شرح أصول السنة للرازيين 22

شرح أصول السنة للرازيين 22

الدرس الثاني والعشرون:من( ومن زعم أن القرآن مخلوق فهو كافر بالله العظيم كفراً ينقل عن الملة ...ومن قال لفظي بالقرآن مخلوق فهو جهمي أو القرآن بلفظي مخلوق فهو جهمي ).

حكم القول بخلق القرآن والشك في كفر من قال به

نقل الإمامان الرازيان عن علماء الأمصار أن من زعم أن القرآن مخلوق فهو كافر، ومن شك في كفره فهو كافر أيضًا. واستدل الشيخ على ذلك بأدلة من الكتاب والسنة ونقل عن علماء الأمة.

حكم الشك في كون القرآن مخلوقًا أو غير مخلوق وتفصيل الواقفة والجهمية

من شك في كون القرآن مخلوقًا أو غير مخلوق فهو جهمي وقد يكون كافرًا، والواقفة شر من الجهمية لأنهم يلبسون على الناس. يُوضح المقطع حكم الشك في هذه المسألة وتفصيل أقوال العلماء فيها.

شرح أقوال الأئمة في لفظ القرآن وتفصيل الصواب

شرح المقطع أقوال الأئمة فيمن يقول لفظي بالقرآن مخلوق أو غير مخلوق، ووضح أن كلا القولين مرفوض لأنه يؤدي إلى مذهب الجهمية أو المعتزلة. وأوضح الصواب في التفريق بين كلام الله تعالى وأفعال العباد.

الطوائف الثلاث وآرائها حول القرآن وتصنيفها

يناقش المقطع آراء ثلاث طوائف مختلفة حول مسألة لفظ القرآن ويصنف مواقفهم. يُوضح أن الطوائف الثلاثة اتخذت مواقف مختلفة تجاه هذه القضية، وينتهي بالنص إلى تصنيفهم وفقًا لمواقفهم.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال الإمامان الرازيان رحمهم الله تعالى: «ومن زعم أن القرآن مخلوق هو كافر بالله العظيم كفرًا ينقل عن الملة، ومن شك في كفره ممن يفهم فهو كافر». هذه المسألة من مسائل الاعتقاد فيما يتعلق بالقرآن. ومناسبة ذكرها هاهنا أنهما لما ذكر الخوارج وما هم عليه، ناسب أن يذكر شيئًا من مذهب الخوارج، ومما ظلت به طوائف. فإن طوائف من الخوارج أنكروا كون القرآن كلام الله سبحانه وتعالى، وزعموا أنه مخلوق. كما مر معنا أن المعتزلة، التي هي فرقة تعتبر من أفراخ الخوارج، وهذه الفرقة من أشهر الفرق التي قالت بخلق القرآن، بل هم السبب في نشر هذه المقالة وامتحان من امتحن من علماء السنة في زمن المأمون، رحمه الله تعالى، بسبب هذه البدعة. فالخوارج عندهم ضلالات كثيرة، ومنها ما يتعلق في باب الصفات، ومنه أمر القرآن. فقال فيما نقلاه عن علماء الأمصار رحمهم الله تعالى: «ومن زعم أن القرآن مخلوق فهو كافر بالله العظيم كفرًا ينقل عن الملة». ولهذا أدلة من الكتاب، ومن السنة، ومما نقل عن علماء الأمة. فإن أكثر ما ذكر في هذه العقيدة هو أولًا كما قال منقول عن علماء الأمصار، وهو مدون في كتب العقائد الصغار والكبار، والنقولات المنقولة عن الأمة في ذلك في كتب الاعتقاد كثيرة جدًا. فكتب العقائد على شهرتها لا يخلو كتاب منها، أي من كتب العقائد لأهل السنة والجماعة، إلا وفيها ذكر هذه المسألة. وقولهما فيما نقلاه عن علماء الأمصار: «ومن زعم أن القرآن مخلوق فهو كافر بالله العظيم كفرًا ينقل عن الملة»، يتناول خمسة أمور. أولها قولهم: «ومن زعم أن القرآن مخلوق»، فيتناول هذا الحكم