شرح أصول السنة للرازيين 16

شرح أصول السنة للرازيين 16

الدرس في شرح أصول السنة للرازيين 16، الدرس السادس عشر:من( ولا نرى الخروج على الأئمة ولا القتال في الفتنة ... ونتبع السنة والجماعة ونجتنب الفرقة والشذوذ والخلاف والفرقة ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

مفهوم طاعة ولاة الأمور وضوابطها

طاعة ولاة الأمور واجبة في طاعة الله وفي غير معصية الله، مع ضرورة نصحهم سرًا وتجنب الخروج عليهم. يجب طاعتهم في أربعة مواضع: فيما أمر الله به، وفيما تقوم به مصلحة المسلمين، وفي مواضع الاجتهاد.

ضوابط طاعة ولاة الأمور ونصحهم

طاعة ولاة الأمور واجبة حتى لو كانوا ظالمين أو عاصين، ما داموا مسلمين ولم يخرجوا على جماعة المسلمين. ينبغي نصحهم سرًا وليس علانية تجنبًا للمفاسد.

حكم طاعة ولاة الأمور المتعددين

يجب طاعة ولاة الأمور ولو تعددوا وتفرقوا في أمصار مختلفة، ما دام كل واحد له إمارته. هذا هو المذهب الصحيح الذي عليه إجماع الفقهاء واستدلوا بآثار عن الصحابة والتابعين.

تحذير من عواقب الخروج على ولاة الأمور

الخروج على ولاة الأمور محفوف بالشرور مثل سفك الدماء وهدر الأموال وانتهاك الأعراض، ويترتب عليه مفاسد كثيرة يصعب تداركها.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم. تتمة لما سبق فيما ذكر من أصل عدم الخروج على الأئمة، والقتال في الفتنة، والأمر بالسمع والطاعة في طاعة الله عز وجل، وفي عدم معصيته، مما ذكر من عقيدة الرازيين، رحمهم الله تعالى. ومر معنا شيئًا من مسائل هذا الفصل، قال رحمهم الله: «ولا نرى الخروج على الأئمة، ولا القتال في الفتنة، ونسمع ونطيع لمن ولاه الله عز وجل أمرنا، ولا ننزع يدا من طاعة، ونتبع السنة والجماعة» إلى آخره. ومرت معنا مجموعة من المسائل، ومن ذلك أن أهل السنة والجماعة يطيعون ولاة الأمور في طاعة الله، وفي غير معصية الله، كما مر معنا معناه في حديث عوف بن مالك الأشجعي رضي الله تعالى عنه، قال: «فليكره ما يأتي من معصية الله، ولا ينزعنَّا يدا من طاعة». وهذان أمران: أن لا يتابع في معصية، وأن لا يكون ذلك سببًا في ترك الطاعة. وجاء عند الترمذي وغيره من حديث كعب بن عجرة رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: «أُعِذْكَ من أمراء يكونون من بعدي، فمن غشي أبوابهم فصدقهم في كذبهم، وأعانهم على ظلمهم، فليس مني، ولست منه، ولا يرد عليَّ الحوض. ومن غشي أبوابهم -أو لم يغش- فلم يصدقهم في كذبهم، ولم يعنهم على ظلمهم، فهو مني وأنا منه، وسيرد عليَّ الحوض». والحديث ذكره العلامة الألباني في صحيح الترغيب، وفي صحيح الترمذي وغيره. فهذا الحديث يبين لنا أن وجود أمراء السوء والظلم قد أخبر به النبي عليه الصلاة والسلام، ومع ذلك أمر بطاعتهم، وباجتماع الكلمة معهم، ولكن حذر من تصديقهم في كذبهم، وإعانتهم على ظلمهم. فليس طاعتهم تعني إعانة الظالم على ظلمه، كما أن ليس معنى كراهة الظلم نزع اليد من الطاعة، وتفريق