الدرس في كتاب الطهارة 53، الدرس الثالث والخمسون:من( الحديث الثلاثون:عن ميمونة بنت الحارث زوج النبي ... وشيخنا عبدالرحمن السعدي وأحد الوجهين في مذهب أحمد ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يشرح الحديث الثلاثون عن ميمونة بنت الحارث في غسل الجنابة، ويبين دلالاته الفقهية. يوضح أهمية غسل اليدين قبل الغسل ومسح اليدين بعد غسل الفرج.
يتناول بعض أحكام الطهارة والوضوء والغسل، ويشرح كيفية التعامل مع النجاسات وأثرها على الثياب. يبين أن الفاصل اليسير بين أعضاء الوضوء لا يضر.
يتناول مسائل فقهية متعلقة بالغسل والوضوء، مثل جواز التنشف بعد الوضوء وعدم وجوب دلك الجسد في الغسل. يبين إجزاء غسل أعضاء الوضوء مرة واحدة في الغسل.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. قال الإمام عبد الغني المقدسي رحمه الله تعالى: الحديث الثلاثون عن ميمونة بنت الحارث زوج النبي صلى الله عليه وسلم أنها قالت: «وضعت لرسول الله صلى الله عليه وسلم وضوء الجنابة، فأكفأ بيمينه على يساره مرتين أو ثلاثة، ثم غسل فرجه، ثم ضرب يده بالأرض أو الحائط مرتين أو ثلاثة، ثم مضمض واستنشق، ثم غسل وجهه وذراعيه، ثم أفاض على رأسه، ثم غسل جسده، ثم تنحى فغسل رجليه. فأتيته بخرقة فلم يردها، فجعل ينفض الماء بيديه». أورد الحافظ عبد الغني المقدسي رحمه الله تعالى هذا الحديث في سياق ذكره لأحكام الطهارة وغسل الجنابة على وجه الخصوص. وحديث ميمونة بنت الحارث أقرب الألفاظ إليه هو لفظ الإمام البخاري رحمه الله في صحيحه في حديث رقم 274، قال رحمه الله تعالى: حدثنا يوسف بن عيسى قال: أخبرنا الفضل بن موسى قال: أخبرنا الأعمش عن سالم عن كريب مولى بن عباس عن ابن عباس رضي الله عنه عن ميمونة خالته بنت الحارث زوج النبي صلى الله عليه وسلم أنها قالت: «وضعت...» الحديث. غير أن لفظ البخاري في هذا الموضع بلفظ «وضع لرسول الله صلى الله عليه وسلم وضوء الجنابة». هكذا قال الحافظ ابن حجر: أكثر الرواة رووه بحد «التاء»، وهذه رواية الأكثر. وفي الحديث بهذا السياق بعض الملاحظات، فلفظ الإمام البخاري -بل لفظ الصحيحين- ليس فيه قوله: «ثم غسل سائر جسده»، فإن لفظة «سائر» خطأ، وهي زائدة، وليست هي في الصحيحين من حديث ميمونة، ولم يفرد به أحدهما، بل نبه الحافظ ابن حجر في الفتح أنها لفظة زائدة، إنما جاءت في حديث عائشة رضي الله عنها فقط. ولم تأت في حديث ميمونة، فالصواب: «ثم غسل جسده». هكذا جاء لفظ حديث ميمونة. وهكذا قوله: «فأكفأ بيمينه»، هكذا «فأكفأ»، هذا لفظ أكثر الرواة في حديث ميمونة عند البخاري. وهكذا قوله: «ثم ضرب يده» بالإفراد، هذا لفظ أكثر الرواة. وقوله: «بيمينه على يساره مرتين أو ثلاثا»، هذا لفظ أكثر الرواة. وقوله كذلك: «ينفض الماء بيده»، وليس «بيديه»، هذا لفظ الإمام البخاري رحمه الله