الدرس في التعليق على رفع الملام عن الأئمة الأعلام 16، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يتناول أسباب الخلاف بين الأئمة والعلماء في مسائل الفقه مثل الربا والخمر والوصل، ويبين أن أسباب الخلاف ترجع إلى عدم بلوغ العلم أو الفهم الخاطئ أو وجود شبهة وتأويل. يشرح أيضًا كيف أن بعض الأئمة قد أخذوا بأقوال مختلفة بناءً على قواعد فقهية مختلفة.
يناقش حكم استعمال آنية الذهب والفضة ويستدل على تحريمه بالأحاديث النبوية، كما يتناول مسألة قتال الصحابة ويبررها بأعذار شرعية وتأويلات مقبولة. يبرز أهمية اتباع الدليل في حل الخلافات الفقهية.
يناقش مسائل فقهية متعلقة بتحريم منع فضل الماء وتحليل نكاح المحلل، ويبين آراء العلماء في هذه المسائل وسبب الخلاف بينهم. يبرز أهمية الدليل في حل الخلافات الفقهية وتأويلات الحنفية لنكاح المحلل.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد، مر معنا بالدرس الماضي ما ذكره المؤلف رحمه الله من مسائل يشير بها إلى بعض ما وقع من خلاف بين لئمة الأعلام، وكيف أن يرفع الملام عنهم بوجود ما يعذرهم. وهذا أمر، والأمر الآخر وهو الأهم أنه لا يعذر من بعدهم وقوعه في هذا الخطأ. فكون الإمام يُعذر لوجود التأويل أو الشبهة أو عدم بلوغ العلم وغير ذلك مما تقدم، لا يعني ذلك أن من علم من أتباعهم يُعذره قول إمامه بعد ورود الدليل الصحيح الصريح في ذلك. وقد مرت معنا مجموعة من الأمثلة، وعلمنا أن المقصود ليس عين المثال، ولكن المقصود هو القواعد التي لأجلها حصل هذا الخلاف. وطالب العلم والمجتهد والباحث في هذا الباب، والطالب لمعرفة طريق التفقه، يستفيد من معرفة أصول المسائل أكثر من أمثلة المسائل. فما الأمثلة إلا للزيادة في إضاح هذه الأصول، وكذلك تجلية ما قد يكون من إشكال. وإلا فالأصل أن تعرف سبب الخلاف وما هو أصله، وعند ذلك يزيل ذلك لك الإشكال. ومرت معنا أمثلة من يذكر لنا بعض الأمثلة؟ بسم الله يمين عند من؟ ها؟ طيب، مثل حصر الربا بربا النسيئة، يجيزون الفضل ويحرمون النسيئة، وما هو السبب في هذا الخلاف؟ وهذا الأهم عندك. ابن عباس أخذ بأن الربا ينحصر في النسيئة دون الفضل، ما علم بالحديث. نعم، لم يبلغه. أولًا لأمرين: الأمر الأول أنه بلغه حديث «إنما الربا في النسيئة» عن أسامة، والصحيح أن هذا الحديث له سبب، وقد كسر بعدة تفسيرات سنأتي إليه. الثاني أنه لم يبلغ الحديث الذي فيه التصريح بتحريم ربا الفضل. فإذن، عنده العذر من جهتين: من جهة ورود لفظ كان سببًا بحصول الاشتباه والتأويل لما ورد من حديث بسعيد وغيره، والأمر الثاني لم يبلغه النص الصريح الذي ورد في قصة بلال. طيب، فإذن، عنده شبهتان. ولكنه على القول الصحيح هل بقي على هذا القول؟ رجع، ولكن طلابه ما بلغهم رجوعه. ليس كل طلاب عبد الله بن عباس بلغهم رجوع عبد الله بن عباس، فبقي بعض طلاب عبد الله بن عباس على هذا القول «إنما الربا في النسيئة» على رأي شيخهم عبد الله بن عباس. ولذلك صارت هذه المسألة مما تؤخذ على المكيين من طلاب بن عباس، أي أهل مكة. فالخطأ علمنا سببه، ولا يجوز بعد بلوغ الحجة أن يتابع إنسان على هذا الخطأ. طيب، مسألة ثانية: لهم فيها ثلاثة أقوال. أولًا، حصروا الخمر في الصنفين في