الدرس في التعليق على عقيدة السلف للصابوني 8، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يشرح الدرس إثبات صفة النزول والمجيء لله عز وجل دون تشبيه أو تمثيل أو تكييف، مستندًا إلى الأدلة من الكتاب والسنة. يُبين أن هذه الصفات تمر كما جاءت دون تحريف أو تعطيل.
يتناول المقطع الرد على شبهات المعترضين حول صفة النزول، ويوضح أنها تليق بجلال الله ولا تشبه نزول المخلوقات. يُظهر موقف إسحاق بن إبراهيم الحنظلي في إثبات صفة النزول دون الخوض في الكيفية.
يشرح المؤلف حديث نزول الله إلى السماء الدنيا ويبين إسناده وطرقه، ويحذر من تحريفه. كما يُوضح فضل قيام الليل ويفضل أن يكون في الثلث الأخير لما فيه من أجر.
يصر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدم لكم التعليق على كتاب عقيدة السلف أصحاب الحديث للإمام أبي إسماعيل عبد الرحمن بن إسماعيل الصابوني رحمه الله تعالى، تعليق فضيلة الشيخ عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، القائم على دار الحديث بالشحر ودار الحديث بالفيوش. والآن مع الدرس الثامن. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد، مر معنا بالدرس الماضي ما ذكره المؤلف رحمه الله من أدلتهم من الكتاب والسنة والأثار المروية عن بعض الصحابة والتابعين والأئمة، فيما يتعلق بصفة العلو لله عز وجل. وكان مما مر معنا ما ذكره رحمه الله من الآثار التي فيها التشديد في قبول الآثار وخطر رد شيء منها. ومن ذلك ما مر معنا في كلام الإمام الشافعي رحمه الله تعالى، حين سأله رجل عن حديث، فقال السائل: أتقول به؟ فقال رحمه الله: «تراني في بيع أو كنيسة ترى علي زي الكفار؟ هو ذا تراني في مسجد المسلمين، علي زي المسلمين، مستقبل قبلتهم»، إلى آخره. فماذا أفاد هذا الأثر؟ نعم، وزيادة أن من رد شيئا منه جاحدا فقد كفر؛ لأنه قال: «تراني في بيع أو كنيسة ترى علي زي الكفار»، يعني المسلم لا يرد حديث النبي صلى الله عليه وسلم، إنما يرد حديث النبي صلى الله عليه وسلم الكفار من اليهود والنصارى ونحوهم. قال المؤلف رحمه الله تعالى: «ويثبت أصحاب الحديث نزول الرب سبحانه وتعالى كل ليلة إلى السماء الدنيا، من غير تشبيه له بنزول المخلوقين، ولا تمثيل، ولا تكييف، فيثبتون ما أثبته رسول الله صلى الله عليه وسلم، وينتهون فيه إليه، ويمرون الخبر الصحيح الوارد بذكره على ظاهره، ويكلون علمه إلى الله تعالى». ومما يثبتونه أصحاب الحديث، وكما مر معنا، أن أصحاب الحديث إنما يثبتون ما أثبت الله لنفسه بكتابه، أو أثبته له رسوله صلى الله عليه وسلم في صحيح سنته. ومن ذلك النزول، كما سيأتي معنا إن شاء الله تفصيله، نزولا يليق بجلال الله وعظمته، من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل. وقوله: «من غير تشبيه له بنزول المخلوقين»، أراد المبالغة في الرد على من نفى هذه الصفة بحجة التشبيه، وكذلك المبالغة في الإثبات لمن حرف هذه الصفة بالتمثيل أو التشبيه. فالله جل وعلا ليس كمثله شيء، ومر معنا أن لفظ التشبيه أوسع من التمثيل. ولذلك بعض أهل العلم يرى ويستحسن أن لا يعبر به، ويكتفى بتعبير القرآن في قوله سبحانه: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾، أي ينفى التمثيل، ولا ينفى التشبيه؛ لأن الشبه قد يقع في اللفظ والمعنى، لكنه لا يقع في الحقيقة والكيفية. فنحن نعرف معنى النزول ولفظ النزول، وصفة النزول، فهي تثبت لله عز وجل، وهكذا كذلك للمخلوق تثبت، ولكن تثبت لله على ما يليق بجلاله وعظمته، وتثبت للمخلوق على ما يليق بنقصه وضعفه، ولله المثل الأعلى. قال رحمه الله: «وكذلك يثبتون ما أنزل الله عز وجل اسمه في كتابه من ذكر