في هذا الموضع. وزيادة لفظ «الماء»، وإن لم تذكر في متن الحديث في نفس الترقيم، إلا أن البخاري والإمام الحافظ ابن حجر أشار في شرح لهذا الحديث أن هذه اللفظة جاءت في رواية أبي ذر، فهي ثابتة، يعني «ينفض الماء بيده». ورواه مسلم في حديث سبعة وثلاثين فاصل ثلاثمائة وسبعة عشر بلفظ نحو لفظ حديث الإمام البخاري رحمه الله. قال الشارح رحمه الله تعالى: غريب الحديث، قوله: «أكفأ الإناء»: قلبه على وجهه، وكفأه أماله. والحديث يفيد الإمالة بلا شك، وهذا ما يوافق رواية البخاري، وهي «كفأ». وأنكر بعضهم أن يكون «أكفأ» بمعنى قلب، يعني أن لفظ «أكفأ» يأتي بمعنيين: بمعنى قلب، تأخذ الكوب وتقربه رأسا على عقب إذا كان فارغا، يسمى «أكفأ الكوب»، وهكذا كذلك إذا أملت الإناء الممتلئ بالماء. وهذا الأكثر في لفظ «أكفأ» و«كفأ»: إذا أملته من طرفه فخرج شيء يسير من الماء من الطرف الآخر، تسمى هذه الإمالة «إكفاء». تسمى هذه الإمالة «إكفاء أكفأ»، لأنه فيه قلب الماء من على الإناء إلى خارجه، فلهذا المعنى سمي كذلك «إكفاء». قال: «ضرب يده في الأرض أو الحائط»: المراد منه مسح يده بأحدهما لإزالة اللزوجة بعد الاستنجاء، أو أحسن منه لإزالة الرائحة بعد الاستنجاء، لأن اللزوجة قد زالت؛ لأن اللزوجة قد زالت بماذا؟ بالغسل؛ لأنه في الحديث: «ثم غسل فرجه». فغسل الفرج يقتضي إزالة عين النجاسة، ولكن في هذا الموضع دليل على استحباب إزالة ما يبقى من باقي غسل النجاسة بما هو زائد عن الماء، إما بالتراب أو الأشنان أو سائر المطهرات. الحديث اليوم كالصابون وما كان بمعناها مما يزيد في الإنقاء، هذا هو الذي يفهم من هذا الحديث. أما عين النجاسة فقد زالت بالغسل، بدليل قولها: «ثم غسل فرجه». قال: «إفاضة الماء على الشيء»: إفراغه عليه وإسالته فوقه، «أفاض الماء ثم أفاض الماء». قولها: «ثم أفاض الماء على رأسه»: مر معنا أن الإفاضة هو الصب على وجه الإرواء، هو الصب على وجه الإرواء، فلا تقول لصبة الماء الواحدة «إفاضة»، لكن تسمى «الإفاضة» للصب على وجه الإرواء. ولهذا سمي كذلك «يوم الإفاضة» أو «طواف الإفاضة» بالإفاضة؛ لأن الناس يفيضون متكررين ومجتمعين في الطواف على البيت أو عند البيت. فكذلك إفاضة الماء للرأس. ولهذا ذكر في حديث عائشة وفي حديث ميمونة لفظ الإفاضة للرأس خاصة؛ لأنه على وجه الإرواء، صب الماء على وجه الإرواء، فيكون فيه تكرار واجتماع. قال: «فلم يردها» بضم الياء وكسر الراء وإسكان الدال، من الإرادة لا من الرد كما غلط بعضهم، يعني ظن أنها من الرد، وهي من الإرادة، «فلم يردها» يعني لم يحبها أو لم يرغب فيها، وليس معناه قبلها. «ولم يردها» كما فهمه بعضهم، بل المعنى لم يرغب فيها، وهذا معنى «فلم يردها»، لم يردها، لكنه جزم بحذف حرف العلة. قال: ما يؤخذ من الحديث، قال: هذا الحديث نحو الحديث السابق، وفيه فوائد