الدرس في كتاب الصلاة 32، الدرس الثاني والثلاثون:من( الحديث الثامن والستون:عن أنس بن مالك رضي الله عنه ... قال يتمون الصفوف الأول ويتراصون في الصف ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يشرح الشيخ أهمية تسوية الصفوف في الصلاة واستقبال القبلة، ويبين أن تسوية الصفوف من تمام الصلاة وإقامتها. كما يوضح أن تسوية الصفوف واجبة لمنع الخلل وتقوية الروابط بين المصلين.
تناول المقطع معاني تسوية الصفوف في الصلاة، حيث أوضح أهمية عدم ترك فراغات في الصفوف وتسويتها، وضرورة إتمام الصفوف الأول فالأول، ومراعاة أن يلي الإمام أولو الأحلام والنهى. كما أشار إلى أن تسوية الصفوف تشمل الحرص على أن يكون المأمومون على سمت واحد في جهة القبلة.
يتناول المقطع أحكام تسوية الصفوف في الصلاة، ويشرح أن العفو عن الخطأ اليسير في اتجاه القبلة يسهل العبادات على الناس. كما يوضح مسألة اتباع المأموم للإمام في العبادات التي يوجد فيها خلاف، ويبين أن المأموم ليس ملزمًا بالاتباع إذا كان الخلاف في أصل الحكم.
الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة، رحمه الله تعالى. الحديث الثامن والستون: قال: باب الصفوف. الحديث الثامن والستون: عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «سووا صفوفكم؛ فإن تسوية الصفوف من تمام الصلاة». أورد رحمه الله تعالى هذا الحديث في سياق ذكره لأحكام الصلاة، وهذا الباب في الكلام على الصفوف خاصة. وقوله: «باب الصفوف»، أي: هذا مدخل لمعرفة أحكام الصفوف. والصفوف: جمع صف، كما سيأتي إن شاء الله. والمراد به: صف الصلاة من المأمومين الذين يلون الإمام. وأغرب الألفاظ إليه هو لفظ الإمام البخاري، ونحوه لفظ الإمام مسلم، على اختلاف يسير عن هذا اللفظ. فهذا اللفظ بعينه لم يرد في البخاري ولا في مسلم. قال الإمام مسلم رحمه الله تعالى: حدثنا محمد بن المثنى وابن بشار، قال: حدثنا محمد بن جعفر، قال: حدثنا شعبة، قال: سمعت قتادة عن أنس رضي الله عنه قال: رسول الله صلى الله عليه وسلم... فذكر الحديث، غير أنه قال في لفظ مسلم: «فإن تسوية الصف من تمام الصلاة»، ولم يقل: «الصفوف». وأورده البخاري رحمه الله في صحيحه، قال: حدثنا أبو الوليد، قال: حدثنا شعبة عن قتادة عن أنس... فذكر الحديث، غير أنه قال: «فإن تسوية الصفوف من إقامة الصلاة» بدل «تمام الصلاة». فاللفظ الذي ذكره المؤلف رحمه الله ليس هو لفظ البخاري ولا لفظ مسلم، ولكنه جمع بين لفظ مسلم وشيء من لفظ البخاري. فلفظ «الصفوف» في البخاري، ولفظ مسلم إنما هو «الصف». ولفظ «التمام» في مسلم، ولفظ البخاري إنما هو «إقامة». قال الشارح رحمه الله تعالى: المعنى الإجمالي: يرشد النبي صلى الله عليه وسلم أمته إلى ما فيه صلاحهم وفلاحهم. فهو هنا يأمرهم بأن يسووا صفوفهم، بحيث يكون سمتُهم نحو القبلة واحدًا، ويسد خلل الصفوف حتى لا يكون للشياطين سبيل إلى العبث بصلاتهم. ومعنى سمتِهم: أي أنهم مسامِتون، أي: مقابلون ومواجهون لجهة القبلة. وهذه المناسبة من إيراد باب الصفوف بعد باب التوجه إلى الكعبة؛ لأن من مقصد تسوية