الدرس في شرح السياسة الشرعية 41، الدرس الحادي والأربعون:من( الفصل الخامس:حد الزاني ... ولو أقر على نفسه ثم رجع فمنهم من يقول يسقط عنه الحد ومنهم من يقول لا يسقط ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
شرح حد الزاني المحصن واختلاف العلماء في الجمع بين الجلد والرجم استنادًا إلى أحاديث نبوية وآثار صحابية. يبين آراء مختلفة حول نسخ الجلد أو الجمع بين الجلد والرجم.
يتناول تفاصيل عقوبة الزاني المحصن وغير المحصن، حيث يختلف العلماء حول الجمع بين الرجم والجلد أو الاكتفاء بالرجم للمحصن، والجلد والتغريب لغير المحصن. يشرح آراء العلماء حول هذه العقوبات.
يشرح شروط إقامة حد الزنا وإحصان الزاني، مثل إثبات الفعل بشهادة أربعة أو إقرار الزاني، وأن يكون الزاني حرًا مكلفًا ووقع منه جماع بنكاح صحيح. يشمل أيضًا تفاصيل حول عقوبات الزاني.
الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في كتابه «السياسة الشرعية» في الفصل الخامس «حد الزاني»: «وأما الزاني فإن كان محصنًا فإنه يرجم بالحجارة حتى يموت، كما رجم النبي صلى الله عليه وسلم ماعز بن مالك الأسلمي، ورجم الغامدية، ورجم اليهوديين، ورجم غير هؤلاء، ورجم المسلمون بعده». فهذا الفصل كما ترون جعله رحمه الله لحد الزاني، فمن الحدود التي يجب على ولي الأمر أن يقيمها حد الزنا. ويجب على المسلمين من الرعية أن يتعاونوا في إقامة هذه الحدود، وأن لا يعترضوا عليها بقول ولا فعل، بمباشرة أو بغير مباشرة، بما يكون فيه تعاون على الإثم والعدوان، بل الواجب التعاون على البر والتقوى. ومن ذلك الحرص على إقامة الحدود. ثم ذكر رحمه الله أن الزاني إن كان محصنًا فإنه يرجم، وقدم بهذا لأن الإحصان والرجم فيه أنكره طائفة من الخوارج وبعض أهل البدع، وقد دلت عليه أدلة من الكتاب والسنة. ففي الصحيحين عن عمر رضي الله عنه أنه كان مما نزل من القرآن آية الرجم: «الشيخ والشيخة إذا زنيا فرجموهما البتة»، وكانت آية من القرآن، فنسخ لفظها وبقي حكمها. هكذا جاء معناه في الصحيحين عن عمر رضي الله عنه. وهكذا ما أشار إليه من أحاديث، كحديث ماعز بن مالك الأسلمي، وهو في الصحيحين من حديث ابن عباس، فإن النبي صلى الله عليه وسلم رجمه باعترافه، باعتراف نفسه. وهكذا الغامدية، كما جاء حديثها في صحيح مسلم من حديث بريدة بن الحصيب رضي الله عنه، رجمها النبي صلى الله عليه وسلم باعترافها على نفسها. ورجم اليهوديين كذلك، كما جاء معناه -يعني قصة اليهوديين- في البخاري ومسلم، كذلك من حديث عبد الله بن عمر. ورجم غير هؤلاء -يعني- يشير إلى قصة العسيف: «اغدوا يا أُنيس إلى امرأتي هذا، فإن هي اعترفت فارجمها»، لأنها كانت محصنة متزوجة، والغلام الذي عمل عندهم -العسيف- كان أعزبًا بكرًا لم يكن محصنًا. والحديث تقدم معنا حديث أبي هريرة، وهو في الصحيح. وهكذا