الإيمان الأوسط 28

الإيمان الأوسط 28

الدرس في الإيمان الأوسط 28، الدرس الثامن والعشرون:(وذلك لأن الشيخ شهاب الدين لم يكن متمكناً من معرفة السنة ومتابعتها ... وبين لهم حكم الإحصار ولم يكن حينئذ قد وجب عليهم لا عمرة و لاحج ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

نقد معتقدات الملاحدة الصوفية ووحدة الوجود

يناقش المقطع معتقدات الملاحدة الصوفية ويرد عليها، ويبين انفصال الله عن المخلوقات واستواءه على عرشه مستدلاً بالكتاب والسنة. ينتقد كذلك مفهومهم للإيمان كمجرد معرفة وتصديق.

وفد عبد القيس وحديث ضمام بن ثعلبة وتفاصيل قدومهم

يتناول المقطع تفاصيل وفد عبد القيس وحديث ضمام بن ثعلبة مع النبي صلى الله عليه وسلم، مشيرًا إلى خلاف حول تاريخ قدومهم وسؤاله عن أركان الإسلام.

اختلاف الأحاديث في أركان الإسلام وتفسيره

يتناول المقطع اختلاف الأحاديث في ذكر أركان الإسلام ويُفسر ذلك بأن النبي كان يجيب بحسب السؤال والسياق، وأن بعض الرواة اختصر بعض الأحاديث.

تطور فرض الفرائض في الإسلام وتوقيتها

يتحدث المقطع عن تطور فرض الفرائض في الإسلام، بدءًا بالصلاة التي فرضت خمس مرات في المعراج، ثم شرع الأذان والزكاة وصوم رمضان والحج في أوقات مختلفة بعد الهجرة.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين. اشهدوا أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، واشهدوا أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال شيخ الإسلام ابن تيمية، رحمه الله تعالى: قال وذلك لأن الشيخ شهاب الدين لم يكن متمكنًا من معرفة السنة ومتابعتها وتحقيق ما جاءت به الرسل، كتمكن ابن عربي في طريقه التي سلكها وجمع فيها بين الفلسفة والتصوف. وكما قلنا، هذا سهر وردي آخر، فهما اثنان: أبو الفتوح وأبو حفظ. قال: وهؤلاء إنما يقطع دابرهم المباين بين الخالق والمخلوق، يعني أن يوضح ذلك ويجليه بأدلة الكتاب والسنة والحس والفطرة والعقل. قال: وإثبات تعينه منفصلًا عن المخلوق، ترفع إليه الأيدي بالدعاء، فليس هو مخالطًا لمخلوقاته، بل هو مستوٍ على عرشه جل وعلا في علوه، ليس كمثله شيء، وهو السميع البصير. قال: وإليه كان معراج خاتم الأنبياء، وقد ذكر السهر وردي في عقيدته المشهورة قوله: بلا إشارة ولا تعيين. وهذه هي التي استطال بها عليه هؤلاء، فإنه متى نفى الإشارة والتعيين لم يبق إلا العدم المحض والتعطيل والإلحاد والوحدة والحلول. قال: وابن سبعين وأمثاله من هؤلاء الملاحدة يقولون: هكذا لا إشارة ولا تعيين. وأدلة الكتاب والسنة دلت على إثبات الجهة، وهي جهة العلو، علو يليق بجلاله وعظمته. وقد صحت الإشارة إلى جهة العلو، فإن النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع رفع إصبعه إلى السماء ونكثها على الناس وقال: «اللهم فاشهد». قال: وابن سبعين وأمثاله من هؤلاء الملاحدة يقولون: هكذا لا إشارة ولا تعيين، بل عين ما ترى ذات لا ترى، وذات لا ترى عين ما ترى. فجعلوا المخلوق الخالق والخالق المخلوق، تعالى الله عن قولهم علوًا