المجيء والإتيان المذكورين في قوله عز وجل: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ﴾، وقوله عز اسمه: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾». والمعنى: من الصفات التي يثبتونها صفة المجيء والإتيان، على ما يليق بجلال الله عظمته، ليس كمثله شيء، وهو السميع البصير، يثبتون إثبات وجود، كما يثبتون ذاتا لا كالذوات، يثبتون الصفات لا كالصفات، فيثبتون المجيء والإتيان على ما يليق بجلاله وعظمته، من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل. ولا يجوز أن تحرف هذه الصفات، لا في لفظها ولا في معناها، بل تمر كما جاءت، وتثبت لله عز وجل على ما يليق بجلاله وعظمته. قال رحمه الله: «قرأت برسالة الشيخ أبي بكر الإسماعيلي إلى أهل جرجان: أن الله سبحانه ينزل إلى السماء الدنيا على ما صح به الخبر عن الرسول صلى الله عليه وسلم، وقال الله عز وجل: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ﴾، وقال جل وعلا: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾، ونؤمن بذلك كله على ما جاء بلا كيف». يع، «فلو شاء سبحانه أن يبين لنا كيفية ذلك فعل، فانتهينا إلى ما أحكمه، وكففنا عن الذي يتشابه». والمعنى: الله عز وجل أخفى عننا الكيفية، فلا يجوز لنا أن نخوض، فنقول: كيف ينزل؟ لأن هذا من الغيب الذي حجبه الله، فلا يجوز الخوض فيه. قال: «إذ كنا قد أمرنا به بقوله: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾». وعلى هذه القراءة يكون: «وما يعلم تأويله إلا الله»، أي حقيقته، أي حقيقته. وهي قراءة سبعية، وقراءة سبعية أخرى: الوقف على قوله: «والراسخون في العلم»، فيكون: «وما يعلم تأويله إلا الله»، والراسخون في العلم، فيكون معنى تأويله: أي تفسيره، تفسيره. فالتفسير الصحيح: أن الله عز وجل علمه، وعلمه أنبياءه، وعلم الأنبياء ذلك لمن بعدهم ممن كانوا من أهل العلم، حملوا العلم عن الأنبياء جيلا بعد جيل. فإذن التأويل يأتي بعدة معان، من تلك المعان: الحقيقة، وما ينتهي إليه الشيء، فهذا لا يعلم إلا الله. وعلى هذا جاءت هذه القراءة السبعية: «وما يعلم تأويله إلا الله». ومنها التفسير الذي يعلمه أهل الرسوخ، ولا يعلمه كل الناس، وهذا على القراءة السبعية الأخرى: «وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم»، فالوقف على قوله: «والراسخون في العلم». وكلاهما قراءتان سبعيتان صحيحتان. قال رحمه الله تعالى: «أخبرنا أبو بكر بن الزكريا الشيباني، قال: سمعت أبا حامد بن الشرقي، يقول: سمعت حمدان السلمي، وأبا داود الخفاف، يقولان: سمعنا إسحاق بن إبراهيم الحنظلي، يقول: قال للأمير عبد الله بن طاهر: يا أبا يعقوب، هذا الحديث الذي ترويه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ينزل ربنا كل ليلة إلى السماء الدنيا»، كيف ينزل؟ قال: قلت: أعز الله الأمير، لا يقال لأمر الرب كيف، إنما ينزل بلا كيف». ومعنى أنه ينزل بلا كيف معلوم؛ لأنه من الغيب الذي لا يعلمه إلا الله. قال: «وسمعت حمدان السلمي»، سمعت حمدان، سمعت أحمد -طيب-، لا، بس زيادة توضيح لهذا الرجل، يعني في نسخة توضيح لحمدان: أنه حمدان هذا اسمه أحمد، حمدان لقب. وهذا الأثر سيأتي معنا إن شاء الله من إثبات صفة النزول، على ما يليق بجلاله سبحانه وتعالى وعظمته، وأنه ينزل كل ليلة إلى السماء الدنيا، نزولا يليق بجلاله وعظمته، ليس كمثله شيء، وهو السميع البصير، ينزل من غير نزول حقيقي، من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل. فأسأل هذا الأمير، وهذا يدل أن بعض الناس بسبب الجهل أو الشبه قد ترد عليه الخواطر والإشكالات، فبينا هذا الإمام -وهو إسحاق