الدرس في شرح أصول السنة للرازيين 21، الدرس الحادي والعشرون:من( والخوارج مراق ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
جاء في الأحاديث النبوية وصف الخوارج بأنهم يمرقون من الدين، ويقتلون أهل الإسلام. الإمامان الرازيان يصفانهم بأنهم يخرجون بقوة من الدين بسبب الغلو.
يتميز الخوارج بالغلو في العبادات، والجهل، وقلة الأدب مع أهل العلم، ويقاتلون أهل الإسلام ويستعينون بالكفار. هذه الصفات أدت إلى ضلالهم وعدائهم لأهل الإسلام.
يستمر وجود الخوارج حتى قيام الساعة، ويتميزون بعدم تأدبهم مع الصحابة وغلوهم وعدم فهمهم لحكم الشريعة، ويستحلون دماء المسلمين وأموالهم وأعراضهم.
الخوارج المعاصرون يعتبرون من الخوارج بسبب فكر التكفير والتفجير، ويشمل خروجهم إثارة الفتن وتهييج المجتمعات والخروج على ولاة الأمور وأهل العلم، وليس فقط حمل السلاح.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، أشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال الإمامان الرازيان، رحمهم الله تعالى، في معتقدهما: «والخوارج مراق». ذكر رحمه الله تعالى في هذا الموضع الخوارج كذلك؛ لأنهما في سياق ذكر الطوائف الخارجة عما كان عليه سلف الأمة في باب الاعتقاد. وكذلك في مسائل الإيمان. سبقت الإشارة إلى مذهب الخوارج في مواضع من أبواب الاعتقاد، فهم في باب الإيمان وعيدية، يغلبون أدلة الوعيد على أدلة الوعد، ولهذا سموا وعيدية، بل هم أشد الوعيدية كما تقدم. فهم اختلفوا مع المعتزلة في مسألتين، واتفقوا في مسألتين كما مر معنا في دروس سابقة. وهكذا كذلك سبقت الإشارة إلى مذهب أكثر الخوارج في باب القدر، وهكذا كذلك في بعض أبواب ومباحث العقيدة. وقولهما: «والخوارج مراق»، اكتفي بذكر هذه الصفة؛ لأنها أكثر ما وصفت به هذه الطائفة في الأحاديث المروية عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولأنها تغني عن غيرها. فمعنى المروق هو الخروج بقوة. وقد جاءت أحاديث كثيرة في ذكر صفات الخوارج، وكادت تجتمع تلك الأحاديث في ذكر هذه الصفة. ففي حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، الذي أصله في الصحيحين، وله ألفاظ كثيرة. وفي أحد ألفاظه في لفظ البخاري: ذكر رضي الله عنه أن عليًا بعث إلى النبي صلى الله عليه وسلم بذهيبة -يعني شيئًا يسيرًا من الذهب- فقسمها أي النبي صلى الله عليه وسلم بين أربعة من أهل نجد -يعني من صناديد ورؤوس أهل نجد- الأقرع بن حابس الحمضلي وأصله مجاشعي، وعوين بن بدر الفزاري، وزيد الطائي وهو أحد بني نبهان، وعلقمة بن علاث العامري وهو أحد بني كلاب. فغضبت قريش والأنصار، قالوا: يعطي صناديد أهل نجد وينعنا. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إنما أتألفهم». وفيه روايات كثيرة. فعندها أقبل رجل غائر العينين، كما جاء في ذكر صفته في عدد من الروايات، ومنها رواية البخاري: رجل غائر العينين، مشرف الوجنتين -يعني بادي الوجنتين له وجنتان بارزتان- ناتئ الجبين -يعني له جبين له ظهور وبروز- كث اللحية، محلوق الرأس. فقال للنبي صلى الله عليه وسلم: «اتق الله يا محمد». فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «من يطع إذا عصيت؟ أيأمنني أهل الأرض؟ ألا يأمنني أهل الأرض؟ أو قال: أيأمنني -يعني الله- عن أهل الأرض؟ فلا تأمنوني». وفي رواية: «ألا تأمنوني وأنا أمين من في السماء؟ يأتيني الوحي صباح مساء». فسأله رجل أن يقتله. في رواية للبخاري ومسلم قال أبو سعيد: أحسبه خالد بن الوليد -يعني الذي أراد أن يقتل هذا الرجل- فمنعه النبي صلى الله عليه وسلم. ثم قال عليه الصلاة والسلام: «يخرج من ضئضي هذا -وفي رواية: أو من عقبي هذا- قوم يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم -وفي رواية: تراقيهم- والحناجر جمع حنجرة معروفة في أعلى العنق، أو في طرف العنق. والترقوة: العظم الناتئ في الصدر، هاتان ترقوتان عظمان ناتئان في أعلى الصدر». قال عليه الصلاة والسلام: «لا يجاوز حناجرهم، يمرقون من الدين مروق السهم من الرمية، يقتلون أهل الإسلام ويدعون أهل الأوثان. لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد». والحديث في الصحيحين عن أبي سعيد رضي الله عنه، وله طرق وروايات كثيرة في الصحيحين وخارج الصحيحين. فالشاهد من قول النبي عليه الصلاة والسلام: «يمرقون من الدين مروق السهم من الرمية»، فإن من أعظم ما وصفت به هذه الفرقة والطائفة أنها تمرق -أي تخرج- من الدين خروجًا سريعًا قويًا كخروج السهم من الرمية. حتى مثل النبي صلى الله عليه وسلم خروج هذا السهم من الرمية، قال: فينظر -أي في هذا السهم- فلا يرى عليه أثر الدم -يعني من شدة اختراقه وسرعة مروره-. والمعنى أن هذه الطائفة من أعظم صفاتهم ومميزاتهم أنها على ما تظهر من الخير تخرج من الدين بقوة بسبب الغلو، تخرج من الدين بقوة بسبب الغلو. بل وخروجهم يكون بسرعة -يعني سرعان ما تبدو وتظهر وسرعان ما تنتهي وتفنى- ولهذا تجد أن أكثر الطوائف انتهاءً وكذلك سرعة فناء هم الخوارج، يظهرون بقوة وينتهون بسرعة إما إلى موت أو إلى ظلال والعياذ بالله، والخروج مما كانوا عليه -يعني مما كانوا يظهرون من الخير- وهذا بسبب الغلو كما فسر في عدد من الروايات. وفي حديث علي رضي الله عنه في الصحيحين حين خرج إلى الخوارج، كما جاء في رواية مسلم: أنه خرج إليهم فقال: «إذا حدثتكم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فلئن أقر من السماء أحب إلي من أن أفتري عليه، وإذا حدثتكم فيما بيني وبينكم فإن الحرب خدعة». سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «يأتي في آخر الزمان قوم حدثاء الأسنان، سفهاء الأحلام، يقولون من خير قول البرية -ومعناه أن عليهم آثار الخير، وربما عند بعضهم شيء من العلم، ولكن ليس عندهم رسوخ فيه، ولهذا فهم يضلون ويضلون- يقولون من خير قول البرية، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية، وهذا هو الشاهد: يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية، لا يجاوز حناجرهم. فأينما لقيتموهم فاقتلوهم، فإن في قتلهم أجرًا لمن قتلهم يوم القيامة». وهكذا جاء في صحيح البخاري وغيره عن عبد الله بن عمر رضي الله عنه، وذكر عنده الحرورية، فقال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «يمرقون من الإسلام مروق السهم من الرمية». وفي الصحيحين من حديث سهل بن حنيف رضي الله تعالى عنه: سئل: هل سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يذكر بالخوارج شيئًا؟ قال: سمعته يقول -وأهوى بيده إلى أهل العراق أو إلى قبل العراق- يعني جهة العراق: «يخرج منه قوم، ومعنى أن الخوارج يخرجون من العراق، وليس هذا معنى أن خروجهم منحصر من العراق، ولكن أشد وأبرز خروج لهم يكون من جهة العراق». وهو كما ذكر في هذه الرواية، ويؤيد ذلك الواقع؛ فإن أكثر خروج الخوارج كان من جهتهم، وهو معنى ما جاء في بعض الأحاديث -أو بعض المعنى الذي جاء في بعض الأحاديث- أن الفتن تأتي من جهة المشرق، فليست كل الفتن، ولكن أبرزها. وإلا فالخوارج هم من تلك الفتن، وليس كل الفتن. وكذلك يخرجون من جهة المشرق ومن العراق ومن غير العراق. ولهذا جاء ببعض الروايات: «يخرج من ضئضه هذا، ومن عقبه هذا». وهكذا كذلك الروايات الأخرى، قال: «يخرج منه قوم يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم -والتراقي كما قلنا: العظم في أعلى الصدر- ومعنى أنهم يقرؤون القرآن لا يفقهونه ولا يتدبرونه، ولا كذلك ينتفعون به، ولا يؤجرون عليه كما ذكر غير واحد من الشراح في شرح هذا الحديث- فلذلك لا يرتقي ارتقاءً يحصل به النفع لا في الدنيا ولا في الآخرة». قال: «لا يجاوز تراقيهم، يمرقون من الإسلام مروق السهم من الرمية». وهذا هو الشاهد. وهكذا جاء في صحيح مسلم من حديث جابر بن عبد الله في حديث طويل، فيه قصة حين رجع النبي صلى الله عليه وسلم من حنين، وحين وصل إلى الجعرانة، وفي ثوب بلال شيء من الفضة، وفي رواية: تبر. فقبض قبضة يعطي الناس، فقال رجل: «اعدل يا محمد». حتى قال عمر رضي الله عنه: «دعني أقتل هذا يا رسول الله -أو قال: هذا المنافق يا رسول الله- فقال: معاذ الله أن يتحدث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه». ثم قال عليه الصلاة والسلام: «إن هذا وأصحابه يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم، يمرقون منه كما يمرق السهم من الرمية». وفي السنن عند ابن ماجه وغيره بإسناد صحيح عن ابن مسعود وأبي ذر وابن عباس وجماعة من الصحابة بمعنى ما سمعنا في هذه الأحاديث. فهذه الأحاديث وغيرها كثير تدل على أن من أبرز وأعظم صفات الخوارج مروقهم من الدين، يمرقون من الدين مروق السهم من الرمية. وهذا المروق يكون بأشياء اعتقادية، وأشياء عملية. وهكذا كذلك مواقف تكون لهم. فمن مروقهم عدم عملهم بالقرآن؛ فإن القرآن يدعوهم للاحتكام إلى الكتاب والسنة، والرجوع إلى العلماء. وهكذا كذلك طاعة ولاة الأمر، وغير ذلك مما كان الخوارج على خلاف ذلك تمام المخالفة، فهم مرقوا بهذا من الدين، فلم ينتفعوا بالقرآن الذي يقرؤون. وهذا من معاني المروق. وهكذا كذلك من المروق ما جاء مفسرًا في بعض الروايات: أنهم يقتلون أهل الإسلام ويدعون أهل الأوثان؛ لأنهم بغلوهم صاروا يحقدون على أهل الإسلام، ويرون أن أهل الإسلام أهل الردة وأهل حرب وكفر. فلذلك ظنوا أن من تمام الغيرة للدين محاربة هؤلاء الذين يظنون أنهم من المبطلين. بينما أمامهم وحولهم