كبيرًا. ويقولون في أذكارهم: «ليس إلا الله» بدل قول المسلمين: «لا إله إلا الله»، يعني ليس في الوجود إلا الله، فكل ما في الوجود -تعالى الله عن قولهم- زعموا أنه هو الله. قال: لأن معتقدهم أنه وجود كل موجود، فلا موجود إلا هو. والمسلمون يعلمون أن الله خالق كل شيء وربه ومليكه، وأنه ليس هو المخلوقات ولا جزءًا منها ولا صفة لها، بل هو بائن عنها. ويقولون: إنه والإله الذي يستحق العبادة دون ما سواه من الموجودات، فلا إله إلا هو، كما قال تعالى: ﴿فلا تدعو مع الله إلها آخر فتكون من المعذبين﴾، وكما قال تعالى: ﴿أغير الله يتخذ وليًا فاطر السماوات والأعب الأرض... الآية﴾. وهؤلاء الملاحدة ما عندهم غير يمكن أن يعبد، ولا غير يمكن أن يتخذ وليًا ولا إلها، بل هو العابد والمعبود والمصلي والمصلى له، كما قال شاعرهم ابن الفارض في قصيدته «نظم السلوك»: ﴿لها صلوات بالمقام يقيمها وأشهد فيها أنها لي صلت﴾. كلان مصل واحد ساجد إلى حقيقته بالجمع في كل سجدة. ومعناه القول بوحدة الوجود، فهو المصلي والمصلى له، وهو الساجد والمسجود له. قال: إلى قوله: ﴿وما كان لي صلى سوايا ولم تكن صلاتي لغيري في أداء كل ركعة إلي رسولًا كنت مني مرسلا وذاتي بآياته علي استدلت﴾. وهذا قليل من كثير من كفريات هؤلاء الملاحدة. قال: وقوله: ﴿وما زلت وإياها وإيايا لم تزل ولا فرق ولا فرق بل ذاتي لذاتي أحبت﴾. فهؤلاء الجهمية من المتكلم والصوفية في قولهم: إن الإيمان هو مجرد المعرفة والتصديق، يقولون: المعروف هو الموجود الموصوف بالسلب والنفي، كقولهم: لا هو داخل العالم ولا خارجه، ولا مباين العالم ولا محاين -يعني لا مباين أي منفصل ومختلف عنه- ولا هو كذلك فيه. وهذا قول الأشاعرة ومن كان على طريقتهم. قال: ثم يعودون فيجعلونه حالًا في المخلوقات أو محلا لها أو هو عينها على الأقوال الثلاثة التي سبقت، أو يعطلونه بالكلية، فهم في هذا نظير المتفلسف المشائين الذين يجعلون كمال الإنسان بالعلم، والعلم الأعلى عندهم والفلسفة الأولى عندهم النظر في الوجود ولواحقه. ويجعلون واجب الوجود وجودًا مطلقًا بشرط الإطلاق. لكن أولئك يغيرون العبارات ويعبرون بالعبارات الإسلامية القرآنية عن الإلحادات الفلسفية واليونانية. وهذا كله قد قرر وبسط القول فيه في غير هذا الموضع، وقد سبقت الإشارة إلى هذا. فقول هؤلاء الملاحدة الباطنية مأخوذ من قول الملاحدة الفلاسفة اليونانية. قال: فصل، أول ما في الحديث سؤاله عن الإسلام، فأجابه بأن الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتصوم رمضان وتحج البيت. وهذه الخمسة المذكورة في حديث ابن عمر المتفق عليه: «بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصيام رمضان، وحج البيت من استطاع إليه سبيلًا». وهذا قاله النبي صلى الله عليه وسلم بعد أن فرض الله الحج، فلهذا ذكر الخمس. وأكثر الأحاديث لا يوجد فيها ذكر الحج، في حديث وفد عبد القيس: «آمركم بالإيمان بالله وحده، أتدرون ما الإيمان بالله وحده؟ شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصيام رمضان، وأن تعطوا من المغنم الخمس». وحديث وفد عبد القيس من أشهر الأحاديث وصححه. وفي بعض طرق البخاري لم يذكر الصيام، لكنه مذكور في كثير من طرقه، وفي مسلم، وهو أيضًا مذكور في حديث ابن سعيد الذي ذكر فيه قصة وفد عبد القيس، رواه مسلم بصحيحه عنه. واتفق على حديث ابن عباس، وفيه أنه أمرهم بإيتاء الخمس من المغنم، والخمس إنما فرض في غزوة بدر، وشهر رمضان فرض قبل ذلك. ومعناه أن عدم ذكر الحج لتأخر فرضيته، فقد فرض في السنة التاسعة. قال: وفد عبد القيس من خيار الوفد الذين وفدوا على النبي صلى الله عليه وسلم، وقدومهم على النبي صلى الله عليه وسلم كان قبل فرض الحج، وقد قيل: قدومهم سنة الوفود سنة تسع. والصواب أنهم قدوموا قبل ذلك، فإنهم قالوا: «إن بيننا وبين هذا الحي -وبينك هذا الحي- من كفار مضر»، يعنون أهل نجد، وإننا لا نصل إليك إلا في شهر حرام. وسنة تسع كانت العرب قد ذلت وتركت الحرب، وكانوا بين مسلم أو معاهد خائف. لما فتح الله مكة ثم هزموا هوازن يوم حنين، وإنما كانوا ينتظرون بإسلامهم فتح مكة. وقد بعث النبي صلى الله عليه وسلم أبا بكر رضي الله عنه أميرًا على الحج سنة تسع، وأردفه بعلي بن أبي طالب رضي الله عنه لتنفيذ العهود التي كانت بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين العرب. إلا أنه أجلهم أربعة أشهر من حين حجة أبي بكر، وكانت في ذي القعدة. وفي هذا الأخير خلاف: هل كانت في ذي الحجة أو في ذي القعدة؟ ولكن المقصود أن لحكم كثيرة لم يحج النبي صلى الله عليه وسلم في السنة التاسعة، وأرسل أبا بكر بالحج. قال: وقد قال تعالى: ﴿فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين﴾. وهذه الأربعة التي أجلوها: الأربعة الحرم، ولهذا غزا النبي صلى الله عليه وسلم النصارى بأرض الروم عام تبوك سنة تسع، قبل إرسال أبي بكر أميرًا على الموسم. وإنما أمكنه غزو النصارى لما اطمأن من جهة مشركي العرب، وعلم أنه لا خوف على الإسلام منهم. هذا كله استطراد لتأكيد أن وفد عبد القيس إنما كان قبل السنة التاسعة، يعني قبل فرض الحج؛ لأنهم ذكروا أنهم يخافون أهل نجد. وكونه عليه الصلاة والسلام خرج إلى تبوك في التاسعة، دل على أن هؤلاء كانوا قبل ذلك. قال: رحمه الله تعالى: «وعلم أنه لا خوف على الإسلام منهم، ولهذا لم يأذن لأحد ممن يصلح للقتال في التخلف، ولم يتخلف إلا منافق أو الثلاثة الذين تاب عليهم أو معذور -يعني ممن رخص له- فالمتخلفون ثلاثة أقسام». قال: «ولهذا لما استخلف عليًا على المدينة عامة، طعن المنافقون فيه لضعف هذا الاستخلاف، وقالوا: إنما خلفه لأنه يبغضه، فاتبعه علي ويبكي، فقال: «أتخلفني مع النساء والصبيان؟» فقال: «أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي؟». وكان قبل ذلك يستخلف على المدينة من يستخلفه، وفيها رجال من أهل القتال، وذلك لأنه لم يكن حينئذ بأرض العرب -لا بمكة ولا بنجد ونحوهما- من يقاتل أهل دار الإسلام: مكة والمدينة وغيرهما، ولا يخيفهم. ثم لما رجع من تبوك أقر أبا بكر على الموسم، يقيم الحج والصلاة ويأمر