بغض النظر عما إذا كان قال هذه المقالة وهو يعتقد ذلك، أو هو ناقل ويبث هذه المقالة وإن كان هو شاكًا، ما دام أنه يفهم ما يقول وأقيمت عليه الحجة. فلا يجوز نقل هذه المقالة والتشكيك في هذه المسألة. كذلك تناول أن القول بخلق القرآن يعتبر كفرًا بالله سبحانه وتعالى، وسبب ذلك أنه تكذيب للكتاب، ولأدلة الكتاب وأدلة السنة. فأدلة الكتاب والسنة تضافرت بإثبات أن القرآن كلام الله، ليس بمخلوق. قال الله عز وجل: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنْ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾، وكلام الله سبحانه وتعالى من صفته، وصفة الخالق ليست بمخلوقة. ويقول الله عز وجل: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾، ففرق بين الخلق والأمر، ومن الأمر الأمر الشرعي، ومنه القرآن. والأمر الكوني هكذا، كذلك أدلة السنة كثيرة. واستدل الإمام أحمد، رحمه الله تعالى، بذلك، من ذلك بدعاء النبي صلى الله عليه وسلم: «أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق». فالاستعاذة بكلمات الله، ومنها القرآن، استعاذة بخالق، ليس بمخلوق، بصفة الخالق، ليس بمخلوق. ولو كان مخلوقًا لما جاز الاستعاذة به، لأن الاستعاذة بالمخلوق ممنوعة، كما دلت عليه الأدلة الكثيرة من الكتاب والسنة. ولهذا فإن الإمام أحمد، رحمه الله، وغيره من الأئمة استدلوا بهذه الأحاديث، ومعناها في مناظرة من ضل في هذا الباب. كذلك نقول: لا يتم الإنكار في ذلك في تكفير من قال بخلق القرآن. فقد نقل عن أكثر من ألف شيخ من مشايخ وعلماء أهل السنة، ممن يقول بكفر من قال بخلق القرآن. وهكذا كذلك المسألة الثالثة في قولهما: «فهو كافر بالله العظيم كفرًا ينقل عن الملة»، فيه تأكيد أن هذا الكفر كفر أكبر، وليس بكفر أصغر. إذ قد يقول قائل: هذا ربما من الكفر الأصغر، فيتأول ويحرف بعض المنقول عن الأئمة. فأكد ذلك أن ما يعتقده علماء الأمصار، وهذا النقل من مثل هذين الإمامين، ليس كنقل من غيرهما، فهما من الإمامة والجلالة والمعرفة لمذاهب أهل العلم، مع ما عندهما من الرسوخ والخبرة والأمانة المشهود لهم بها. فكونهما ينقلان ذلك بهذا التصريح، يبين ويؤكد لكل من أراد بحق أو بباطل تحريف هذا المعنى، أن مراد الأئمة بالكفر هو الكفر الأكبر، لا الكفر الأصغر. فما نقل عن الأئمة في كتب السنة الكثيرة، ككتاب السنة للإمام عبد الله بن أحمد، رحمه الله تعالى، وكذلك ما نقله الخلال في السنة، وكذلك اللالكائي في شرح أصول الاعتقاد، وابن بطة في الإبانة الكبرى والصغرى، وغيرهم كالآجري في الشريعة، وغيرهم من الأئمة، هو محمول على الكفر الأكبر، لا الكفر الأصغر. كذلك في قولهما: «ينقل عن الملة»، فيه بيان أن هذا الكفر يستوجب الخروج من دين الإسلام، والانتقال إلى غيره من ملل الكفر. ولهذا فقائل هذه المقالة بعد إقامة الحجة عليه، لا يجوز أن يزوج من المسلمين، ولا يجوز كذلك أن تقبل شهادته، ولا كذلك أن تؤخذ تركته، فلا يرث ولا يورث، وغير ذلك من الأحكام التي تلحق بهذا المعنى. وهذا الحكم يدل ويؤكد