الكلمة. لكن الجمع بين الأمرين: بين بقاء الطاعة واجتماع الكلمة، وبين عدم المتابعة في الظلم. ولهذا كان أهل السنة والجماعة هم أعدل الناس في هذا الباب، فهم لا يتملقون ولا يتزلفون للحكام، كما أنهم لا يهضمون الحكام حقهم. فهم يطيعونهم في طاعة الله، وفي غير معصية الله، وهم كذلك ينزلونهم منازلهم التي أمر الله بتنزيلهم إياها، ورسوله صلى الله عليه وسلم. فإن احترامهم وتبجيلهم إعانة لهم على الخير، وإعانة للمجتمع على الخير، والعكس من ذلك: تنقصهم وتهييج الناس عليهم هو من الإعانة لهم أو عليهم في غير الخير، ومن إعانة المجتمع على غير الخير الذي يقع بسبب ذلك. ولهذا نبه العلماء كذلك في هذا الباب على مسألة من المسائل، وهي أن طاعة ولاة الأمور تجب في أربعة مواضع. فتجب طاعتهم فيما أمر الله عز وجل به، وأمر رسوله صلى الله عليه وسلم، وإن جاروا وظلموا، كما مر معنا في الأحاديث والآثار المتقدمة، ومنها فرائض الإسلام، وواجباته، بل ومستحبات هذا الدين. فطلب العلم، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وغير ذلك من شرائع الدين، وواجباته، ومستحباته، مما أمر الله به، أو رسوله صلى الله عليه وسلم. هم يتعاونون مع ولاة الأمور فيه، ويطيعونهم في طاعة الله، وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم. وهكذا كذلك من مواضع الطاعة: أنهم يطيعون ولاة الأمور كذلك فيما تقوم به كلمة ومصلحة المسلمين، فيما فيه مصلحة للعباد والبلاد، مما وإن لم يأت فيه النص صريحًا من الكتاب والسنة، إلا أن العمومات تدل عليه، كالمصالح المرسلة، وما كان بمعناها، مما تقوم به مصالح العباد والبلاد والخلق. وهم كذلك يطيعونهم فيه، ما دام لا يخالف دين الله، بل على العكس: عمومات النصوص تدل على طلبه، والحث عليه. فإن طاعتهم في ذلك من طاعة الله، وطاعة رسوله، ومعصيتهم في ذلك من المعصية لله، ومعصية لرسوله. لأن الله أمر بطاعتهم ما لم يأمروا بمعصية، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾، ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾. وهكذا من مواضع الطاعة: طاعتهم في مواضع الاجتهاد. فقد نص العلماء أن مواضع الاجتهاد مما يطاعون فيه، ولو كان اجتهادهم أو ما مالوا إليه من اجتهاد هو على أحد القولين المرجوحين عندنا. راجح ومرجوح، فإذا أقر ولي الأمر أحد القولين، وهو من مواضع الاجتهاد، فإنهم يطاعون فيه، حتى تجتمع كلمة المسلمين. وعلى هذه القاعدة التي ذكرها بعض الفقهاء: أن قول الحاكم ينهي الخلاف، أو يقضي على الخلاف. لماذا؟ لأن المسائل الاجتهادية إذا قضى الحاكم بالاجتماع على قول، وهو من المواضع الاجتهادية، صار طاعته واجبة، طاعة لله ورسوله، طلبًا لاجتماع المسلمين على ذلك. فمثلًا، لو اختلف العلماء في بعض المسائل في أبواب العبادات، أو في أبواب المعاملات، فنزل مرسوم ولي الأمر بترجيح أحد طرفي الخلاف، جمعًا للكلمة، فإنه تجب طاعته في ذلك، حتى لا يختلف الناس. ومن كان لا يرى ذلك، فلا يظهر الخلاف في المجتمع، يجعله لخاصة نفسه، لا يظهر الخلاف في المجتمع، بل يجعله لخاصة نفسه، طلبًا لحصول الاجتماع، وعدم شق العصا، والافتراق. وضرب العلماء لذلك أمثلة، سواء في أبواب العبادات، أو المعاملات، أو غيرها. فمثلًا، لو أن الإمام رجح في باب صلاة الاستسقاء صفة في الخطبة: كونها قبل الصلاة، أو بعد الصلاة، وأمر باجتماع المسلمين على ذلك، لزم عند ذلك متابعة ولي الأمر في هذا، بما يكون به الاجتماع، وعدم التفرق. وهكذا كذلك يقال في أشياء أعظم من ذلك، في مسائل الزكاة، أو غيرها من المسائل الأخرى. وهكذا فيما هو في معاملات الناس. لو منع ولي الأمر مثلًا قيادة المرأة للسيارات، فإنه يطاع في ذلك، ما دام أنه قضى بذلك، ولو كان بعض أهل العلم يرى خلاف هذا. لأن بهذا تجتمع الكلمة، وتندرئ مفاسد، يرى أنه بها تندرئ. وهو طبعًا في مثل هذه المسائل لا يرتجل الحكم من نفسه، ولا يجوز له ذلك، بل الواجب عليه أن يرجع إلى أهل العلم. ولهذا قال ابن القيم رحمه الله: «والأمراء تبع للعلماء». لكن كما سبق: قد يختلف العلماء، فيحتاج الناس إلى فصل تجتمع به كلمة العلماء. ومن ذلك بعض ما يتعلق بمعاملة الكفار: من إقامة الصلح، أو الهدنة، أو فتح باب المعاملة، أو إغلاقه، أو غير ذلك، مما هو من مواضع الاجتهاد. فينبغي في هذا أن لا يحصل ما يكون به الافتراق، ولو أن أحدًا كره. فلا تكون الكراهة سببًا لحصول الافتراق. وهكذا من مواضع الطاعة -رابعًا- طاعتهم في المباحات. طاعتهم في المباحات، فإن ذلك من طاعة الله، وطاعة رسوله، لأنه ليس من معصية الله. وأما النهى عن طاعة في معصية الله، فقد سبقت الأدلة والآثار في ذلك. ومن هذه المسائل: إنكار المنكر عليهم. فقد بينا العلماء، وسبقت الأدلة والآثار -كما سبق- أن الأمراء هم بشر، كسائر البشر، يصيبون ويخطئون، ويطيعون ويعصون. فما هو الواجب تجاه ما يصدر منهم من خطأ، أو ما يصدر منهم من معصية؟ الواجب النصح، لكن بالأسلوب الشرعي الصحيح. قال النبي صلى الله عليه وسلم -كما في حديث أبي رقية تميم الداري رضي الله عنه في صحيح مسلم-: «الدين النصيحة». قالوا: «لمن يا رسول الله؟» قال: «لله، ولكتابه، ولرسوله، ولأئمة المسلمين وعامتهم». وكررها خارج الصحيح ثلاثًا: «الدين النصيحة، الدين النصيحة، الدين النصيحة». ولكن دلت السنة أن نصح الأمراء والحكام والملوك، ومن كان بمعنى هؤلاء، ليس كنصح سائر الناس. وذلك لما يترتب من مفسدة عدم قبول نصحهم، أو عدم قبولهم النصح، أو مفسدة الإفساد في النصح، ما يكون تبعًا له من حصول الفساد على أهل الحق الناصحين، أو كذلك على المجتمع، من تسلط بعضه على بعض، وتفكك اجتماعي. فلهذا صح عن النبي صلى الله عليه وسلم في حديث عياض بن غنم -فيما رواه الإمام أحمد وغيره، وجاء من طرق يشد بعضها بعضًا، وهو حديث حسن، وحسنه العلامة الألباني رحمه الله، وجماعة من أهل العلم- أنه قال عليه الصلاة والسلام: «من أراد أن ينصح لسلطان بأمر، فلا يبد له