الدرس في شرح أصول السنة للرازيين 23، الدرس الثالث والعشرون:من( قال أبو محمد وسمعت أبي يقول:وعلامة أهل البدع الوقيعة في أهل الأثر ... وعلامة المرجئة تسميتهم أهل السنة مخالفة ونقصانية ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يتناول المقطع علامات أهل البدع كما ذكرها الإمام عبد الرحمن بن أبي حاتم الرازي، ويشرح أهمية ختم العقيدة بنحو هذه العلامات.
يتناول المقطع علامات أهل البدع في الطعن بأهل السنة، حيث يسمونهم حشوية ومشبهة بهدف إبطال الآثار وإلصاق التجسيم بهم.
يذكر أن أهل البدع يطلقون على أهل السنة ألقابا باطلة، بينما يقر أهل السنة بالتوازن بين الإثبات والنفي في أسماء الله وصفاته.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال أبو محمد: والمراد به هاهنا عبد الرحمن بن حاتم الرازي، رحمه الله، راوي هذه العقيدة عن أبيه، وخليل أبيه، وشيخه أبي زرعة، رحمهم الله تعالى جميعًا. قال أبو محمد: وسمعت أبي يقول: «وعلامة أهل البدع الوقيعة في أهل الأثر». قال: «وعلامة الزنادقة تسميتهم أهل الأثر حشوية، يريدون إبطال الآثار. وعلامة الجهمية تسميتهم أهل السنة مشبهة. وعلامة القدرية تسميتهم أهل الأثر مجبرة. وعلامة المرجئة تسميتهم أهل السنة مخالفة ونقصانية. وعلامة الرافضة تسميتهم أهل السنة ناصبة». ولا يلحق أهل السنة إلا اسم واحد، ويستحيل أن تجمعهم هذه الأسماء. ختم المؤلف، رحمه الله تعالى، راوي هذه العقيدة الإمام عبد الرحمن بن أبي حاتم الرازي، أبو محمد، رحمه الله تعالى، بهذه الخاتمة، والتي نقلها عن أبيه، وهي كذلك منقولة عن عدد من الأئمة. فقد نقل الإمام البربهاري، رحمه الله تعالى، في شرح السنة نحو هذا الكلام عن الإمام أحمد وغيره. وهكذا روى اللالكائي، رحمه الله، في شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة نحو ذلك عن الإمام أحمد، رحمه الله، وعن أبي عبيد وجماعة من أهل السنة. ولا يزال العلماء ينقلون مثل هذه الآثار، بِلَفظِها ومعناها، في أن الطعن في أهل البدع، وأن الطعن في أهل السنة من علامة أهل البدع. وختم المؤلف، رحمه الله، بهذه الخاتمة من فقهه، رحمه الله تعالى، وإتساقه بمن سبقه. فإن الأئمة ختموا عقائدهم بنحو هذا الختم، وذلك لثلاثة معان، والله أعلم. أولها: أنها كانت من سنة بعض الأئمة. ولهذا تجد هذا كثيرًا في ختم كتب الاعتقاد بمثل هذه الخاتمة. فهذا ابن أبي داود، رحمه الله تعالى، ذكر في آخر منظومته وقصيدته الحائية قوله، رحمه الله: «ولا تك من قوم تلهوا بدينهم، فتطعن في أهل الحديث وتقدحوا». وها هنا ختم أبو محمد الرازي، رحمه الله، نحو ذلك ونحوا منه. فكان على غيره، كالإمام الصابوني، رحمه الله، في عقيدته، والبربهاري، رحمه الله، في شرح السنة، وغيرهم من الأئمة. والمعنى الثاني: أن في هذا مناسبة لإجمال ما سبق ذكره من مباحث الاعتقاد. فلما ذكر من ذكر من الأئمة، ومنهم الإمام أبو محمد عبد الرحمن بن أبي حاتم الرازي، ما سبق من مسائل الاعتقاد، ناسب أن يذكر أن مع ذلك كله، فينبغي أن يتنبه صاحب الحق أن أهل الباطل لن يرضوا عنه. قال رحمه الله: «وعلامة الزنادقة تسميتهم أهل الأثر حشوية، يريدون إبطال الآثار». وهذا كذلك تفصيل بعد إجمال. وفائدة التفصيل بعد الإجمال زيادة التوضيح والبيان. كقول الله عز وجل: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾، فالمحافظة على جميع الصلوات يتضمن المحافظة على