شناعة، التي قالها أهل البدع، ومنهم الخوارج. وقولهما رحمهم الله تعالى: «ومن شك في كفره ممن يفهم فهو كافر». هذه مسألة أخرى انتقلا بها إلى ذكر حال من شك في كفر الكافر. فأولًا تتعلق بحكم هذه المسألة بعينها. فلا يجوز لمسلم بلغته الحجة، وفهم هذه المسألة من أدلة الكتاب والسنة، والمنقول عن علماء الأمة، أن يشك في كفر هؤلاء، فضلًا أن يشك في بطلان هذه المقالة. ننتبه لهذين المعنيين: لا يجوز لمن فهم أدلة الكتاب والسنة، وما نقل عن علماء الأمة في هذه المسألة، أي أن القائل أن القرآن مخلوق هو كافر، لا يجوز له أن يشك في كفر من قال بهذا القول، فضلًا أن يشك في هذا القول. يعني هنا مسألتان: المسألة الأولى هي أن من قال هذه المقولة فهو كافر، لا يجوز الشك في هذا بعد فهم الأدلة من الكتاب والسنة، والمنقول عن سلف الأمة. ومن شك بعد الفهم فهو كذلك كافر. لماذا؟ لأنه يلحقه ما يلحق أولئك من عدم الجزم بالإيمان. فمن بلغه الإيمان لا يجوز الشك به، ومن بلغه الكفر لا يجوز الشك بهذا الكفر. بل من أصول الإيمان أن تؤمن بالله وتكفر بالطاغوت، أن تؤمن بالله وتكفر بالطاغوت. ومن ذلك أن تؤمن بالسنة وتكفر بالبدعة، وأن تؤمن بأن القرآن كلام الله، وأن من قال أنه ليس بكلام الله بل هو مخلوق، فهو كافر بالله العظيم. لا يجوز الشك في هذا، ومن شك بعد علمه وفهمه فهو كافر. والمسألة الثانية هي أن من شك فيما هو أعظم من هذا، فهو من باب أولى أن يكون كافرًا، أي من شك في كون القرآن ليس بكلام الله، وشك في كون القرآن مخلوق أو غير مخلوق، فمثل هذا كذلك يلحقه حكم الكفر بعد فهمه وبلوغ الحجة إليه. ولهذا نقل عن الأئمة أن الواقفة شر من الجهمية. وإذا كان الجهمية وعلمنا أن لفظ الجهمية لفظ واسع، لا يتناول فقط الفرقة التي تنسب للجهم بن صفوان، ولكن تتناول فرقًا متعددة، كلها ترجع إلى أصل هذه الفرقة. كان وجه الشبه بكونها سلكت مسلك التعطيل في هذا الباب، ومن ذلك القول بخلق القرآن، وعدم القول بأن القرآن كلام الله. فيتناول ذلك الجهمية، الفرقة المنتسبة للجهم بن صفوان، وهكذا من تبيعه من أتباع، كذلك المعتزلة والخوارج والكلابية والأشاعرة والماتريدية، وسائر فرق التعطيل. فهؤلاء كلهم القائلون بهذا القول يسمون جهمية، وهم يتفاوتون في الضلال والبدعة. فكان الأئمة يقولون: الجهمية كفار، والواقفة شر من الجهمية. وكما قلنا: الجهمية لفظ يطلق أحيانًا على من ينتسب إلى الجهم بن صفوان، ويطلق على من تبعهم. وكثيرًا ما يطلق على المعتزلة، يعني في اصطلاح الأئمة المتقدمين. كثيرًا ما يطلق على المعتزلة، وقليلًا ما يطلق ويراد به الأشاعرة، يعني عند المتأخرين. فالشاهد من هذا: كانوا يرون أن الواقفة شر من الجهمية. لماذا؟ لأن الواقفة يلبسون على الناس، وهم يزعمون أنهم أهل حق، وهم في الحقيقة أهل باطل. ولذلك كانوا شر من الجهمية. ورواية في هذا عبارات كثيرة عن الأئمة تؤيد هذا المعنى. فلا يجوز الشك في هذه المسألة، ولا الشك في كفر من قال بهذا القول، وهو أن القرآن مخلوق. وفي قولهما رحمهم الله تعالى: «ممن يفهم فهو كافر»، فيه إشارة إلى أنه لا يكفي بلوغ العلم في مثل هذه المسائل الدقيقة، بل لا بد من الفهم. بل لا بد من الفهم. وقد اختلف أهل العلم في هذه المسألة: هل يكفي بلوغ الحجة؟ أم لا بد من فهمها؟ فقال كثير من أهل العلم: بل يكفي بلوغ الحجة في حصول إقامة الحجة. وذهب بعض أهل العلم أنه لا بد من فهم الحجة. والصحيح التفصيل. فإن من المسائل ما تقوم الحجة ببلوغها، فمن بلغته الحجة فقد قامت عليه الحجة. وعلى هذا يحمل قول من قال من أهل العلم: من بلغه القرآن فقد قامت عليه الحجة. وهذا غالبًا يكون في المسائل الواضحة الظاهرة، كالمسائل التي هي من المعلوم في الدين بالضرورة. فإن مثل هذه المسائل من بلغه القرآن، وبلغته سنة النبي عليه الصلاة والسلام، فإنه قامت عليه بهذا الحجة. وبعض المسائل مسائل خفية، لا يكاد يفهمها من بلغته الحجة، فيحتاج إلى من يفهمه إياها، ويبين له مغزى مثل هذه المسألة، ووجه الاستنباط والأدلة فيها. وهذه المسألة مما قد يخفى أمرها على الكثير من الناس، خصوصًا إذا لم يكن من أهل المعرفة بالعلم. ولهذا قال رحمهم الله تعالى: «ممن يفهم فهو كافر». فتناول ذلك أن من فهم هو الذي يلحقه الكفر، ومن لم يفهم فلا يلحقه الكفر، ولو بلغته الحجة، ولو بلغته الحجة. فليس كل من بلغته الحجة فهو كافر. وبه تعرف فقه السلف، ولذلك رحمهم الله تعالى، وإدراكهم للمسائل وتفصيلهم فيها. قال رحمهم الله تعالى: «ومن شك في كلام الله عز وجل فوقف شاكًا فيه، يقول: لا أدري مخلوق أو غير مخلوق، فهو جهمي». وهذا كذلك تبع لما سبق. فإن مما نقل عن علماء الأمصار التحذير من الشك في هذه المسألة، وهكذا كذلك في سائر مسائل الدين، وما علم من توابعه وأصوله. قال: «ومن شك بكلام الله عز وجل فوقف شاكًا فيه، يقول: لا أدري مخلوق أو غير مخلوق، فهو جهمي». ولاحظ قولهما ها هنا: «فهو جهمي»، لا يستلزم الكفر. لأن من هؤلاء من يقول ذلك وعنده شبهة، ومن هؤلاء من يقول ذلك وهو لم يفهم. فلذلك قال: «لا فهو جهمي»، لأن قوله يوافق قول الجهمية، ويعين على قول الجهمية. ولا يستلزم إذ قال قول الجهمية أن يكون حكمه كحكم الجهمية. ومر معنا في دروس سابقة أن العلماء ربما أطلقوا لفظ الجهمية على من لا يكفرون هم. فقد أطلق هذا اللفظ على قوائف من الأشاعرة، على أن أكثر أهل العلم لا يكفرون الأشاعرة. أكثر أهل العلم لا يكفرون الأشاعرة، ومع ذلك سمى عدد ليس بقليل الأشاعرة جهمية. سمى عدد ليس بقليل من أهل العلم الأشاعرة أنهم جهمية، ومع ذلك فهم ماذا؟ أي أكثرهم لا يكفرون الأشاعرة. فمن قيل فيه جهمي قد يكون كافرًا، وقد يكون ليس بكافر، ولكن وقع في بدعة عظيمة وافقت بدعة الجهمية. ووجه الشبه في ذلك هو سلوك مسلك التعطيل في هذا الباب. لأن أصول هذه الطوائف تكاد تكون متقاربة، أي في التعطيل، سواء في مسائل الصفات، أو ما يتعلق بالقرآن، أو ما يتعلق ببعض مسائل الإيمان، أو غيرها من المسائل الأخرى. فلهذا ربما سمي بعض الفرق بجهمية، وليس هم ممن ينتسب إلى الجهم بن صفوان، كما تقدم الكلام على ذلك، وسبقت الإشارة إليه. فقولهما