كذلك حديث جاء معناه من حديث زيد بن خالد. وقوله: «ورجم المسلمون بعده» يعني الخلفاء الراشدون وغيرهم. وقد خطب عمر رضي الله عنه يحذر من ترك الرجم، وأن يأتي أقوام فيقولون: لا نجد آية الرجم. وأخبر أن كان مما أنزل من القرآن آية الرجم، فرجم، وقال: «ورجمنا بعده». وهكذا فعل الصحابة من بعده -يعني عثمان وعليًا رضي الله عنهما- في وقائع كثيرة، وسيأتي الإشارة إلى بعضها. فالرجم ثابت بالإجماع، بدليل الكتاب والسنة وإجماع السلف الصالح، وسيأتي معنى تفاصيل إن شاء الله في هذا المعنى، وبيان معنى الإحصان، وكذلك الشروط التي يجب فيها إقامة الحد، والتفصيل في حد الزاني. قال رحمه الله تعالى: «واختلف العلماء هل يجلد قبل الرجم مئة على قولين في مذهب أحمد وغيره». وهنا لم يرجح شيخ الإسلام شيئًا فيما يظهر، وفي بعض كتبه الأخرى رجح شيخ الإسلام رحمه الله الجمع بين الجلد والرجم. وقد اختلف أهل العلم في هذا على أقوال، فمنهم من ذهب إلى أن الجلد قد نسخ، أي بعد الرجم أو قبل الرجم لا يكون جلد. وأشار ابن عبد البر رحمه الله في مواضع من كتبه إلى ذلك، وأن آية أو حديث الجمع بين الجلد والرجم -وهو حديث عبادة بن الصامت في صحيح مسلم- كان في أول الإسلام، بعد إذ لم يكن هناك حكم في الزنا، لأنه نزل أول ما نزل في ذلك قول الله جل وعلا: ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنْ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهْنَ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا﴾ [النساء:15]. وجاء في صحيح مسلم من حديث عبادة بن الصامت أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «خذوا عني، خذوا عني، قد جعل الله لهن سبيلًا، البكر بالبكر جلد مئة ونفي عام أو نفي سنة، والثيب بالثيب جلد مئة والرجم». فأخذ بعض أهل العلم بظاهر هذا الحديث، إذ أن النبي صلى الله عليه وسلم فيه جمع بين الجلد وبين الرجم. ويروى عنه ويروى عن علي رضي الله عنه -فيما رواه الحاكم وصححه، والنسائي في الكبرى وغيرهما، وصححه العلامة الألباني رحمه الله- أنه جمع بين الجلد والرجم، فقد أتي له بامرأة مدانية يقال لها شراحة، فأمر بجلدها ورجمها، فجلدها يوم الخميس ورجمها يوم الجمعة، والقصة الصحيحة. فذهب بعض أهل العلم على ظاهر ما ورد في هذا الباب، فقالوا: يجمع بين الرجم والجلد مطلقًا. وذهب بعض أهل العلم إلى أن هذا منسوخ بفعل النبي صلى الله عليه وسلم، كما أشار إلى ذلك ابن عبد البر وغيره من أهل العلم. وروي عن الزهري أنه أنكر الجمع بين الجلد والرجم، وقال: إنما رجم النبي صلى الله عليه وسلم ولم يجلد مع الرجم، وذكر أن عمر رضي الله عنه رجم ولم يجلد مع الرجم. فأنكر جماعة من أهل العلم الجمع بين الجلد والرجم، وذهب من ذهب منهم إلى أن ذلك منسوخ، أي الجمع بين الجلد والرجم. وهذا ما ذهب إليه ابن عبد البر