أن لا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان، وأتبعه بعلي لأجل نقض العهود، إذ كانت عادة العرب أن لا يقبلوا إلا من المطاع الكبير أو من رجل من أهله. فهو أراد أن يؤكد الأمر بإرسال علي رضي الله عنه، تأكيدًا لإمارة أبي بكر وما يدعو إليه أبو بكر. قال: والمقصود أن هذا يبين أن قدوم وفد عبد القيس كان قبل ذلك. وأما حديث ضمام فرواه مسلم في صحيحه عن أنس بن مالك: «نهينا أن نسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن شيء، فكان يعجبنا أن يجيء الرجل من أهل البادية العاقل يسأله ونحن نسمع، فجاء رجل من أهل البادية، فقال: يا محمد، أتانا رسولك فزعم أنك تزعم أن الله أرسلك. قال: صدق. قال: فمن خلق السماء؟ قال: الله. قال: فمن خلق الأرض؟ قال: الله. قال: فمن نصب هذه الجبال وجعل فيها ما جعل؟ قال: الله. قال: فبالذي خلق السماء وخلق الأرض ونصب الجبال، آه الله أرسلك؟ قال: نعم. قال: وزعم رسولك أن علينا خمس صلوات في يومنا وليلتنا. قال: صدق. قال: فبالذي أرسلك، آه الله أمرك بهذا؟ قال: نعم. قال: وزعم رسولك أن علينا زكاة في أموالنا. قال: صدق. قال: فبالذي أرسلك، آه الله أمرك بهذا؟ قال: نعم. قال: وزعم رسولك أن علينا صوم شهر رمضان في سنتنا. قال: صدق. قال: فبالذي أرسلك، الله أمرك بهذا؟ قال: نعم. قال: وزعم رسولك أن علينا حج البيت من استطاع إليه سبيلًا. قال: صدق. ثم ولّى الرجل وقال: والذي بعث بالحق لا أزيد عليهن ولا أنقص منهن. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لئن صدق ليدخلن الجنة». قال: وعن أنس قال: بينما نحن جلوس مع النبي صلى الله عليه وسلم في المسجد، دخل رجل على جمل، فأناخه في المسجد ثم عقله، ثم قال لهم: أيكم محمد؟ والنبي صلى الله عليه وسلم متكئ بين ظهرانيهم. وفيه دليل على تواضع عليه الصلاة والسلام وعدم تميزه باللباس عن الصحابة. وهكذا أيضًا فيه دليل أنه لا يلزم حامل العلم أن يتميز بلباس عن غيره، ما دام أنه لباس لا ينقص من منزلة حامل العلم. قال: فقلنا: هذا الرجل الأبيض المتكئ. فقال له الرجل: ابن عبد المطلب؟ فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «قد أجبتك». فقال الرجل للنبي صلى الله عليه وسلم: إنني سائلك فمشدد عليك في المسألة، فلا تجد علي في نفسك. فقال: «سل عما بدا لك». فقال: أسألك بربك وربي من قبلك، آه الله أرسلك إلى الناس كلهم؟ فقال: «اللهم نعم». وذكر أنه سأله عن الصلاة والزكاة ولم يذكر الصيام والحج. فقال الرجل: آمنت بما جئت به، وأنا رسول من ورائي من قومي، وأنا ضمام بن ثعلبة أخو بني سعد بن بكر. هذان الطريقان في الصحيحين، لكن البخاري لم يذكر في الأول الحج، بل ذكر الصيام، والسياق الأول أتم. والناس يجعلون الحديثين حديثًا واحدًا. ويشبه -والله أعلم- أن يكون البخاري رأى أن ذكر الحج فيه وهما؛ لأن سعد بن بكر هم من هوازن، وهم أصهار رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهوازن كانت معهم وقعة حنين بعد فتح مكة، فأسلموا كلهم بعد الوقعة. ودفع إليهم