الصفوف هو تعديلها للتوجه إلى جهة القبلة، وهذا من مقاصد تسوية الصفوف. ولهذا أورده العلماء -أي: هذا الباب- بعد ذكر باب التوجه إلى الكعبة أو استقبال القبلة. قال رحمه الله تعالى: وأرشدهم صلى الله عليه وسلم إلى بعض الفوائد التي ينالونها من تعديل الصف، وذلك أن تعديلها علامة على تمام الصلاة وكمالها، وأن عوجاج الصف خلل ونقص فيها. والأحاديث بهذا الباب كثيرة تدل على هذه المعاني التي أشار إليها وغيرها. فقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم الأمر بإقامة الصف، ففي الصحيحين من حديث أبي هريرة قال: «أقيموا الصفوف». وفي رواية: «أقيم الصف؛ فإن إقامة الصف من حسن الصلاة». ومن إقامتها: تسويتها. فمن إحسان الصلاة: تسوية الصفوف. وهكذا كذلك: من تمام الصلاة تسوية الصفوف. وهنا قال: «فإن تسوية الصفوف من تمام الصلاة»، هذه رواية مسلم. وفي رواية البخاري: «فإن تسوية الصفوف من إقامة الصلاة». رواية مسلم: «فإن تسوية الصف من تمام الصلاة». فتسوية الصفوف سبب لتمام الصلاة، أي: حصول الأجر الكامل فيها. وإقامة الصلاة: أي إحسانها وإتمام أركانها وواجباتها وشروطها. فليس المقصود تأدية الصلاة بمثل ما المقصود إقامة الصلاة. فإقامة الصلاة يتناول أشياء كثيرة، ومنها مراعاة تسوية الصفوف. وللأسف تجد الكثير من المصلين في صلاة الجماعة -إلا من رحم الله وهم قلة- يهملون أمر تسوية الصفوف، فترى الصفوف معوجة، وترى الصفوف متقطعة، وترى الصفوف كذلك ربما غير مكتملة. وكل هذه المعاني مما ينافي تسوية الصفوف. فتسوية الصفوف يتناول خمسة معاني: المعنى الأول: ما أشار إليه المؤلف رحمه الله من استقبال القبلة، أن يكون الصف سمت القبلة مساميًا للقبلة مساويًا له. والمعنى الثاني من معاني تسوية الصفوف: سد الخلل، ألا تكون هناك فرجات للشياطين. فإن الشيطان يتخلل هذا الخلل، فالواجب سد الخلل، لا تترك فرجات للشياطين. والمعنى الثالث: هو تعديل الصف، كما أشار إليه كذلك. والمعنى بالتعديل: أي لا يتقدم جسد ويتأخر جسد. كما سيأتي معنا في حديث النعمان بن بشير: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يسوي الصفوف كأنما يسوي القدح، يعني كأنه يرص كاسات، يمسحها حتى أنه كان يمسح على صدورهم عليه الصلاة والسلام، يعني تقدم تأخر، تقدم تأخر، حتى تستوي الصدور كلها، فيكون الصف مستويًا. قال النعمان: حتى إذا ظن أن عقلنا عنه -يعني: خلاص كرر هذا معهم مرات- حتى ظن -أي: حسب- وبلغه من العلم أن الصحابة قد فهموا هذه المسألة، فلا يحتاجون إلى من يرتبهم، فرأى صدرًا باديا واحدًا متقدمًا عن الصف، الصف مستوي إلا واحد متقدم، فغضب النبي عليه الصلاة والسلام؛ لأن ها أولًا قد قيمت عليهم الحجة وعلمهم. فقال: «عباد الله؛ لتسون صفوفكم، أو ليخالفن الله بين وجوهكم». وفي رواية قال: «أو بين قلوبكم». كما سيأتي معنا إن شاء الله. فهذا يدل أن من تسوية الصفوف الحرص على عدم إيجاد تقديم وتأخير، فيكون الصف معتدلًا. ومن ذلك: أن يحاذى بين المناكب والأقدام. وكان هذا من فعل الصحابة رضي الله تعالى عنهم، وأقرهم النبي عليه الصلاة