علانية، ولكن ليأخذ بيده، فيخل به، فإن قبل منه، فذاك، وإلا كان قد أدى الذي عليه له». وهذا الحديث صريح في أن يبين لنا أن الأمراء لا يناصحون بالمجاهرة، لا على المنابر، ولا بوسائل الإعلام، ولا كذلك بالأسواق، والتهييج، وغير ذلك. لأن هذا أولًا: لا يعين على قبول النصيحة. فالغالب أن الإنسان إذا ارتفعت منزلته في المجتمع، كان يصحبه شيء من الكبر، الذي يمنعه قبول الحق، إذا عرض له بوجه يكون له فيه منقصة. وهذا أمر مجرب، ولا يجحده إلا مكابر. وهذه الأساليب التي سبقت الإشارة إليها: ليس مما يعين على قبول النصيحة، بل العكس. أمثال هذا مع عامة الناس: هو مما لا يعين على قبول النصيحة، بل على رد النصيحة. لو أتيت رجلًا من عامة الناس، وقلت له في وسط الناس: «يا فلان، أنت تفعل كذا وكذا وكذا، انته عن هذا». ماذا يغلب على ظنك؟ هل يقبل، أو لا يقبل؟ لا يقبل. حتى لو قبل، أو أراد أن يغير، سيكون عنده من الغضب -لأنك أهنته أمام الناس- وهو لا يرضى بهذه الإهانة، ويحب إن كانت لك نصيحة أن تخلو به. فكيف بسلطان، وأمير، ومن كان بمعنى هؤلاء؟ إضافة إلى أن في هذا: تهييج للمجتمع في التطاول على السلطان. ولا شك أن بهذا مفاسد كثيرة، وفيه تأليب، ويعان لأهل الباطل. ولا يخلو مجتمع، وسلطان، إلا وله أعداء، إلا وله مناوئون، ومفسدون في مجتمعه. فمثل هذا يعين أمثال هؤلاء على تفريق شمل، وجمع المسلمين. ولهذا تضافرت الآثار في ذلك، في هذا المعنى، عن السلف، ومن بعدهم من الأئمة. فقد روى الإمام أحمد، والطبراني، وابن أبي عاصم في السنة، وحسنه العلامة الألباني -عن ابن أبي أوفى رضي الله عنه- أنه قال: «إن كان السلطان يسمع منك، فأتيه في بيته، فأخبره بما تعلم، فإن قبل منك، وإلا فدعه، فإنك لست بأعلى منه». وهذا من فهم السلف، الذي لا يصدر في الغالب إلا عن توقيف. فقد يصح فيه أنه موقوف، له حكم الرفع. ويؤيده الحديث السابق. وصح عن أسامة بن زيد -في صحيح مسلم، وجاء معناه في البخاري- أنهم حدثوه ألا يدخل على عثمان، ويكلمه -يعني فيما يرون- فقال رضي الله عنه: «ترون أني لا أكلمه إلا أسمعكم؟» يعني: لابد أن تسمعوا أني قد كلمته. قال: «والله لقد كلمته فيما بيني وبينه، وما دون أن أفتح أمرًا لا أحب أن أكون أول من فتحه». وانظر إلى فقه هذا الصحابي، وما دون أن أفتح أمرًا لا أحب أن أكون أول من فتحه. وهو أحد المفسدتين في المجاهرة بالنصيحة. فإن من مفاسد المجاهرة في النصيحة: فتح باب الفتنة. وهذا نص هذا الصحابي. والآثار في هذا كثيرة، في هذا المعنى. ومن هذه المسائل كذلك: أن طاعة ولاة الأمور تجب لكل أمير مسلم، كما سبق، ولو كانت عنده ما عنده من المعاصي، ما دام مسلمًا، واجتمعت الكلمة عليه. طاعة لله ورسوله، ولما في ذلك من مصلحة اجتماع المسلمين، وعدم تفرقهم، وعدم سفك الدماء، وغير ذلك. ومن ذلك: أنه لو غلب أمير بالسيف، فكان تغلبه ظلمًا وعدوانًا، فإنه يطاع كذلك. يطاع كذلك، ولو وصل إلى الحكم بالظلم والعدوان، وسفك الدماء. ما