التمر والعنب، وما دونه فليس بخمر عندهم. الثاني، لا خلاص تمر وعنب. هذا الأول. الثاني، يستثنى النبي لفظ النبي، فأخذوا باللفظ واستدلوا بأحاديث أن النبي صلى الله عليه وسلم كان ينتبذ. والصحيح أنه كان ينتبذ ما لم يكن قد تغير، فإذا تغير امتنع. يعني قبل أن يصل إلى الخمر، قبل أن يصل إلى الخمر. ولهذا نهى أن يشرب النبي بعد ثلاثة أيام، قال «لأنه في الغالب بعد ثلاثة أيام يتغير». الثالث، فيه خمر المدينة. كان العنب والنبي والعنب والتمر. نعم، أن بعضهم حصر التحريم في الشرب دون ما كان شيئًا زائدًا عن الشرب كالبيع مثلًا، أو كذلك ما كان خمرًا ثم تحول خلًا أو كذلك. وهذه مجموعة مسائل: ما كان بيعه عصير نبي لم يتخمر، ولكن لمن يصنعه خمرًا. فهذه المسائل كلها وقع فيها الخلاف، والسبب في هذا هو النظر كما تقدم للأدلة الواردة في هذا الباب. فمنهم من لم يبلغه الدليل، ومنهم من فهم خطأ في معنى الخمر، وكذلك الألفاظ الواردة لبعض الأحاديث، فعندهم شبهة. والصواب ما وردت به الأدلة كما تقدم معنا. طيب، هذه أمثلة، والأمثلة كثيرة، والمقصود أننا نصل إلى أن أسباب الخلاف كثيرة. فمنها من يرجع إلى عدم بلوغ العلم، ومنها من يرجع إلى الفهم الخاطئ، ومنها من يرجع لوجود شبهة وتأويل، وغير ذلك مما مر معنا أمثلته في هذا الباب. قال رحمه الله تعالى: «وكذلك لعن الواصلة والموصول في عدة أحاديث صحاح». ثم الفقهاء من يكرهه فقط. وهذه مسألة أخرى من المسائل التي وقع فيها الخلاف. فقد ورد النهي عن الوصل في أحاديث كثيرة، جاء في الصحيحين وحديث عائشة وعبد الله بن عمر وأسماء بنت أبي بكر، وجماعة من الصحابة كذلك خارج الصحيحين. وفي الصحيحين كذلك حديث جابر ومعاوية وجماعة. والشاهد مع ذلك وقع الخلاف. ما هو السبب؟ يقول «ثم من الفقهاء من يكرهه فقط» أو يكرهه فقط، يعني يجعل حكمه الكراهة. والسبب في هذا هو أمران اثنان. الأمر الأول أن هناك قاعدة يسير عليها بعض الفقهاء في هذا الباب: القواعد كثيرة، وكل قاعدة لها أثر في الخلاف في المسائل الفقهية. فهناك قاعدة «سد الذرائع». أبو حنيفة والشافعي يتسامحون في هذه القاعدة، وذلك مبني على أصول عندهم مذكورة في كتب القواعد والأصول الفقهية. ومالك رحمه الله يشدد في هذا الباب، يعني يشدد في باب سد الذرائع. كل ما يفضي إلى الحرام فهو حرام، سواء بالنص أو بالقياس. والمعنى بخلاف الحنفية والشافعية: الحنفية يتوسعون كثيرًا، والشافعية يتوسعون أقل من الحنفية، لكنهم يتسامحون في مسائل كثيرة في باب الذرائع. والإمام أحمد رحمه الله توسط، واستفاد من الأمثلة التي وقعت لهؤلاء الأئمة، فاستفاد من هذه الأمثلة فاتخذ مذهبًا متوسطًا بين المذهبين. فلم يتسامح كتسامح الحنفية والشافعية، ولم يشدد كتشديد المالكية. وكان مذهبه رحمه الله أقرب المذاهب إلى الصواب. هذا وجه، وعلاقة هذا الوجه بهذا الباب: أن تحريم الوصل ليس لذاته، ولكن لما يفضي إليه من مسائل يحصل فيها الغش. والغش باتفاق أهل العلم حرام. فالوصل لذاته هو ذريعة للوصول إلى شيء محرم. والمفضي إلى الحرام حرام. فكيف إذا جاء فيه النص؟ فإذا جاء فيه النص تأكدنا أنه حرام. يعني زاد القياس عندنا: قياس وأصل، ثم جاء نص أكد هذا القياس والأصل. فالواجب إثبات النص وعدم صرفه عن ظاهره. فلذلك قال من قال من الحنفية أنه للكراهة. وذهب الإمام الشافعي في القديم إلى أنه للكراهة، وفي الجديد إلى أنه للتحريم. تراجع عن قوله بالكراهة إلى التحريم. ولهذا كان الصحيح من قول الإمام الشافعي رحمه الله أنه يقول بالتحريم في هذه المسألة. الأمر الثاني أن الحديث ورد في باب الآداب، وقد اتخذ بعض الفقهاء قاعدة أن كلما كان أمرًا أو نهيا في باب الآداب فإنه ليس للوجوب ولا للتحريم، ولكن للاستحباب أو للكراهة. وهذه القاعدة الصحيح أنها غير مضطردة، بل هي أغلبية. فكيف إذا عارضت النص؟ إذا عارضت النص فإن ذلك يؤكد أن النهي للتحريم، وأن الأمر للوجوب لوجود النص. والنص ورد بصيغة اللعن: «لعن الله الواصلة والمستوصلة». واللعن الطرد من رحمة الله سبحانه وتعالى، فدل أنه ليس فقط محرم، بل على الصحيح كبيرة من الكبائر. قال رحمه الله تعالى: «وقال صلى الله عليه وسلم: «إن الذي يشرب في آنية الفضة إنما يجرجر في بطنه نار جهنم»». ومن الفقهاء من يكره كراهة تنزيه. وهذا كذلك من يجعله من باب سد الذرائع. وأن ما كان من سد الذرائع لا للتحريم فهو للكراهة لا للتحريم. والصحيح أنه قد جاء النص، فإنه إذا جاء النص ينبغي أن لا يعمل بتلك القواعد؛ لأن القواعد في الغالب أغلبية وليست مضطردة، فخالفها النص. ثم كذلك القياس الصحيح إذا تأملنا نجد أن النهي ليس فقط لأجل ما يفضي إليه من الكبر والخيلاء كما قالوا، ولكن لأن الشرب في آنية الفضة والذهب تؤثر حسًا ومعنى على أصحابها. أما معنى فتدخل فيهم الكبر والخيلاء والتعاظم والإسراف والتبذير. إذا فتح هذا الباب فهو ليس له نهاية. تبدأ الآنية والأوعية وكل شيء من الذهب. ولا شك أن هذا فيه إضاعة لمال كثير، ثم فيه كذلك الأشر والبطر الذي يكون عليه حال المترفين. والإسلام ينهى عن مثل هذا. بل حتى النبي صلى الله عليه وسلم بأحاديث كثيرة: «أن من له فضل مال فليتصدق من فضل ماله». «من كان له فضل مركوب يتصدق من فضل مركوبه». «من كان له فضل كذلك محلوب تصدق من فضل محلوبه». فكيف بآنية وأبواب وأوعية وغير ذلك من الذهب والفضة؟ والأمر الآخر: الأمر الحسي أنها تؤثر استعمال هذه المعادن تؤثر على صحة وأبدان الناس. تؤثر على صحة وأبدان الناس. فلذلك نهى عن التعامل بها. وقد أثبت الطب الحديث ذلك. أي أن المداومة على استعمال هذه المعادن تضر بالجسد. قال النووي رحمه الله تعالى في كتابه المجموع: «ويكره استعمال أواني الذهب والفضة لما روى ذوي بن اليمان أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا تشربوا في آنية الذهب والفضة، ولا تأكلوا في صحافهما؛ فإنها لهم بالدنيا ولكم بالآخرة»». وفيه كذلك علة ثالثة: وهو النهي يعني التشبه بالكفار. والتشبه بالكفار أصل من الأصول التي دل الشرع على ماذا؟ كراهتها أو تحريمها؟ تحريمها. على تحريمها. قال: «وهل يكره كراهة تنزيه أو تحريم؟ قولان». قال «في القديم كراهة التنزيه» يعني الإمام الشافعي؛ «لأنه إنما نهى عنه للسرف والخيلاء والتشبه بالعجم، وهذا لا يوجب التحريم». وقال «في الجديد: يكره كراهة تحريم». وهو الصحيح لقوله صلى الله عليه وسلم: «الذي يشرب في آنية الفضة إنما يجرجر بجوف نار جهنم». ولهذا كان القول الصحيح أنه ماذا؟ ليس فقط محرم، بل كبير من الكبائر. قال رحمه الله: «وكذلك قوله صلى الله عليه وسلم: «إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار» يجب العمل به في تحريم قتال المؤمنين بغير حق». ثم إننا نعلم أن أهل الجمل وصفين ليسوا في النار؛ لأن لهم عذرًا وتأويلًا سائغًا في القتال، وحسنات منعت المقتضي أن يعمل عمله. وهذا الحديث كذلك يشير به رحمه الله إلى ما وقع من خلاف ربما استدل به بعض الناس. وهو الخلاف الذي وقع في عهد الصحابة. فاقتتال الصحابة ليس معناه أن هذا ليس بحرام، بل هو حرام ولا يجوز، بل كبيرة من أعظم الكبائر. وفعل الصحابة أجاب عنه العلماء بعدة أجوبة. من أهمها خمسة أجوبة: أولها أنه ليس فيما وقع في الصحابة شيء من القتال الذي وقع عن عمد. ولا واحد من الحوادث التي وقعت بين الصحابة كان عن عمد وعن سابق إصرار في فعل القتل. وإنما كلها وقعت بسبب فتنة أثارها بعض المنافقين والمفسدين، فأثاروا القتال. وهم لم يريدوا القتال. مثل وقعة الجمل وصفين. فإن من قرأ في التاريخ كما ذكر الحافظ بن كثير بالبداية والنهاية، وهكذا كذلك ابن عربي قبله وغيره، ممن كتب في هذا الباب، فإنهم فصلوا وبينوا أنهم جاءوا ليصطلحوا، ولم يأتوا ليقتتلوا. ولكن في الليل قام بعض أهل الفتن بإشعال القتل، وكذلك الفتنة حتى اصطدم الفريقان. وكان بداية الاقتتال من الغوغاء الذين كان في الفريقين. فما درى الصحابة إلا وهم بين السيوف يدفعون عن أنفسهم. كل واحد يدفع عن نفسه القتل، ولم يرد القتل. الوجه الثاني: أنه كان هناك من يدعو من التابعين، ومن من كان حول الصحابة، من كان يدعو إلى إقامة الحق بقتال الفئة الباغية. وأصل الفتنة أن الزبير ومن معه، وكانت معهم عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها أرضاها، أتوا يطالبون بقتلة عثمان. وعلي رضي الله عنه أرضاه تولى الإمارة، وهو حديث عهد بها. والناس في فتنة، وهو لا يستطيع دفعًا للفتن أن يأتي بهم في الوقت الحاضر. فكان الخلاف ها هنا. والقتال كان المقصود منهم قتلة عثمان، المطالب بقتلة عثمان، وليس القتال علي رضي الله عنه أرضاه. فلم يعرف أن أحدًا نزع يده من طاعة، فضلًا أن يستحل قتال أمير المؤمنين علي رضي الله عنه أرضاه. فإن الإمارة استقرت له، والخلافة بإجماع الصحابة رضي الله عنهم أرضاه. فكيف يقال أنهم استحلوا قتله وقتاله؟ فهذا ليس بصحيح. وأدلة أهل العلم المروية في هذا الباب تكذب هذا الخبر. الأمر الثالث: أن هؤلاء الذين وقعت لهم هذه الفتنة، ودفعوا أنفسهم. لو قدر أن أحدهم لم يتدرج في الدفع. مع أننا نعلم من أدلة الشرع أنه يجوز للمسلم أن يدفع عن نفسه الصائل بالأخف، ثم ماذا؟ ثم الأعلى. فلو قدر أن أحدهم تعجل الأعلى دون الأدنى، فإن للصحابة من التأويل ما هو أعظم ما لغيرهم. إذا وقع مثل هذا لأي إنسان من الناس، أنه دفع ما ابتلي به بالأعلى دون الأدنى، وكان صاحب سيرة حسنة. هل تحسن الظن به أم لا؟ الواجب أن نحسن به الظن، وأن يقبل منه العذر. فكيف بالصحابة رضي الله عنهم أرضاهم؟ فهم من باب أولى أن تقبل منهم الأعذار، وأن كذلك يحسن بهم الظن؛ لسبقتهم وعظيم فضلهم في هذا الدين كما لا يخفى. الأمر الرابع: أن هؤلاء الصحابة رضي الله عنهم أرضاهم، لو قدر أن أحدهم وقع في خطأ، فإن عنده من الحسنات ما يكفر عنه ذلك الخطأ. مع أننا علمنا يقينًا أنه لم يقع منهم شيء عمد. لم يقع منهم شيء عمد. فأقصى ما يمكن أن يقال: أنه خطأ. وما وقع من خطأ فلا نشك أنه مغفور في بحور حسناتهم. كما قال الإمام ابن القيم رحمه الله: «الصحابة كالبحر الطهور ماء الحسنات ميتته». وقال في موضع آخر: «قال الماء إذا بلغ قلتين لم يحمل الخبث». يعني أن الخطأ منهم يغمر في بحور حسناتهم رضي الله عنهم أرضاهم. الأمر الخامس والأخير: أن هؤلاء الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم لم يثبت أن أحدًا منهم قتل صحابيًا آخر بنفسه على وجه التعيين. لم يثبت في شيء صحيح صريح أن صحابي قتل صحابيًا. وإنما وقعت فتنة، فوقع القتال. وأكثر القتل والقتال كان من غير الصحابة. يعني ما يوجد صحابي قتل صحابي أبدًا. وإنما وجد فتنة وقعت، فقتل بعض من في هذا الصف بعض من في هذا الصف. ومن مات من الصحابة لم يقتل بيد صحابي أبدًا. لم يثبت أن أحدًا منهم قتل بيد صحابي. أي أن صحابيًا قتل صحابيًا، وهذا لم يثبت أبدًا. وخصوصًا على وجه العموم. وبهذه الأجوبة الخمسة نعرف عذر هؤلاء وعذرهم رضي الله عنهم أرضًا. فإذا كان كذلك، فلا يجوز أن يكون وقوع مثل هذا مبيحًا لأحد أن يستحل القتال. ومع ذلك كما قال شيخ الإسلام مقيده بقوله «بغير حق». فهناك ما يكون من قتال المؤمنين بحق. مثل قتال الفئة الباغية. فإن بغت إحداهما فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله. قال رحمه الله تعالى: «وقال صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: «ثلاثة لا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم: رجل على فضل ماء يمنعه ابن السبيل...»». الحديث. ومن الفقهاء من يجوزون للرجل أن يمنع فضل مائه. فلا يمنعنا هذا الخلاف أن نعتقد تحريم هذا، محتجين بالحديث. ولا يمنعنا مجيء الحديث أن نعتقد أن المتأول معذور في ذلك. لا يلحق هذا الوعيد. فها هنا ثلاثة مسائل: المسألة الأولى أن النص ورد صريحًا بالتحريم، وخالف بعض الأئمة والعلماء لوجود شبهة. فوجود هذه المخالفة لا يجعلنا نطعن في أمانتهم أو كذلك في علمهم وديانتهم. والأمر الثالث ما هو واجب المتابع؟ واجب المتابع أن يتبع الدليل، لا يتبع من خالف الدليل. ولو كان من خالف الدليل من كان في الفضل والعلم؛ لأن العبرة بماذا؟ العبرة بالدليل. وهذا المقصود من إرادة هذه المسائل: المسائل وهذه المسألة وما ذكر في هذا الحديث. والحديث الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه له ألفاظ كثيرة. فيه ثلاثة مسائل. المسألة الأولى وهي المقصودة: تحريم منع فضل الماء. وقد اختلف فيه كما تقدم. والصحيح أنه على التحريم؛ لورود أحاديث كثيرة تدل على هذا التحريم. والمقصود بفضل الماء أولًا: الماء الذي في مكانه، لا ما نقل أو حمل أو صنع. فإذا حمل كمن يستقي الماء ينقله إلى مكان آخر، يجوز أن يبيعه. والبيع لأجرة الحمل. أو كذلك من يصنعه فإنه كذلك. والأمر الثالث: أن يكون ما زاد عن فضله. وقد اختلف العلماء في ضابط ذلك. وقد جاءت فيه آثار وأحاديث. والظاهر والله أعلم من جملة ما يفهم من الأحاديث والآثار، ومنه قصة الزبير الذي نزل بها قول الله عز