نجملها فيما يلي: أولا: الحديث الأول ذكر فيه غسل يديه مجملا، وفي هذا الحديث ذكر أنه غسلهما مرتين أو ثلاثا. ومر معنا أن غسل اليدين قبل الغسل من جنس غسل اليدين قبل الوضوء، فهو مستحب من مستحباته، مستحب من مستحباته كما مر معنا فيما تقدم في الكلام على غسل اليدين قبل الوضوء. قال: وقوله في هذا الحديث أنه بعد غسل اليدين غسل فرجه، ثم مسح يديه بالأرض مرتين أو ثلاثا. وقد ذكر العلماء أنه يعفى عن بقية الرائحة بعد ذلك مسحها بالأرض أو غسلها بمطهر آخر. فأفاد هذا ثلاثة مسائل: الأول استحباب مسح اليد بما يزيد تطهير هذه اليد المباشرة للنجاسة بعد غسلها وغسل موضع النجاسة، سواء بالتراب أو بالأرض أو بما كان بمعناه مما يزيد في الإنقاء كالأشنان. فيما سبق كما ذكر العلماء، وهو بمثابة، العشب الذي يزيل الرائحة. وهكذا في هذا الزمان ممكن نقول: الصابون وسائر المطهرات الأخرى المتيسرة. وفيه ثانيا: أن بقاء أثر النجاسة -بقاء أثر النجاسة من رائحة بعد غسلها- لا يضر. وهذا مثل ما قال النبي عليه الصلاة والسلام للحائضة والمستحاضة: أنها تغسل أثر الدم، ولا يضرها. تغسل الدم ولا يضرها أثره؛ لأن الدم الذي يصيب الثوب إذا غسل وزال عينه وذهب أثره بالجملة، قد يبقى شيء خفيف من أثر اللون، فهذا لا يضر، ما دام أن العين قد زالت. ومثله الرائحة التي تبقى في اليد. ومثله كذلك اللون الذي يبقى في ثوب الطفل إذا غسل موضع النجاسة التي أصابها رجيع وخارج هذا الطفل من غائط أو غيره، فإنه ربما يغسل وينقى، ومع ذلك يبقى أثر لون، وربما يبقى أثر رائحة، ولو كان غسل تمام الغسل، فلا يضر ذلك، لا يضر ذلك. وهذا الحديث دليل عليه؛ لأنه لم يكن يفعله النبي عليه الصلاة والسلام دائما، ولا كان يأمر به، ولو كان واجبا لأمر به، ولا استمر عليه عليه الصلاة والسلام. وفيه ثالثا كذلك: أن الفاصل اليسير بين ما يستحب من الوضوء وغيره لا يضر. وبعضهم عبر بتعبير آخر، فقال: إن تأخر أعضاء تتاب أعضاء الوضوء في الغسل لا يضر. بل حصول نقض الوضوء بين غسل اليدين وما بعده لا يضر. وجه هو: أن النبي صلى الله عليه وسلم غسل يديه ثلاثا، وهذا كما قلنا من مستحبات الوضوء والغسل، ثم استنجى، ثم استنجى بعد ذلك. والاستنجاء يعتبر ناقض للوضوء لمس الذكر أو مس الفرج. ثم بعد ذلك توضأ وضوءه للصلاة، توضأ وضوءه للصلاة. فدل على أن غسل اليدين لا يضر إذا أحدث الإنسان بعدها. مثلا إنسان غسل يديه عند الوضوء ثم أحدث، غسل كفيه عند الوضوء ثم أحدث، ثم أراد أن يواصل، هل يعيد غسل اليدين؟ الجواب: لا، لا يلزمه إعادة غسل اليدين؛ لأن غسل اليدين مستحب أولا، ولأن مثل ذلك ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام. أين ثبت؟ أين ثبت يا محمد؟ أين ثبت هذا في هذا الحديث؛ لأن النبي عليه الصلاة غسل يديه ثلاثا، هذا بداية ماذا؟ بداية وضوء، بداية الوضوء. ثم استنجا، فمس فرجه. ومثله لو أن المتوضئ غسل يديه ثلاثا ثم أحدث بهواء مثلا، فهل يعيد غسل اليدين مرة أخرى ثلاثا؟ ها نقول: لا، لا يعيد. والدليل هذا الحديث، الدليل هذا الحديث. يجزئه أنه يستمر ماذا؟ يستمر بماذا؟ سينتقل بعد هذا الحدث الذي أحدثه يا محمد: مضمضة والاستنشاق، مضمضة واستنشاق وغسل وجه، ثم يديه. ومن اليدين ماذا؟ الكفان سيغسل الكفان مع اليد؛ لأنها من اليد أصلا؛ لأنها من اليد. فاستفاد بعض أهل العلم هذه المسألة من هذا الحديث. قال رحمه الله تعالى: وفيه يتعين أن ينوي بغسل فرجه ابتداء الجنابة؛ لألا يحتاج لغسله مرة أخرى. يقول: ومن مسائله وفوائده: يتعين أن ينوي بغسل فرجه ابتداء الجنابة؛ لألا يحتاج لغسله مرة أخرى. والصحيح أن باب التيمم يحتاج إلى نية. هم لا، باب التيمم الصحيح: بشير، لا يحتاج إلى نية. وما هو الدليل أن باب التيمم لا يحتاج إلى نية؟ الدليل يا بشير: أن باب التيمم لا يحتاج إلى نية، عدم الدليل، وثبوت ما يدل على أنه لم يطلب النية في ذلك. صاحب النعل، وهكذا كذلك المرأة في جلبابها. قال النبي عليه الصلاة والسلام: «يطهره ما بعده». وما يحتاج إلى نية، فإذا: قوله: «يتعين أن ينوي بغسل فرجه ابتداء الجنابة»، ما يحتاج هذا بالنسبة لغسل الفرج كإزالة للنجاسة. وأما بالنسبة للجنابة فهو من حين دخوله في موضع الخلاء ومباشرته لماء الجنابة، هو نوى أصلا اغتساله اغتسال الجنابة. والصحيح أن النية لا تحتاج -لا استحضار النية- لا تحتاج -لا استحضار- في زمن مباشرة الفعل، بل مجرد مباشرة الفاعل للفعل هو ماذا؟ هو مع وجود النية، نية نية كافية. فمثلا: الرجل الذي يريد أن يصل للظهر، بمجرد علمه أن هذه الصلاة التي يتوضأ لها ويمشي إليها ويقف مع المأمومين في الصف للصلاة بها صلاة الظهر، يغنيه عن استحضار نية قبل تكبيرة الإحرام. يعني استحضاره في الوضوء، استحضاره في المشي، استحضاره في الوقوف في الصف، هذا كله يغني. لكن من يقول باستحضار النية يلزم هذا المصلي -ولو لم يقل بالتلفظ- يلزم هذا المصلي قبل أن يكبر تكبيرة الإحرام ماذا؟ أن يمرر في قلبه نية صلاته هذه التي هو يقوم لأدائها. وهذا الصحيح أنه كذلك بدعة، كما نص عليه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في عدد من كتبه، ومنها في «مجموع الفتاوى»: أن استحضار النية كذلك من البدع، وليس هو من السنة. فالتلفظ بالنية ليس من السنة، وهو محدث. وكذلك استحضار لفظ النية كذلك ليس بسنة، ومحدث. قال رحمه الله تعالى: وفي الحديث الأول ذكر أنه توضأ وضوء الصلاة، ويقتضي أنه غسل رجليه. وهذا الحديث صرح أنه غسل رجليه بعد غسل الجسد. ولعل أحسن ما يجمع بينهما أن يقال: إنه توضأ في حديث ميمونة وضوءا كاملا، ولكنه غسل رجليه مرة ثانية بعد غسل الجسد في مكان آخر؛ لكون المكان المغتسل فيه متلوثا. وأحسن من هذا الذي