الدرس في كتاب الطهارة 33، الدرس الثالث والثلاثون:من( الحديث الخامس عشر:عن أبي قتادة الحارث بن ربعي ... 7ـ سمو الشرع حيث أمر بكل نافع وحذر من كل ضار ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يبدأ المقطع بتوضيح الحديث النبوي الذي ينهى عن مس الذكر باليمين أثناء البول وعن الاستنجاء باليد اليمنى وعن التنفس في الإناء أثناء الشرب. يتم شرح المعاني والأحكام الفقهية لهذه الأفعال.
يتناول هذا الجزء آداب الاستنجاء ومس الذكر باليد اليمنى واليسرى، والنهي عن التنفس في الإناء، مع توضيح فضل اليمين على اليسار في الأمور الطاهرة والقذرة وكيفية التعامل مع هذه الآداب.
يناقش هذا الفصل أهمية مراعاة العرف والعادات في المجتمع الإسلامي، ويشير إلى أن الشرع يحث على موافقة العرف إذا لم يخالف النصوص الشرعية، مع توضيح اختلاف العرف بين المجتمعات.
يتناول هذا الجزء مفهوم العافية وأهمية استقامة الإنسان على شرع الله ودينه، حيث يحمي الله من استقام من الآفات والفاحشة، وينبغي طلب السلامة والعافية من الله.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، قال الحافظ عبد الغني المقدسي رحمه الله تعالى: الحديث الخامس عشر، عن أبي قتادة الحارث بن ربعي الأنصاري رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا يمسكن أحدكم ذكره بيمينه وهو يبول، ولا يتمسح من الخلاء بيمينه، ولا يتنفس في الإناء». أورد الحافظ عبد الغني المقدسي رحمه الله تعالى هذا الحديث، وهو من الأحاديث الصحيحة التي في الصحيحين، على ما أورد من شرطه في إخراج أحاديث الصحيحين التي تتعلق بالأحكام. وأقرب الألفاظ إليه هو لفظ الإمام مسلم في صحيحه، في حديث رقم 63، وبالرقم المطول 392. قال مسلم رحمه الله تعالى: حدثنا يحيى بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرحمن بن مهدي، عن همام، عن يحيى بن أبي كثير، عن عبد الله بن أبي قتادة، عن أبيه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم... فذكر الحديث بلفظه. ورواه البخاري في حديث 154 نحوه، ليس مثله. قال الشارح رحمه الله تعالى: المعنى الإجمالي، يشتمل هذا الحديث الشريف على ثلاث جمل من النصائح الغالية والفوائد الثمينة التي تهذب الإنسان وتجنبه الأقدار والأضرار والأمراض. فالأولى والثانية: ألا يمس ذكره حال بوله، ولا يزيل النجاسة من القبل أو الدبر بيمينه؛ لأن اليد اليمنى عدة للأشياء الطيبة ومباشرة الأشياء المرغوب فيها، كالأكل والشرب. فإذا باشرت النجاسات وتلوثت، ثم باشرت الطعام والشراب والمصافحة وغير ذلك، كرهته، وربما حملت معها شيئا من الأمراض الخفية. والثالثة: نهي عن التنفس في الإناء الذي يشرب منه؛ لما في ذلك من الأضرار الكثيرة، التي منها: تكره للشارب بعده؛ فإن الكثير من الناس يكره أن يشرب من إناء تنفس فيه؛ لأن التنفس في الإناء يورثه رائحة تضر به؛ لأنه يخرج من أنفه فيه بعض الأمراض التي تلوث الماء، فتنقل