رحمه الله وغيره من أهل العلم، جماعة من أهل العلم. وذهب آخرون -وهي رواية مشهورة عن جماعة من السلف، كما ذكر ابن رجب رحمه الله في «جامع العلوم والحكم»- إلى أنه يفصل. فمنهم من ذهب إلى القول الأول، وهو عدم الرجم، وهو قول كثير. وقال طائفة أخرى: إنه يفصل. وهذا التفصيل رواية عن إمام أحمد وإسحاق، كما أنه روي عن إمام أحمد وإسحاق القول بعدم الجمع بين الجلد والرجم. وروي عنه رواية أخرى بأنه يقول بالتفصيل: فإن كان الزاني شيخًا فإنه يجمع له بين الرجم والجلد، لأن الزنا منه أعظم، فتأديبًا وتنكيلًا وردعًا لغيره يجمع له بين ذلك. وبعضهم ذكر غير هذا. والصحيح بهذا التفصيل: فإن هذا هو الذي تجتمع به الأدلة، وإعمال الدليلين أولى من إهمال أحدهما، خصوصًا وليس عندنا شيء صحيح صريح يدل على النسخ، والقول بالنسخ يحتاج إلى حجة وبرهان، ولا حجة وبرهان يدل على النسخ هنا. ولهذا كان القول بالتفصيل هو الصواب، وهو المروي عن الإمام أحمد وإسحاق. فالمشهور عنهما أنهما يقولان بالرجم فقط، وروي عنهما بأنهما يقولان بالجمع بين الجلد والرجم، وروي عنهما أنهما يقولان بالتفصيل، فيما إذا كان شيخًا وشيخة. وعلى هذا حمل بعضهم الرواية عن علي رضي الله عنه. فإذن يكون القول الذي تجتمع به الأقوال: أن الأصل في هذا الباب فعل النبي صلى الله عليه وسلم وعمر رضي الله عنه، وهو قول جمهور السلف، أي يكتفى بالرجم، إلا في أحوال يقتضي مضاعفة العقاب، فإنه يضاف مع الرجم الجلد، مثل أن يكون ذلك من شيخ وشيخة، يقتضي زيادة التأديب لهما، أو امرأة لا يليق بمثلها أن تزني. وهذا له أصل، فقد خفف ربنا جل وعلا حد الزنا بالنسبة للأمة، لما قد تبتلى به، ولم يكن كذلك في حق الحرة، وفي حق الحر. وأما العبد والأمة خفف، وكذلك يقال في هذا الباب، خصوصًا وأنه قد روي معناه عن بعض أهل العلم، وكذلك السلف فيعمل به، بل وردت به بعض الأحاديث التي فيها زيادة الوعيد فيما يكون فيه مثل هذا الوصف. فكذلك يقال بهذا إذا وجد معناه، فإذا وقع مثلًا الزنا ممن لا ينبغي أن يقع لمثله -مثل كبير في السن، أو حامل علم، أو كبير قومه، أو نحو ذلك- فإنه يجمع له بهاتين العقوبتين. وبهذا تجتمع الأدلة، والله تعالى أعلم. قال رحمه الله: «وإن كان غير محصن فإنه يجلد مئة جلدة بكتاب الله، ويغرب عامًا بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم». وإن كان بعض العلماء لا يرى وجوب التغريب. وهذه مسألة أخرى تتعلق بالزاني إذا لم يكن محصنًا، وسيأتي من هو المحصن إن شاء الله. فإن كان بكرًا -يعني لم يتزوج، لم يحصل له نكاح صحيح- فهنا جاءت الأدلة من الكتاب أنه يجلد مئة جلدة بشروطه كما سيأتي إن شاء الله، ويغرب عامًا كما مر معنا في حديث العسيف، وهكذا حديث عبادة بن الصامت، وغيرها من الأحاديث الأخرى. وقوله: «إن كان بعض العلماء لا يرى وجوب التغريب» يعني