جمع به أن يقال: إن كان هذا المغتسل اغتسل في موضع أراد أن يغتسل في موضع، أو ابتدأ وضوءه في موضع استنج فيه، فإنه يستحب في حقه أن يؤخر غسل الرجلين إلى ما بعد. إذا اغتسل في موضع استنج فيه، فيستحب في حقه أن يؤخر غسل الرجلين إلى آخر شيء، إلى ما بعد الغسل. وإذا لم يكن كذلك، فإنه يقدم غسل الرجلين على ظاهر حديث عائشة. فتكون هناك كيفيتان في وضوء المتوضئ قبل الاغتسال: الكيفية الأولى: أن يتوضأ وضوءا كاملا، ومنه غسل الرجلين قبل الاغتسال. هذه كيفية. وهذا ما جاء في ظاهر حديث عائشة. والكيفية الثانية: أن يؤخر غسل الرجلين إلى ما بعد الاغتسال. وهذا إذا توضأ واغتسل في موضع حصل الاستنجاء فيه، أو هو مظنة النجاسة وتلوث الرجلين، فعند ذلك يؤخر غسل الرجلين إلى حين خروجه من مغتسله، أو إلى أن ينتقل من مكان غير المكان الذي استنجأ فيه. كان يتأخر قليلا فيغسل رجليه، ثم يخرج من المغتسل. وهذا أحسن مما ذكره المؤلف رحمه الله تعالى، وعدد من المحققين من أهل العلم على هذا المعنى. ومنهم شيخ الإسلام وتلميذ ابن القيم، رحمهم الله تعالى. قال رحمه الله تعالى: خامسا: في هذا الحديث أن ميمونة جاءته بخرقة لينشف بها أعضاءه، فلم يقبلها، وإنما نفض يديه من الماء. وهل في هذا دليل على كراهة التنشف أو ما يسمى بالتمندل بعد الطهارة من وضوء أو غسل؟ اختلف أهل العلم في ذلك. فذهب بعض أهل العلم إلى هذا المعنى، وهو أنه يكره التمندل والتنشف بعد الوضوء وبعد الغسل. وروي هذا كما ذكر ابن الملقن رحمه الله عن عبد الله بن عمر وابن أبي ليلى وجماعة. وذكر ابن رجب رحمه الله تعالى جماعة ممن نقل عنه هذا القول. وروي عن ابن عباس التفريق بين الوضوء وبين الغسل، فكان يجيز التنشف بعد الغسل -يعني للحاجة- ولا يجيز في الوضوء لعدم الحاجة إليه. والصحيح الثالث: وهو أنه يجوز التمندل والتنشف بعد الوضوء وبعد الطهارة، ولا يكره، وهو من المباحات. إذا احتاجها الإنسان فليفعلها. وعلى هذا قول وفعل جماعة من الصحابة، ومن بعدهم. ومنهم ممن روي عنه ذلك: عمر رضي الله عنه، وعثمان، وعلي، وأنس -من الصحابة- وجماعة كما قال ابن رجب: من التابعين، ولا إمام من بعدهم. بل نقل ذلك قول جمهور أهل العلم. وعمومات الأدلة تدل على إباحته وجوازه. فإن قال قائل: فعلى ماذا يدل رد النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث؟ فأجيب عن ذلك: أن الرد لا يدل على الكراهة؛ لأن ذلك لم يكن شيئا مستمرا كان يفعله النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، بل ربما كان لقضية عين له سبب، إما لسبب في المنديل كما ذكر الحافظ ابن رجب: الذي أتي بها والخرقة، وإما لكونه كان يحتاج لبقاء الماء، أو لكونه نفضه بيده، أو لكونه أراد أن يبين مشروعية ذلك. وذلك وكل ذلك محتمل. وليس فيه دليل أبدا على الكراهة؛ إذ الكراهة لا تأخذ من مجرد