من الكفار كثر يترفونهم. وهذه كذلك من أعظم صفاتهم، وهي من معاني المروق والخروج من هذا الدين؛ لأن المسلم لا يجوز له أن يقاتل أهل الإسلام كما لا يجوز له أن يترك أهل الأوثان، بل العكس. ذكر أهل العلم وأهل التاريخ والسير أن للخوارج مواقف عجيبة في التواطؤ مع أعداء المسلمين ضد المسلمين. سبحان الله، هم يقولون أنهم يقاتلون لأجل أن تكون كلمة الله العليا، ولأجل أن يقام العدل في الأرض ومحاربة للظلم. ثم جرهم ضعفهم وجهلهم إلى أن يستعينوا بالكفار على المسلمين، يستعينوا بالكفار على المسلمين. وربما تأولوا في ذلك تأويلات جائرة باطلة بحجة أن هؤلاء -أي من أمامهم من المسلمين- أهل ردة، وأن أولئك -أي من يستعينون بهم من الكفار- أهل عهد وجزية. فصار كبر الكافرين عندهم أخف من ماذا؟ من ظلم ومعصية المسلمين. سبحان الله، كيف انقلبت أفهامهم وظلوا هذا الضلال البعيد؟ وهذا كان بسبب غلوهم. ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: «يقتلون أهل الإسلام ويدعون أهل الأوثان». ثم قال: «لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد». ومعناه: يقتلهم قتلًا جماعيًا، يقتلهم قتلًا جماعيًا؛ لأن بقاءهم فيه ضرر للعباد والبلاد ولأهل الإسلام وبلاد الإسلام. ولذلك فعل هذه الوصية صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما أدركوا الخوارج نصحوهم وبينوا لهم وحاولوا أن يردوهم إلى الحق. فلما لم يستجيبوا قاتلوهم وقتلوهم قتلًا جماعيًا كما فعل علي رضي الله عنه فيمن أصر وعاند بعد مناظرة عبد الله بن عباس ومن معه من الصحابة رضي الله تعالى عنهم. وهكذا ما وقع لطائفة منهم في الشام حين مر عليهم بعض الصحابة وقد علقوا وقتلوا، فمر ودمعت عيناه وهو يذكر حديث النبي صلى الله عليه وسلم فيهم. وهكذا كذلك ما سمعناه في الحديث التي مرت معنا يدل على هذا المعنى الذي جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم في حديث علي: «فأينما لقيتموهم فاقتلوهم، فإن في قتلهم أجرًا لمن قتلهم يوم القيامة». لماذا؟ لأن هؤلاء من شر الناس على الأمة، فهم بالتأويل الفاسد وبالغلو صاروا يستحلون دماء وأموال بل وأعراض المسلمين، دماء وأموال وأعراض المسلمين. وهذا من الجور العظيم. ولم يتسلط على أهل الإسلام أحد مثل تسلط الخوارج؛ لأنهم تسلطوا عليهم من الداخل وببدعتهم وشبهة ظلالهم لبسوا على الكثير من الناس. ولهذا أمر نبينا عليه الصلاة والسلام بمقاتلتهم. ونرى في هذه الأحاديث ذكر عدد من الصفات، لو وقفنا معها بعض الوقفات تبين لنا حقيقة ضلال الخوارج في هذه الصفات. وكيف أن ذلك الضلال إن جر على مواضع كثيرة حتى صاروا من أعظم فرق أهل الضلال؟ ففي قوله عليه الصلاة والسلام: «تحقرون صلاتكم إلى صلاتهم، وصيامكم إلى صيامهم»، فيه أن من صفات الخوارج الغلو في العبادات، الغلو في العبادات. فهذا ليس مدحًا، بل هذا ذم؛ لأن الاقتصاد في العبادة هو السنة، والغلو فيها هو البدعة والضلالة. وقد حذر النبي صلى الله عليه وسلم من الغلو في الدين. وهكذا كذلك قراءة القرآن مع عدم العلم والعمل به هو من أعظم ما تكون به الحجة على العبد. ولهذا قال: «يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم». وفيه كذلك التحذير من أن يسلك المسلم مسلك الخوارج في الاعتناء بالقرآن اعتناء لفظيًا فقط، لا يعتني به في تدبر معناه والعمل بمقتضاه؛ لأن القرآن لم ينزل لأجل أن يتباهى ويتنافس بحفظه وقراءته دون تعلمه والعمل به. فالمقصود الأعظم منه هو التعلم والعمل. ولهذا صار من علامات الخوارج الاعتناء بالقرآن، لكنه اعتناء لفظي، اعتناء لفظي. وهذه الصفة لا زالت إلى يومنا هذا، فتجد من سلك مسلك الخوارج مما يغترون به ويلبسون به على غيرهم اعتناءهم بالقرآن، ففيهم حفظ لكتاب الله، وفيهم قراء، وربما لهم أصوات يغترون بها ويغتر بهم غيرهم. ولكنهم من أبعد الناس عن العلم به وعن العمل بمقتضاه. فلهذا صح فيهم حديث النبي صلى الله عليه وسلم. وهكذا كذلك من صفاتهم الجهل وعدم العلم، كما قال عليه الصلاة والسلام: «يخرج من ضئضه هذا، ومن عقبه هذا». فسر من نسله، وفسر من منهجه وطريقته -يعني يخرج مثله في الناس- ممن هو يفهم فهمه وينهج نهجه. وهذا الثاني هو قول الأكثرين من أهل العلم؛ لأن الخوارج لم ينحصر في عقب هذا الرجل المسمى بذي الخويصرة، ولكن خرجوا على منهجه وطريقته من الغلو والجهل والاعتراض على أهل العلم. وهكذا كذلك من صفاتهم أن عندهم غيرة معكوسة، غيرة معكوسة، فهم يظنون أنهم أشد الناس حرصًا على الدين وأغيرهم للحق. وفي الحقيقة ليس كذلك، إنما هم من أهل الأفهام السقيمة ومن أهل العجلة والغلو. وفيه كذلك أن من صفاتهم الجرأة وقلة الأدب مع أهل العلم وحملته. فإذا كان هذا مع النبي عليه الصلاة والسلام فمن دونه من باب أولى. ولهذا فإن الخوارج لم يتأدبوا مع الصحابة، ولم يعرفوا للصحابة فضلهم وقدرهم، فخرجوا عليهم ونابذوهم بالسنان، وكذلك الحجج الباطلة التي هي بلا برهان. وهكذا كذلك من صفاتهم أنهم من أبعد الناس فهمًا لإدراك حكم الشريعة وروحها، ومن باب أولى مراعاة المصالح والمفاسد، فهم لا يفقهون مثل هذه الضوابط الشرعية. النبي عليه الصلاة والسلام كما سمعنا في هذه الأحاديث أخبر أنه فعل ذلك تألفًا، يتألف هؤلاء الأعراب، أعطاهم وترك من عرف ممن هو خير منهم من أهل المدينة ومن أهل مكة من المهاجرين والأنصار؛ لأنه وكل هؤلاء إلى إيمانهم، وأولئك الذين خشي عليهم أو خشي منهم على المسلمين تألفهم بالدرهم والدينار وبالشاة والبعير، يتألفهم عليه الصلاة والسلام كما أمره الله عز وجل أن يفعل. ومع هذا لم يفقه مثل هذا الرجل. وحديث جابر بن عبد الله يدل أن القصة تكررت؛ لأن حديث أبي سعيد في بعض رواياته يدل أن الحادثة وقعت في المدينة، وحديث جابر بن عبد الله يدل أن الحادثة وقعت في الجعرانة، والجعرانة موضع بالقرب من مكة. وأنه وقع له ذلك بعد رجوعه من حنين حين أعطي ما أعطي من الغنيمة. وهذا يدل أن القصة تكررت. ولهذا ذهب بعض أهل العلم أن الرجل الذي قال ما قال في حديث جابر بن عبد الله ليس هو الرجل الذي قال ما قال في حديث أبي سعيد وعلي وجماعة من الصحابة رضي الله تعالى عنهم، فذاك قاله في الجعرانة وهذا قاله في المدينة. ومعنى أن هؤلاء على منهج واحد كما سمعنا في الغلو والعجلة وعدم الفقه والفهم