بعضهم خالف في هذا، فقد روي عن أبي حنيفة وجماعة بأن هذا خاص بالإمام، واستدلوا ببعض الأدلة التي ليس فيها التصريح بالنفي. ويروى عن الإمام مالك رحمه الله التفصيل بين المرأة والرجل، فيقول: الرجل يغرب والمرأة لا تغرب. والصحيح بهذا عموم الحكم، وقد بوّب الإمام البخاري رحمه الله في صحيحه بابًا فقال: «البكران يجلدان وينفيان»، يعني الحكم عام للذكر وللأنثى. وأما مفسدة ما قد يترتب على سفر المرأة فيقال: تحفظ بمحرمها، تحفظ بمحرمها. وأما إذا ترتب على ذلك مفسدة فتسجن، كما أن الرجل إذا ترتب على نفيه مفسدة فإنه يسجن. وفي سجن كذلك يعينه على التوبة والصلاح، وليس سجن يزيد في الإفساد، ومثله المرأة. وهذه مسألة مهمة ينبغي أن يراعيها المسلمون من راعي ورعية، لأن الشرع أمر بهذا المعنى وتتبعه، فدرء المفاسد من الأمور العظيمة التي جاءت الشريعة عليها. وانظروا ما قال شيخنا رحمه الله في تعليقه، قال رحمه الله: «والصحيح وجوب التغريب؛ لأنه ثبت بالسنة، ولأن فيه مصلحة، فإن الزاني إذا غرب إلى بلد آخر غير بلده فإنه لا بد أن تنكسر نفسه، ولا يكون عنده ذلك المرح الذي كان في بلده، وأيضًا إذا غرب ابتعد عن «محل الفاحشة» فربما ينساها. وبناءً على هذا التعليل يجب أن يغرب إلى بلد أبعد من الفاحشة من بلده». تأمل هذا المعنى، ومعنى أنه إذا لم يكن كذلك فيلغى هذا الحكم. ولهذا قال: «فمثلًا لا يغرب إلى بلد تفعل فيه الفواحش، ولا أحد ينهى فيه، ولا أحد يأمر؛ لأن بعض الناس يظن أن المقصود هو التغريب، وهذا ليس بالصحيح، لكن المقصود تغريب يعين على العفاف، وليس تغريب يزيد في الزيغ والفحش». فاليوم مثلًا الكثير من بلاد الناس -إلا ما رحم الله- لا يعين على العفاف، فلا يصح أن يقال: أن يخرج المسلم الذي زنى في بلد مسلم تكثر فيه الطاعة، أن يؤمر بنفيه إلى بلد تكثر فيه المعصية والفاحشة، فهذا خطأ، بل هذا لا يعين على العفاف، يعين على الفساد. ولهذا قال شيخنا ما سمعنا، قال: «لا يغرب لبلد تفعل فيه الفواحش، ولا أحد ينهى فيه، ولا أحد يأمر». قال: «فإن تعذر ذلك فقيل: يسقط التغريب، وقيل: يحبس لمدة سنة، وهذا هو الأصح؛ أنه يحبس لمدة سنة، حرصًا على نفسه وإصلاحًا لحاله». ومن هنا يأتي التنبيه لما أريد التنبيه إليه، وهو أن إقامة الحدود -خصوصًا فيما يتعلق بالنساء والمردان- مشروط بما يكون به الإصلاح، لا بما يكون به الإفساد. فمثلًا في بلد كثر فيه فساد جند السلطان، وبعض الولاة، ربما إذا أتي بالزانية أو الصبي الذي وقع في شيء من الفحش، فسلم إلى جهات الاختصاص لأجل أن يقام عليه الحد، ينقلب الأمر إلى مفسد أعظم، إذا وجد الفساد ربما ماذا يحصل؟ يحصل استغلال هذا الصبي أو هذه المرأة في فساد أعظم مما وقعت فيه. فإذا كان الحال هكذا فالشرع لا يأذن لنا، ولا يأمرنا، بل لا يأذن لنا أن نوصل أمثال هؤلاء إلى مثلي هؤلاء؛ لأننا مأمورون بدرء المفسدة الكبرى بالصغرى. فذهابهم إلى أمثال هؤلاء المفسدين يعتبر مفسدة كبرى، يعتبر مفسدة كبرى. فهنا ينبغي أن يراعى مثل هذا المعنى، قد يقول قائل: «إذن تتعطل الحدود»، يقال: «ولو كان، ولو كان؛ لأن الحدود إنما قصد منها ماذا؟ الإصلاح، وليس الإفساد». فإذا كانت الحدود لن تقام، أو إذا أقيمت ستقام بعد أن تقع مفاسد أعظم منها وأكثر، بل الغالب أنها لا تقام. حتى صار في بعض الجهات التي يكثر فيها الفساد بين بعض جند السلطان وبعض الزانيات والعاهرات علاقات، كلما اكتشفوا واحدة صارت عميلة وخادمة لهم، وتستغل في أشياء فاحشة. فمثل هذا لا شك أنه مفسد أكبر، لكن ممكن أن يزجر بشيء آخر، ممكن أن يزجر هؤلاء بشيء آخر، يستعان بمشايخ الحارات، أو جهات الاختصاص الأعلى -كالقضاء، أو كذلك بعض المسؤولين الكبار- بما يكون به ردع هؤلاء، لا بتسليمهم إلى من يفسدهم ويفسد بهم، فينتبه لهذا. قال رحمه الله تعالى: «ولا يقام عليه الحد حتى يشهد عليه أربعة شهداء، أو يشهد على نفسه أربع شهادات عند كثير من العلماء، أو أكثرهم. ومنهم من يكتفي بشهادته على نفسه مرة واحدة». ولو أقر على نفسه ثم رجع، هذه مسألة أخرى. أولًا: من شروط إقامة الحد أن يثبت هذا الأمر -وهو وقوع الزنا أو ما يلحق به كما سيأتي من اللواط- بشهادة أربعة شهداء، وسيأتي وصف هذه الشهادة، أو يشهد على نفسه. وهل يشترط أربع شهادات؟ أشار إلى الخلاف، منهم من قال: أربع شهادات، واستدل بقصة ماعز، وتثبت النبي صلى الله عليه وسلم منه، قالوا: أراد بتثبته أن يثبت عليه من قبل نفسه أربع شهادات. والصحيح أن هذا فيه تفصيل، الأصل عدم إثبات هذا الشرط -وهو أن يشهد المقر على نفسه بأربع شهادات- لعدم ورود هذا الشرط في شيء من الأدلة الصحيحة الصريحة من الكتاب أو من السنة. ويؤكده قصة الغامدية الذي قد سبق الإشارة إليها، فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يفعل معها كما فعل مع ماعز، حين سألها قالت: «يا رسول الله، أتريد أن تصنع معي معنى كلامها ما صنعت مع ماعز -أو كما قالت- فأمرها أن تضع حملها» الحديث، حتى إذا وضعت حملها وجاءت، أمرها أن ترضع طفلها حتى تطعمه -أو حتى يطعم-. فالشاهد: لم يحصل ما حصل في قصة ماعز. وهذا يدل أنه ليس شرطًا، لكن قصة ماعز تدل على معنى، وهو أن من كان مظنة وقوع إقرار بغير رضا، أو بغير كذلك وصف يقتضي قبوله، فلابد من التثبت؛ لأنه قد يكون مكرهًا، قد يكون كذلك شرب شيئًا، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «استنكهوا، تأكدوا منه، شموا»، وما سأله: «أبك جنون؟» فإنه قد يكون الإنسان عنده أشياء تجعله يقر على نفسه بما ليس فيه. وهذا واقع في أحوال الناس، فإن من الناس من به أمراض نفسية، أو وساوس، أو كذلك شيء من الضيق الذي يدفعه إلى قتل نفسه، فيرمي نفسه في تهم لا أصل لها، أو كذلك قد يكره