كتاب الطهارة 17

كتاب الطهارة 17

الدرس في كتاب الطهارة 17، الدرس السابع عشر:فيه( ما يؤخذ من الحديث ... فالرخصة باتخاذها قرينة تقود إلى تخصيص التسبيع بغيرها ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

فقه نجاسة الكلب وتأثير ولوغه على الإناء

يتناول آراء الفقهاء حول نجاسة الكلب وآثار ولوغه في الإناء، مع التركيز على وجوب غسل الإناء سبع مرات إحداها بالتراب. يُظهر اختلاف العلماء في هذه المسألة.

تفسير حديث غسل الإناء وكيفيته

يناقش كيفية غسل الإناء الذي ولغ فيه الكلب، ويشرح استخدام التراب مرة واحدة مع الغسل بالماء سبع مرات، مع توضيح آراء العلماء حول ترتيب استخدام التراب والماء.

تعميم حكم التطهير على جميع الكلاب

يتناول حكم تطهير الإناء من لعاب الكلب، ويؤكد أن غسل الإناء سبع مرات مع استخدام التراب هو أمر تعبدي يعم جميع الكلاب، مع الإشارة إلى ما يدعمه من اكتشافات طبية حديثة.

حكم غسل الثوب الملوث بلعاب الكلب

يتناول حكم غسل الثوب إذا لعقه الكلب، ويبين أنه لا يلزم غسله سبع مرات إلا إذا كان مما يصلح للمص، ويعبر عن عدم الجزم في المسألة.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، قال الشارح رحمه الله تعالى: ما يؤخذ من الحديث أولًا: التغليظ في نجاسة الكلب لشدة قدرته، ولذا فإنه ينجس وإن لم تظهر فيه آثار النجاسة، وتفسيره يأتي قريبًا إن شاء الله. ومسألة نجاسة الكلب اختلف فيها أهل العلم، فجمهور أهل العلم على نجاسته مطلقًا، وذهب جماعة إلى عدم نجاسته مطلقًا كالمالكية، ويروى عن الإمام مالك رحمه الله تعالى، وحملوا ما ورد في هذا الحديث على التعبد. ومنهم من فصل، ويحكى عن جماعة، ورواية عن إمام أحمد رحمه الله: من أنه أي ريق الكلب نجس، وكل رطب في جسمه نجس، وأن جلده وشعره ليس بنجس. وذهب إلى هذا شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، وحكاه رواية عن إمام أحمد، وروي عن جماعة من أهل العلم. وهذا القول هو من جهة دلالة الدليل قد يكون معقولًا وقريبًا لموافقة النص؛ لأنه ليس هناك نص صحيح صريح يدل على نجاسة الكلب مطلقًا، لا يوجد نص صحيح صريح يدل على ذلك، وإنما قاس العلماء ذلك قياسًا. ولا شك أن القياس بنجاسة الريق على القول بنجاسته على سائر الجسد هذا ليس من القياس الأولوي، إما أن يكون من المساوي وهو ضعيف، وإما أن يكون من الأدنوي، وهذا هو الظاهر. والقياس الأدنوي من أضعف أنواع الأقيسة؛ لأن الريق أغلظ من الجلد، والريق رطب والجلد جاف، فالاستدلال بنجاسة الريق على نجاسة سائر الجسد هذا فيه شيء من الخفاء وعدم الظهور، والدليل لا يساعد في الدلالة على ذلك. فالحاصل: سواء قلنا بعدم نجاسة مطلقًا، أو قلنا بنجاسة ريقه وكل رطب فيه، فالمقصود اجتناب ما يلعق فيه الكلب من السائلات ونحوها. ونرى أن الحكم فيه شبيه بالتعبد لكون النبي عليه الصلاة والسلام أمر بغسله سبع مرات، وهكذا كذلك تعفيره في أحدها بالتراب. وسيأتي معنا