الدرس في شرح العقيدة الواسطية للهراس 42، الدرس الثاني والأربعون : (وقوله وهو الغفور الودود ... فسأكتبها للذين يتقون ويؤتون الزكاة ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
شرح شيخ الإسلام ابن تيمية لأسماء الله الحسنى "الغفور" و"الودود" وتفسير معانيها بالاستدلال بآيات قرآنية. يوضح معنى "الغفور" ككثير المغفرة للمذنبين و"الودود" كالمحب لعباده والمحبوب منهم.
يناقش إثبات صفة الرحمة لله تعالى وعلاقتها بإرسال الرسل وإنزال الكتب، مع الرد على من أنكر هذه الصفة. يبين أن الرحمة الإلهية كمال في حق الله القوي وليست ضعفًا.
يشرح دلالة الآية الكريمة على سعة رحمة الله تعالى ويفرق بين الرحمة الصفة والرحمة المخلوقة، مؤكدًا ثبوت صفة الرحمة بالدليلين العقلي والنقلي.
تم الانتهاء من شرح جزء من الدرس مع الإشارة إلى استكمال الباقي في درس لاحق، مع الدعاء بالتوفيق للجميع.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في كتاب العبودية الواسطية: قال وقوله ﴿وهو الغفور الودود﴾، وقوله ﴿بسم الله الرحمن الرحيم﴾، وقوله ﴿ربنا وسعت كل شيء رحمة وعلمًا﴾، وكان بالمؤمنين رحيمًا، ﴿ورحمتي وسعت كل شيء﴾، ﴿كتب ربكم على نفسه الرحمة﴾، وهو الغفور الرحيم، فالله خير حافظًا وهو أرحم الراحمين. قال الشارح رحمه الله تعالى: قوله ﴿وهو الغفور﴾ إلى آخره، تضمنت الآية إثبات اسمين من الأسماء الحسنى: وهو الغفور والودود. أما الأول فهو مبالغة في الغفر، ومعناه الذي يكثر منه المغفرة على المذنبين. والغفور فيه زيادة معنى بزيادة المبنى، وصيغة «فعول» هي صيغة تدل على المبالغة والكثرة، تدل على المبالغة والكثرة من تلك الصفة، فهي أبلغ من صيغة اسم الفاعل، أبلغ من «غافر» «غفور» أي كثير المغفرة. قال: ومعناه الذي يكثر منه المغفرة على المذنبين من عباده، والتجاوز عن مؤاخذتهم. وأصل الغفر الستر، ومنه يقال: الصبغ أغفر للوسخ، يعني بذلك أستر. قال: ومنه المغفر لستره الرأس. أصل الغفر هو الستر. ويقول: من الرجل رحمه الله تعالى: المغفرة محو الذنب وإزالة أثره ووقاية شره. ومنه المغفر يقي الرأس، فليس هو الستر كما ظنه بعضهم. يعني أن الستر من معاني الغفر، وليس هو كل المعاني، بل هو يستر ويقي. يستر ويقي الذي يلبس المغفر لا يلبسه لأجل أن يستر الرأس فقط، بل يلبسه ليستر الرأس وماذا؟ ويقي الرأس من ضرب الرماح ورمي السهام وضرب السيوف. فإذا الغفر فيه معنى الستر والوقاية وزيادة. ومن هذه الزيادة إزالة الأثر. ليس الستر فقط، لأن الستر هو الوقاية، لكن الغفر وقاية مع إزالة الأثر. ولهذا فإن الله يغفر الذنوب بمعنى ماذا؟ يسترها ويزيل أثرها في الدنيا وفي الآخرة لمن تاب، يغفر الله له. قالوا: أما الثاني فهو من الود الذي هو خالص الحب وألطفه. وهو إما من «فعول» بمعنى فاعل، فيكون معنى الكثير الود لأهل طاعته والمتقرب إليهم بنصره لهم ومعونته. وإما من «فعول» بمعنى مفعول، فيكون معناها المودود لكثرة إحسانه المستحق لأن يوده خلقه فيعبدوه ويحمدوه. يعني قوله «الودود»: الودود هو إما من صيغة اسم الفاعل أو من صيغة اسم المفعول. وأحسن من هذا أن يقال: أن صيغة «فعول» كما سبق أبلغ من اسم الفاعل واسم المفعول، فهي تتضمن معنى اسم الفاعل والمفعول وزيادة. والقاعدة كذلك عند أهل العربية: أن تكرار المبنى يدل على تكرار المعنى. وهنا تكرر في «الودود» الواو والواو والدال والدال، فدل على تكرار المعنى فيه. ولهذا «الودود» فيه معنى زيادة التودد، فهو أبلغ من «واد» ومودود. أبلغ من «واد» ومودود. فهو لعباده ودود، أي واد لهم وكثير الود. وهو كذلك من عباده كذلك ماذا؟ مودود لكثرة إحسانه ورحمته وإنعامه بخلقه سبحانه وتعالى. فهو بهذين المعنيين واد ومودود، أي أنه سبحانه وتعالى يحصل منه الود لعباده كثرة، وعباده يودونه كثرة لكثرة إنعامه وإحسانه وعظيم رحمته سبحانه وتعالى بعباده. وهكذا كذلك يزداد هذا المعنى إذا علمنا الآيات الأخرى، مثل: ﴿إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات سيجعل لهم الرحمن ودًا﴾، ﴿إن ربي رحيم ودود﴾ ونحوها. قال رحمه الله تعالى: وأما قوله ﴿بسم الله الرحمن الرحيم﴾ وما بعدها من الآيات، فقد تضمنت إثبات أسمائه «الرحمن الرحيم» وإثبات صفتي الرحمة والعلم. وهذا هو المقصود من إيراد هذه الآيات بهذا الموضع، وهي مناسبة كذلك لإيراده. فإنه لما ذكر الحب ناسب أن يذكر معنى من معاني الحب وهو الود، ومن المعاني القريبة الرحمة والمغفرة. فالله سبحانه وتعالى وصف نفسه بأنه يحب ويحب، وأنه يود ويود سبحانه وتعالى، بل وكثير الود. وهي صفات على ما يليق بجلال الله وعظمته، ليس فيها شيء مما يقتضي النقص، ليس كمثله شيء وهو السميع البصير. قال رحمه الله تعالى: وقد تقدم في تفسير «بسم الله الرحمن الرحيم» الكلام على هذين الاسمين، يعني «الرحمن» و«الرحيم»، تقدم في أوائل هذا الكتاب. قال: وبيان الفرق بينهما، وأن أولهما دال على صفة الذات، أي «الرحمن»، والثاني دال على صفة الفعل، أي «الرحيم». فهو سبحانه وتعالى رحمن لا يزال متصفًا بهذه الصفة سبحانه وتعالى، ورحيم تقع منه هذه الصفة. ولهذا قال بعضهم: أنه رحمن الدنيا والآخرة ورحيمهما. وهو باسمه «الرحمن» يرحم المؤمن والكافر والبر والفاجر، وباسمه «الرحيم» يرحم المؤمنين خاصة. وهو قوله: ﴿وكان بالمؤمنين رحيمًا﴾ كما تقدم في أوائل هذا الكتاب. فرحمته للمؤمنين رحمة خاصة غير الرحمة العامة التي هي لجميع الخلق. وتقدم كذلك فيما سبق: أن بهذا كذلك إثبات أنواع التوحيد الثلاثة باللزوم والتضمن: توحيد الربوبية والألوهية والأسماء والصفات. وهكذا كذلك في إثبات الرسل والكتب كذلك، فإن من رحمته بعباده سبحانه وتعالى أن لا يعذبهم إلا بعد إرسال الرسل وإنزال الكتب. وهذا من عدله ورحمته: ﴿وما كنا معذبين حتى نبعث رسولًا﴾، فأرسل