رحمهم الله تعالى: «فوقف شاكًا فيه، يقول: لا أدري مخلوق أو غير مخلوق، فهو جهمي». وهذا يتناول ثلاثة أصناف من الناس. أولهم قائل ذلك وهو متلبس ببدعة يخفيها. فإن طوائف من الجهمية لما انكشف مذهب الجهمية، وأنكره الناس واشمأز الناس من مقولتهم، صاروا يخفون بدعتهم بمقولات خفية، يخفون بدعتهم بمقولات خفية. من هذه المقولات القول بالتوقف في القرآن، يعني يقولون: نحن نتوقف، لا نقول مخلوق ولا نقول غير مخلوق، أو يقولون: لا ندري ما هو الصواب في هذه المسألة. فمثل هذا طوائف من الجهمية صار يخفي بدعته بمثل هذه المقولة. فإن عدم الجزم بالحق مع العلم به، وقيام الحجة به، هو من الباطل الذي لا يجوز السكوت عنه. وهكذا مثله كذلك قول من قال منهم: «لفظي بالقرآن مخلوق». لفظي بالقرآن مخلوق. ولهذا روي عن الإمام أحمد، رحمه الله، أنه كان يقول: «من قال لفظي بالقرآن مخلوق فهو جهمي». من قال لفظي بالقرآن مخلوق فهو جهمي. لماذا؟ لأن طوائف أولًا من الجهمية لما استشنع الناس قول الجهمية في القول بخلق القرآن، صاروا يدخلون القول بخلق القرآن بشيء من المكر والخفاء. ومن ذلك هذه المقولة: «لفظي بالقرآن مخلوق». فإنهم يريدون بذلك إدخال كون القرآن مخلوق، ويوهمون بظاهر اللفظ أنهم يريدون بلفظي أي فعلي. ولكن كما لا يخفى: لفظة لفظي تتناول معنيين اثنين، تتناول الملفوظ به، وهو القرآن، وهو كلام الله، ليس بمخلوق. وتتناول أي لفظة لفظي فعل هذا اللافظ، وهو من فعله الذي هو مخلوق لله سبحانه وتعالى. فلهذا لا يجوز أن يقال: «لفظي بالقرآن مخلوق»، ولا يجوز أن يقال: «لفظي بالقرآن غير مخلوق». ولهذا روي عن الإمام محمد أنه قال: «من قال لفظي بالقرآن مخلوق فهو جهمي، ومن قال لفظي بالقرآن غير مخلوق فهو مبتدع». لماذا كان في الأول جهمي؟ لأنه أدخل كون القرآن الذي هو أحد معاني لفظة لفظي في كونه مخلوقًا. وهذه هي مقولة الجهمية. ولأن كذلك طوائف من الجهمية صار يقول هذا القول بمكر وخفاء، يريد يدخل قول الجهمية على الناس بهذا المكر والخفاء. فلهذا قال من قال من الأئمة هذه المقولة: «من قال لفظي بالقرآن مخلوق فهو جهمي». وأما قولهم: «من قال لفظي بالقرآن ليس بمخلوق فهو مبتدع»، لأنه ولو أخرج القرآن كونه ليس بمخلوق، لكنه وقع في كونه أخرج كون فعل العباد ليس بمخلوق. وهذا من قول المبتدعة من المعتزلة، ومن سلك مسلكهم من القدرية. ولأن لفظة لفظي كما قلنا لا يتناول معنى واحدًا، بل يتناول معنيين اثنين. فلهذا لا يجوز الأول، ولا يجوز الثاني. والصواب في هذا التفصيل كما سلك الأئمة، فقالوا: الكلام كلام الباري، والصوت صوت القاري. فالمقرؤ والملفوظ والمكتوب والمحفوظ كل ذلك كلام الله، والقراءة والكتابة والحفظ ذلك فعل العباد، مخلوق لله سبحانه وتعالى. فالأول ليس بمخلوق، والثاني من أفعال العباد مخلوق لله سبحانه وتعالى. والله خلقكم وما تعملون. والمعنى الثاني الذي يدخل فيما أشار إليه رحمه الله في: «من شك في كلام الله عز وجل فوقف شاكًا فيه، يقول: لا أدري مخلوق أو غير مخلوق، فهو جهمي»، طائفة أخرى تقول بهذه