النبي صلى الله عليه وسلم النساء والصبيان بعد أن قسمها على المعسكر، واستطاب أنفسهم في ذلك، فلا تكون هذه الزيارة إلا قبل فتح مكة، والحج لم يكن فرضًا إذ ذاك. وحديث طلحة بن عبيد الله ليس فيه إلا الصلاة والزكاة والصيام. وقد قيل: إنه حديث ضمام، وهو في الصحيحين عن طلحة بن عبيد الله قال: «جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم من أهل نجد، ثائر الرأس، نسمع دوية صوته، ولنفقه ما يقول، حتى دنا من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإذا هو يسأل عن الإسلام. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: خمس صلوات في اليوم والليلة. قال: هل علي غير ذلك؟ قال: «إلا أن تطوع». قال: وذكر له رسول الله صلى الله عليه وسلم الزكاة. قال: هل علي غيرها؟ قال: «لا إلا أن تطوع». فقال الرجل: والله لا أزيد على هذا ولا أنقص منه. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أفلح إن صدق». وليس في شيء من طرقه ذكر الحج، بل فيه ذكر الصلاة والزكاة والصيام، كما في حديث وفد عبد القيس. وفي الصحيحين أيضًا عن أبي هريرة: «أن أعرابيًا جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله، دلني على عمل إذا عملته دخلت الجنة. فقال: تعبد الله لا تشرك به شيئًا، وتقيم الصلاة المكتوبة، وتؤدي الزكاة المفروضة، وتصوم رمضان. قال: والذي نفسي بيده لا أزيد على هذا شيئًا أبدًا، ولا أنقص منه. فلما ولّى، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من سره أن ينظر إلى رجل من أهل الجنة فلينظر إلى هذا». وهذا يحتمل أن يكون ضمامًا. وقد جاء في بعض الأحاديث ذكر الصلاة والزكاة فقط، كما في الصحيحين عن أبي أيوب الأنصاري: «أن أعرابيًا عرض لرسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في سفر، فأخذ بخطام ناقته -أو بزمامها- ثم قال: يا رسول الله -أو يا محمد- أخبرني بما يقربني من الجنة ويباعدني من النار. قال: فكف رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم نظر في أصحابه، ثم قال: «لقد وفق -أو لقد هدي-» -يعني لحسن السؤال- ثم قال: «كيف قلت؟» قال: فأعاد. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «تعبد الله ولا تشرك به شيئًا، وتقيم الصلاة، وتؤدي الزكاة، وتَصِل الرحم». فلما أدبر، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن تمسك بما أمر به دخل الجنة». هذه الألفاظ في مسلم. وقد جاء ذكر الصلاة والصيام في حديث النعمان بن قوقل، رواه مسلم عن جابر بن عبد الله قال: «سأل رجل النبي صلى الله عليه وسلم، قال: رأيت إذا صليت المكتوبات، وصمت رمضان، وأحللت الحلال، وحرمت الحرام، ولم أزد على ذلك شيئًا، أدخل الجنة؟ قال: «نعم». قال: «والله لا أزيد على ذلك شيئًا». وفي لفظ: «أتي النبي صلى الله عليه وسلم النعمان بن قوقل». وحديث النعمان هذا قديم، فإن النعمان بن قوقل قتل قبل فتح مكة، قتله بعض بني سعيد بن العاص، كما ثبت ذلك بالصحيح. فهذه الأحاديث خرجت جوابًا لسؤال سائلين. أما حديث ابن عمر، فإنهم ابتدأوا أحاديث الدعوة والقتال، فيها الصلاة والزكاة، كما في الصحيحين عن عبد الله بن عمر: استطرد شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى. وهذا كما تقدم معنا كثيرًا ما يصنعه حبًا منه رحمه الله للعلم وإفادة وتحقيقًا وزيادة في الإيضاح، فقد يخرج ذلك القارئ والسامع عن أصل المسألة، ولكن من عرف منهج شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله وطريقته، عرف أن هذه كالجمل المعترضة التي فيها إيضاح لمسائل تمر به، من حبه للعلم وحرصه على الأمانة فيه والإفادة. يستطرد ويذكر ما فتح الله عز وجل عليه به. وذكر هذا -كما ترون- يريد أن يشير رحمه الله تعالى أولًا إلى أن عدم ذكر الحج في حديث وفد عبد القيس إنما كان لأن وفد عبد القيس كان أمرهم ووفادتهم قبل فرض الحج. ثم استطرد فذكر بالمناسبة قصة ضمام بن ثعلبة وما شابه من الأحاديث المروية في هذا الباب، وأفاد أن ذكر الحج في بعض الروايات يحمل على أحد أمرين: إما أنها قصة أخرى وقعت بعد فرض الحج، فلا ينافي ذلك قصة وفد عبد القيس. وإما أن يحمل ذلك على أنه خطأ وقع في بعض الروايات. إن فرد بها مسلم، وبه يعلم شفوف الإمام البخاري رحمه الله وإمامته في هذا الفن. وهذا كثير، حيث نجد أن الإمام مسلمًا رحمه الله يتفرد ببعض الألفاظ لا يذكرها الإمام البخاري رحمه الله، والحديث واحد. قال: رحمه الله تعالى: قال -كما في الصحيحين- عن عبد الله بن عمر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام، وحسابهم على الله». وقد أخرجاه بالصحيحين من حديث أبي هريرة، رواه مسلم عن جابر قال: قال: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها». فقال أبو بكر: «والله لو قاتلنا من فرق بين الصلاة والزكاة، فإن الزكاة حق المال». فكان من فقه أبي بكر أنه فهم من ذلك الحديث المختصر أن القتال على الزكاة قتال على حق المال. وقد بيّن النبي صلى الله عليه وسلم مراده بذلك في اللفظ المبسوط الذي رواه ابن عمر. والقرآن صريح في موافقة حديث ابن عمر، كما قال تعالى: ﴿فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم﴾. فمفهوم الآية أن من لم يفعل ذلك فإنه لا يخل سبيله -أن يقاتل-. قال: وحديث معاذ لما بعثه إلى اليمن لم يذكر فيه النبي صلى الله عليه وسلم إلا الصلاة والزكاة. فلما كان في بعض الأحاديث ذكر بعض الأركان دون بعض، أشكل ذلك على بعض الناس. فأجاب بعض الناس بأن سبب هذا أن الرواة اختصروا بعضهم الحديث الذي رواه، وليس الأمر كذلك، فإن هذا طعن في الرواة ونسبة لهم إلى الكذب، إذ هذا الذي ذكره إنما يقع في الحديث الواحد، مثل حديث وفد عبد القيس حيث ذكر بعضهم الصيام وبعضهم لم يذكره. وحديث ضمام حيث ذكر بعضهم الخمس وبعضهم لم يذكره، وحديث النعمان بن قوقل حيث ذكر بعضهم فيه الصيام وبعضهم لم يذكره. فبهذا يعلم أن أحد الروايين اختصر البعض أو غلط في الزيادة. أما الحديثان المنفصلان فليس الأمر فيهما كذلك، لا سيما والأحاديث قد تواثرت بكون الأجوبة كانت مختلفة. وفيهما ما يبين قطعًا أن النبي