معه العدوى إذا كان الشارب المتنفس مريضا. وقد صح عن النبي عليه الصلاة والسلام سد الأبواب والذرائع المفضية إلى ذلك. وإذا وقع، فلا ينبغي اعتقاد أنه يضر بذاته. وهذا الجمع بين أدلة النفي وأدلة الإثبات، وبسط القول فيه، في غير هذا المقام. قال: وقد يحصل من التنفس حال الشرب ضرر على الشارب، كأن يشترق. وهذا كثير، إذا شرب وتنفس في الإناء، فإنه يشرق بريقه، فيتضرر. حينما يدخل النفس الماء ويخرج منه. والشارع لا يأمر إلا بما فيه الخير والصلاح، ولا ينهى إلا عما فيه الضرر والفساد. هذا هو المعنى الإجمالي للحديث. قال رحمه الله تعالى: اختلاف العلماء، اختلف العلماء: هل النهي للتحريم أو للكراهة؟ فذهب الظاهرية إلى التحريم، أخذا بظاهر الحديث. بل ذهب بعضهم إلى الفساد، ليس التحريم فقط، بل التحريم والفساد. فزعم بعض الظاهرية أنه إذا استنجأ بيده اليمنى، فإن استنجاءه غير صحيح، ويلزم على ذلك طهارته غير صحيحة. وهذا باطل؛ لأن الاستنجاء من باب التروق، وباب التروق ليس من الأبواب التعبدية. ولذلك فإن حكمها يدور مع علتها: إن بقيت بقي، وإن ذهبت ذهب. ومما يدل على ذلك أدل كثيرة مر علينا بعضها في دروس سابقة، منها: طهارة النعل، وطرف ثوب المرأة الملامس للنجاسة بدون نية ولا قصد إزالة. قال النبي عليه الصلاة والسلام في حق ثوب المرأة: يطهره ما بعده. والنعل كذلك، إذا علم أن فيها أذى خلعها، إذا لم يعلم أن فيها أذى صلى فيها، وهو لا يعلم: هل قد داس الأذى أم لم يدس؟ فهو مثل ما قيل في طرف ثوب المرأة. وهذا يصحح هذا القول، وهو قول المحققين من أهل العلم في هذا الموضع: باب التروق. قال: وذهب الجمهور إلى الكراهة، على أنها نواهي تأديبية. يعني: ثلاثة نواهي: النهي الأول، والنهي الثاني، والنهي الثالث. وهذا هو الأقرب للصواب: أنها نواهي تأديبية. ولا يمنع أن يكون بعضها للتحريم، فيكون للتحريم وفيه معنى التأديب، لا مانع من ذلك. فالخلاصة: أنه للتأديب، وفي نفس الوقت لا مانع أن يكون بعضه للتحريم، خصوصا ما جاء في ملامسة النجاسة والتمسح منها. قال رحمه الله تعالى: ما يؤخذ من الحديث. طيب، إن قال قائل: ما هو الصارف أن النهي يكون للتأديب؟ الجواب: الصارف من وجهين: من جهة اللفظ، ومن جهة المعنى. أما من جهة اللفظ: لأنه جاءت أحاديث أخرى فيها ما يدل على أن مثل ذلك لا يحرم، خصوصا إذا كان على وجه ليس هو عين المذكور في هذا الحديث، كقول النبي عليه الصلاة والسلام: «من مس ذكره فليتوضأ»، وقوله: «إنما هو بضعة منك»، ونحوه. وهكذا ما ذكره بعض العلماء: إن أن كل ما لم يكن من باب العبادات، وكان من أبواب المعاملات، فإنه يكون في أصله من باب الآداب. هكذا قالوا. والصحيح: أنه قد تحتف ببعضها قرائن تجعله مأمورا به أو منهيا عنه على وجه الإلزام. قال: ما يؤخذ من الحديث: أولا: النهي عن مس الذكر باليمنى حال البول. وقوله: النهي عن مس الذكر باليمنى حال البول، هل معناه أنه لا بأس لمسه في غير حال البول؟ اختلف أهل العلم في ذلك؛ لأنه رويت في هذا الحديث روايات، في بعضها ذكر قيد البول، وفي بعضها ليس فيه ذكر قيد البول. فقد روى البخاري رحمه الله هذا الحديث في موضع بقوله: «بيمينه وهو يبول»، وفي موضع آخر في حديث رقم 149، قال: «فلا يمس ذكره بيمينه، ولا يتمسح بيمينه»، ولم يذكر: وهو يبول. وللعلماء في هذا مذهبان: فمن أهل العلم من حمل المطلق على المقيد، أي: المطلق في قوله: «بيمينه»، على المقيد بقوله: «بيمينه وهو يبول»، فجعلوا النهي حال البول فقط عن مس الذكر باليمين. وذهب بعضهم إلى أنه: حال البول، وفي غير حال البول، ينبغي عليه أن يجتنب مس الذكر بيمينه. وإعمال الدليلين أولى من إهمال أحدهما. وعلى هذه القاعدة قد يقال: بأن مسه: حال البول تشتد، والدليل على ذلك: هذه الروايات الواردة في الحديث. وبهذا نعمل للدليلين جميعا. قال: والنهي عن الاستنجاء باليمنى. كذلك من فوائد الحديث: النهي عن الاستنجاء باليمنى. أما النهي عن مس الذكر باليمين حال البول، فلما سبق من ذكر بعض الأضرار التي قد تضر بالإنسان مما يبقى من أثر ما يصيب هذه اليمين من أثر البول، فيتضرر في أكله وفي شربه، وهكذا من ملامسة النجاسة. وكذلك أسباب أخرى، منها: تكريم اليمين، كما سيأتي. وأما النهي عن الاستنجاء باليمنى، فهو لما سبق؛ لأن الاستنجاء الذي هو التمسح باليمين سبب لملامسة النجاسة كذلك. وفيه ما سبق: الأول: تصيبه النجاسة بسبب مسه لذكره بيمينه وهو يبول، والثاني: بسبب تمسحه بيمينه. وهنا تأتي مسألة: وهي: كيف يصنع إذا أراد أن يستنجي؟ أوردها بعض أهل العلم، وردها بعض أهل العلم، بأن إرادة هذه المسألة خطأ؛ لأنه مبني على فهم غير صحيح للأحاديث الواردة في الباب. أورد بعضهم مسألة: وهو الخطابي رحمه الله تعالى، قال: ورد النهي عن مس الذكر باليمين، وورد النهي عن التمسح باليمين، فإذا أراد أن يستنجي فكيف يصنع؟ إن تمسح بالشمال، مس ذكره باليمين. وإن تمسح باليمين، إن لم يمس ذكره باليمين، اضطر إلى التمسح باليمين. فعلى كل الحالين سيضطر إلى استعمال اليمين. ثم ذهب يذكر أوجه لها عن بعض أهل العلم، وفيها تكلف ومشقة. ولو قيل للناس بها، لصار من الحرج الذي لا يقر مثله في شريعة الله الحكيم الرحيم. فمن هذه الكيفيات: قال: أن يمسك بشماله، ويمسح على جدار أو حصى كبيرة. وإذا ما في حصى كبيرة، إذن لا استنجاء. الحل الثاني في مذهبه ورأيه: أن يقعد على مقعدته، ويمسك بشماله، ويضع حجر بين رجليه، ويمسح. وذكر حلا ثالثا وهو بمعنى الأول والثاني. والصواب: ما جعل الله عليكم في الدين من حرج. إن مع العسر يسر. ما جعل عليكم في الدين من حرج. كيف بأن يفعل ما هو يسر، بما لا يخالف الشرع. ولهذا القول الصحيح: أنه لم يرد نهي في الجمع بين النهي عن الإمساك والتمسح باليمين معا. وعلى هذا يكون تقييد: وهو يبول، هو المقصود بمس الذكر باليمين. يعني: إذا أراد أن يستنجي، لا يتمسح باليمين، لكن قد يحتاج أن يمس ذكره باليمين حال