المقالة، وهي لا تخفي شيئًا من المكر والخفاء كتلك الطائفة من الجهمية التي سبقت الإشارة إليها. ولكن طوائف يقولون بهذه المقولة بسبب جهلهم، وانطلاء بعض الشبه عليهم. فكذلك مثل هؤلاء يلحقهم هذا الحكم، لأنهم وافقوا الجهمية في طريقتهم، ولبسوا على من لا يدري الحق، وأدخلوا عليهم الباطل. ولهذا كان هؤلاء كذلك من الجهمية، لأنهم سلكوا مسلك الجهمية. وطائفة ثالثة من يلحقهم هذا المعنى كذلك، طائفة تقول بهذه المقولة، وهي تقولها عن ورع، ولكنه كما قيل: ورع بارد. وتقولها ربما كذلك عن ضن أن هذا مما لا ينبغي الخوض فيه، سلامة للدين وللصدور. وهذا كذلك من الجهل والخطأ. فالطائفة الأولى التي تخفي المكر جهمية، والثانية التي تلبست بهذه المقولة بسبب الشبه كذلك من الجهمية، والثالثة التي تقول بهذه المقولة على وجه الورع والظن أن هذا من سلامة الدين كذلك من الجهمية. ولو كانت عندهم نيات حسنة، لأن النية الحسنة لا تكفي بتصحيح الأعمال، لكونهم وافقوا بمقولتهم هذه قول الجهمية. وكل الطوائف كانوا من الجهمية، مع التنبه للمعنى السابق: لا يلزم كون الحكم على هذا الشخص يقال أنه قال بقول الجهمية، أن يكون جهميًا، أن يكون جهميًا لأنه قال بقولهم. ولا يلزم من قوله بقولهم أن يكون مثلهم. ولهذا أتبع رحمهم الله تعالى بهذا القيد، فقال: «ومن وقف في القرآن جاهلًا علم وبدع ولم يكفر». انظر إلى هذا القيد العظيم الذي يبين ويؤكد لك المعنى المتقدم. فإن من قال هذه المقولة، وهو القول بالوقف في القرآن، وعلمنا ما معنى الوقف في القرآن، يعني يتوقف، لا يقول هو كلام الله ليس بمخلوق، ولا يقول هو كلام الله مخلوق، يقول: أنا أتوقف في هذه المسألة، أو يقول: أنا أشك في هذه المسألة. فمثل هذا كما سمعناه: ثلاث طوائف، ومن هذه الطوائف الثلاث طائفة هم أهل جهل. فلذلك قالا: «ومن وقف في القرآن جاهلًا علم وبدع ولم يكفر». وقولهما: «علم»، لأنه لا بد من إقامة الحجة على الجاهل، ولا بد كذلك من تفهيم من لا يفهم. وكما سبق: مثل هذه المسائل الخفية لا يكفي فيها بلوغ الحجة، بل لا بد من ماذا؟ لا بد من فهم الحجة. وفي قولهما: «وَبَدَع»، يتناول قولهما بدع التبديع على معنيين اثنين. المعنى الأول بلا شك حين تقوم عليه الحجة، ويصر ويعاند، فعند ذلك يبدع، ولا يكفر. لأنه ربما عنده شبهة، أو ربما عنده كذلك من يقتدي به اقتداء فاسد، ممن يظن به العلم والصلاح. ولأجل هذا يبدع ولا يكفر. والمعنى الثاني أنه يبدع بمقولته، ولو لم تقم عليه الحجة. وعلى هذا يحمل ما نقل عن بعض الأئمة بهذا الإطلاق الذي تقدم في أن الواقف جهمية، وفي أن الواقف مبتدعة، ولو لم يوقف على الرجل بعينه بإقامة الحجة عليه. وهذا يحمل، وهذا الذي ينبغي أن يسلك فيما إذا كان الحكم على غير معين. أما إذا كان على معين، فالصحيح أنه لا بد من إقامة الحجة عليه. يعني مثلًا لو قيل لك: يوجد فرقة كذا وكذا، هي تقول بالوقف بالقرآن، تقول: هذا قول الجهمية، وهذه الفرقة قالت قول الجهمية، وهم بهذا مبتدعة. لكن زيد من الناس قال بهذا القول، وأنت يغلب على الظن أن