الفعل. الكراهة لا تأخذ من مجرد الفعل. وكذلك نفض الماء بيده عليه الصلاة والسلام عن جسده: فيه جواز ذلك ومشروعيته. وليس فيه دليل على استحبابه؛ حتى يكون أمرا مستمرا كما أنه لا يدل هذا الحديث على كراهته على ظاهر الحديث، بل يدل على جوازه؛ لأن بعض أهل العلم نقل عنه كراهة نفض الماء من الجسد، كراهة نفض الماء من الجسد. وزعموا أن إزالة هذا الماء من الجسد مثل إزالة خلوف فم الصائم؛ فإن إزالة خلوف فم الصائم ظنوا أنه يمكن أن يزال، فذلك يبعد عنه هذا الفضل. فكذلك بقاء أثر الوضوء. هكذا قالوا. وهذا ليس بصحيح. وربما استدلوا بحديث ضعيف يروى عن أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعا عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه قال عليه الصلاة والسلام: «ولا تنفضوا الماء بأيديكم؛ فإنها مراوح الشيطان» يعني بعد الوضوء. وهذا الحديث بيّن الحافظ ابن رجب فيما نقله عن ابن أبي حاتم عن أبيه: أنه حديث منكر، لا يصح عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فيكون نفض الماء من الجسد جائزا، وليس بمستحب حتى يستمر عليه. وهكذا كذلك التنشف تركه أو استعماله جائز، وليس بأمر يستمر عليه. قال رحمه الله: سادسا: أنه لا يجب دلك الجسد في الغسل، وهو كالدلك في الوضوء سنة، إلا إذا احتيج إلى الدلك، فالموضع الذي يحتاج إلى الدلك فإنه يدلك. ومنه يحمل حديث لقيط ابن صبرة في الأمر بالتخليل بين الأصابع؛ فالتخليل بين الأصابع إذا كان الماء يروي الرجل فلا يحتاج للتخليل بين كل إصبعين، بخلاف ما إذا كان الماء قليلا فإنه يحتاج للتخليل بين الأصابع. وأما إذا كان الماء مستفيضا كثيرا فلا يحتاج إلى التخليل بين كل إصبعين. وقد يحتاج بين الأصبعين المتلاصقتين. وهكذا كذلك يقال بالنسبة لأجساد الناس تختلف، فرب جسد فيه تشققات، وفيه كذلك ما يستدعي الدلك، فإنه يدلك. أو ما قليل، أو ما قليل مع شدة برد يكون منها تنافر الماء عن الجسد، فيحتاج كذلك إلى دلك. فليس الدلك سنة مستحبة على الإطلاق، ولا هو كذلك ليس بمستحب على الإطلاق؛ لأنه حكم يتبع للحاجة إليه. لكن هذا الحديث على ماذا يدل؟ يدل على عدم وجوب الدلك، وعلى عدم الإلزام به. وهذا هو الصحيح: أنه لا يجب؛ لأن بعض أهل العلم ذهب إلى وجوب الدلك في الوضوء وفي الغسل، يعني كل موضع من الجسد أمرت بإصابة الماء إليه، لابد أن تدلكه، لا يكفي أن تمر الماء عليه، بل لابد أن تدلكه بأن تمر يدك على هذا الموضع. وهذا الصحيح: أنه لا يجب؛ لعدم ورود الدليل الدال على وجوبه، ولثبوت الدليل الدال على عدم وجوبه. كهذا الحديث حديث ميمونة، وما قبله في حديث عائشة رضي الله تعالى عنهما. قال: سابعا: أنه لا يغسل أعضاء الوضوء للجنابة -لا يغسل أعضاء الوضوء للجنابة- بعد غسلها في الوضوء. فقد صحح النووي أنه يجزئ غسله واحدة عن الوضوء وعن