القواعد والأصول الجامعة 92

الدرس في القواعد والأصول الجامعة 92، الدرس الثاني والتسعون : من ( ومن هذا عقود الأيمان يغتبر فيها نية الحالف ... من الأحوال لا إلى مجرد اللفظ والأمثلة كثيرة ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

أهمية النية والسبب في عقود الأيمان

يشرح الشيخ أهمية مراعاة النية والسبب في عقود الأيمان، حيث يُنظر إلى نية الحالف وسبب اليمين لتحديد الحكم. يُبيّن أن الحلف قد يكون مقيدًا بسبب معين أو داعي.

حكم الحلف بالطلاق وتأثير النية عليه

يناقش المقطع حكم الحلف بالطلاق ونيته وكفارته، حيث يعتبر الحلف بالطلاق نوعًا من التحريم، وإذا نوى الشخص الطلاق وقع، وإذا نوى التهديد أو التأكيد فعليه كفارة يمين.

التثبت في الإقرارات ودرء الحدود بالشبهات

يناقش المقطع أهمية التثبت في الإقرارات وعدم الأخذ بها إذا كانت نتيجة إكراه أو عداوة أو محاباة، كما يستدل على أن الحدود تدرأ بالشبهات.

أحكام الإقرار في الإسلام

يشرح المقطع حكم الإقرار في الإسلام، حيث الأصل في الإقرار هو ثبوته بعد التثبت والتأكد، وقد طبق النبي عليه الصلاة والسلام هذا المبدأ.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم. قال الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي رحمه الله تعالى: ومن هذا عقود الأيمان، يعتبر فيها نية الحالف، فإن تعذر ذلك نظرنا إلى السبب الذي هيج اليمين، فربطناها به. كذلك من تفاصيل هذه القاعدة وهي العمل بالأسباب والدواعي للعقود والتبرعات، وأنها معتبرة. النظر إلى عقود الأيمان، عقد اليمين يعتبر فيه نية الحالف، فإن تعذر ذلك نظرنا إلى السبب الذي هيج اليمين، فربطناها به. فمثلًا، قال رجل: والله لا أدخل بيت فلان. حلف أن لا يدخل بيت فلان، ظاهره ظاهر اللفظ أن الحلف للدخول مطلقًا، لكن إذا نظر إلى سبب هذا اليمين، لماذا أنت حلفت بهذا اليمين؟ فإن قال: لأنه كان في ذاك اليوم يوجد منكر وأنا حلفت لأجل هذا المنكر لا أدخل، إذن الحكم يتعلق بذات السبب، فإذا زال ذاك المنكر دخل من دون أن يكفر عن يمينه، ما يحتاج لكفارة يمين، فبالسبب علماء حكم هذه اليمين، وصار التفصيل فيه كذلك. الدواعي قد يكون هناك داعي لهذه اليمين استدعى منه أن يحلف، مثل أن يلزم بالدخول وكان عنده ما يمنعه من الدخول، كان يكون عنده موعد، مثلًا قال: والله لا أدخل. أدخل والله لا أدخل، وقصده لا أدخل هذا الوقت، ليس دائمًا لا أدخل، لأن عنده شيء يمنعه من الدخول، فهنا نرجع إلى حديث النبي عليه الصلاة والسلام: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى». فإن لم يكن قال: فإن تعذر ذلك، لم يعلم السبب ولا كان هناك داعي، قال: نظرنا إلى السبب الذي هيج اليمين فربطناها به. إذا لم يكن هناك سبب ظاهر، فننظر إلى السبب الذي هيج اليمين، لماذا هو حلف على اليمين؟ فإن كان حلف على اليمين لأجل غضب بسبب معين، كان في ذاك الوقت حمل على ذاك السبب، فإن لم يكن فبقي على إطلاقه، ويكفر كفارة يمين. من حلف على يمين فرأى غيرها خيرًا منها، فليأت الذي هو خير وليكفر عن يمينه، هكذا قال النبي عليه الصلاة والسلام. قال: ومثله الحلف بطلاق زوجته، ينظر إلى السبب الذي حمله على ذلك. كذلك الحلف بالطلاق، وهذا لا يجوز؛ لأنه يعرض هذا النكاح إلى الإفساد بما يكون من الطلاق إذا وقعت معه النية. وإذا وقع وابتلي به بعض الناس، فهنا ينظر ما هو السبب الذي هيجه للحلف بالطلاق. وهنا ننبه أولًا أن الحلف بالطلاق، وهو كقول بعضهم مثلًا: حرام طلاق لا أفعلن كذا وكذا، أو لا أفعل كذا وكذا، ونحو ذلك، هذا نوع من التحريم، وسماه العلماء حلفًا؛ لأنه فيه كفار وجرى مجرى اليمين، وإلا هو في الحقيقة ليس بحلف، حتى يقول قائل: هو حلف بغير الله، فيكون من الشرك. الجواب: لا، ليست تسميته بيمين أو حلف لأنه يمين، ليست تسميته بحلف لأنه يمين، لكن لأنه جرى مجرى اليمين من تعلق حكم الكفار به ونحو ذلك من أحكام. فهنا إذا حلف بالطلاق ونوى الطلاق وقع الطلاق، وإذا حلف بالطلاق وما نوى الطلاق، وإنما نوى التهديد