والتأدب الذي ينبغي أن يكون عليه أهل الإسلام. وهكذا كذلك من صفاتهم كما نرى في هذه الأحاديث أنهم بغلوهم يخرجون من الإسلام، يدخلون من باب ويخرجون من باب آخر. ويذكر عن بعضهم أنه حين حصل القتال بينهم وبين الصحابة رضي الله تعالى عنهم مروا بخنزير لذمي، فأراد أن يقتله أحد الخوارج، فقال له صاحبه: «لا تقتله؛ فإنه لذمي وعلينا عند الله عز وجل أمانه وذمة» -يعني أنظر يحذره أن يقتل خنزيرًا لذمي لأجل الأمانة والذمة-. فمروا بامرأة صحابي -أي ممن قاتلهم- ويذكر أنه أبو أمامة رضي الله عنه، فقتلوها وبقروا بطنها وأخرجوا جنينها. فانظر كيف تورعوا في قتل خنزير لكافر ولم يتورعوا في قتل امرأة حامل مسلمة لأحد أفاضل الصحابة رضي الله تعالى عنهم أرضاهم. فصح فيهم أنهم يدخلون من باب ويخرجون من باب أعظم منه، فهم دخلوا في باب الورع والأمانة والعدل، وخرجوا في باب هو أعظم الظلم والجور والفجور والكفر والعياذ بالله. فبعض أفعال الخوارج كفر كما نص على ذلك بعض أهل العلم. وهل الخوارج كفار؟ سبق معنا في دروس ماضية أنهم ليسوا جميعًا كفار، فمنهم من وقع في الكفر بحسب معتقده وفعله، ومنهم من لم يقع بالكفر، ومنهم من وقع وقامت عليه الحجة، ومنهم من لم تقم عليه الحجة. ولهذا رواية عن علي رضي الله عنه أنه كان يقول: «هم من الكفر هربوا، هم من الكفر هربوا» -يعني سبب هذا الذي هم فيه ومشكلتهم وخلافهم مع الصحابة أنهم يزعمون أنهم لا يريدون الكفر، أنهم لا يريدون الكفر- ولهذا كانوا يقولون: «ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون». ويزعمون أن عليًا رضي الله عنه لم يحكم بما أنزل الله؛ إذ رضي بتحكيم الرجال؛ لأنه لما وقع الخلاف بين الصحابة رضي الله تعالى عنهم، وأراد علي رضي الله عنه أن يكون الصلح بين المسلمين، كان الصلح أن يحكم حكمان -يعني من جهة طرف علي رضي الله عنه، ومن جهة طرف من كان في الجهة الأخرى من الصحابة- معاوية رضي الله عنه ومن كان في كذلك مع عائشة رضي الله عنها، فحصل الصلح. فزعم هؤلاء الخوارج أن هؤلاء حكموا الرجال وتركوا حكم الله بفهمهم الخاطئ والسقيم. وهذا هو قول علي رضي الله عنه: «هم من الكفر هربوا» أو كما قال رضي الله عنه أرضاه. وهكذا كذلك من صفاتهم كما نرى في هذه الأحاديث أن مروقهم كذلك سريع، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية، مروق السهم من الرمية سريع. السهم إذا ضرب وكان في شدة القوة، وكذلك الحد وكان الصيد قريبًا، فربما دخل من جهة وخرج من جهة أخرى. ويظن الضاحك أنه لم يصب الصيد، حتى أن الصيد ربما يجري مسافة ويسقط بعد ذلك وهو يرى في سهمه ليس فيه أثر الدم ولا شيء. فالمقصود أن هؤلاء يخرجون من الإسلام خروجًا سريعًا -يعني بسبب غلوهم وبسبب استعجالهم- ولهذا تجد أن من يسلك مسلك الخوارج يتدرج بالغلو تدرجًا سريعًا. وسرعان ما يخرج منه إما باستحلال دماء المسلمين أو بقتل نفسه أو كذلك بانحرافه والعياذ بالله، وربما ردته. فبعض الخوارج يكون اليوم من المقاتلين وغدًا من أفجر الفاجرين حين تكون له ردة فعل ضد ما كان عليه. وهذه من صفاتهم قديمًا وحديثًا. ولهذا حذر النبي صلى الله