صلى الله عليه وسلم تكلم بهذا تارة وبهذا تارة. والقرآن يصدق ذلك، فإن الله علق الأخوة الإيمانية في بعض الآيات بالصلاة والزكاة فقط، كما في قوله تعالى: ﴿فإن تابوا وقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فإخوانكم في الدين﴾. كما أنه علق ترك القتال على ذلك في قوله تعالى: ﴿فإن تابوا وقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم﴾. وقد تقدم موافقًا لهذه الآية: «أمرت أن أقاتل الناس» وذكر فيه الصلاة والزكاة. قال: وأيضًا فإن في حديث وفد عبد القيس ذكر خمس المغنم؛ لأنهم كانوا طائفة ممتنعة يقاتلون. ومثل هذا لا يذكر جواب سؤال سائل بما يجب عليه بحق نفسه، ولكن عن هذا جوابان. أحدهما أن النبي صلى الله عليه وسلم أجاب بحسب نزول الفرائض. وأول ما فرض الله الشهادتين، ثم الصلاة، فإنه أمر بالصلاة بأول أوقات الوحي. بل قد ثبت في الصحيح أن أول ما أنزل عليه: ﴿اقرأ باسم ربك الذي خلق﴾ إلى قوله: ﴿علم الإنسان ما لم يعلم﴾. ثم أنزل عليه بعد ذلك: ﴿يا أيها المدثر قم فأنذر﴾، فهذا الخطاب إرسال له إلى الناس، والإرسال بعد الإنباء، فإن الخطاب الأول ليس فيه إرسال. وآخر سورة اقرأ: ﴿أسجد واقترب﴾، فأول السورة أمر بالقراءة، وآخرها أمر بالسجود. والصلاة مؤلفة من أقوال وأفعال، فأفضل أقوالها القراءة، وأفضل أعمالها السجود. والقراءة أول أقوالها المقصودة، وما بعده تبع لها. ومعناه يريد أن يبين أن الصلاة فرضت مبكرة في أول ما فرض على النبي عليه الصلاة والسلام في مكة. ويؤيده ما روي في هذا الباب من أحاديث، قالوا: قد روي أن الصلاة أول ما فرضت كانت ركعتين بالغداء وركعتين بالعشي، ثم فرضت الخمس ليلة المعراج، وكانت ركعتين ركعتين، فلما هاجروا قرت صلاة السفر، وزيد في صلاة الحضر. وكانت الصلاة تكمل شيئًا بعد شيء، فكانوا أولًا يتكلمون في الصلاة ولم يكن فيها تشهد، ثم أمروا بتشهد، وحرم عليهم الكلام. والأحاديث في هذا كثيرة. وقد أشار في التعليق إلى بعض هذه الأحاديث، فقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم ذلك. أي أنه أمرهم في أول الإسلام بركعتين في أول النهار وركعتين في آخره، وأنها فرضت خمس صلوات في المعراج، وكذلك أنها أقرت في السفر وزيدت في الحضر، كما جاء في حديث عائشة وغيرها. وقد أشار إلى معنى ذلك في التعليق. قال: رحمه الله تعالى: «وكلها أحاديث صحيحة صحت عن النبي صلى الله عليه وسلم من أوجه». قال: رحمه الله تعالى: «وكذلك لم يكن بمكة لهم أذان، وإنما شرع الأذان بالمدينة بعد الهجرة، ويدل عليه أحاديث فرضية الأذان كما هو معلوم، فإنها كانت في المدينة في رؤية عمر وغيره من الصحابة». قال: «وكذلك صلاة الجمعة والعيد والكسوف والاستسقاء وقيام رمضان وغير ذلك، إنما شرع بالمدينة بعد الهجرة، وأمروا بالزكاة والإحسان في مكة أيضًا، ولكن فرائض الزكاة ونصبها إنما شرعت في المدينة، فكانت الزكاة على غير تقدير معين، كما قال الله عز وجل: ﴿وآتوا حقه يوم حصاده﴾. فهذا من الزكاة، لكنه كان مجملًا، ولم يكن مفصلًا على ما جاء ذكره في الأحاديث