بن إبراهيم الحنظلي- راوي هذا الحديث للأمير: أنه لا يجوز السؤال عن كيف، ولكن تأدب وتلطف معه رحمه الله. وهكذا ينبغي أن يكون الجواب والتعليم لمن وقع منه شيء من الخطأ، إذا كان من أمثال هؤلاء، إعانة لهم على لزوم طريق الخير. وكذلك لأن صلاحهم صلاح لمن تحت أيديهم، إذا استقام أمثال هؤلاء من الأمر والوجه، فإن من تحتهم يستجيب للسنة، فيكون صلاحهم صلاح للرعية التي تتبعهم، كبرت هذه الرعية أو صغرت. فلذلك يحرص الإنسان على أن يدخل عليهم العلم والسنة. قال رحمه الله: «حدثنا أبو يعقوب إسحاق بن إبراهيم العدلي، قال: حدثنا محمود بن عبد الرحمن القاضي». وهذه الآثار كلها كما أشار بالتعليق: صحيحة، وسيأتي معنا إن شاء الله مستند هذه الآثار من أحاديث. قال رحمه الله: «حدثنا محمود بن عبد الرحيم القاضي، قال: حدثني جدي أبو بكر محمد بن أحمد بن محبوب، قال: حدثنا أحمد بن حماوي، قال: حدثنا أبو عبد الرحمن العتكي، قال: حدثنا محمد بن سلام، عندكم إسحاق أبو عبد الرحمن العباسي، عندي العبلي. وفي نصفة العتكي هو يقول: وهو الصواب، إذن عندكم العباسي كذلك». قال: «قال: سألت عبد الله بن المبارك عن نزول ليلة النصف من شعبان، فقال عبد الله: يا ضعيف، ليلة النصف ينزل في كل ليلة ينزل. فقال له رجل: يا أبا عبد الرحمن، كيف ينزل؟ أليس يخص ذلك المكان منه؟ فقال عبد الله بن المبارك: ينزل كيف شاء». وفي رواية أخرى لهذه الحكاية: أن عبد الله بن المبارك قال للرجل: «إذا جاء الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فاخضع له، فأصغ له». والأثر صحيح، قد جاء من عدة طرق يلتقي بها إلى الحسن. وقد اختلف في صحة الحديث الوارد في باب سيأتي إن شاء الله، ولكن أراد أن يستدل المؤلف رحمه الله، وهذا هو الشاهد على إثبات النزول لله عز وجل في كل ليلة، لا يخص بليلة النصف من شعبان. فقد روى البخاري ومسلم وغيرهما من حديث أبي هريرة: أن الله عز وجل ينزل في كل ليلة إلى السماء الدنيا، وسيأتي معنا إن شاء الله. والشاهد منه: أن ابن المبارك أنكر على هذا السائل ما أورده من إشكال، وهذا الإشكال يرد بسبب الاعتقاد الخاطئ. فالله عز وجل ليس كمثله شيء من خلقه، لم يكن له كفو أحد، وليس له سمي ولا مكافئ جل وعلا، فليس أمر الرب كأمر المخلوق، المخلوق يفتقر إلى المكان، وهو الذي يحتاج أن يخلي مكان ليملأ مكانا آخر. أما الرب سبحانه وتعالى غني جل وعلا عن الزمان وعن المكان، فهو لا يحتاج أن يسأل في أمره مثل هذا السؤال، إنما هذا السؤال يصح في حق المخلوق الذي يفتقر إلى المكان والزمان. أما الله سبحانه وتعالى فلا يفتقر إلى زمان ولا إلى مكان؛ لأنه خالق الزمان والمكان. فقول السائل: «أليس يخل ذلك المكان منه؟»، سؤال خطأ لا يصح إيراده؛ لأنه لا يتصور في حق الخالق العظيم الغني الذي لا يشبه شيء من خلقه، ولا يشبه خلقه سبحانه وتعالى الذي ليس كمثله شيء. لهذا قال ابن المبارك رحمه الله: «ينزل كيف شاء». وفي الرواية الأخرى قال: «إذا جاء الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فاخضع له»، يعني تابع واستسلم. وفي النسخة الأخرى: «فاصغ له»، يعني استمع ولا تعترض. فاصغ من الإصغاء والاستماع، وأن لا يعترض بشيء. وهذا هو قول الإمام: يمروا كما جاء، يعني لا يعترض عليه بشيء، لا بكيف، ولا كذلك بزيادة أو نقصان. قال رحمه الله تعالى: «سمعت الحاكم أبا عبد الله الحافظ، يقول: سمعت أبا زكريا يحيى بن محمد العنبري، يقول: سمعت إبراهيم بن طالب، يقول: سمعت أحمد بن سعيد بن إبراهيم أبا عبد الله الرباطي، يقول: حضرت مجلس الأمير عبد الله بن طاهر ذات يوم، وحضر إسحاق بن إبراهيم -يعني ابن راهويه-، فسئل عن حديث