القواعد والأصول الجامعة 60

الدرس في القواعد والأصول الجامعة 60، الدرس الستون : من : ( القاعدة الثانية والثلاثون ... عليه الزكاة ونحوها لم يوكل الدافع ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

مقدمة في القاعدة الفقهية وأدلتها

تناول المقطع قاعدة فقهية مهمة تنص على جواز الرجوع على من أدى عنه واجبًا بنية الرجوع، واستدلال الشيخ لهذه القاعدة من القرآن والسنة وتطبيقها عمليًا.

تطبيقات القاعدة في النفقات والديون

ناقش المقطع أحكام الرجوع في النفقات والديون، حيث يُشرح حق الرجوع عند الإنفاق أو أداء الدين بنية الرجوع، مع استثناء الهبة لورود النهي عن الرجوع فيها.

أداء العبادات المالية عن الغير بدون إذن

بحث المقطع في حكم أداء العبادات المالية مثل الزكاة والكفارة عن غيره بدون إذنه، حيث يشترط إذن المالك لصحة ذلك، مع التفريق بين العبادات المالية وغيرها.

ختام الدرس ونهايته

تم اختتام الدرس بعد مناقشة الموضوعات المقررة، مع الإشارة إلى انتهاء الوقت كسبب للاختتام والحمد لله رب العالمين.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة الناصر بن سعدي رحمه الله تعالى في كتابه القواعد والرسول الجامعة. قال: القاعدة الثانية والثلاثون: من أدى عن غيره واجبًا بنية الرجوع عليه رجع، وإلا فلا. هذه كذلك قاعدة من القواعد الفقهية، قد ذكرها غير واحد من أهل العلم، وهي كالضابط في مسألة الهبات وتفصيل فيها. ولهذا بعضهم يقول: إذا كان بإذنه فله الرجوع، وإلا فلا. وبعضهم يذكر أشياء أخرى، وسيأتي معنا إن شاء الله بالأمثلة. قال المنهاج رحمه الله تعالى: قال الله تعالى: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾، قال: لي أن أجرة الرضاع على الأب. ووجه الاستدلال بهذه الآية أن الإرضاع وقع ولم تذكر به مشارطة. فإن نوت المرأة بهذا الإرضاع الهبة وعدم المطالبة بالأجرة، كان ذلك، وإن نوت المرأة بهذا الإرضاع -يعني هذا إذا حصل فراق بين الزوجين أو حصلت خصومة ومشاحة بين الزوجين- فإن نوت المرأة أن تطالب بأجرتها بالرضاع، فلها الحق أن تطلب ذلك من الأب؛ لأن نفقة الولد على الأب. فإن مثلًا طلق رجل امرأته وكان عندها ولد، فأرضعت هذا الولد، فطالبت بعد ذلك بنفقة الولد من الرضاع وغيره، فلها الحق في ذلك. هذا يدل على القاعدة، والقاعدة مسألة من مسائلها. هذا الدليل: من أدى عن غيره واجبًا بنية الرجوع عليه رجع، وإلا فلا. من أداه بنية الرجوع رجع، ومن أداه بغير نية الرجوع لم يرجع، فهو يدخل في عموم قول النبي عليه الصلاة والسلام: «العائد في هبته كالكلب يقيء ثم يعود في قيئه». لكن إذا كانت ليست هبة من أول الأمر، قالت: ما أرضعته صدقة وهبة. أرضعته أريد نفقة، أريد نفقة، لها الحق في ذلك. قال: فإن أرضعت، قال: فإذا أرضعت الأم الطفل له، فقد قامت عنه بواجب، فترجع بالأجرة على الأب. فإن سامحت فلها ذلك. قال: ومثل ذلك من أنفق على زوجته، من أنفق على زوجته غيره، أو أولاده، أنفق الواجبة -يعني إذا أنفق إنسان على زوجة إنسان آخر أو على أولاده- أنفق الواجبة، وحدد الواجبة؛ لأنها مما يقع بها الضرر، فدفع الضرر عنه إحسان، إحسان يكون معه مظنة أن لا يكون أراد الصدقة، وإنما أراد إسقاط الواجب إلى حين -يعني هناك فرق- لو كانت هذه النفقة ليست نفقة واجبة، قد يقول له من قال لك تتصدق لأولاده أو تعطيهم هذه الهدية: أنا ما طلبت منك هدية، أن تعطيتهم هدية، خلاص أنا ما أريد منك شيء، ولا كذلك لك حقًا تطالبني بشيء. لكن إن كانت النفقة واجبة، والنفقة الواجبة كما تعرفون: النفقة التي تدفع الضرر، فأسقط عنه هذا الواجب لتأخره، فجاء يطالب بحقه، قال: أنا أسقط عنك هذا الواجب، والآن نريد حقي، له الحق في ذلك. فهذا يدخل بعموم قول الله عز وجل: ﴿وَمَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ﴾، هو محسن، فما على المحسنين من سبيل، جزاه الله خيرًا، أنه أدى عنك هذا الواجب في غيابك. كان رجل مثلًا مسافرًا، فاحتاجت أسرته من زوجة وأولاد، فأنفق عليهم صديق أو جار في فترة غياب الزوج، فلما جاء الزوج قال له: أريد حقي، هل له الحق أن يطالب؟ الجواب: نعم له الحق. فإن سامح فذلك أجر أعظم، وإن قال: أريد حقي، وإنما أنا بدلته لك في حال غيابك، له الحق، ما على المحسنين من سبيل. قال رحمه الله: أو على من تجد عليه نفقتهم من المماليك والبهائم، ونوى الرجوع رجع. كذلك إذا كان عنده عبد أو أمة، أنفق عليها، أو على جار أو لأقارب أو لصديق، وأنفق على البهائم، فله الحق أن يطالب بنفقتها. كبهيمة مثلًا وجدها ضائعة، بدلًا من أن يتركها يأخذها من لا يعرف حق الله وحق الناس فيها، حفظها عنده وعرفها حتى جاء صاحبها، فقال له: خلاص هات بهيمتي، يقول: طيب خذ بهيمتك، لكن أين نفقتها؟ أنا أنفقت عليها شهر كامل، هل له الحق أن يطالب بذلك؟ الجواب: نعم له الحق أن يطالب بذلك. طيب إن ولدت، فهل له أن يأخذ من ذلك شيء؟ إن كان هناك عرف أخذ بما عليه العرف، مثلًا في عرف الناس أن ما أنتجت من بهيمة وينفق عليها إنسان آخر، فالنتاج بالنصف، النتاج بالنصف بين المنفق وبين المالك، فيرجع بذلك للعرف. قال: ونوى الرجوع رجع -يعني إن لم ينو الرجوع إذن لا يرجع؛ لأنه من الهبة والصدقة التي لا يرجع بها-. قال: وخصوصًا إذا كانت العين بيده، خصوصًا إذا كانت العين بيده، فإنه يلزم أن يعطيه حقه، قال: كالمرتهن والأجير ونحوهم. إذا كان إنسان أنفق على رهن أو أنفق كذلك في إيجارة، فله الحق. إنما الأعمال بالنيات، وما على المحسنين من سبيل. قال: وكذلك من أدى عن غيره دينا ثابتًا عليه لغريمه، فله الرجوع إذا نوى الرجوع. فإن نوى في هذه المسائل التبرع، أو لم ينو الرجوع لم يرجع -يعني لم يرجع إلى المتبرع-، قال: لأنه لم يوكله ولم يأذن له. انظر الآن عندنا ثلاثة صور في مسألة الدين: من أدى عن غيره دينا ثابتًا عليه لغريمه، فله الرجوع إذا نوى الرجوع. فإن نوى في هذه المسائل التبرع، الآن مسألة الأولى: الصورة الأولى أنه ينوي الرجوع، يؤدي هذا الدين بنية الرجوع، وهذه المسألة فيها خلاف، كما قلنا، بعضهم يقول: في مثل هذه الحقوق لابد من ماذا؟ من الإذن، من إذن من عليه الدين. وهذه المسألة بالحقيقة إن كانت من باب الإحسان، فيجب على من عليه الدين أن يعتبر معنى الإحسان، ويرد لمن أحسن إليه جميله. كيف يرد له الجميل؟ بأن يرد له ماله الذي تقدم به. مثل إنسان رأى رجل مدين عليه دين، ويلح عليه صاحب المال، والرجل ليس عنده شيء، فأراد أن يدفع الضرر عنه، فقال له: كم لك عن فلان؟ قال: عشرة آلاف، قال: هذه عشرة آلاف، خلص ولا تؤذي فلانًا. ذهب فترك الرجل إلى أن فتح الله عز وجل عليه، قال: يا فلان، أنا سددت عنك عشرة آلاف، والآن الله فتح عليك، تريد أن تسدد لي؟ هل له الحق أم ليس له الحق؟ الجواب: نعم له الحق، ما على المحسنين من سبيل. هو أحسن في دفع الضرر، ولم ينو الصدقة، وإنما نوى الرجوع في وقت الاستطاعة. فإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة، انتظر إلى الميسرة، فقال: أريد حقي. والأصل في أموال الناس ماذا؟ الحرمة، كل المسلم على المسلم حرام: دمه وماله وعرضه، لا يحل لذلك الرجل أن يقول: لا، أنت أعطيتني وأنا ما أعطيك، أنا ما غصبتك ولا ألزمتك، لا، هذا ليس بصحيح، إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى. وهذا هو الصحيح في هذه الصورة. الصورة الثانية: يقول: فإن نوى في هذه المسائل التبرع، إذا نوى التبرع فإنه لا يرجع، لماذا؟ لقول النبي عليه الصلاة والسلام: «العائد في هبته كالكلب يقيء ثم يعود في قيئه». لما حصلت هذه المشاحة وطالب الرجل بدينه، قال: يا فلان، هذه صدقة مني، وأنا ما أريد منك شيء، سددت عنك لصاحبك، الآن هذا هدية وصدقة، لا يجوز الرجوع بعد ذلك فيها للحديث المتقدم. وإذا لم يتلفظ ونوى في قلبه، إذا لم يتلفظ ونوى في قلبه، فهل يلزمه أو لا يلزمه؟ في هذا خلاف بين أهل العلم، والصحيح أن الأولى أن يترك ولا يطالب بما قدم من ماله، وإن طالب فليس عليه شيء، لماذا؟ لقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «إن الله تجاوز عن أمتي ما حدثت به أنفسها ما لم تعمل أو تتكلم». ما دام أنه لم يتكلم، لم يتلفظ بهذا اللفظ، كان في نفسه، فالأفضل والأكمل أن ينفذ الذي كان في نفسه، هذا الأفضل والأكمل، لكن لا يلزمه ولا يجب عليه؛ لحديث: «إن الله تجاوز عن أمتي ما حدثت به أنفسها ما لم تعمل أو تتكلم». الصورة الثالثة: قال: أو لم ينو الرجوع، أو لم ينو الرجوع لم يرجع. الثالثة: إذا لم ينو الرجوع -يعني في قلبه ليس في نيته للرجوع- فهو لم ينو الرجوع، وكذلك لم ينو الرجوع، وهذا يقال فيه بمثل ما قيل في الذي قبله: أنه الأولى أن يعمل بمقتضى ما كان في نيته. قال: لأنه لم يوكله ولم يأذن له، وهذا هو محل الخلاف في أصل الصورة الأولى. ولأجل هذا الشيخ رحمه الله تعالى في الصورة الثانية والثالثة جعل هذا علة بعدم رجوعه لمطالبته بما دفعه -يعني كأنه يقول: الأحوط أن لا يفعل ذلك؛ لأنه تصرف تصرفًا فضوليًا-، وسيأتي معنا إن شاء الله في مسألة التصرف الفضولي والتفصيل فيه. قال: وهذه المسائل في الديون التي لا تحتاج إلى نية، فأما ما يحتاج إلى نية كالزكاة والكفارة والنذر وغيرها، فمن أدىها عن غيره لم يرجع؛ لأن الأداء لا يفيد؛ لأن الذي عليه الزكاة ونحوها لم يوكل الدافع، بل الصحيح أنها ما تقع. وفي هذا خلاف: هل تقع أن يؤدي الإنسان زكاة عن غيره من دون أن يشعره بذلك؟ الصحيح والأحوط أنه لابد أن يشعره بذلك؛ لأنه هو صاحب العمل، وهذه الأعمال عبادات تتعلق بنيات، فلابد من إشعاره بذلك. والله عز وجل يقول: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ بِهَا﴾، فأصحاب الصدقة هم الذين يخرجون الصدقة، وهم الذين يوكلون في الإخراج، ولا يجزئ المرء أن يؤدي عنه وهو لا يدري بذلك، ما دام المال عنده وهو مستطيع. ما دام المال عنده وهو مستطيع. أما إذا كان غير مستطيع، مثل صدقة الفطر، أردت أن تتصدق على الإنسان بصدقة الفطر، فأخرجت وقلت لفلان: يا فلان، أنا أخرجت عنك صدقة الفطر فلا تخرج، أجاز مثل هذا بعض أهل العلم؛ لأنه ليس بمستطيع. ثم قال: لأن الأداء لا يفيد؛ لأن الذي عليه الزكاة ونحوها لم يوكل الدافع، هذا مذهب المؤلف رحمه الله وما رآه. والظاهر -والله تعالى أعلم- مما سمعتم، فاستفدنا بهذا: أن هذه القاعدة تناولت ثلاثة أقسام من المسائل. القسم الأول من المسائل: ما كان لا يحتاج إلى نية، ولا هو كذلك يحتاج إلى إذن؛ لأن العمل يقع بمعرفة الطرفين، مثل الرضاع وما كان بمعناه، أو النفقة، فمثل هذا -على ما سبق- أنه له أن يطالب بحقه. والثاني: إذا كان يحتاج إلى إذن، مثل الديون وما كان بمعناها، فالأولى أن يستأذن، فإن لم يستأذن فهو على أحد الصور الثلاث، وسمعنا التفصيل بالصور الثلاث: الصورة الأولى أنه ينوي الرجوع، وهذا يرجع، وما على المحسنين من سبيل، وإنما الأعمال بالنيات. والثاني: ينوي التبرع، فإن تلفظ فلا يرجع، وإن لم يتلفظ فالأولى أن لا يرجع، وإن رجع فليس عليه شيء. والثالث مثل الثاني. والقسم الثالث: وهو ما كان متعلقًا بشيء من العبادات التي تحتاج إلى نية، فالصحيح أنها لا تقع إلا بإذن وتعريف لصاحبها. نكتفي بهذا، والله تعالى أعلم، قد انتهى الوقت، وإلى هنا والحمد لله رب العالمين.