الجنابة. إذا توضأ وضوءه للصلاة، فالموضع الذي أصابه الماء لأجل وضوء الصلاة، يجزئه ألا يصيبه الماء أثناء الغسل. يجزئه ألا يصيبه الماء أثناء الغسل؛ وذلك لأن الماء قد أصابه في أثناء توضؤه. فإذا كرر عليه الماء فلا بأس. ويدل على الثاني حديث ميمونة، ويدل على الأول حديث عائشة. فحديث عائشة قالت: «ثم غسل سائر جسده». وهذا يدل على تعميم الماء. وهذا الحديث: «ثم غسل جسده»، وظاهره أنه غسل ما لم يغسل. والحاصل: أن الأول جائز، والثاني جائز. والجميع يدخل في معنى الغسل. بل الصحيح كما تقدم: معنى أن من اغتسل ولو لم يتوضأ، فإن غسله على وجه التعبد يجزئه عن الوضوء، يجزئه عن الوضوء. وهذا قول جماعة من الصحابة، ومن بعدهم، وهو قول جمهور أهل العلم، وهو الصواب. والأفضل والأكمل أن يتوضأ قبل الاغتسال. قال رحمه الله: ثامنا: أن غسل الجسد مرة واحدة. وبعضهم يجعله ثلاثا قياسا على الوضوء. ولا قياس مع النص. هذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية، وشيخنا عبد الرحمن السعدي، وأحد الوجهين بمذهب أحمد. وهو كما قال رحمه الله: أن الغسل ليس فلا يستحب في الغسل أن يغسل الجسد ثلاث مرات، بل يكفي فيه مرة واحدة، يكفي فيه مرة واحدة. وفيه كذلك من المسائل: أن غسل الرأس يجزئ عن المسح؛ لأنه لم يذكر مسح الرأس في أثناء الوضوء. لم تذكر ميمونة مسح الرأس في أثناء الوضوء. فدل على أن غسل الرأس في الاغتسال يجزئ عن المسح في الوضوء. وهذا خاص فيما إذا أدخل الوضوء بالغسل. وأما إذا أفرد الوضوء فلابد من الترتيب لأمر النبي صلى الله عليه وسلم بمعنى ذلك. وفيه كذلك من المسائل: أن الفاصل اليسير لا يضر، الفاصل اليسير للحاجة لا يضر؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أخر غسل الرجلين إلى ما بعد الاغتسال. ولا شك أن تأخير غسل الرجلين عن سائر أعضاء الوضوء هذا فاصل، لكن فاصل لحاجة، فلا بأس. ومثله لو أن إنسانا توضأ فانتهى الماء فذهب يخرج الماء من البئر أو يشغل الماطور لأجل أن يأتي الماء، أو يجلب الماء من الخزان أو غير ذلك، فهل يجب عليه أن يعيد الوضوء من جديد؟ الصحيح: لا، لا يجب عليه أن يعيد الوضوء من جديد، بل يكمل من حيث توقف. وما هو الدليل؟ الدليل هذا الحديث؛ فإن هذا الحديث يدل على أن الفاصل للحاجة لا يضر في إجزاء المتوضئ في وضوءه. وفي هذا الحديث كذلك من المسائل: استحباب الاعتداد بالماء في الغسل كالوضوء، يعني أن إمرار الماء في الوضوء مثله مثل الغسل. إذا خلط الوضوء بالغسل فيجزئ. وقد مر معنا، لكن هذا من باب التأكيد: يجزئ إمرار الماء على أعضاء الوضوء عن إمراره مرة أخرى في أعضاء الغسل؛ لأنه قد غسل في الوضوء. وهذا خاص فيما إذا كان الوضوء خلط بالغسل. طيب نكتهي بهذا القدر، وإلى هنا والله تعالى أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وآله وصحبه وسلم.