إن شاء الله قريبًا ما يدل على الحكمة من ذلك، مع أن الإنسان قد لا يصل إلى الحكمة من أول وهلة، لكن ينبغي عليه أن يمتثل معلمًا من شرع الله عز وجل. قال ثانيًا: أن ولوغ الكلب في إناء، ومثله الأكل، ينجس الإناء وينجس ما فضل منه، وهذا على قول الجمهور، وعلى قول من قال بنجاسة ريقه فإن الماء ينجس. وعلى قول المالكية وما ذهب إليه جماعة من أهل العلم، وهو الأقرب: يكون ليس بنجس؛ لأنه لم يرد ما يدل على نجاسته. فيكون هو خبيثًا، لكنه ليس بنجس لعدم ورود دليل صحيح صريح يدل على النجاسة. قال رحمه الله تعالى: وأما تركه لا شك يعني أنه يترك، وقد جاء ببعض الروايات وسيأتي إن شاء الله التنبيه عليها: أنه أمر بإراقته، فليرقه. وإن كان بعض أهل العلم حكم بشذوذها، لكن معناه بالجملة يدل عليه عموم الأدلة الواردة في هذا الباب. قال ثالثًا: وجوب غسل ما ولغ فيه سبع مرات، وهذا هو الصحيح: أنه يغسل سبع مرات امتثالًا لحديث النبي عليه الصلاة والسلام، بل أحاديث وردت في الباب: لا تكفي مرة ولا مرتين ولا ثلاث ولا أربع ولا خمس ولا ست، ولكن سبع مرات يغسل سبع مرات. وهذا يدل على أن المسألة ليست مسألة نجاسة؛ لو كانت المسألة مسألة نجاسة لكفى بزوال أثر النجاسة، والحكم يدور مع وجوده عدمًا. لكن لما كان الأمر فوق ذلك قيد في الشرع بسبع مرات، إحداها بالتراب. قال رابعًا: وجوب استعمال التراب مرة، والأولى أن يكون مع الأولى ليأتي الماء بعدها. وهذا لأنه ورد كما قلنا في أكثر روايات في حديث أبي هريرة وحديث عبد الله بن مغفل، وهكذا جاء من طرق ما يدل على صحة هذه الرواية: يعني مرة أو إحداها. والمراد بالأولى المرة الأولى، وجاء في روايات أنها الأولى. قال: وتكون هي الثامنة المشار إليها في الرواية الأخرى، وهذا وجه من أوجه الجمع. وذهب بعض أهل العلم إلى القول بشذوذ لفظة رواية الثامنة. وسواء قلنا شاذة أو غير شاذة فالأمر واسع، لو أنه غسل الأولى بالتراب ثم سبع مرات بالماء فسهل، وهذا جائز. وإن غسل الأولى بالتراب وبعده ست مرات بالماء فكذلك هذا جائز؛ لأنه صح فيه هذا المعنى. على أن ظاهر الحديث يدل: أن التراب غير الغسل؛ لأن التراب يسمى تعفيرًا، والغسل إنما يقال في الماء. ظاهر الحديث يدل على أن الغسل يكون في الماء، فالغسل سبع مرات والتراب مرة واحدة، كم صارت ثمان؟ فتكون التراب هي الثامنة باعتبار سبع غسلات للماء، ولا يلزم أن تكون الثامنة هي الأخيرة، ولكن المرادة الثامنة باعتبار بعد عد السبع، وهي الأولى أي التعفير بالتراب. قال: ولا فرق بين أن يطرح الماء على التراب أو التراب على الماء، أو أن يأخذ التراب المختلط بالماء فيغسل به. وظاهر الحديث يدل على الأول أو الثاني. أما خلط التراب بالماء فإنه لم يرد بالحديث؛ دل الحديث على التعفير من دون ذكر الغسل، فإما أن يعفر ثم يغسل بالماء، وإما أن يغسل بالماء ثم يعفر بالتراب. ولو عفر آخر شيء بالتراب سيحتاج مرة أخرى أن يغسل بالماء، فإذن الأفضل أن يكون غسل