الدرس في شرح أصول السنة للرازيين 12، الدرس الثاني عشر:من( والحوض المكرم به نبينا حق والشفاعة حق والبعث بعد الموت حق ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يتناول هذا الفصل عقيدة أهل السنة والجماعة حول حوض النبي صلى الله عليه وسلم، حيث يُثبت وجوده بأحاديث نبوية من مصادر مختلفة. يُعتبر الإيمان بالحوض والشفاعة والبعث بعد الموت جزءًا من هذه العقيدة.
يتناول هذا الفصل إثبات وجود حوض النبي محمد صلى الله عليه وسلم من خلال الكتاب والسنة، حيث اتفق أهل السنة على إثباته واستشهدوا بآيات القرآن وأحاديث النبي. يُوصف الحوض بأنه عظيم ومورد كريم يغذيه نهر الكوثر في الجنة.
يُشير هذا الفصل إلى أن أحاديث الحوض بلغت حد التواتر ورويت عن أكثر من ثمانين صحابيًا، ويُوصف الحوض بأنه عظيم وريحه أطيب من المسك. يُطرد من الحوض من ليس على دين الإسلام أو من أحدث في دينه.
يختم الفصل بتحذير من تحريف الأحاديث النبوية، حيث يُستدل بحديث نبوي على أن من يفعل ذلك سيتعرض للوم والعقاب، ويُترك استكمال الموضوع لدرس قادم.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. رحمهم الله تعالى فيما نقلاه عن علماء الأمصار، قالا: رحمهم الله تعالى، والحوض المكرم به نبينا صلى الله عليه وسلم حق، والشفاعة حق، والبعث بعد الموت حق. وهذه كذلك ثلاث جمل ومسائل مما نقلاه رحمهم الله تعالى عن علماء الأمصار، وهكذا كذلك، وما هو من عقيدة أهل الإسلام أهل السنة والجماعة. وهذه الجمل كذلك قد ذكرت في كتب العقائد صغيرها وكبيرها، بل ألف بعض أهل العلم في ذلك مؤلفات مفردة، مؤلفات في الحوض ومؤلفات في الشفاعة ومؤلفات في البعث. ونذكر شيئًا يسيرًا فيما يتعلق بأمر الحوض، ثم ما يتيسر من أدلة تدل على أهم مباحثه. من ذلك ما ذكره الآجري في «الشريعة»، ونحوه بن أبي عاصم في «السنة»، بإسناده عن عبد الله بن بريدة، أنه ذكر أن أبا سبرة بن أبي سلمة سمع ابن زياد يسأل عن الحوض، فقال: ما أراه حقًا، بعدما سأل أبا برزة الأسلمي والبراء بن عازب وعبد الله بن عمر المدني، فقال: ما أصدق. فقال أبو سبرة: ألا أحدثك في هذا الحديث شفاء؟ بعثني أبوك إلى معاوية رضي الله عنه في مال، فلقيت عبد الله بن عمر -يعني ابن العاص- فحدثني، أي عبد الله بن عمر، قال: فحدثني بحديثه، وكتبته بيدي، قال: فحدثني بحديثه، فسمعته بفيه -أو من فيه- وكتبته بيدي، ما سمع من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلم أزد حرفًا ولم أنقص حرفًا. حدثني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في حديث طويل، قال فيه: «موعدكم حوضي، عرضه مثل طوله، وهو أبعد ما بين أيلة إلى مكة، وذلك مسيرة شهر، فيه أباريق أمثال الكواكب، ماءه أشد بياضًا من الفضة». وبعض هذه الألفاظ في الصحيحين بغير هذا، ففي الصحيح: «ما بين أيلة إلى صنعاء اليمن»، و«باريقه مثل النجوم»، و«ماءه أشد بياضًا من اللبن». وهنا قال: «من الفضة». قال: «من ورد فيه فشرب منه لم يضمأ منه أو بعده أبدًا». فقال ابن زياد: ما حدثت عن الحوض حديثًا هو أثبت من هذا، أشهد أن الحوض حق. وأخذ الصحيفة التي جاء بها أبو سبرة. وهكذا ذكر العلماء الحوض وأنه حق، وأشار إلى بعض أدلته، كما ذكر ذلك أبو الحسن الأشعري في «مقالات الإسلاميين»، وهكذا البيهقي في كتابه «البعث والنشور»، وهكذا أبو بكر الإسماعيلي في كتاب «الاعتقاد»، أئمة أهل الحديث، فقال: «الحوض حق». وأبو عثمان الصابوني إسماعيل في «عقيدة السلف أصحاب الحديث»، فقال: «يؤمنون بالحوض والكوثر». وهكذا كذلك قال القاضي عياض بعد أن ذكر الأحاديث، وهو يشرح حديث صحيح مسلم، قال: «فأهل السنة اتفقت كلمتهم قاطبة على إثبات حوض نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، وهو حوض عظيم ومورد كريم، طوله مسيرة شهر كعرضه، ماؤه أشد بياضًا من اللبن، وأحلى من العسل، وأطيب ريحًا من المسك، وآنيته عدد