الاستنجاء، لا حال البول. حال الاستنجاء: يمس باليمين، ويتمسح بالشمال. وليكن مسه باليمين بحذر. مسه باليمين بالحذر. وهذه كيفية وهي أسهل على الناس وأرفق. وذكر الحافظ ابن حجر رحمه الله كيفية أخرى، فيها: يعني المس بالشمال، والمس بالشمال: كان يمس بطرف كفه، ويمسح بأصابع نفس الكف. وليس كل الناس يحسن مثل هذا، خصوصا إذا كان حجارة، ليس مناديل. إذا كان مناديل ربما يسهل الأمر، لكن إذا كان حجارة ربما يحتاج أن يساعد باليمين. فإذا: لا يتمسح باليمين، لكن لا بأس أن يمس باليمين على رواية تقييد: وهو يبول. فيكون النهي عن مس اليمين: لا يمسك أحدكم ذكره بيمينه حال كونه بائلا. أما في غير البول، إذا احتاج أن يمس، فلا بأس. إذا احتاج أن يمسك ذكره بيمينه في غير البول، فالحاجة ترخص في ذلك، خصوصا أن النهي ليس للتحريم على ما سبق. وهذا أحسن مما ذكر من التشديد، وتلك الكيفيات التي فيها حرج. فإذا: الخلاصة، إذا استطاع أن يستغني عن اليمين ويستكفي بالشمال، فهو الأفضل. وإذا لم يستطع، وكان في ذلك مشقة وحرج، فما جعل عليكم في الدين من حرج. إنما العسر يسرى. قال رحمه الله تعالى: اجتناب الأشياء القذرة. نعم، الثالث: قال: النهي عن التنفس في الإناء. طيب، قبل هذا: هل هذا الحكم خاص بالرجل؟ الجواب: لا، الرجل والمرأة. المرأة كذلك تستنجي إذا احتاجت الاستنجاء، تستنجي. وإذا استنجت، فيقال في حقها ما يقال في حق الرجل: يعني تحرص على أن تأخذ بهذه الآداب فيما كان فيها معنى المشاركة. وما لم يكن فيه معنى المشاركة، فهو عفو، كالرجل الذي ليس عنده يد يغسل ما تأسر، ويترك ما لا يتأسر. ولفى الأصل: حديث عائشة رضي الله عنها: «النساء شقائق الرجال». قال: الثالث: النهي عن التنفس في الإناء، دفعا لخبته. من فوائد الحديث: النهي عن التنفس في الإناء، دفعا لخبته، وهكذا ما تقدم: لضرره، وطلبا للمنفعة. وهذا النهي عن التنفس في الإناء: أدب عظيم يغفل عنه كثير من الناس، وهو في الحقيقة يدل على شيء من الأنانية؛ الذي يتنفس في الإناء غير مبالي بمن بعده؛ لأنه يلوث الماء، وينزل بعض ما في فمه بهذا التنفس في الماء. مثل الطفل إذا شرب في الإناء، ماذا يحول الماء؟ يتحول الماء من ماء إلى عصير معتصر. من يستطيع يشرب بعض الطفل؟ في الغالب الناس لا تقدر أن يشرب بعض الطفل، إلا إذا كان أبا أو أما، فيستطيع. فمثله، وقريب منه: الكبير الذي يتساهل في تنفسه في الإناء. ومع ما ذكر من أمور أخرى، كما سبق في المعنى الإجمالي. فمن الآداب: نهي عن التنفس في الإناء. إذا أراد أن يتنفس، يتنفس خارج الإناء. وقد صح عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه كان يشرب ثلاثا: يعني يجزئ شربته ثلاثة أجزاء. وكما ذكر ابن القيم رحمه الله: أن هذا أعدل الشرب، أعدل الشرب من جهة الصحة؛ فإن الجسم يأخذ كما له في كل شيء: في تنفسه، وفي حاجته للماء، وفي كذلك اعتدال دخول الماء وخروج الهواء. بعض الناس إذا عب الماء عبا، ربما دخل الماء