والسلام. الصفوف بعد باب التوجه إلى الكعبة أو استقبال القبلة. بوب البخاري رحمه الله في صحيحه: باب تسوية الصف، أو قال: باب إلزاق المنكب بالمنكب والكعب بالكعب. ثم ذكر حديث النعمان بن بشير، قال: فرأيت الرجل منا يلزق كعبه بكعب صاحبه. وذكر حديث أنس في تسوية الصفوف. ثم قال بعد أن ذكر حديث النبي عليه الصلاة والسلام: «قوموا صفوفكم؛ فإني أراكم من وراء ظهري». قال: وكان أحدنا يلزق منكبه بمنكب صاحبه، وقدمه بقدم صاحبه. والمنكب: هو أعلى الكتف مما يلي العضلة -عضلة الكتف هنا العضد- وهذا المنكب الآخر. يلصق المنكب بالمنكب، والكعب بالكعب في حديث النعمان. وفي حديث أنس: القدم بالقدم. القدم معروف، والكعب: هذا العظم الناتئ الذي هو يلي القدم، وفي منتهى الساق. وأفادت الروايتان: أنه إذا أمكن إلصاق الكعب بالكعب ألصق أحدهم كعبه بكعب صاحبه. وإذا لا يمكن فلا أقل من أن يلصق القدم بالقدم، لا يدع فرجة للشيطان. أما ما يفعله بعض الناس من وضع فرجة للشيطان من يمين ومن يسار، هذا خطأ. الذي ينبغي هو تراص الصفوف، أن تتراص الصفوف، يقترب بعضها من بعض. ومن ذلك: أنهم يستعينون على هذا في تصغير فتحة القدم بعدمهم إذا بدأ تكبيرة الإحرام، جعل الرجل في المشرق ورجل في المغرب يريد الراحة، فإذا سجد وركع وركع وسجد، جاءت الفراغات، جاءت الفراغات، فصار ممكنًا أن يدخل بين كل اثنين اثنين، بين كل اثنين اثنين، خصوصًا في بعض البلاد. ربما الحمد لله في بلادنا لا بأس. في بعض البلاد ما يريد أحد يشم رائحة صاحبه -يعني من شدة تنكفه- ما يريد يشم رائحة صاحبه، فربما جعل بينه وبين صاحبه مسافة اثنين، فترى الصف تتعجب: هذا صف أم ماذا؟ وهذا خلاف سنة النبي صلى الله عليه وسلم. والواجب هو عدم ترك فراغات في الصفوف، وعدم كذلك عوجاجها، بل حرص على تسويتها. ومن معانيها كذلك: من معاني تسوية الصفوف الحرص على إتمامها الأول فالأول، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «ألا تصفون كما تصف الملائكة؟» قالوا: «وكيف تصف الملائكة يا رسول الله؟» قال: «تتم الصف الأول فالأول». والحديد في الصحيح: «تتم الصف الأول فالأول»، يعني لا تكمل لا تقف الصف الثاني حتى تكمل الصف الأول، ولا الثالث حتى تكمل الثاني، هكذا تصف الملائكة. وينبغي أن نحرص على ذلك. طيب قد يقول قائل: أحيانًا في صلاة العيد ما شاء الله الصف ممكن يصف المصلي كله صف واحد ممكن، فإذا كلهم يأخذون الصف الأول. الجواب: لا، هنا يقال: يكون حد الصف الحد الذي يبلغهم صوت الإمام، لا ينبغي أن يطول قولًا فاحشًا يخفى معه صوت ورؤية الإمام، بل ينبغي أن يكون معه رؤية الإمام، يمكن يرى الإمام في تنقلاته. الأعمى يسمع، والأصم يرى. فيكون بذلك إدراك ائتمامًا مأمومًا بالإمام. فلذلك تكون الصفوف معتدلة: الصف الأول، ثم الصف الثاني، ثم الصف الثالث. وإذا كانوا قليل، يستحب أن لا تكون الصفوف أقل من ثلاثة. إذا أمكن أن تكون الصفوف ثلاثة فلا ينبغي أن تقل عن ثلاثة، يعني إذا كانوا قليل وأمكن أن يكونوا ثلاثة فذاك حسن. قاسوا بعضهم على الجنائز. والصحيح: أنه يمكن أن يكون صف واحد، ما دام ذاك الصف الواحد يدرك الإتمام بالإمام. والمعنى الخامس من معاني إتمام الصفوف: هو الحرص على أن يلي الإمام أولو الأحلام والنهى. فقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم في حديث ابن مسعود، ومعناه من حديث أبي مسعود، قال: «ليلني منكم أولو الأحلام والنهى، ثم الذين يلونهم». كررها ثلاثًا عليه الصلاة والسلام. وتكراره هذا يدل على ماذا؟ يدل على أهمية هذا المأمور به، وأنه ينبغي الاعتناء به. حتى ذهب بعض أهل العلم إلى وجوب هذا المأمور على من تعين فيه هذا الوصف، وأنه إن فرط فإنه يأثم. الناس إذا لم يجدوا إمام، الإمام بشر، هو حي، وقد يموت وهو صحيح، وقد يمرض وهو كذلك، ذاكر، قد ينسى وهو صاحي، قد ينام وهو نشيط، قد يفتر. فإذا لم يكن هناك من ينوب الناس في صلاتهم في حال ما يعرض للإمام ما يعرض، فإن الناس يصيبهم ما يصيبهم. وربما تقدم من ليس بكفء. فلهذا أمر النبي عليه الصلاة والسلام أن يليه أولو الأحلام النهى. وهكذا كذلك قد يعرض للإمام شيء أثناء الصلاة، يحدث، يغمى عليه، يخطئ في الصلاة، يسهى، ينسى، وغير ذلك مما يعرض للإمام. فإذا عرض له ما عرض وكان خلفه من أولي الأحلام النهى، راجعوه وصوبوه، صحح له. لكن إذا كان خلفه أطفال، أو خلفه من يجهل الأحكام الشرعية، أو من لا يحسن القراءة، أو كذلك من لا يميز بين الصواب والخطأ، كيف يمكن أن تصحح الصلاة للناس؟ فكون ذاك الذي عنده أهلية يتخلف مع استطاعته، هذا إثم. وقد نص جماعة من أهل العلم على هذا المعنى. ولهذا ذكر العلماء هذه الأحاديث في باب تسوية الصفوف. فقد أشار الإمام مسلم رحمه الله في كتابه إلى هذا الحديث، حديث ابن مسعود. وهكذا معنا حديث ابن مسعود في مسألة تسوية الصفوف. فهي من معاني تسوية الصفوف المأمور بها. ولاحظ قول النبي عليه الصلاة والسلام: «ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم»، يعني أن الأمر لا يقتصر عند أهل العلم والحفظة فقط، بل حتى الذي هو دون ينبغي أن يعرف أنه مطالب بشيء من المسؤولية. فكل واحد عليه شيء من المسؤولية ينبغي أن يراعيها. حتى إذا لم يوجد الأكمل وجد من فيه شيء من الكمال. وفي الحقيقة: زيادة العلم والخير هو تكليف أكثر من تشريف، هو تكليف أكثر من تشريف. حتى لا يظن أن مسألة كون الإنسان يحفظ القرآن ويتعلم العلم معناه سيكون مثل عامة الناس، لا. ليس أنت مثل عامة الناس، أنت تتعلق عليك واجبات وحقوق هي أكثر من غيرك. ولذلك يجب أن تكون في مواضع أمررتها. لست كسائر الناس، تصلي حيث يصلي الناس، وتأتي متى ما تأتي الناس، فتفريطك غير تفريطهم، وتقصيرك غير تقصيرهم، وتخلفك غير تخلفهم. فلذلك نص العلماء على هذا المعنى: أنه مما ينبغي الحرص عليه، بل قد يجب مع بعض الناس. وفي الحديث قال: «وإياكم وهيشات الأسواق». «وإياكم وهيشات الأسواق». قال بعض أهل العلم: وفيه هذا المعنى السادس: أن من تسوية الصفوف ألا يكون أثناء تسويتها شيء من الهيشات -يعني أصوات- الإمام يسوي الصفوف بعد أن تقام الصلاة، ونسمع أصواتًا مثل يوم الجمعة، وهكذا كذلك في بعض الصلوات التي يكثر فيها الناس. فينبغي أن ينصت الجميع، خصوصًا عند إقامة الصلاة وتسوية الصفوف. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ليلني منكم أولو الأحلام والنهاء، ثم الذين يلونهم». كررها ثلاث مرات. ثم قال: «وإياكم وهيشات الأسواق». قال رحمه الله تعالى: وأن عوجاج الصف خلل ونقص فيها. قال: الأحكام المستنبطة من الحديث: أولًا: مشروعية تعديل الصفوف في الصلاة، باعتدال القائمين بها على سمت واحد من غير تقديم ولا تأخير. وهذا السمت يكون في جهة القبلة. وينبغي الحرص على الاتجاه إلى جهة القبلة. إن أمكن التوجه لعينها إن علم فذاك، وإن لم يكن فما بين المشرق والمغرب قبلة. قد يحصل أحيانًا أن يختلف أناس في جهة القبلة، فيقول أناس: القبلة ها هنا، ويقول أناس: هنا. ثم يتبين ببعض الوسائل الحديثة جهة القبلة. فهل يجب تعديل الصف إلى جهة القبلة الحقيقي؟ الجواب: إذا كان بين المشرق والمغرب أو بين المشارق والمغارب فهو يجزئ، والأفضل لا شك التوجه إلى عين القبلة إلى علم عينها وتؤكد من ذلك. وأما إذا كان ليس إلى جهة ما بين المشرق والمغرب، فإنه عند ذلك يجب أن يتوجه إلى ذلك. والمراد بجهة المشرق والمغرب بالنسبة لأهل الشمال والجنوب. وهذا من باب التقريب، وإلا فأهل الشرق والغرب فسيتجهون إلى أين؟ ها أهل الشرق والغرب لا كذلك، سيتجون إلى جهة أخرى. فسيقول بدل يقال: «بين المشرق والمغرب»، سيقال: «بين الشمال والجنوب»، «بين الشمال والجنوب قبلة» واضح. فمثلًا الشمس تشرق وتغرب في مواسم السنة في مواضع مختلفة، ففي الشتاء تتقدم، وفي الصيف تتأخر، وهكذا الغروب. فإن كان سجود الناس لا يكونوا إلى جهة المغرب، ما دام قبلتهم ما بين المشرق والمغرب في أي موسم من هذه المواسم، فقبلتهم صحيحة. ما بين المشرق والمغرب قبلة. لكن أحيانًا هو يصلي ما بين المشرق والمغرب، لكن في بعض مواسم السنة يصلي إلى المغرب -عفوًا- إلى المغرب، يصلي إلى المغرب إذا به يصلي إلى جهة الشمس، هذا يدل أن قبلته ليست كل السنة ما بين المشرق والمغرب. فإذا قبلته فيها خطأ يحتاج إلى تعديل. وهذا هو الصحيح في مسألة الشيء اليسير الذي يعفى عنه، والشيء الذي لا يعفى عنه. فالشيء الذي لا يعفى عنه هو الذي لا يوقعه في الخروج عن الحد الذي هو محل العفو: ما بين المشرق والمغرب قبلة. وهذا العفو لأجل أن تسهل العبادات على الناس. فالمشقة تجلب التيسير. لو قيل للناس: ما تصح الصلاة إلا بالبوصلات، تعطلت الصلاة عن الناس. ما كل الناس يستطيع استعمل البوصلة، ولا كل الناس يستطيع كذلك امتلاك البوصلة. لكن هذا الدين يسر. من كان بالقرب من الكعبة توجه إليها، من كان بعيد فيكفي أن يعرف جهتها، وعنده أشياء تضبط له الجهة بالجملة. فإن كان في الجنوب أو في الشمال فما بين المشرق والمغرب قبلة، أو ما بين المغرب والمشرق قبلة -العكس على حسب مكانه-. فإن كان في الشرق أو في الغرب فما بين الشمال والجنوب قبلة، أو ما بين الجنوب والشمال قبلة بحسب موقعه. لكن إذا كان قد توجه إلى جهة الشمال والمطلوب منه ما بين الشمال والجنوب، إذن هو انحرف عن القبلة. أو توجه إلى جهة الغرب والمطلوب أن يتوجه ما بين المشرق والمغرب، إذن هو انحرف عن القبلة ولو كان في بعض أيام السنة -مثلا في الصيف- يصلي ما بين المشرق والمغرب، لكن في الشتاء هو يصلي إلى جهة المغرب، إذن هو مصيب أو مخطئ؟ هو مخطئ، هو مخطئ؛ لأنه لم يصل ما بين المشرق والمغرب، بل صلى إلى المغرب. فإذن يحتاج إلى تعديل إلى جهة اليمين، أو العكس إذا كان توجه إلى جهة الشرق، فإلى جهة اليسار، وهكذا. قال رحمه الله تعالى: أولًا: مشروعية تعديل الصفوف بالصلاة، باعتدال القائمين بها على سمت واحد من غير تقديم ولا تأخير. وهذا في ابتداء الصلاة، أو حتى في أثناء الصلاة. وقد مر معنا جواز الحركة في الصلاة فيما هو من مصلحة الصلاة. مثلا أنت صليت في صف طويل، فتبين لك وأنت تصلي أن الصف معوج، لا بأس أن تسعى إلى تعديل الصف وأنت في الصلاة، تتقدم وتقدم من بجانبك حتى يستوي الصف؛ لأن تسوية الصفوف مما هو مطلوب به في بداية الصلاة وأثناء الصلاة. قال: ثانيًا: أن تسويتها سبب في تمام الصلاة، فيكون ذلك مستحبًا كما هو مذهب الجمهور. وقيل بوجوبه لحديثي: «لتسون صفوفكم، أو ليخالفن الله بين وجوهكم». ومر معنا أن الصحيح التفصيل، فمن تسوية الصفوف ما هو مستحب، ومنه ما هو واجب. فما كان يؤدي إلى خلل يتخلل به الشيطان، وعوجاج يكون به مخالفة القلوب، فمثل هذا يجب تسوية الصفوف. وأما الشيء اليسير -كفراغ يسير- يحصل بسبب الحركة ونحوه، فهذا معفو عنه. يقول: ثالثًا: كراهة عوجاجها، وأن ذلك نقص في الصلاة؛ لأنه قال: «من تمام الصلاة»، مفهومه: عدم التسوية من نقصان الصلاة. قال: رابعًا: فضل صلاة الجماعة؛ وذلك لأن الأجر الحاصل من تعديل الصف متسبب عن صلاة الجماعة. يعني معناه: من زيادة أجر الجماعة أن الصلاة التي تكون في صف مستوي يكون فيها زيادة أجر أكثر. وهذا لا يكون إلا في صلاة الجماعة. فصاحب الصلاة في الجماعة ينال أجورًا مضاعفة. ومن مواضع مضاعفتها: تسوية الصفوف. قال: خامسًا: قيل: إن الحكمة في تسوية الصفوف هي موافقة الملائكة في صفوفهم. فقد أخرج مسلم عن جابر قال: أخرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «ألا تصفون كما تصف الملائكة عند ربها؟» قلنا: «يا رسول الله؛ كيف تصف الملائكة عند ربها؟» قال: «يتمون الصف الأول، ويتراصون في الصف». فأفاد ذلك ما سبقت الإشارة إليه من استحباب تسوية الصف الأول فالأول، ومن كذلك التراص -يعني عدم إيجاد فراغات- ومن كذلك أن تسوية الصفوف هو من باب موافقة الملائكة، مع ما فيه من المصالح الأخرى التي سبقت. كما أن في تسوية الصفوف مصالح أخرى: منها إيجاد المحبة بين المصلين، ورفع الكلفة فيما بينهم. ولذلك تجد أهل الكبر والخيلاء يستنكفون على مسألة التصاق الكعب بالكعب والمنكب بالمنكب، فهم لا مكان لهم في الصفوف في الحقيقة. لو لأن الله أمرهم بذلك، وإلا ربما ما رضيوا أن يصلوا مع الناس. فلذلك ترى مظاهر الكبر في تخلخل تلك الصفوف. والعكس بالعكس: كلما كان العبد أكثر تواضعًا كان أطوع في تسوية الصفوف وإقامتها. وهذا من فوائد تسوية الصفوف: سبب لحصول الأخوة، وكسر الكبر والخيلاء، وتخليق المسلم بالخلق الحسن، ومنه: التواضع. ومن مصالحه كذلك: تعويد المسلمين التنظيم، أن تكون حياة فيها ترتيب وتنظيم. إذا صار المسلم في صلاته وعبادته يحصل له مثل هذا الترتيب وهذا التنظيم، فإنه يكون في سائر حياته من باب أولى يعتني بذلك. وهكذا هذا الباب واسع، وفيه أشياء كثيرة. خلاصتها ما ذكر، وبه نكتفي. والله تعالى أعلم. يقول: هل ثبت رواية «العنق بالعنق» و«الركبة بالركبة»؟ أما «الركبة بالركبة» ما أعرف. لكن «حاذ بين المناكب والأعناق» صح، حسنه بعض أهل العلم، منهم العلامة الألباني رحمه الله. يعني المقصود هو تسوية الأجساد، العنق مثل الصدر. وهنا يأتي تنبيه: أحيانًا بعض الناس يسوون الصفوف بتسوية الأصابع من الأمام، وهذا خطأ. فرجل ما شاء الله رجله ثلاثين سنتي، وأخر رجله عشر سنتي، إذا سوى صاحب ثلاثين سنتي مع عشر سنتي بالأصابع، سيكون هذا متقدم، هذا متأخر. لكن المقصود هو تسوية الصدور والأجساد. ولذلك من فكه الصحابة أنهم كانوا يسوون ماذا؟ الكعب بالكعب، أي مؤخرة القدم الذي يكون به. وانظر ليس مؤخرة القدم فقط الكعب بالكعب؛ لأن الكعب هو موضع مقام الساق الذي به يكون الجسد. فيكون بذلك استواء الأجساد، فلا بأس أن تتقدم الأصابع أو تتأخر، أو مؤخرة الأقدام تتقدم أو تأخر. المقصود هو تسوية ماذا؟ تسوية الأجساد، تسوية الأجساد، أي: أن يكون الصدر متساوي، والمنكب متساوي، والكعب بالكعب متساوي. يقول: هل يجوز الدعاء لبعض الأقارب تعيينًا في الصلاة؟ وهل يجوز أن نجعله في القنوت -قنوت الوتر- مثلا؟ أما إذا كنت إمامًا فلا يصلح هذا. أما إذا كنت منفردًا فادعُ لهم في صلاتك بما شئت. أما أن تصلي بالناس قنوت الوتر وتدعو بالتعيين لأقاربك، لا. لكن أدعُ بالعموم. لا: «اللهم اغفر لنا ولوالدينا ولأقاربنا وكذا وكذا»، لا. بس أحيانًا يقول: هل ... يمشي حافيًا أحيانًا؟ «هل يمشي لعله بالشين صواب بالشين؟ هل يمشي حافيًا أحيانًا؟» من السنة: صح عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه كان يمشي أحيانًا حافيًا. ففي حديث أبي هريرة في الصحيح في قصة زيارة سعد بن معاذ، قال: «أنهم خرجوا حفاة غير منتعلين حسرًا، ليس على رؤوسهم القلانس ولا العمائم». فيدل ذلك على جواز هذا أحيانًا. وذكر أهل الطب أن في هذا منافع -أي: أن الإنسان يمشي أحيانًا حافيًا فهو فيه موافق للسنة أحيانًا- وكذلك منافع طبية كثيرة. لكن لا شك: درء المفاسد أولى من جلب المصالح. يعني لا يكون الإنسان سببًا لحصول فتن وأشياء إذا كان الناس لا يفقهون مثل هذا. حده الناس بما يعرفون. لكن لا بس أن تقدم مقدمات وتعلم الناس السنة. يقول: هل للمأموم اتباع الإمام فيما يختلف فيه؟ مثلا الإمام يرى استحباب، ووضع يدين على الصدر بعد الركوع، والمأموم يرى غير ذلك. هل يلزم المأموم اتباع الإمام؟ الجواب: لا، ما يلزم. إنما ما كان الحق فيه واحدًا فاتبع ما تظن أنه السنة. وما كان من تنوع العبادات فلو استطعت أن تتابع الإمام فتابعه. مثلا سلم الإمام بأحد كيفيات التسليم، فيستحب أن تتابعه وتوافقه في هذه الكيفية، ما دام أن أصلها ثابت وأنت تقر بهذا. طيب لهنا والله تعالى أعلم. شكرًا.