أحد على شيء، وغير ذلك مما قد يقتضي التثبت. فالمهم: إذا وجدت قرينة تقتضي التثبت فلابد من التثبت. وإذا لم تدل قرينة على ذلك، وتبين من ظاهر الحال والمقال أن المتكلم يعقل ما يقول، ويقوله بكل رضا وثبات، فإنه يقبل منه ولو مرة واحدة. وهذا هو الصحيح. قال رحمه الله تعالى: «ولو أقر على نفسه ثم رجع، فمنهم من يقول: يسقط عنه الحد، ومنهم من يقول: لا يسقط. والصحيح في هذا التفصيل كذلك». فمن قال: يسقط، استدل بما ثبت في بعض روايات حديث ماعز أن النبي صلى الله عليه وسلم حين أخبر أنه فر منهم -ود أن لو تركوه-. ومن قال: لا يسقط، أخذ بعموم الأدلة، وظاهر أول حديث ماعز وحديث الغامدية، وغير ذلك مما يقتضيه من عمومات في هذه المسألة. والصحيح في هذا التفصيل: إذا كان هناك ما يعدره في التراجع فإنه يسقط، مثل أن يعترف على نفسه أنه لم يفعل، فيكون هناك ما ظن أنه بالفعل لم يفعل ذلك، فيتثبت فيجدون أنه مثلًا قال ذلك ليقتل نفسه، أو لأن به شيء من الأمراض النفسية، أو أنه كذلك شرب شيئًا، أو نحو ذلك. فالمهم: إذا كان هناك ما يقتضي إسقاط الحد فإنه يسقط، وعمومات الشريعة تدل على ذلك. وإذا لم يكن هناك ما يدل عليه، فالأصل هو عدم السقوط. وقد سبقت معنا هذه المسألة والإشارة إليها. قال رحمه الله: «والمحصن من وطئ وهو حر مكلف لمن تزوجها نكاحًا صحيحًا في قبولها ولو مرة واحدة». هذه شروط الإحصان، المحصن من وطئ -أي من وقع منه جماع- ولكن مع من؟ مع كما أشار وسيأتي إن شاء الله مع حرة، ويكون بنكاح صحيح، وأن يكون هو حر. وهذا هو الشرط الثاني من شروط الإحصان. الشرط الأول: أن يكون قد وقع جماع. والشرط الثاني: أن يكون حرًا، وإن كانت امرأة أن تكون حرة. والشرط الثالث والرابع: أن يكون مكلفًا. والمكلف من هو؟ من هو المكلف؟ ها؟ ها يا أسامة: العاقل البالغ، يدخل في المكلف أمرين -أو يدخل أمران- العاقل البالغ. إذن الشرط الثالث: العقل، أن يكون عاقلًا. والشرط الرابع: أن يكون بالغًا. ولهذا أدلة تذكر في مواضعها، فالعقل لا بد منه، فقد وضع القلم عن ثلاثة، ومنهم المعتوه والمجنون حتى يفيق، والصبي حتى يحتلم. وقوله: «لمن تزوجها نكاحًا صحيحًا في قبولها ولو مرة واحدة» هذا هو الشرط الخامس: أن يكون قد تزوج بنكاح صحيح. فخرج بذلك ما إذا كان النكاح فيه شبهة، أو لم يكن نكاح -كزنا مثلًا- جامع لكن بزنا، فإنه لا يكون به وطء، أو بملك يمين. فالصحيح لا يعتبر محصن. وقوله: «في قبول» ليخرج ما إذا كان في غير ذلك. وقوله: «مرة واحدة» إذ لا يشترط فيه التكرار، فلو تزوج ليلة وطلق، وجامع في هذه الليلة صار محصنًا. وبه نعرف أنه لا يشترط استمرار وجود عقد النكاح، بعض الناس قد يظن خطأ أن المراد بالمحصن من زنا وهو متزوج، لا، وإنما من زنا وقد تزوج، سواء باقي الزواج أو لم يبق. طيب نقف إلى هنا ونترك الباقي إن شاء الله إلى بعد الصلاة.