الماء بعد التعفير بالتراب. ومعنى التعفير: أي وضع التراب في الإناء ومسحه على أطراف الإناء جميعًا. قال: فيغسل به، إما مسح موضع النجاسة بالتراب. قال: أما فيغسل به، أما مسح موضع النجاسة بالتراب فلا يجزئ؛ يعني موضع اللعق فقط، وإنما المراد الإناء كاملًا. وفي الغالب إذا لعق أو ولغ الكلب في الإناء فأنت لا تدري أين وقعت لسانه، وإذا كان الماء في الإناء فإن الماء قد شمل سائر الإناء، وما لعق اختلط بالماء، فلهذا أمر بتعفير الإناء وليس بتعفير موضع الولوغ واللعق، وفرق بين المسألتين: تعفير الإناء كاملًا بالتراب، وليس موضع اللعب أو موضع اللحس أو موضع الولوغ. قال خامسًا: أن ما قام مقام التراب من المنقيات يعطي حكمه في ذلك؛ لأنه ليس القصد للتراب وإنما القصد النظافة، هكذا ذهب بعض أهل العلم، وهو كما أشار المؤلف رحمه الله. قال: وهو مذهب أحمد، وقول للشافعي، والمشهور في مذهب تعيين التراب. لكن الأحوط التقيّد بما ورد به الحديث، خصوصًا أن العلم الحديث دل على أن في التراب ما يزيل أثر خبث الكلب، ما ليس في غيره من المنظفات. فإذا كان كذلك فهذا يؤكد ضرورة التقيد بما ورد من أمر التراب. قال رحمه الله تعالى: وهو مذهب أحمد، وقول للشافعي، والمشهور في مذهبه تعيّن التراب، وقواه ابن دقيق العيد: بأن التراب جاء به النص، وهو أحد المطهرين؛ يعني التراب في التيمم، والماء في غير التيمم. وسواء أنه لأجل التطهير أو لأجل إزالة الخبث، وهذا الثاني هو الأقرب. فالحاصل: أن النص ورد فيه، فالأولى والأحوط التقيد بما ورد به النص. وإن شاء أن يغسله بعد ذلك بما شاء من المطهرات فلا بأس. قال: ولأن المعنى المستنبط إذا عاد على النص بالإبطال فهو مردود. والمراد بالمعنى المستنبط: هو قولهم أن التراب استعمل لأجل النظافة، هذا معنى مستنبط وليس منصوصًا عليه. لكن المنصوص عليه هو ماذا؟ المنصوص عليه هو استعمال التراب، هذا المنصوص عليه. فإذا الذي ينبغي هو الوقوف عند المنصوص عليه، وعاد هذا المعنى المستنبط على ما يخالف النص، فالأولى التقيد والوقوف عند النص. قال: قال النووي: ولا يقوم الأشنان ولا الصابون أو غيرهما مقام التراب على الأصح، والمسألة فيها خلاف. قال قلت: وقد ظهر في البحوث العلمية الحديثة أنه يحصل من التراب إنقاء لهذه النجاسة لا يحصل من غيره. والصحيح أننا لا نسميه نجاسة، ولكن نسميه خبث خبث الكلب. قال: لا يحصل من غيره، وإن صح هذا فإنه يظهر إحدى معجزات الشرع الشريف. ولفظ عفروه يؤيد اختصاص التراب؛ لأن العفر لغة هو وجه الأرض، والتراب هو كما مر معنا: أنه نوع خاص من التراب ما له غبار، وهو الذي يستعمل. قال سادسًا: عظمة هذه الشريعة المطهرة، وأنها تنزيل من حكيم خبير، وأن مؤديها صلوات الله عليه لم ينطق عن الهوى. وذلك أن بعض العلماء حار -يعني من الحيرة- احتار حار في حكمة هذا التغليظ في هذه النجاسة، مع أنه يوجد ما هو مثلها غلظة ولم يشدد في التطهير منها. حتى قال فريق من العلماء: إن التطهير