مثل هذا الإنسان جاهل يحتاج أن يعلم. فإن سلامة الدين أنك لا تحكم عليه بحكم حتى تقيم عليه الحجة وتعلمه. ولا يعني كونك تقيم عليه الحجة ألا تحكم على قوله بأنه قول الجهمية، وأنه قول مبتدع. لأنه يفرق بين القائل والقول، وبين كذلك الحكم على المقولة، وبين الحكم على الشخص. فرب قول مبتدع ضال، وشخص لا يبدع بسبب ما عنده من سبب يمنع من ذلك. وعلى هذا يحمل ما سبق، وما في هذه العبارة مما نقلاه رحمهم الله تعالى. وبه تعرف دقة علم السلف رحمهم الله تعالى، وكذلك ما كان عليه الأئمة في هذا الباب. وينبغي لطالب العلم إذا وقف على شيء من الآثار المنقولة عن الأئمة، مما فيها الإطلاق، أو يكون معناها مخالفًا لما علمه من الثوابت والأصول التي سارت عليها أهل السنة والجماعة. أن يرجع عبارات السلف بعضها إلى بعض، فعباراتهم يفسر بعضها بعضًا، ويبين بعضها بعضًا. قالا رحمهم الله تعالى: «ومن قال لفظي بالقرآن مخلوق فهو جهمي، أو القرآن بلفظي مخلوق فهو جهمي». هذه عبارة كذلك تلحق بما سبق، وسبقت الإشارة إليه. فلما كانت مسألة الوقف كما قلنا قاله طائفة ممن يمكر بهذا الدين من الظلال المبتدعة، من طوائف من قال بالتعطيل. فإنهم لما رأوا الناس استشنعوا مقالة الجهمية والقول بخلق القرآن، عدلوا عن ذلك القول الواضح إلى الأقوال الخفية الماكرة. ومن تلك الأقوال الخفية الماكرة قولهم: «لفظي بالقرآن مخلوق»، أو قولهم: «القرآن بلفظي مخلوق». وهم يبينان بهاتين العبارتين أنه لا فرق بين قول القائل: «لفظي بالقرآن مخلوق»، وقول القائل: «القرآن بلفظي مخلوق». لأن بعض أهل العلم ربما التبست عليه هذه المسألة، وظن أنه يفرق بين الأول والثاني. والصحيح أنه لا يفرق بين العبارة الأولى والعبارة الثانية، فكلها يتناولها كلام السلف، والمنقول عن الأئمة. من قال: «لفظي بالقرآن مخلوق فهو جهمي». وعلمنا فيما سبق وجه كونه جهميًا. وأما قولهما: «ومن قال لفظي بالقرآن مخلوق فهو جهمي، أو القرآن بلفظي مخلوق فهو جهمي»، فكذلك يقال فيه بمثل ما قيل في مسألة الوقف. فالناس فيه ثلاثة طوائف: طائفة ماكرة تخفي البدعة بعبارة موهمة خفية، وهي قولهم: «لفظي بالقرآن مخلوق»، أو نحو ذلك. وطائفة أخرى هي ليست كذلك، لكن انطلت عليها الشبه بمجالسة أهل الأهواء، وسماع كلام أهل الأهواء، فصاروا يقولون بهذه المقولة، وهم كذلك تناولهم حكم الجهمية. فلهذا قالوا: «فهو جهمي». والطائفة الثالثة طائفة تقول بذلك، تظن أنه لا بأس به، وربما ظنوا أنهم يريدون بذلك اللفظ، وليس الملفوظ، يريدون بذلك اللفظ الذي هو فعل الإنسان، وليس الملفوظ الذي هو كلام الله القرآن. وهذه الطائفة بسبب جهلها قالت هذا القول، وهم بهذا جهمية لموافقتهم قول الجهمية. ويوضع بعد هذه العبارة القيد المتقدم: «ومن وقف في القرآن جاهلًا علم وبدع ولم يكفر». وكما قيل: هذا في الواقفة، يقال كذلك في اللفظية: «ومن قال باللفظ في القرآن جاهلًا علم وبدع ولم يكفر». يقال بهذا القيد كما قيل بالقيد في مسألة الوقف. نكتفي بهذا القدر، ونترك ما تبقى لدرس لاحق، والله تعالى أعلم.