والهواء، وهذا يضر. أو كذلك يكون سبب لشرب ماء كثير، ليس هو في حاجة إليه. لكن إذا تنفس ثلاثا، أخذ حاجته بما فيه اعتدال صحته. قال: الرابع: اجتناب الأشياء القذرة. فإذا اضطر إلى مباشرتها، فليكن باليسار. يعني: فيه أن المسلم ينبغي أن يجتنب الأشياء القذرة من نجاسة وما كان بمعناها. فالشرع لا يجمع بين مفترق، ولا يفرق بين مجتمع. فإن استطعت أن لا تباشر خبيثا وقذرا بيدك، فافعل. فهذا الأفضل والأكمل. وهذا من فوائد الاستنجاء. كما مر معنا: أن من فوائد الاستنجاء، أو من السبب الذي لأجله: أثر كثيرا. بعض الآثار عن العرب في الاستنجاء، وعن الصحابة: أولا: أنهم كانوا يستقبحون مباشرة النجاسة. وثانيا: كذلك قلة الماء؛ فإنه مفيد عند قلة الماء. فإذا كان هذا في النجاسة، فما كان بمعناها كذلك. قال: الخامس: بيان شرف اليمين وفضلها على اليسار. وإذا كان هذا في تكريم اليمين من النجاسة، فكذلك ينبغي أن تكرم في كل ما كان بمعنى. ولهذا أصل، بل أصول كثيرة: حديث عائشة: «كان يعجبه التيمن في شأنه كله: في طهوره، وترجله، وفي شأنه كله». فإذا: اليمين ينبغي أن تجعل في مواضع التكريم. وإذا كان كذلك، فهو ليس خاص في مباشرة الاستنجاء، بل كل قبيح ينبغي أن تجنب اليمين. فإذا أراد أن يمتخط، قياسا على الأدلة الواردة: يمتخط بالشمال، ليس باليمين. يمتخط بالشمال. ولهذا جاء في بعض صفة وضوء النبي عليه الصلاة والسلام: أنه كان يدخل الماء بكفه اليمنى، ويستنثر بكفه اليسرى. فلم يكن هذا مصادفة، وإنما هو عن قواعد، وعن شيء من التأديب للأمة. فهو أمر ينبغي أن يعتنى به. فإذا كان هذا في مثل هذه المواضع، فغيرها كذلك. كل ما كان من معنى التكريم يكون باليمين، وما كان من غير معنى التكريم يكون بالشمال. وهل السواك يكون باليمين أو بالشمال؟ اختلف أهل العلم في ذلك لاختلاف الروايات الواردة في هذا عن النبي عليه الصلاة والسلام، وعن الصحابة. فأخرج عن عائشة أنها قالت: «لا أبالي: هل استكت بيميني أو بشمالي، أو برجلي». وجاء في صحيح مسلم، في بعض روايات حديث عائشة: «وسواكه»: يعني أنه كان يستاك بيمينه. ورجح بعض أهل العلم، قياسا على هذه القاعدة، ومنهم شيخ الإسلام ابن تيمية: أن السواك يكون بالشمال؛ لأنه من باب التنظيف، فيكون باب الشمال. ورد بعضهم هذا القياس: من أن الفم موضع تكريم، وليس موضع تقذير. وتكريم الفم باليمين لا بالشمال. فإذا: المسألة تضاربها أشياء كثيرة. فالأمر واسع: من استاك باليمين أو استاك باليسار. على أنه لو تأمل الإنسان ودقق التأمل، وجد أن الاستياك باليمين أقرب لورود النص أولا في حديث عائشة، في الرواية التي يحسنها بعض أهل العلم. ولو قال بعضهم: أنها شاذة. وثانيا: لأن معنى التكريم أقرب من معنى التنزيه؛ فإن الفم موضع التكريم، والشمال موضع التنزيه. قال: السادس: ويدلنا على شيء آخر، وهو: أن كل ما كان من باب التكريم والتشريف، فينبغي أن يعتنى به. فذكر الله: على سبيل المثال، ينبغي أن يكرم. فلا يدخل إلى الخلاء إلا لضرورة، إلا لضرورة. كما أثر عن النخعي رحمه الله: سئل عن الدراهم: هل يذهب بها إلى الخلاء؟ قال: إذا اضطر، أن الدراهم كان مكتوب عليها بعض الكتب الذي فيه ذكر، فسئل: هل يذهب بها إلى الخلاء؟ قال: إذا اضطر، يعني إذا اضطر، لا بأس أن يذهب بها إلى الخلاء. وإذا استطاع أن يجتنب مثل هذا، مثل ما يجتنب الدراهم التي فيها صور أن يدخلها إلى المسجد، فهذا أفضل. وقد رأيت بعض مشايخنا يحرص على أن لا يدخل ما كان من ماله مما يحمل الصور إلى المسجد. أما إذا اضطر، أما إذا اضطر إلى ذلك، فلا بأس. وإذا عمت البلوى، واحتاج الإنسان في ذهابه وخروجه لشراء، فالمشقة تجلب التيسير. ومن استطاع أن يحذر بدون مشقة، فما جعل علينا في الدين من حرج سبحانه. قال: السادس: لاعتناب النظافة عامة، لاسيما المأكولات والمشروبات التي يحصل من تلويتها ضرر في الصحة. فالشرع لا يجمع بين مفترق، ولا يفرق بين مجتمع. من يتأمل مثل هذه الآداب في هذا الدين العظيم، يسترشد به إلى ما كان بمعناه من الآداب التي ينبغي يعتنى بها، مما ينبغي أن يعتنى بها: من الحرص على نظافة الطعام والشراب، وما يباشر به الطعام والشراب. ومن الحرص كذلك على تخصيص ما كان لغير الطعام والشراب، كالتخلي ونحوه، مما يكون للتخلي. ومن ذلك، وهو قياس صحيح: ألا تستخدم أواني الخلاء والتخلي للطعام والشراب. هذا صحيح، قياس صحيح. تدل عليه الأدلة. إذا كان النبي عليه الصلاة والسلام نهى أن يتمسح بيمينه، التي موضع التكريم، فكذلك استخدام ما هو للتخلي من آنية، ينبغي أن يخص للتخلي. ولهذا ما كان من سنة نبينا عليه الصلاة والسلام: استعمال آنية التخلي في غير ذلك. كما مر معنا في حديث أنس: أن الإداوة: إناء صغير من جل، يستعمل لماذا؟ للوضوء والاستنجاء، يعني: خاصة للوضوء والاستنجاء، أو الاستنجاء فقط، على قول بعضهم. وللعلم، وما جاء من حديث علي: أن النبي صلى الله عليه وسلم شرب من فضل وضوءه، لم يذكر إداوة، إنما ذكر إناء. فأتي إناء. وفي حديث عبد الله بن الزيد: تور. والتور: شبه الطست. فهذه أوعية أخرى، خاصة بالوضوء والشرب، والأشياء التي ليس فيها تخلي. أما الأشياء التي فيها تخلي، يعني: تستعمل للاستنجاء، ينبغي أن تبقى للاستنجاء. هذا الأحوط. قال: السابع: سمو الشرع، حيث أمر بكل نافع، وحذر من كل غار. وهذا لو تأملت هو في أحاديث كثيرة، كثيرة، كثيرة، عامة وخاصة. وبه تعرف: كما قال رحمه الله: سمو هذا الشرع، وأنه منزل من عند الله الذي خلق الخلق، ويعلم ما يصلحهم سبحانه وتعالى. لو لم يكن إلا قوله عليه الصلاة والسلام: «لا ضرر ولا ضرار»، لكان كافيا. وكيف قد وردت فيه أحاديث كثيرة. يقول: ما حكم الضراط أمام الناس علنا؟ عند الأصحاب ربما عند غير المسلمين، كما سمعتنا الله. يقولون: هذا ليس فيه بأس عندهم. لكن العطاس: يستحيون منه. ما أدري: هل هذا صحيح أم لا؟ لكن عند المسلمين: هذا مما ينبغي أن يستحيا منه. ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا قضى حاجته أبعد. أبعد. فينبغي أن يستحيا مما يستحي منه الناس. فالحياء كله خير. وهذا تؤيده أدلة كثيرة. لو لم يكن إلا العمل بالعرف، قد الإنسان ما يقتنع بشيء. لكن لأن العرف عليه، إذا لابد أن لا يخالف العرف. كما قال السعدي رحمه الله: والعرف معمول به، إذا ورد نص من الشرع الشريف لم يحد. إذا جاء شيء في العرف، ولم يخالف الشرع، فالشرع يحث على موافقته؛ حتى لا تكون شاذا في المجتمع. وهذا أولا: لأن عموم الأدلة يدل عليه. وثانيا: لأنه تندرئ به مفاسد كثيرة. تندرئ به مفاسد كثيرة. ومن لا يفهم هذا الباب، ربما يقع في أمور لا تحسن عقباها، وعواقب سيئة، عواقب سيئة. مثلا: امرأة مسلمة عفيفة، لكنها عاشت في بلاد ليست بلاد إسلام، واعتادت أنها تشتري وتبيع مع الرجال بكل عفة. وكذلك كل ما تظن أنه أدب، وليس في هذا عيب، ولا قدح في عرض المرأة، ولا في دينها. لكن أتت إلى بلاد أخرى، ما اعتاد الناس أن المرأة تدخل مع الرجال في بيع وشراء وكلام، ربما اتهمت هذه المرأة بسبب هذا. ظن الناس بها السوء. ليش؟ لأن عوائد البلاد تختلف. في بلد المرأة العامية ما تتكلم مع الرجال، ربما يعني: مثلا مثل بلادنا هذه: العامية قد ما تتكلم مع الرجال إلا نادرا. وإذا أرادت أن تشتري من بقالة، تشتري من الطرف. فكيف إذا دخلت امرأة وسط الدكان، وتبيع وتشتري، يريد من هذا وهذا وهذا: بكم؟ وهذا بكم؟ وتنزل وتبيع. تظن أنها مثل بلاد التي كانت فيها. هذا خطأ، ولو هي تظن أنه صواب. ومثل هذا كثير. مثل هذا كثير. يقول بعض طلبة العلم يذكرون: إخواننا، طيب: لا يجوز التنابز بالألقاب، ولا يجوز الدعوة بالدعوات الشعوبية والأقليمية. «إن أكرمكم عند الله أتقاكم». ولا يجوز لأحد كذلك أن يثير ما يريده الشيطان. فالواجب على المسلمين أن يكونوا جميعا أخوة. يقول: هنا في هذه الأيام: حملة ضد الإيدز. ويذكرون من مسائل انتقاله: شرب كأس المصاب. فازداد القلق والحرص لدى الكثير من الناس. فما هو الواجب الشرعي إزاء ذلك؟ المسلم ينبغي أن يتوكل على الله، ويأخذ بالأسباب الشرعية والحسية الكونية، من اتقاء هذا المرض. ومن ذلك: عدم مخالطة أصحابه. قال النبي عليه الصلاة والسلام: كما في صحيح مسلم، حديث أبي هريرة: «لا يورد ممرض على مصح». ومع ذلك بعض هذه الأشياء فيها مبالغات، وبعضها قد يكون صحيح. المهم: المسلم إذا اجتنب مخالطة أمثال هؤلاء، حماه الله عز وجل ووقاه بإذن الله. مع أن بعض هؤلاء ربما بسبب حقده، إذ وصل إلى الذي وصل إليه، أفسد ربما عن عمد، يبث بعض دمه في بعض المشروبات أو نحوها. فالسلامة: أن الإنسان يبتعد عن المواضع التي فيها أمثال هؤلاء الناس المبتلين بهذه الأمراض. والعافية من الله سبحانه وتعالى. من استقام على شرع الله ودينه، حماه الله من هذه الآفات. وما هذا إلا قليل من كثير من أمر الفاحشة، والتساهل فيها. نسأل الله السلامة والعافية. والله تعالى شكرا. شكرا. شكرا. اشتركوا في القناة.