أو التأكيد، فيجري مجرى اليمين، يجري مجرى اليمين، فعليه كفارة يمين؛ وذلك لأنه نوع من التحريم، وقد جعل الشرع التحريم فيه كفارة. قال الله سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾، ثم ذكر بعده آية الكفارة. وهكذا قال الله سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاةَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ * قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾، فسمى التحريم يمينًا. فإذا نواه التهديد أو نواه التأكيد، فإنه يجري مجرى اليمين، فعليه كفارة يمين. مثل جاء سبب ظاهر، ضيف، قال له: حرام طلاق تدخل وتأكل، قال: لا، لا أكل. ثم ذهب الرجل، هل تطلق زوجته؟ الجواب: لا؛ السبب الذي لأجله تلفظ بهذا اللفظ يدل على أنه لم يرد الطلاق، وإنما أراد تأكيد إدخال الضيف، تأكيد إدخال الضيف، فيكون في هذا كفارة يمين، وليس فيه حكم الطلاق. ومع ذلك نقول له: لا يجوز له التساهل في هذا، وهو يأتم على تلاعبه وتحريمه ما أحل الله. وهكذا كذلك إذا نظرنا إلى الدواعي التي لأجلها ربما يقع منه هذا اللفظ، مثل غضب، أمر زوجته أن لا تذهب فذهبت، فقال: حرام طلاق إذا ذهبت فأنت طالق، أو نحو ذلك من العبارات التي هي بهذا المعنى أو قريب منه، فهنا كذلك ينظر: هل نوى عين الطلاق أم نوى التهديد والوعيد؟ ومنها -على القول الصحيح- الطلاق المشروط: إن ذهبت بيت فلان فأنت طالق، الصحيح أنه ينظر كذلك فيه للنية؛ فإنه التهديد، فإنه لا يقع طلاق، وإنه الطلاق وقع طلاقًا. قال رحمه الله تعالى: ومثله الحلف بطلاق زوجته، ينظر إلى السبب الذي حمله على ذلك، على التفصيل الذي سمعنا. وفي الحديث: «إنما الأعمال بالنيات». قال: ومن هذا إقرارات الناس، ينظر فيها إلى الحامل لهم، وإلى ما اقترن بذلك من الأحوال، لا إلى مجرد اللفظ، والأمثلة كثيرة. كذلك هذه المسألة، وهي من تفاصيل هذه القاعدة: إقرارات الناس، ينظر إلى هذا الإقرار، وإلى الحامل لهم على هذا الإقرار؛ لأجلي لا يلزم بحكم، لا يثبت عليه. ويدل على هذا أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم تثبت في الإقرار ثلاثًا، كما في حديث قصة ماعز، في رواية حديث ابن عباس وغيره. فإن النبي صلى الله عليه وسلم تثبت منه ثلاثًا، وهو يعترف على نفسه بالزنا، حتى تثبت منه النبي عليه الصلاة والسلام بصريح اللفظ؛ لأنه ربما لا يفهم ما هو الزنا، ربما يظن أن التقبيل هو الزنا. والنبي عليه الصلاة والسلام يعرف أنه سيثبت على هذا الرجل حكم الرجم، فلذلك تثبت منه عليه الصلاة والسلام ثلاث مرات، وهو يقول: زنيت يا رسول الله، حتى قال في الرابعة أو الثالثة: قال: أنكتها. قال ابن عباس: لا يكني -يعني ذكر اللفظ الصريح ولم يكني-؛ لماذا؟ خشية خشية أن يكون الرجل لا يفهم حقيقة الزنا. فباب الإقرار ينبغي التثبت فيه، وينظر فيه إلى الحامل له؛ حتى لا يلزم الرجل بما لم يرده ولم يقصده. واستدل العلماء بهذا كذلك على أن الحدود تدرأ بالشبهات؛ على أن الحدود تدرأ بالشبهات. وقد ورد فيه حديث: «ادرأوا الحدود بالشبهات»، وهو ضعيف في سنده، وصحيح في معناه. فالحاصل أن المؤلف رحمه الله تعالى يقول: أن باب الإقرار عند الناس ينظر فيه للحامل له، فإن كان الحامل له الإقرار فلا يثبت الإقرار عليه، مثل أن يعلم أنه أكره على هذا الإقرار، إما بضرب أو بسجن أو بغير ذلك، فلا يؤخذ بإقراره. أو كذلك كان الحامل له على الإقرار عداوة بينه وبين المشهود عليه، فكذلك لا يعمل بهذا؛ لأن الشهادات كما مر معنا لا تؤخذ في الأعداء بعضهم على بعض. وهكذا كذلك إذا كان الإقرار فيه معنى المحابة لقريب، يثبت له مصلحة، فكذلك الشرع جاء بإلغاء مثل ذلك في باب المقاضاة، والأدلة كثيرة ومرت. والشاهد من هذا أنه ليس كل إقرار يثبت به الحكم، ولكن ننظر إلى السبب والداعي لوقوع هذا الإقرار، فإن وجد سبب يوافق الشرع قبل هذا الإقرار، وإن وجد سبب يعارض الشرع رد هذا الإقرار. وإذا لم يكن، فالأصل ثبوت هذا الإقرار بعد التثبت والتأكد، كما فعل النبي عليه الصلاة والسلام. والله تعالى أعلم.