دام أن الحكم قد استتب له، فإنه يطاع. طاعة لله، ولرسوله، وحفاظًا للمجتمع من أن يكثر فيه سفك الدماء. فإنه لو أنه كلما غلب أمير، نابذه الناس، صار أمر المسلمين في قتال مستمر، وفي منابذة غير منقطعة، وفي فتن مستمرة. وهذا ما لا يرضى به الشرع. ولهذا جاءت الأدلة فيما تدل على هذا المعنى، كما سبق. وكان فهم السلف، وتطبيقهم على هذا المعنى. بل إن أمثال هؤلاء لو تعددوا، فإنه تجب طاعتهم، ما دام كل واحد له إمارته. طاعته في إمارته. وأما إذا اجتمعا في مكان واحد، فلا يطاع اثنان، وإنما يطاع الأول، وينبذ الثاني. كما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم: بقتل الثاني منهما، كائنا من كان. فإن تغلب الثاني على الأول، واستتب له الأمر، فإنه يطاع في طاعة الله، وحقنا لدماء المسلمين، واجتماعًا للكلمة. وعلى هذا، فإنه يصح طاعة ولاة الأمور، وإعطاء البيعة، ولو كانوا متفرقين في أمصار، كل في مصره، له طاعته. خلافًا لمن زعم أنه إذا حصل تفرق الأمراء في الأمصار، فإنه لا بيع، ولا طاعة. وربما استدل بذلك بمعض الآثار، فيما روي عن سعيد بن المسيب رحمه الله تعالى: أنه لم يبايع في زمانه الوليد، ولا سليمان بن عبد الملك. وكان قد بويع لهما بعد أبيهما، فلم يبايع سعيد بن المسيب رحمه الله تعالى. ولا يصح الاستدلال بما روي عن عبد الله بن عمر رضي الله عنه: أنه لم يبايع عبد الملك بن مروان، ولا عبد الله بن الزبير. وكان كل منهما له إمارة، وكانت بينهما ما كان من الحروب التي ذكرها أهل التاريخ، والسير. فقد أجيب على ذلك: بأن عدم مبايعة سعيد بن المسيب، بل وعبد الله بن عمر، ليس لأنه لا بيع إذا كان لكل أمير بلد له فيه طاعة. ولكن لأنهم كرهوا البيعة في وقت واحد لاثنين متنازعين، أو بيعتين لموضع واحد، في مكان واحد. وهذا هو الذي بينته الآثار لمن تتبعها، فيما روي عن هذين الإمامين: من التابعين، والصحابة، رضي الله تعالى عنهما، وعنهم، ورحمهم الله تعالى. فإنه قد صح عن سعيد بن مسيب رحمه الله تعالى: أن امتناعه كان بسبب التعدد الذي يؤدي إلى التفرق. ولهذا صح عنه رحمه الله تعالى: أنه بايع بعد ذلك. وقد نقل ذلك غير واحد، منهم الذهبي رحمه الله تعالى في السير. و(نحوه) ما روي عن ابن عمر. فإنه صح عنه أنه بايع. ففي صحيح البخاري -بكتاب الأحكام- باب: «كيف يبايع الإمام الناس». ثم ذكر أثرًا عن عبد الله بن دينار قال: «شهدت ابن عمر حيث اجتمع الناس على عبد الملك، قال: كتب -أي ابن عمر- لعثمان: إني أقر بالسمع والطاعة لعبد الله عبد الملك أمير المؤمنين، على سنة الله، وسنة رسوله، ما استطعت. وأن بني قد أقروا بمثل ذلك». وتأمل قول عبد الله بن دينار: «شهدت ابن عمر حين اجتمع الناس على عبد الملك». فقوله: «حين اجتمع الناس» معناه: حين انتهت الفرقة، والخلاف الذي بينه وبين عبد الله بن الزبير رضي الله عنه، وأرضاه. وهكذا سئل يحيى بن يحيى رحمه الله تعالى: «هل البيع مكروه؟ لأجل أن نعرف أن هذه الشبه -شبه قديمة- من شبه الخوارج». قالوا له: «هل البيع مكروه؟» قال: «لا». قيل له: «فإن كان إمام جور؟» قال: «فقد بايع ابن عمر لعبد الملك بن مروان، وبالسيف أخذ الملك». أخبرني بذلك مالك عنه: «أنه كتب إليه، وأقر لك بالسمع والطاعة، على كتاب الله، وسنة نبيه محمد صلى الله عليه وسلم». ذكره الشاطبي رحمه الله في الاعتصام. ونقل البيهقي رحمه الله عن حرملة قال: «سمعت الإمام الشافعي رحمه الله يقول: كل من غلب على الخلافة بالسيف، حتى يسمى خليفة، ويجمع الناس عليه، فهو خليفة». وتأمل قوله: «أنه ولو غلب بالسيف». وقال الحافظ بن حجر رحمه الله -كما في الفتح-: «وقد أجمع الفقهاء على وجوب طاعة السلطان المتغلب، والجهاد معه. وأن طاعته خير من الخروج عليه، لما في ذلك من حقن الدماء، وتسكين الدهماء». ومعنى «تسكين الدهماء»: السفهاء، والأعداء، الذين قد يتسلطوا، ويحصل بذلك شغب المجتمع. وهكذا كذلك مما نقل من الإجماع: ما نقله الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى -الإمام المجدد- قال: «أمة مجمعون من كل مذهب، على أن من تغلب على بلد، أو بلدان... له حكم إمام في جميع الأشياء». ومعنى أن طاعته تجب، ولو كان متفرقًا، ولو كان قد تغلب بالظلم، والسيف. وهكذا نقل غيره. قال الشيخ عبد الرحمن بن حسن: «وأهل العلم متفقون على طاعة من تغلب في المعروف، ويرون نفوذ أحكامه، وصحة إمامته. لا يختلف في ذلك اثنان». ويرون منع الخروج عليهم بالسيف، وتفريق الأمة، وإن كان لهم فسقه، ما لم يروا كفرًا بواحًا. ثم ذكر أن النصوص في ذلك كثيرة، عن الأئمة من الأربعة، وغيرهم. فَتَأَمَّلْ -أيها المسلم- مثل هذه الآثار، وتعرف عند ذلك: أن أمر العلماء بالاجتماع، والبيع، والطاعة لولاة الأمور، ما داموا مسلمين، ولو كان عندهم ما عندهم من الجور والظلم، ليس مجاملة، ولا محاباة. ولكنه أولًا: طاعة لله ورسوله. والله سبحانه أعلم بما يصلح الخلق. ألا يعلم من خلق، وهو اللطيف الخبير؟ وثانيًا: لأن هذا هو الذي تقوم به مصالح الناس، وهم مجتمعون. فمصلحة الخلق ليس بالشر والفساد، والتفرق، وسفك الدماء. فإن ذلك إذا وقع، لم تحكم الأمور، بل صار نهاية الناس إلى ما هو شر مما كانوا يكرهون وينكرون. وكما ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: «أنه ما من خارج على أحد من ولاة أمير المسلمين، إلا وكان عاقبة أمره شر مما كان عليه». وصدق رحمه الله. فإن من تأمل تاريخ الإسلام، وحوادث تلك الأعوام إلى يومنا هذا، فإنه ما من أحد خرج على ولي أمر مسلم، إلا وكان عاقبة أمره شر مما كانوا عليه. فإنما كانوا يكرهون من الشر أخف، وأهون عليهم من سفك الدماء، وتفرق الناس، وغير ذلك، مما وقع بسبب داء الخروج. فإن الخروج لا يكون فيه إلا الشر، بكثرة الدماء التي تسفك، والأموال التي تهدر، وربما الأعراض التي تنتهك، وغير ذلك من المفاسد الكثيرة، التي ربما لا يسدها سد، مهما اجتمع الناس. نكتفي بهذا القدر، ونترك ما تبقى لدرس لاحق. والله تعالى أعلم.