الرسل وأنزل الكتب، هذا من لازم اسمه «الرحمن الرحيم». وهكذا من قوله وإسمه «الله» في لفظ الجلالة إشارة إلى أنه لا سبيل إلى معرفة عبادته سبحانه وتعالى إلا عن طريق الرسل وإنزال الكتب. ووجهه: أنه إذا كان هو الله سبحانه وتعالى لا إله غيره ولا رب سواه، علم بأن عبادته تكون منه. وهذا كذلك مستلزم لهذا المعنى. ومر من الرحمن رحمته، من رحمته إرسال الرسل وإنزال الكتب. وهذا أعظم من إنزال الغيث وإنبات الكلأ وإيجاد الرزق، كما أفاده ابن القيم رحمه الله في «المدارج». يعني إذا كان العقل يستلزم حصول الخير الحسي وأنه من لازم الرحمة، فيقال: الخير الشرعي من باب أولى، فهو أعظم وأولى. قال رحمه الله تعالى: وقد أنكرت الأشاعرة والمعتزلة صفة الرحمة بدعوى أنها في المخلوق ضعف وخور. وليست الأشاعرة والمعتزلة فقط، ولكن ذكر رحمه الله أشهر الفرق وجودًا وانتشارًا، وإلا فكل فرق التعطيل أنكرت صفة الرحمة. وهذه الصفات التي في هذه الآيات على قاعدتهم في إنكار الصفات الفعلية من جهمية ومعتزلة وكلابية وأشاعرة وما تريدية، ومن وافقهم من فرق أخرى تعتقد بمعنى هذه العقائد كخوارج أو غيرهم من رافضة أو نحوهم، وهم يرجعون إلى أحد هذه الفرق الخمس. قال رحمه الله تعالى: وقد أنكرت الأشاعرة والمعتزلة صفة الرحمة بدعوى أنها في المخلوق ضعف وخور وتألم للمحروم. وهذا بالحقيقة هل دل عليه نص الكتاب والسنة؟ الجواب: لا، لم يدل عليه نص الكتاب ولا السنة. بل هو العقل. وهذا باطل. بل صفة الرحمة ثابتة لله على ما يليق بجلال الله وعظمته، لا يستلزم ضعفًا ولا خورًا ولا تألمًا. من أين أتوا أنه يقتضي ضعفًا وخورًا وتألمًا؟ هل من دليل من كتاب أو من سنة أو من قول أحد من سلف الأمة؟ الجواب: لا. فعلم أنه قول باطل. والصحيح: أن هذه الأدلة مرت كما جاءت من غير تحريف ولا تعطيل، من غير تكييف ولا تمثيل. ليس كمثله شيء وهو السميع البصير. قال: وهذا من أقبح الجهل، فإن الرحمة إنما تكون من الأقوياء للضعفاء. لو قبلوا بنقيض حجتهم بالحجة العقلية، لقيل: أن وصل الرب سبحانه وتعالى بالرحمة كمال وليس نقصًا، لأن الرحمة تكون من القوي للضعيف. فإذا كانت هي في حق المخلوق مدحًا، فمن باب أولى أن تكون في حق الله سبحانه وتعالى مدحًا، فهو أحق بهذه الصفة. قال: فلا تستلزم ضعفًا ولا خورًا، بل قد تكون مع غاية العزة والقدرة. فالإنسان القوي يرحم ولده الصغير وأبويه الكبيرين، ومن هو أحق منه وأولى. وأين الضعف والخور وهما من أذم الصفات من الرحمة التي وصف الله نفسه بها وأثنى على أوليائه المتصفين بها وأمرهم أن يتواصوا بها. فالحقيقة المعقول والمنقول كلاهما يثبت صفة الرحمة. والحقيقة هم متناقضون. ولذلك تجد الأشاعرة يقولون في الرحمة: الإحسان أو إرادة الإحسان أو الإنعام أو إرادة الإنعام. ويرد عليهم بما سبق من الأوجه السبعة السابقة. فإن إثباتهم لهذه اللوازم تقتضي إثبات أصل الصفة التي