الدرس في بواعث الخلاص من الذنوب 2، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يتناول المقطع منزلة محبة الله تعالى وضرورة ارتقاء العبد من منزلة المحب إلى المحبوب، مستدلاً بقول الإمام ابن القيم رحمه الله. يشرح أن محبة الله ليست كافية، بل يجب أن يحب العبد الله حتى يحبه الله.
ذكر الله سبحانه وتعالى والتوبة إليه والقرب إليه بالنوافل بعد الفرائض هي من أسباب جلب محبة الله. كما أن تدبر القرآن وتكرار الآيات التي تلامس القلب يمكن أن يجلب محبة الله سبحانه وتعالى.
يتحدث المقطع عن أهمية البعد عن كل ما يسبب البغضة والغضب ويوجب الحول دون محبة الله، ويشير إلى أن اتباع الرسول صلى الله عليه وسلم هو دليل صدق المحبة لله عز وجل. يستدل على ذلك بالآية الكريمة التي تبين أن اتباع الرسول يؤدي إلى محبة الله ومغفرة الذنوب.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى: الثاني مشهد محبته سبحانه، فيترك معصيته محبة له، فإن المحب لمن يحب مطيع. وأفضل الترك ترك المحبين، كما أن أفضل الطاعة طاعة المحبين، فبين ترك المحب وطاعته، وترك من يخاف العذاب وطاعته بون بعيد. هذه هي المنزلة الثانية من منازل الصابرين وذخيرة الشاكرين فيمن يطلبون مرضات رب العالمين بتقوية باعث الدين والخلوص من آثار وأحوال المسيئين. وهذا المشهد كما ذكر رحمه الله مشهد محبته سبحانه وتعالى، ليس الشأن كل الشأن أن تحب الله، ولكن الشأن كل الشأن أن يحبك الله. فإن برهان صدق محبتك لله أن يرقيك ربك سبحانه وتعالى من محب إلى محبوب، أن ترتقي من منزلة المحبين إلى مرتبة ومنزلة المحبوبين. وهذه هي المنزلة العلية والدرجة الرفيعة. ولهذا وصف الله عز وجل الخلص من عباده بقوله: ﴿يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾، لا يكفي أن تحب الله، ولكن ينبغي أن ترتقي بنفسك حتى يحبك الله سبحانه وتعالى. وهنا يأتي هذا السؤال العظيم وهذا الامتحان الكبير: كيف يرتقي العبد من منزلة المحب إلى منزلة المحبوب؟ وهذا امتحان صعب ومرتقى كبير لا يصل إليه إلا الخلص من عباد الله سبحانه وتعالى. ذكر الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى في بعض كتبه عشرة أسباب جالبة لمحبة الله سبحانه وتعالى ومرقية للعبد من منزلة المحب إلى مرتبة ومنزلة المحبوب. أول هذه الأسباب: مطالعة القلب والجوارح لمعاني ربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته، فتقلبه هذه المعرفة في رياض هذه المعاني الجليلة. فما دام هو في هذه المطالعة مستمرًا وفي هذه المعرفة مداومًا، فهو يرتقي بقلبه وبجوارحه إلى عظمة معاني ربوبية الله وألوهيته وعظيم معاني أسماء الله سبحانه وتعالى وصفاته. فإذا انقدح هذا في القلب وصدقته الجوارح، صار هذا المحب مرتقيًا بنفسه إلى أن يصل إلى درجة المحبوب. وعند ذلك تظهر ما بعدها من آثار التي هي ثمار لهذه المعرفة والحقيقة. ومن هذه الآثار: ثاني هذه الأسباب الجالبة لمحبة الله سبحانه وتعالى، وذلك قراءة القرآن وتدبره. فإن من أحب الله وعرف عظمته في معاني ربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته، تعلق قلبه بمحبوبه، وعند ذلك تلذذ بقراءة كلامه وتدبر معاني قرآنه. وعند ذلك يحصل له من المحبة ما يجعله محبوبًا عند ربه وخالقه. أليس رجل من الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم استجلب حب الله بحبه لسورة واحدة وهي سورة الإخلاص، كما في صحيح البخاري في ذلك من رجل الذي كان يقرأها في كل ركعة، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يسألوه، فقال: «إني أجد فيها صفة الرحمن وأنا أحب أن أقرأها»، فماذا قال النبي صلى الله عليه وسلم؟ قال: «أخبروه أن الله يحبه». أحبه الله بسورة واحدة، أحب الله عز وجل بها وتعبده بتلاوتها في كل ركعة من ركعات صلواته، فكانت سببًا في حب الله سبحانه وتعالى. أليس حريًا بمن يتدبر كلام الله يتلوه آناء الليل وطراف النهار أن يستجلب حب ربه وخالقه؟ الجواب: بلى. قال الحسن بن أبي الحسن البصري: «إن من كان قبلكم رأوا القرآن رسائل من ربهم المحبوب، وكانوا يتدبرونها بالليل ويتفقدونها في النهار، فاستجلبوا حب الله سبحانه وتعالى». أو كما قال. وهكذا صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه استحب آية أن يقوم بها في ليلة بأكملها، وهي قول سبحانه وتعالى: ﴿إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾، وهو رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر. وهكذا عائشة رضي الله عنها وأرضاها باتت ليلة تصلي وتردد آية: ﴿فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ﴾، الآية السابعة والعشرين من سورة الطور، آية واحدة جلبت حبها، فجلب حب الله سبحانه وتعالى. هذه أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها وأرضاها. وصح عن تميم الداري رضي الله عنه وأرضاه أنه قام في ليلة بآية، فما استطاع أن يجاوزها لعظم ما وجد فيها من معاني تدبر أوقفته واستوقفته عندها، وهي قول الله عز وجل في سورة الجاثية: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَن نَّجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَّحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾، جعل يرددها سائر ليلته، رضي الله عنه وأرضاه. والثالث من أسباب جلب محبة الله سبحانه وتعالى والارتقاء بالعبد من درجة المحب إلى المحبوب: مداومة ذكره سبحانه وتعالى بالقلب واللسان والجوارح عملًا وحالًا. أليس الله عز وجل يقول: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾، فذكر الله سبب لذكرك عند الله سبحانه وتعالى. و«صح عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما جاء عند ابن ماجه وغيره بإسناد صحيح: أنا مع عبدي ما ذكرني وتحركت بي شفتاه». وصح عن أبي الدرداء رضي الله عنه وأرضاه أنه ذكر له في رجل أعتق مئة نفس، فقال: «إنه لمال الكثير، ولكن أفضل منه إيمان ملزوم بالليل والنهار، وأن لا يزال لسان أحدكم رطبًا من ذكر الله سبحانه وتعالى». انظر كيف جعل أبو الدرداء ذكر الله مع ملازمة الإيمان بالليل والنهار أعظم وأفضل عند الله من عتق مئة نفس. كيف لا وذكر الله سبحانه وتعالى هي الصلة والشاهد لمحبة الله سبحانه وتعالى. ولذكر الله عز وجل: أليس إذا أحببت شخصًا لم يفارق حبه قلبك ولسانك ونظرك؟ فكيف بالله الذي هو أحق من ينبغي أن يحب؟ ولهذا جاء في تفسير المحبة: أنه الميل الدائم بالقلب الهائم. إذا كان القلب هائمًا في محبة شخص، فإنه لا يزال دائمًا في ذكره، وهذا هو برهان محبة الله سبحانه وتعالى. وهكذا رابع هذه الأسباب الجالبة لمحبة الله والمرقية للعبد من مرتبة المحب إلى المحبوب: التوبة إلى الله سبحانه وتعالى، التوبة إلى الله عز وجل والإنابة إليه والرجوع والافتقار إليه والانكسار بالقلب والجوارح بين يديه. وهذا حقيقته أمر عظيم لا تغطيه العبارات ولا ترسمه الأسماء، ولكنه شيء يقر في القلب وتبرهن وتصدقه الجوارح. فمن انكسر بين يدي الله عز وجل الانكسار الحقيقي في أوقات الخلوات ومواضع إجابة الدعوات، استجلب ذلك حب الله سبحانه وتعالى. أليس النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «أقرب ما يكون العبد من الله وهو ساجد»؟ وقال عليه الصلاة والسلام: «فقمن أن يستجاب لكم»، أي حري أن يستجاب للعبد متى؟ في وقت الانكسار الحسي في سجوده، والانكسار المعنوي بدعائه. فإذا اجتمع الانكسار الحسي بالجسد والانكسار المعنوي بالقلب واللسان، فإن ذلك أحرى ما يكون العبد من ربه وخالقه سبحانه وتعالى. وعند ذلك يكون هذا من أعظم الأسباب الجالبة لمحبة الله سبحانه وتعالى ولذة التعبد بذكره جل وعلا. ومن هذه الأسباب: القرب إلى الله عز وجل بالنوافل بعد الفرائض، كما صح في الحديث القدسي: «ما تقرب إلي عبد بأفضل مما افترضت عليه، ولا يزال العبد يتقرب إلي بالنوافل». ومعناه: أن التقرب إلى الله بالفرائض وإتباعها بنوافلها سبب لقرب الله عز وجل ومحبته. فاجعل لك لكل فريضة نافلة، ولكل نافلة نافلة، فلا تزال تلك النوافل بعد النوافل بعد أداء الفرائض سببًا لقرب الله سبحانه وتعالى ومحبته وقربك من الله سبحانه وتعالى ومحبته، فترتقي بنفسك من مرتبة المحب إلى مرتبة المحبوب بإذن الله سبحانه وتعالى. أفرأيت لو أنك بعيد من أمر حسي فاقتربت منه، قربك يورث من الوئام، وكذلك الالتحام ما يكون سببًا في حصول الأنس، فكيف بالله العظيم الكريم الرحيم العليم سبحانه وتعالى؟ ولذلك قيل في هذا المعنى في تفسير المحبة: إيثار المحبوب على جميع المصحوب. إيثار المحبوب على جميع المصحوب، فإذا آثرت المحبوب عن كل مصحوب، فإنك آثرت طاعته عن طاعة غيره، وقربه عن قرب غيره. وقيل: موافقة الحبيب في المشهد والمغيب. موافقة الحبيب في المشهد والمغيب، هذه المحبة. فأنت كما أنك تحرص على الطاعات، فأنت كذلك حريص على أن لا تقع في شيء من السيئات والخطيئات. والخامس من هذه الأسباب الجالبة لمحبة الله: إيثار محابه على محاب النفس الأمارة بالسوء والهوى، وإن صعب المرتقى. أن تؤثر محاب الله عن محاب غيره، فإنك ولو أمرتك النفس الأمارة بالسوء واستثقلتك، فإنك لا تزال تجاهد حتى تؤثر محاب الله عن محاب النفس الأمارة بالسوء والهوى، فضلًا عما يأمر به الشيطان. فإنك إذا فعلت بذلك حصل لك من الأنس بالله ما تتحقق به معاني المحبة العظيمة. ولذلك قيل في معنى المحبة: «كذلك المحب عبد ذاهب عن نفسه، متصل بذكر ربه، قائم بأداء حقوقه، مائل إلى الله بقلبه، فيأتمر بأمر الله ويسير بنور الله». وكذلك رهبته ورغبته بالله سبحانه وتعالى. إن نطق نطق عن الله، وإن تحرك فبأمر الله، وإن سكت فمع الله. ومن كان هذا حاله فقد حقق معنى هذه المحبة التي يحصل فيها إيثار محابه عما سواه. والسادس من هذه الأسباب الجالبة: مشاهدة بره وإحسانه ونعمه الظاهرة والباطنة. فمن شاهد آثار إحسان الله ونعمه الظاهرة والباطنة استوجب له شكره بالقلب واللسان والجوارح. هذا الشكر المستوجب لمحبة الله، كما قال الله عز وجل مبينًا هذا المعنى: ﴿وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ﴾، وضده: لو كان شاكرًا لكان مستوجبًا لرحمة الله ونعمته. ولهذا قال في الآيات الأخرى: ﴿وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾، فكيف إذا شكر؟ كما قال سبحانه: ﴿وَلَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾. وسابع هذه الأسباب الجالبة لمحبة الله سبحانه وتعالى: التأدب بأدب العبودية والخلوة بالمحبوب في مواضع الخلوات ومواضع إجابة الدعوات، عند تلاوة القرآن وعند الدعاء والذكر، علمية كانت أو عملية. فمن تأدب بآداب العبودية وجد آثار هذه العبادة وهذا التعبد في نفسه وفي أثر حب الله عز وجل له. فإن الله عز وجل يؤويك وينجيك وينصرك، كما قال سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾. ولهذا عبر بعضهم عن هذا التأدب بأنه حقيقة تقوى الله سبحانه وتعالى. فمن حقق تقوى الله استوجب محبة الله. من حقق تقوى الله استوجب محبة الله سبحانه وتعالى. وثامنها: مجالسة المحبين الصادقين وتتبع أطايب ما عندهم، كما يتتبع أطايب الثمر من الشجر. أليس إذا وقفت عند شجرة مثمرة وأردت أن تنتقي منها أطيب ثمرها تنتقيه انتقاء ولا تأخذه عشواء؟ فكذلك تنتقي في مجالستك للصالحين والصادقين والمحبين لله رب العالمين، فتنتقي من أقوالهم وأفعالهم وحسن تعبدهم لربهم وخالقهم ما يعينك على إصلاح نفسك وإصلاح حالك. ومن باب أولى: تاسعها مجالسة والأنس بأخبار الأنبياء والمرسلين والصديقين والشهداء والصالحين. فإن أخبارهم فيها العظات والعبر، وفيها ما هو مدكر وسبب لإصلاح حالك، الرقي به من مرتبة المحب إلى مرتبة المحبوب. وعاشرها وآخرها: البعد عن كل سبب يوجب بغضة وغضبًا ودواعي الحول دون محبته سبحانه وتعالى. فإنك إن فعلت ذلك حققت صدق محبتك لله عز وجل. والأمر كما قال الله: ﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾. وبهذا القدر نكتفي وإلى هنا، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.