الصلاة الوسطى، وهي صلاة العصر. لكن زيادة التفصيل بعد الإجمال فيه زيادة تأكيد وبيان لهذا الذي فصل بعد ذاك البيان. وفيه كذلك التنبيه لما كان بمعنى. فهنا كذلك، وهكذا ينبغي أن يعتبر الناظر في هذه المعاني العلمية ما يعينه على إدراك المسائل وجمع النظائر بعضها إلى بعض. فقوله، رحمه الله: «وعلامة الزنادقة تسميتهم أهل الأثر حشوية»، هذا من علامات أهل البدع تسميتهم أهل السنة وأهل الأثر أنهم حشوية. فهو من بعض تلك الطعون التي يطعن بها أهل السنة، وهي مما تصدر في هذا الباب. ومعنى حشوية: يريدون بذلك الحشو الذي هو الشيء الزائد، أو يريدون به معنى التجسيم، أي أنهم حشوية لأنهم وصفوا الله بصفات تشبهه بالمخلوق، والله عز وجل متعال عن ذلك الذي لم يقله أهل السنة أبدًا. بل أهل السنة من أبعد الناس عن ذلك، فهم يتبعون الآثار إثباتًا ونفيًا، ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾. ولهذا قال: «يريدون إبطال الآثار»، هذه التهمة يقولها المعطلة من الزنادقة. لماذا؟ يريدون بذلك إبطال الآثار. كما مر معنا في أن ابن القيم، رحمه الله، لما أجاب عن هذه التهمة، قال: «إن كان ذا تجسيم عندكم، فيا أهلا به، ما فيه من نكراني». يعني كون أن أهل الحق أبوا تلك المقالات الباطلة التي قالها أهل التعطيل من مقالات الجهمية، وكذلك الكلابية والأشاعرة والمعتزلة والمرجئة وغيرهم من أهل التعطيل. وسلكوا مسلك الكتاب والسنة، وتركوا ذلك الهديان، هذا ليس فيه شيء من التجسيم. فإن كان هذا تجسيمًا، فكما قال ابن القيم: «أهلا به، ما فيه من نكراني». ولهذا قال قبله: «وأبوا يدينوا بالذي دنتم به، من هذه الآراء والهديان». وصفوه بالأوصاف في النصين، من خبر صحيح، ثم من قرآن. قال: «إن كان ذا تجسيم عندكم، فيا أهلا به، ما فيه من نكراني، إن مجسمة بحمد الله لم نجحد صفات الخالق الرحمن». إن كان هذا هو التجسيم، وهذا هو مما يسمى به أهل الحق حشوية. فإذا أهلا بها من صفات، ما دامت هي توافق الكتاب والسنة. وإن كان أهل السنة لا يسمون أنفسهم حشوية، ولا يسمون أنفسهم مجسمة، ولكن أهل الباطل هم الذين يفترون عليهم مثل هذه الألقاب. ونقل شيخ الإسلام ابن تيمية، رحمه الله، وغيره، عن أبي عبيد، وهكذا كذلك معناه عن إمام أحمد، رحمه الله، أن من علامة أهل البدع تسمية أهل السنة بألقاب افتروها من عند أنفسهم. وضرب لذلك أمثلة، فذكر اتهام الرافضة والناصبة لأهل السنة بتلك التهم. فقول من قال من الزنادق، من المعطلة، لأهل السنة: أنهم حشوية، هذا ما يضرهم شيئًا، ولكن هذا يبرهن أنهم على باطل في هذا الباب. ولهذا فهم يرمون من يتابع الدليل بأنه مجسم، وأنه حشوي، وهذه من علامات أهل البدع. قال رحمه الله تعالى: «وعلامة الجهمية تسميتهم أهل السنة مشبهة». كذلك من علامات أهل البدع هذا اللقب الذي يطلقه الجهمية، الزنادق. يدخل فيهم في الحقيقة الجهمية، فإن الزنادق لفظ يطلق على كل من خرج عن الدين، وكذلك أتى بكل باطل خارق للثه الشرعية، بما يستوجب الكفر، أو ما كان بمعناه من البدع العظيمة. فيطلق على أمثال هؤلاء زنادقة، فيدخل فيهم كثيرًا من أهل البدع، ومنهم الجهمية. لكن خص الإمام ذكر الجهمية لما لهم من أثر، ولما لهم كذلك من واقع وباطل اشتهر بين الناس، فحق أن يذكروا بالتعيين. وكذلك لأن بعض الزنادقة يدخل فيهم بعض الملاحدة، وبعض أهل التخييل، كما ذكر الإمام من الباطنية وغيرهم. وربما من خرج من دين الله، أو من لم يدخل أصلا في الدين. فلذلك ذكروا الجهمية على وجه التخصيص لما يتعلق بباب الصفات. فالزنادقة إنكارهم لمتابعة الدليل مطلقًا، لأنهم يسلكون مسلك الباطنية، من مذهب التخييل، كالفلاسفة، وكبعض الفرق الباطنية. فكل من دعا إلى الالتزام بما دلت عليه الأدلة من الكتاب والسنة، ومما كذلك يعني دلت عليه عقيدة سلف الأمة، سموا ذلك حشوًا. سموا ذلك حشوًا لأنهم يزعمون أنهم أهل معاني، لا أهل ألفاظ. مع أن حقيقة المعاني إنما تقوم على ماذا؟ تقوم على الألفاظ. المعاني تقوم على الألفاظ، وإلا فمن أين الدين الذي يدينون به؟ إن لم يكن من ألفاظ الكتاب والسنة، وما كان عليه سلف الأمة؟ والجهمية ضلالهم كان في بعض المباحث، هي أخص من ضلال الزنادقة. فضلال الجهمية كان في مباحث الصفات، والأسماء والصفات، وما يتعلق كذلك بالإيمان، ونحوه، مما سبقت الإشارة إليه. فلذلك هم يسمون أهل السنة مشبهة. لماذا؟ يزعمون أن أهل السنة حين يثبتون ما يثبتون، مما ثبت إثباته في أدلة الكتاب والسنة لله اسمًا وصفة، فإن ذلك يقتضي تشبيه الخالق بالمخلوق، تعالى الله عن قولهم علوًا كبيرًا. فأهل السنة أبعد الناس عن ذلك، فأهل السنة يقرؤون في النفي قول الله عز وجل: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾، وقول الله عز وجل: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾، وقول الله عز وجل: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾. ويقرؤون في الإثبات: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾، ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾، وهكذا غيرها من الأدلة التي فيها إثبات الأسماء والصفات على ما يليق بجلال الله وعظمته، من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل. قال رحمه الله: «وعلامة القدرية تسميتهم أهل الأثر مجبرة». كذلك من أهل البدع، ومن تلك الألقاب التي رمي بها أهل السنة، وأهل الحديث، والأثر، وأهل الاتباع، بالباطل، ما تهم به بأنهم مجبرة، يعني جبرية. وهذا من الذي يرميهم به القدرية، وهم القدرية النفاة، كالمعتزلة، ومن سلك مسلكهم. فإنهم يرمون أهل الأثر بأنهم جبرية، كما أن الجبرية يرمون أهل الأثر بأنهم قدرية. فكل طائفة ترمي أهل الحق بموجب ما وقعت فيه من باطل، بموجب ما وقعت فيه من باطل. فلم يضر أهل السنة مثل ذلك، بل هذا يؤكد لكل منصف أن هذا إنما هو من أهل الباطل، ومن أهل البدع. قال رحمه الله تعالى: «وعلامة المرجئة تسميتهم أهل السنة مخالفة ونقصانية». مخالفة يريدون بذلك: أي خارجون عن معنى الاستقامة إلى الشذوذ والخلاف. ونقصانية: أي أنهم ينقصون الناس حقهم، لأنهم يزعمون أنه لا يضر مع الإيمان معصية. وأهل السنة يقولون: يضر مع الإيمان المعصية، فالمعصية تضر بالإيمان وتنقصه. فالمؤمن يزداد إيمانه بالطاعة، وينقص بالمعصية. فكما أن الوعيدية ترمي أهل السنة بالإرجاء، وهو مما يدل على بدعتهم التي وقعوا فيها في الغلو في أدلة الوعيد. فكذلك المرجئة التي غلطت في أدلة الوعد، وهي أدلة الرحمة والمجازاة، التي غلطت في هذا الباب، تتهم أهل السنة بنقيض ما هم فيه. فكان أهل السنة وسطًا بين الوعيدية، وهم من غلا في أدلة الوعيد، وبين المرجئة، وهم من غلا في أدلة الوعد. فلذلك لم ترض كلتا الطائفتين، وكلاهما على باطل، عن أهل السنة الذين كان قولهم وسطًا بين هذين الباطلين. نكتفي بهذا القدر، ونترك الباقي لدرس لاحق، والله تعالى أعلم.