على هذه الكيفية من ولوغ الكلب تعبدي، كما مر معنا من قول الإمام مالك وجماعة من أهل العلم، وذكره ابن المنذر رحمه الله في الأوسط عن جماعة، وانتصر له. قال: لا تعقل حكمته تعبدي، لا تعقل حكمته. حتى جاء الطب الحديث باكتشافاته ومكبراته، فأثبت أن في لعاب الكلب ميكروبات وأمراضًا فتاكة لا يزيلها الماء وحده، فسبحان العليم الخبير، وهنيئًا للموقنين، وويلًا للجاحدين. فإذا كان الأمر كذلك فهذا يؤكد أن هذا الغسل بهذا العدد على وجه التعبد، وليس على وجه النجاسة. وإن ثبتت النجاسة فحكم النجاسة يكفيه ما يقال في سائر النجاسات، لكن لأن ريق الكلب فيه خبث، فكان هذا وهذا شيء يعلمه حتى الناس بالتجربة؛ فإن في الكلب داء وهو داء الكلب المشهور، يكون في ريقه وعضته إذا عض إنسان أثر عليه تأثيرًا عظيمًا، وهذا لا يكون في جرحه وإنما يكون في ريقه وعضه. قال سابعًا: ظاهر الحديث أنه عام في جميع الكلاب. أما الكلاب التي أذن الشارع باتخاذها مثل كلاب الصيد والحراسة والماشية، فقد قيل: إن إيجاب الغسل على ما يحصل منها فيه حرج، فالرخصة باتخاذها قرينة تقود إلى تخصيص التسبيع بغيرها. يريد رحمه الله: أن بعض أهل العلم قالوا: يستثنى من ذلك كلب الصيد والحراسة والماشية؛ لأن هذه قرينة تدل على أن هذه الثلاثة يوجد مشقة في غسل ما ولغت أو لعقت ثيابًا سبعًا، والمشقة تجلب بالتيسير. وهذا ليس بالصحيح، بل الصحيح تعميم الحكم لكل الكلاب، ويؤيده رواية حديث عبد الله بن مغفل كما سمعنا؛ فإن أول الحديث أمر النبي عليه الصلاة والسلام بقتل الكلاب، ثم نهاهم عن قتل الكلاب، وأمرهم أن لا يتخذوا من الكلاب إلا كلب صيد أو كلب غنم. إلا كلب صيد أو كلب غنم، وهذا بعد ورود حديث: «إذا ولغ الكلب في الإناء فاغسلوه سبعًا وعفروه الثامنة بالتراب». حديث عبد الله بن مغفل يدل على تعميم الحكم؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام لم يفرق بين كلب الصيد وكلب الغنم من غيره من الكلاب الأخرى، بل الغالب أن هذا الحكم هو لها؛ لأن الكلاب الغريبة لا تصل إلى آنية الناس، وإنما الذي يصل إلى آنية الناس هو الكلاب المألوفة. ولا يجوز للإنسان أن يغتني كلبًا؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن ذلك إلا ما أجاز الشرع اتخاذه من كلب الحراسة والصيد، من كلب الحراسة والصيد، سواء على الزرع أو على الماشية أو ما كان بمعناه. نكتفي بهذا، وهناك مسائل أخرى نتركها إلى درس لاحق إن شاء الله. يقول: إذا أخذ كلب نعلًا فهل يغسل النعل سبع مرات في الماء واحد بالتراب؟ قلنا: أن هذا الحكم للآنية وما يكون بمعناه مما يستعمل للطهور أو للأكل والشرب. يقول: هل هذا الغسل يغلوغ الكلب خاص للإناء؟ وهل نغسل إذا لعق إيش هذا أو بنا أو ثوبنا إذا يلعق ثوبنا؟ هل يغسل سبع مرات؟ الجواب: لا، إذا لعق الثوب أو ما كان بمعناه مما ليس بإناء فلا يغسل سبع مرات، إلا إذا كنت أنت مولع بمص هذه الثياب، فإذن اغسلها سبع مرات. والله أعلم.