان من غير أهل البيت صارت قاعدتهم فيهم قاعدة الوعيدية. بل صار بعض هؤلاء - قلنا بعضهم - زعم أن أبا طالب مات على الإسلام، وربما ذكروا أحاديث مكذوبة وضعيفة تعارض الأحاديث الصحيحة الثابتة التي تناقلها علماء الإسلام، قد صحت عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه دعا أبا طالب إلى الإسلام، فكان آخر ما قال: أنه على ملة عبد المطلب - كما في صحيح مسلم - وقال لعلي رضي الله عنه: «واري أباك، فإنه مات». والحديث في هذا المعنى كثيرة. وهكذا وصل ببعضهم الغلو حتى عارضوا القرآن، حتى عارضوا القرآن، فزعموا أن أبا لهب مات على الإسلام. كيف قالوا؟ وإن كان مات على الكفر إلا أن الأدلة تدل على أنه رد فأسلم ثم مات مرة أخرى. وذاك يستدلون على ذلك بقصص وأشياء مكذوبة وأخبار لا تصح مقطوعة أو غير ذلك. ومنها قصة توبة توبة مرضعة النبي صلى الله عليه وسلم فيما ذكره عروة. وتحت هذا كلام طويل، لكن المراد الإشارة إلى أن الرافضة كان لهم هذا القول الباطل الذي سمعتم. ولهذا المعنى ذكر هذان الإمامان الرافضة في هذا الموضع. فقال: وأن الرافضة رفضوا الإسلام - أي الإسلام الحق الذي دلت عليه دلائل الكتاب والسنة - ومن ذلك العدل فيما يتعلق بالصحابة وأهل البيت. فلا يجوز الغلو في أهل البيت حتى وصل بهم إلى ما وصل، كما سمعنا. ولا يجوز كذلك الطعن في سائر الصحابة. ولهذا كان قول عامة أهل السنة في الصحابة رضي الله تعالى عنهم: أنهم يرون أن ما صدر منهم لو صدر فهو إما أنه مغفور في بحر حسناتهم وفضائلهم. وكما قال ابن القيم رحمه الله: «الماء إذا بلغ القلتين لم يحمل الخبث». وإما أن يكون لهم كذلك من التوبة والإنابة ما لغيرهم، بل هم أرجى للتوبة من غيرهم. وإما أن يكون من مسائل الاجتهادية الذي الواحد فيه بين الأجر والأجرين. وغير ذلك مما ذكره العلماء ونص عليه. فالحاصل أن هذا مناسبة ذكر الرافضة في هذا الموضع. ولهذا كان قول أهل السنة في الصحابة وسط بين قول الرافضة والخوارج، بين قول الرافضة الذين طعنوا في بعض الصحابة وغلوا في البعض الآخر، وبين قول الخوارج الذين طعنوا في جميع الصحابة. والكلام في الصحابة على ثلاثة مراتب: المرتبة الأولى: الكلام في جميع الصحابة. وقول أهل السنة في هذا المعنى هو ما سبقت الإشارة إليه: أنهم لا يذكرون إلا بالجميل رضي الله عنهم وأرضاهم؛ لما لهم من السابقة، وما لهم من الفضل، وما لهم من الرجاء الحسن. فإن كان سائر أهل الإسلام مهما ضعفت منزلته ما دام مسلمًا يرجى له ما لا يرجى لغيره من الكفار. فالصحابة رضي الله تعالى عنهم لهم من الرجاء مع ما لهم من الصحبة والفضل والثناء الحسن بأدلة الكتاب والسنة وإجماع الأمة ما يوجب لهم ذاك الفضل والزيادة. والمرتبة الثانية: الكلام على الصحابة فيما وقع من خلاف في وقعة الجمل. والمرتبة الثالثة: ما وقع بين الصحابة من خلاف في الشام. فكان قول أهل السنة في هذا كذلك وسط بين طوائف ضلت في هاتين المرتبتين. فالخوارج تكفر كل الطوائف الخائضة في الخلاف الأول والخلاف الثاني - أي فيما وقع في وقعة الجمل وما وقع من خلاف بعد ذلك في الشام - والرافضة تكفر من قاتل علي. ورضي الله تعالى عنهم جميعًا، مع أن عليًا رضي الله عنه لم يكفرهم - أي من خالفه - بل حكم فيهم بحكم المسلمين، وأبى وامتنع عن تكفيرهم رضي الله عنه. والنصوص في ذلك مما ثبت عنه متواثرة كثيرة. وكان قول أهل السنة في هذا هو القول الوسط، فهم جميعًا متفقون على عدالة الصحابة جميعًا، سواء من شارك في إحدى الطائفتين في الجمل أو في صفين أو في الشام، أو من لم يشارك. فهم يرون أن الجميع أهل فضل وأهل عدل وأهل كذلك صحبة، لا تنتزع منهم صحبة فضلًا عن فضل أو عدل. ثم هم في مسألة التصويب على خلاف - أي أهل السنة - فمنهم من صوب عليًا رضي الله عنه أرضاه في كل ما وقع. ومنهم من صوب الجميع، فجعل الجميع بين الأجر والأجرين، وأن الجميع مصيب. ومنهم من صوب واحدًا لا بعينه - يعني لم يعين المصيب - قال: المصيب واحد ونحن لا نعلمه، وأمر الجميع إلى الله. ولا ينافي القول بالتصويب وعدمه إثبات الفضل والعدل وشرف الصحبة. والقول الرابع: الإمساك عما شجر بينهم في مسألة التصويب، مع إثبات الفضل للجميع. لاحظ جميع الأقوال الأربعة تثبت لهم الفضل والعدل وشرف الصحبة، ولكن الخلاف في التصويب: من هو على الصواب؟ ولا شك أن القول الرابع هو أولى هذه الأقوال وأقربها. وإن كان الجميع محل اجتهاد ونظر. وبه نعرف فقه هؤلاء الأئمة والعلماء فيما يتعلق بهذه المسائل - المسائل العقائد - مع قلة عباراتهم رحمهم الله تعالى. ورفضوا الرافضة للإسلام من أبواب كثيرة، ولا يتسع المقام لذكرها. وقد أشار العلماء وأئمة إلى شيء من ذلك. وألفوا في ذلك الكتب الصغار والكبار. ومن أنفعها وأحسنها وأعظمها نفعًا مع اختصاره: ما اختصره الإمام الذهبي رحمه الله تعالى من كتاب شيخ الإسلام ابن تيمية «المنهاج» الذي جعله في الرد على الرافضة رحمهم الله تعالى. نكتفي بهذا القدر، ونترك الباقي لدرس لاحق، والله تعالى أعلم.