وجل: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾. فالضابط في الفضل: الفضل هو أنه يأخذ حاجته، لا يزيد على ذلك. يأخذ حاجته لا يزيد على ذلك. فإن كان له أرض حتى تسقي أرضه. وإن كان له غنم حتى تشرب غنمه وبهائمه. وإن كانت له أسقية حتى يعب أسقيته. فبعد أن يأخذ حاجته من حاجة الأرض والبهائم والبشر والأوعية، فما زاد عن ذلك فلا يجوز أن يمنعه من الناس. فيعطيه الأقرب فالأقرب. سواء كان هذا الماء من السيول أو العيون أو كذلك ما كان بمعناها. قال رحمه الله تعالى: «وقال صلى الله عليه وسلم: «لعن الله المحلل والمحلل له»». وهو حديث صحيح قد روي عنه من غير وجه، وعن أصحابه. مع أن طائفة من العلماء صححوا نكاح المحلل مطلقًا. ومنهم من صححه إذا لم يشترط فيه العقد. ولهم بذلك أعدار معروفة. فإن قياس الأصول عند الأول: أن النكاح لا يبطل بالشروط كما لا يبطل بجهالة أحد العوضين. وقياس الأصول عند الثاني: أن العقود المجردة عن شرط مقترن لا تغير أحكام العقود. ولم يبلغ هذا الحديث من قال هذا القول. هذا هو الظاهر. فإن كتبهم المتقدمة لم تضمنه. لو بلغهم لذكروه آخذين به أو مجيبين عنه أو بلغهم وتأولوه أو اعتقدوا نسخة أو كان عندهم ما يعارضه. فنحن نعلم أن مثل هؤلاء لا يصيبهم هذا الوعيد. وفي نسخة: «لا يصيبهم». وهذا أصح؛ لأنه جمع. لا يصيبهم هذا الوعيد. لو أنه فعل التحليل معتقدًا حله على هذا الوجه. ولا يمنعنا ذلك أن نعلم أن التحليل سبب لهذا الوعيد. وإن تخلف في حق بعض الأشخاص لفوات شرط أو وجود مانع. هذه مسألة أخرى. عظيمة من المسائل التي اختلف فيها أهل العلم، وهي مسألة خطيرة. وقد ألف فيها شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله كتابًا عظيمًا سماه «بيان الدليل في إبطال التحليل». ذكر فيها هذه المسألة وأدلتها، وفصل فيمن خالف فيها، وأعذر من أعذر. وبين أنه لا عذر لمن جاء بعد هؤلاء الأئمة؛ لأن لهم عذر، ومن بعدهم ليس لهم عذر بعد ورود الأدلة الصريحة. ومبنى هذه المسألة على ثلاثة قواعد: القاعدة الأولى هي قاعدة الحيل والتوسع فيها. فمالك وأحمد شددوا في باب الحيل. والحنفية رخصوا في باب الحيل، ونظروا إلى المقاصد والنيات أكثر مما نظروا إلى الأدلة. فكأنهم يقولون: إذا كان المقصد طيبًا والمراد الوصول إليه حلال، فلا بأس. ما دام أنه لم يعارض دليل. ولكن في هذه المسألة حتى على قاعدتهم عارضوا الدليل. قال: «ولكن لعل السياق يتضي العقود». والصواب أو الأفضل: العقود. نسخة العقود وهو الأولى. لماذا؟ سيأتي إن شاء الله كلام على هذا. القصود المجردة يجوز العقود. والقصود أنا عندي هنا القصود. وفي نسخة: العقود. يجوز العقود ويجوز القصود. ولكن لعل السياق يتضي العقود. نقول: ورد نسخة العقود. والصواب أو الأفضل: العقود. نسخة العقود وهو الأولى. لماذا؟ سيأتي إن شاء الله كلام على هذا. طيب. قال: وقياس الأصول عند الثاني: أن العقود المجردة عن شرط مقترن لا تغير أحكام العقود. يعني أنهم نظروا إلى الألفاظ ولم ينظروا إلى المقاصد. نظروا إلى الألفاظ ولم ينظروا إلى المقاصد. وهذه مسألة أخرى هي من أسباب الخلاف. قال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى في كتاب «أعلام الموقعين»: «الصورة السابعة...». ثم ذكر معاملة. ثم قال: «فدل على أن القصد روح العقد ومصححه ومبطله». فاعتبار القصود في العقود أولى من اعتبار الألفاظ. أولى من اعتبار الألفاظ. فإن الألفاظ مقصودة لغيرها. ومقصود العقود هي التي تراد لأجلها. فإذا ألغيت واعتبرت الألفاظ التي لا تراد لنفسها كان هذا إلغاء لما يجب اعتباره. ثم ذكر رحمه الله تعالى أن هؤلاء الأئمة قد يكون لهم عذر. وقد تبين له رحمه الله أنهم خصوصًا الحنفية لم يقفوا على هذا الحديث. كما مر معنا قبل قليل. ولذلك قال: «فإن كتبهم المتقدمة يريد الحنفية عند أئمتهم كأبي حنيفة ومحمد بالحسن وأبي يوسف وغيرهم من أئمة الحنفية الكبار المتقدمين». قال: «لم تضمنهم أي هذا الحديث حديث التحريم التحليل». ولو بلغهم يعني الحديث لذكروه آخذين به. هذا وجه. لكنه لم يذكر بكتبهم. أو مجيبين عنه. يعني حتى لو لم يأخذوا لذكروه وأجابوا عنه. أو بلغهم وتأولوه. ذكروا التأويل. هذا الثالث. أو اعتقاد نسخه. هذا الرابع. أو كان عندهم ما يعارضه. وهذا الخامس. وكل هذه الخمسة لم تكن. وكل هذه الخمسة لم تكن. قال في موضع آخر: «أنه تتبع كتب أبي حنيفة وأتباعه ومحمد بن حسن وأبي يوسف». فلم يجد في كتبهم ذكر هذا الحديث. قال: «فلعله لم يبلغهم». ولو بلغهم لما خالفوه. ولو بلغهم لما خالفوه. إذن هذا الأصل الأول. الأصل الثاني: القياس. الأصل الأول: التحليل باعتبار النية. الثاني: باعتبار القياس. والقياس هنا: قياس شبه. وهو من أضعف الأقيسة. وعند الرجحان بين المصالح والمفاسد نجد أن مفسدة سد باب الزنا أعظم من مفسدة حرمان هذا الرجل من امرأته بهذا الطريق. ولكن عندها طريق آخر صحيح. وهي أن تدخل بنكاح صحيح ليس فيه حيلة لإرجاع هذه المرأة إلى زوجها. والصواب هو ما تقدم من العمل بالحديث. ثم قال: «ولهم بذلك أعدار معروفة». فإن قياس الأصول عند الأول -يريد بالأول الحنفية- أن النكاح لا يبطل بالشروط. يعني اختلال بعض الشروط عند الحنفية لا يبطل النكاح. ولذلك يجيزون النكاح بايش؟ من غير ولي. الحنفية يجيزون النكاح من غير ولي. ومخالفتهم للنص لأجل قاعدة. لأجل نعرف ما هو سبب الخلاف. سبب الخلاف: أن عندهم قاعدة وهي أن بطلان بعض الشروط لا يستلزم بطلان العقد. والصحيح في هذا: أن ما تعلق بالشرط كل نهي تعلق بذات العبادة أو المعاملة أو شرطها فإنه يبطلها. وهذا كلامه في كتب القواعد الفقهية. قال: «كما لا يبطل بجهالة أحد العوضين». يعني هذا في باب المعاملات عندهم. جهالة أحد العوضين عندهم لا بأس. أما جهالة الجهتين عندهم ممنوع. وهذا غير صحيح. وهذا كذلك مبني على هذه القاعدة التي أشار إليها. طيب، ما علاقة هذا بهذا؟ النكاح: نكاح المحلل. وجه العلاقة: أن هناك شرط في هذا النكاح وهو أن هذا الرجل سيدخل لأجل يحلل. إذن هذا الشرط على قاعدتهم -ولو خالف أصل النكاح- فعندهم لا يضر بالنكاح. لهذه القاعدة. وهذا ليس بالصحيح. وهذا يدلك على تبحر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله. فإنه لم يطلع فقط على الخلاف، بل كان مطلعًا على أصول سبب الخلاف. أصول سبب الخلاف. وهذا من تبحره وسعة علمه رحمه الله تعالى. نقف لهنا ونكمل الباقي إن شاء الله في درس لاحق. والله تعالى أعلم. صلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.