التي ذكرت بعد الهجرة في المدينة». قال: «وأما صوم شهر رمضان فهو إنما فرض في السنة الثانية من الهجرة، وأدرك النبي صلى الله عليه وسلم تسع رمضانات». قال: «وأما الحج فقد تنازع الناس في وجوبه، فقال الطائفة: فرض سنة ست من الهجرة، عام الحديبية باتفاق الناس. قالوا: وهذه الآية تدل على وجوب الحج ووجوب العمرة أيضًا؛ لأن الأمر بالإتمام يتضمن الأمر بابتداء الفعل وإتمامه. وقال الأكثرون: إنما وجب الحج متأخرًا، قيل: سنة تسع، وقيل: سنة عشر. وهذا هو الصحيح؛ فإن آية الإيجاب إنما هي قوله تعالى: ﴿ولله على الناس حج البيت﴾. وهذه الآية في آل عمران، في سياق مخاطبته لأهل الكتاب. وصدر آل عمران وما فيها من مخاطبة أهل الكتاب نزل لما قدم على النبي صلى الله عليه وسلم وفد نجران النصارى، وناظروه في أمر المسيح، وهم أول من أدى الجزية من أهل الكتاب، وكان ذلك بعد إنزال سورة براءة التي شرع فيها الجزية. وأمر فيها بقتال أهل الكتاب حتى يُعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون. وهذا الذي ذكره رحمه الله هو الذي حققه في مواضع من كتبه، وهو الذي تدل عليه أدلة الكتاب والسنة على هذا التدريج في فرض الفرائض. قال: «وغزا النبي صلى الله عليه وسلم غزوة تبوك التي غزا فيها النصارى لما أمر الله بذلك في قوله: ﴿قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون﴾. ولهذا لم يذكر وجوب الحج في عامة الأحاديث، وإنما جاء في الأحاديث المتأخرة -يعني مما يؤكد أنه إنما فرض في السنة التاسعة- قال: وقد قدم على النبي صلى الله عليه وسلم وفد عبد القيس، وكان قدومهم قبل فتح مكة على الصحيح كما بيناه. وقالوا: «يا رسول الله، إن بيننا وبين هذا الحي -وبينك هذا الحي- من كفار مضر»، يعنون بذلك أهل نجد من تميم وأزد وغطفان؛ لأنهم بين البحرين وبين المدينة، وعبد القيس هم من ربيعة ليسوا من مضر. ولما فتحت مكة زال هذا الخوف، ولما قدم عليه وفد عبد القيس أمرهم بالصلاة والزكاة وصيام رمضان وخمس المغنم، ولم يأمرهم بالحج. وحديث الضمام قد تقدم أن البخاري لم يذكر فيه الحج، كما لم يذكره في حديث طلحة وأبي هريرة وغيرهم. ومع قولهم: إن هذه الأحاديث هي في قصة ضمام، وهذا ممكن. مع أن تاريخ قدوم ضمام هذا ليس متيقنًا، فيحتمل أن تكون قصة أخرى، ويحتمل أن تكون قصة واحدة. وكما نرى شيخ الإسلام يميل إلى أن ذلك مما أخذ على ما في الصحيح مسلم، فما في البخاري أصح من عدم ذكر الحج، وهذا أقرب. قالوا: أما قوله: ﴿وأتموا الحج والعمرة لله﴾ فليس في هذه الآية إلا الأمر بإتمام ذلك، وذلك يوجب إتمام ذلك على من دخل فيه، فنزل الأمر بذلك لما أحرموا بالعمرة عام الحديبية، ثم أحصروا، فأمروا بالإتمام، وبين لهم حكم الإحصار. ولم يكن حينئذ قد وجب عليهم لا عمرة ولا حج، فعلم أن هذا حكم ليس فيه الوجوب، بل من دخل في العمرة -وهي مستحبة- فوجب عليه الإتمام. ووجوب الإتمام لا يعني فرضية هذه العبادة -لا يعني فرضية هذه العبادة-. طيب نقف إلى هنا ونترك الباقي إن شاء الله في درس لاحق، والله تعالى أعلم.