نجوم السماء، على ما صحت به الأخبار عن النبي المختار». وأنكرته طائفة من المبتدعة؛ لأنهم يكذبون بالأحاديث، ولأنهم يعتقدون قبل أن يستدلون، ويتبعون الأهواء. وأما أهل الاتباع، فهم يثبتون ما أثبتته أدلة الكتاب والسنة. فمن أدلة الكتاب في إثبات الحوض ما جاء في قول الله عز وجل: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾. وقد جاء عن ابن عباس أن الكوثر مأخوذ من الكثير، قال: الكثير من كل خير، يعني يسمى كوثرًا، قال: وفي مقدمة ذلك النهر الذي في الجنة -يعني الذي أعطي النبي صلى الله عليه وسلم إياه- فهو نهر من الجنة يرد ويسقي الحوض. وعن أنس رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لما عرج بي إلى السماء، قال: أتيت على نهر حافتاه قباب اللؤلؤ مجوفًا، فقلت: ما هذا يا جبريل؟ قال: هذا الكوثر». وقد صح في أحاديث أن الكوثر الذي أعطيه النبي عليه الصلاة والسلام هو معنى حوضه، وأنه هو الذي يغذى به الحوض. وهكذا جاء في الصحيحين من حديث أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن قدر حوضي كما بين أيلة وصنعاء اليمن، وإن فيه من الأباريق كعدد نجوم السماء». وبوّب له البخاري بابًا أو بابًا في الحوض. وهكذا جاء في الصحيحين من حديث جندب ذكر الحوض، وأن النبي صلى الله عليه وسلم فرطنا على الحوض -يعني يسبقنا إليه- وذكر كذلك أحاديث أخرى -أي البخاري- وكذلك مسلم في ذكر الحوض. وأشار الحافظ بن حجر إلى أن الأحاديث التي رويت في الحوض في الصحيحين نيف وعشرين حديثًا، بل ذكر بعض أهل العلم أنها بلغت حد التواتر -أي الأحاديث الصحيحة في الحوض-. فأشار السيوطي رحمه الله في كتابه «البدور السافرة في الأحاديث المتواترة» أنها وردت -أي أحاديث الحوض- عن بضع وخمسين صحابيًا، منهم الخلفاء الأربعة، بل أشار الحافظ بن حجر في «الفتح» إلى أنه روي عن أكثر من ثمانين صحابيًا. ومنها ما ذكره القاضي عياض في ذكر بعض صفته مما جاء من حديث عبد الله بن عمر، وهكذا كذلك من حديث أبي ذر وثوبان، وفيه ما سبق ذكره: آنيته عدد نجوم السماء، طوله شهر ومسيره شهر، وفي رواية عند الإسماعيلي: «وزواياه سواء». وهكذا فيه: «ريحه أطيب من المسك، ومن يشرب منه لا يظمأ بعده أبدًا». وهو في الصحيحين. وأكثر الفاضل في الصحيحين، وفي حديث أبي ذر وثوبان أنه «أحلى من العسل» مع ذكر بعض الذي سبق ذكره. وحوض نبينا صلى الله عليه وسلم لا يرده إلا من استقام على الإسلام الصحيح الحق، فإنه أخبر عليه الصلاة والسلام كما جاء عن عدد من الصحابة أن أناسًا يطردون من الحوض، منهم من يعرفهم بأشخاصهم، فيقول: «أصحابي أصحابي»، ومنهم من يعرفهم بأوصافهم أنهم من أهل الإسلام. حتى قال له الصحابة رضي الله تعالى عنهم: كيف تعرفهم يا رسول الله؟ قال: «أرأيتم لو أتيتم غيلًا به خيل محجلة فغرًا محجلة، أكان أحدكم يعرف خيله فيها؟» قالوا: نعم. قال: «وكذلك تأتي أمتي يوم القيامة غرًا محجلين من أثر الوضوء». فأهل الإسلام يأتون يوم القيامة وهم عليهم الغرة والتحجيل -وهو البياض في الوجه من أثر الوضوء، والبياض في اليدين والرجلين من أثر الوضوء- يعرفهم النبي عليه الصلاة والسلام بوصفهم. ومع ذلك أناس من أهل الإسلام ومن أهل الوضوء يناديهم النبي صلى الله عليه وسلم إلى الحوض، ومع ذلك تطردهم الملائكة، فيقول: «أمتي أمتي»، فتقول له الملائكة: إنك لا تدري، إنهم غيروا وبدلوا. فيقول النبي صلى الله عليه وسلم: «سحقًا سحقًا لمن غير وبدل». وحري بمن أنكر الحوض من العقلانية والمبتدع كالمعتزلة وغيرهم أن يحرموا الورود إليه، فهو من أعظم التغيير والتبديل أن ينكر المرء ما ثبت واستقر بدليل الكتاب والسنة، مما هو كرامة لنبيه ونبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فإن هؤلاء يخاف عليهم من مثل هذه الأحاديث أن يقال لهم: «سحقًا سحقًا لمن غير وبدل». نكتفي بهذا ونترك الباقي لدرس لاحق، والله أعلم.