عليه وسلم من الغلو، فقال: «إياكم والغلو». وبين عليه الصلاة والسلام أنه من أعظم أسباب هلاك من كان قبلنا. وهكذا كذلك من صفاتهم أنهم كذلك -أي الخوارج- يستحلون الدماء والأموال والأعراض للمسلمين. وهذه صفة ملازمة لهم، فإلى يومنا هذا والخوارج هم عندهم هذه الصفة. والخوارج ليست طائفة كانت وانتهت، بل لا يزال وجودها ولو تعددت أسماؤها، فالعبرة بهذه الصفات. ولهذا جاء عن عبد الله بن عمر عند ابن ماجة -ومعناه عن عبد الله بن عمر- أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر أن الخوارج ينشأ منهم نشأ يقرؤون القرآن إلى آخر ما ذكر. ثم قال: «فيخرج في أعراضهم الدجال» -يعني أنهم يستمرون في الخروج ويقطعون- قال: «فكلما خرج قرن قطع». فكررها النبي صلى الله عليه وسلم أكثر من عشر مرات، قال: «حتى يكون على إثرهم الدجال». ومعناه أن الخوارج يستمر خروجهم إلى آخر الزمان، ليس فقط فرقة كانت في زمن الصحابة رضي الله تعالى عنهم، بل هم فرق متتابعة تستمر حتى قيام الساعة وخروج الدجال. وبه تعلم أن الخوارج ليس من شرطهم أن يسمون أنفسهم خوارج، فهم لا يسمون أنفسهم خوارج. فمن كان في زمن الصحابة رضي الله تعالى عنهم ما كانوا يسمون أنفسهم بالخوارج، ومع ذلك سماهم الصحابة بما توافقت فيهم الصفات أنهم خوارج. وهذا في زمن الإمام أحمد رحمه الله ومن بعده من الأمة ظهر طوائف هم من الخوارج، وهؤلاء أباضية عمان، ولهم تاريخ قديم مع المسلمين، لا يزالون يكرون على المسلمين بالاعتداء، فيستحلون منهم الدماء والأموال والأعراف في فترات تاريخية متعددة. ومنهم طوائف في المغرب العربي وفي العراق والشام، وهم لا يسمون أنفسهم خوارج، فمنهم من يسمي نفسه أباضيًا، ومنهم من يسمي نفسه بأسماء أخرى. وهكذا كذلك الفرق المعاصرة كهذه الفرق والأحزاب المعاصرة التي تنتسب إلى فكر التكفير والتفجير، فهذه الفرق في قول عامة أهل العلم أنهم من الخوارج، أنهم من الخوارج ولو لم يسموا أنفسهم خوارج. وقد سمعتم أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «كلما خرج قرن قطع، كلما خرج قرن قطع، كلما خرج قرن قطع». كررها عليه الصلاة والسلام أكثر من عشر مرات حتى قال: «حتى يكون على أثرهم الدجال» -يعني يخرج في آخر هؤلاء الدجال- فمعناه أنهم يستمرون إلى قيام الساعة. وهكذا كذلك مما ينبغي أن يعلم أن هؤلاء الخوارج ليس فقط خروجهم بالسلاح والسيف والسنان، بل قد يكون خروجهم كذلك بما يكون من تهييج المجتمعات وإثارة الفتن فيها، والخروج على ولاة الأمور وأهل العلم. وسمعتم النبي عليه الصلاة والسلام سمى هذا الرجل أنه من الخوارج مع أنه لم يخرج بالسيف والسنان، وإنما اعترض على النبي عليه الصلاة والسلام، فكان اعتراض هذا سببًا في تسميته ووصفه بهذا الوصف. فكذلك الخوارج، فمن كان على هذا المذهب وهذا المنهج فهو من الخوارج ولو لم يرفع السلاح، ولو لم يستحل الدماء والأموال والأعراض، ولو لم يطلق رصاصة واحدة. ما دام يهيج المجتمعات بالخروج على الحكام، وكذلك مفارقة أهل العلم، فإنه من الخوارج. وإن شاء الله يتم بقية ما يتعلق بهذا في درس اللاحق. وإلى هنا والله تعالى أعلم.