فروا منها. فما كان جوابًا لما أثبتوه أثبتوه، وهو جواب لما فروا منه. إن قالوا: أثبتنا الإحسان أو إرادة الإحسان أو الإنعام أو إرادة الإنعام على ما يليق بجلال الله وعظمته. يقال لهم كذلك: أثبت الرحمة على ما يليق بجلال الله ورحمته. وتكرر عليهم الأوجه السبعة التي تقدمت. قال رحمه الله تعالى: وقوله ﴿ربنا وسعت كل شيء رحمة وعلمًا﴾، قلنا: يعني الآية كل شيء رحمة وعلمًا. قال: من كلام الله عز وجل حكاية عن حملة العرش والذين حوله، يتوسلون إلى الله عز وجل بربوبيته وسعة علمه ورحمته بدعائهم للمؤمنين. وهو من أحسن التوسلات التي يرجى معها الإجابة. يعني التوسل بأسمائه وصفاته. والتوسل المشروع كما مر معنا هو أحد أمور ثلاثة: دعاء الرجل الصالح، بأسمائه وصفاته، العمل الصالح. قال رحمه الله تعالى: وهو من أحسن التوسلات التي يرجى معها الإجابة. ونصب قوله «رحمة وعلمًا» على التمييز المحول عن الفاعل. والتقدير: وسعت رحمتك وعلمك كل شيء. فرحمته سبحانه وسعت في الدنيا المؤمن والكافر والبر والفاجر، ولكنها يوم القيامة تكون خاصة للمتقين، كما قال تعالى: ﴿فسأكتبها للذين اتقوا﴾ الآيات. والشاهد: أن الآية فيها إثبات صفة الرحمة لله عز وجل، بل وسعة هذه الرحمة. فمن سعة رحمته: أن رحمته شاملة كل المخلوقات. وهذه الرحمة العامة من رزق وصحة وعافية، فيشمل البر والفاجر والمؤمن والكافر. حياة الكافر برحمة الله، لولا أن الله رحمه ما عاش ولا أعطي شيئًا مما هو فيه. قال: وهو لحكمة أن يمد الله عز وجل الكافر حتى تقوم عليه الحجة. وهكذا كذلك يأخذ ما هو له في الدنيا، فتعجل طيبته في الدنيا. وهكذا الفاجر له بعض هذا النصيب. وهنا ينبغي أن ننتبه: أن الرحمة تضاف إلى الله إضافة صفة إلى الموصوف. «رحمة وسعت كل شيء». وتضاف كذلك إلى الله إضافة المخلوق إلى الخالق، فهي رحمة مخلوقة. إن الله خلق مئة رحمة، يعني ومنها يتراحم الناس. حديث أبي هريرة في الصحيحين. وبمعنى من حديث ابن عباس ومعاوية بن حيدة خارج الصحيحين. وهكذا قوله: «أنت رحمتي أرحم بك من أشاء». فلا يلتبس معنى هاتين الإضافتين. فإن بعض أهل الأهواء خلط بين الرحمة التي هي مخلوقة لله وبها يتراحم الناس، وبين الرحمة التي هي صفة لله. وصفة الخالق ليست مخلوقة. انتبه لهذا. فتشابه الألفاظ لا يعني منه تشابه الحقائق. فالله عز وجل خلق العلم. العلم مخلوق. العلم الذي هو من صفة المخلوقين هو مخلوق. فالله خلقنا وخلق أعمالنا وما نتحمل من صفات. والله خلقكم وما تعملون. وهل يعني ذلك كون أن هناك علم مخلوق، معناه أن ما لله من صفة العلم كذلك ومخلوق، فيعطل الرب جل وعلا عن صفة العلم؟ الجواب: لا. فكذلك يقال في الرحمة. وهكذا النوع الثاني من الرحمة: الرحمة الخاصة بالمؤمنين، وهي في قوله: ﴿وكان بالمؤمنين رحيمًا﴾ كما مر معنا في أوائل هذا الكتاب. نكتب بهذا ونكمل الباقي إن شاء الله في درس قادم. والله أعلم.