النزول». والصحيح هو: «ابن راهويه»، فسئل عن حديث النزول، فقال: نعم. فقال له بعض قواد عبد الله: «يا أبا يعقوب، أتزعم أن الله تعالى ينزل كل ليلة؟» قال: نعم. قال: «كيف ينزل؟» فقال له إسحاق: «أثبته فوق حتى أصف لك النزول». فقال الرجل: «أثبته فوق». فقال إسحاق: «قال الله عز وجل: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾». فقال الأمير عبد الله: «يا أبا يعقوب، هذا يوم القيامة». فقال إسحاق: «عز الله الأمير، ومن يجيء يوم القيامة من يمنعه اليوم؟». والمعنى: أن هذا المعترض من حاشية الأمير، وهذا يدل كما تقدم: أن الأمير عبد الله بن طاهر كان له حاشية وبطانة، فيها رفقة سوء، عندهم شيء من البدع والأهواء، ولهذا اعترضوا هذا الاعتراض، ولهذا كذلك سأل ذلكم السؤال كما مر معنا. فهؤلاء زعموا -وهذا هو قصدهم- أن النزول لا يوجد في القرآن، فلهذا ألزمهم إسحاق بن راهويه رحمه الله بدليل من القرآن، فقال لهم: «أثبتوه أولا أنه فوق، وأنا أثبت لكم النزول». فقال: «أثبته فوق»، وهو يعرف أنه لا يثبت الفوقية لله عز وجل، يحرف هذه الصفة، لكن ليسمع الأمير: أن هذا الذي معه على مذهب باطل. فقال لإسحاق: «قال الله عز وجل: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾»، يعني أثبت المجيء في القرآن، وهذا ثابت. فهنا قال الأمير -وهذا معناه أن الأمير قد لبس عليه بكلام هؤلاء بطانة السوء- فقال الأمير أي عبد الله بن طاهر: «يا أبا يعقوب، هذا يوم القيامة»، يعني الآية الآية في المجيء يوم القيامة، كأنه يقول: ليس في هذه الآية النزول كل ليلة. فقال إسحاق: «أعز الله الأمير، ومن يجيء يوم القيامة من يمنعه اليوم؟»، يعني إذا أثبت لله المجيء يوم القيامة، فما المانع أن تثبت له النزول في كل ليلة، وقد صح الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم. قال رحمه الله: «والقائل هو الصابوني، وخبر نزول الرب كل ليلة إلى السماء الدنيا خبر متفق على صحته، مخرجا في الصحيحين، من طريق مالك بن أنس، عن الزهري، عن الأغر وأبي سلمة، عن أبي هريرة رضي الله عنه». يعني معناه: أنه حديث صحيح ثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم، لا يجوز رده. وكما تقدم معنا: من رد شيئا صحيحا عن النبي صلى الله عليه وسلم اتهم في إسلامه، لا يجوز رد شيء صحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم. قال رحمه الله: «أخبرنا أبو علي زاهر بن أحمد، قال: حدثنا أبو إسحاق إبراهيم بن عبد الصمد، قال: حدثنا أبو مصعب، قال: حدثنا مالك -يعني بنفس الإسناد الأول- قال: وحدثنا أبو بكر بن زكريا، قال: حدثنا أبو حاتم مكي بن عبدان، قال: حدثنا محمد بن يحيى، قال: وفيما قرأت على ابن نافع، وحدثني مطرف، عن مالك -حا-». وهذا إسناد ثاني، وحا هنا تحويل سند، أو الحديث إلى آخره، يأتي حا، ويراد بها أحد أمور ثلاثة: إما يراد بها تحويل سند، وإما يراد بها الحديث، وإما أن يراد بها إلى آخره، يعني حا الحديث بإسناده إلى آخره. قال: «وحدثنا أبو بكر بن زكريا، قال: أنبأ أبو القاسم عبيد الله، أنبأ أبو القاسم عبيد الله بن إبراهيم بن بالويه -عندكم في نسخة: باكويه، والصواب: بالويه- قال: حدثنا يحيى بن محمد، قال: حدثنا يحيى بن يحيى، قال: غرأت على مالك، عن ابن شهاب بن الزهري، عن أبي عبد الله الأغر، وأبي سلمة، عن أبي هريرة». فهذه ثلاثة أسانيد للمؤلف رحمه الله، كلها ترد إلى أصل الحديث، من طريق مالك، عن الزهري، عن الأغر وأبي سلمة، عن أبي هريرة. والحديث في الصحيحين. قال رضي الله عنه: «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ينزل ربنا تبارك وتعالى في كل ليلة إلى السماء الدنيا، حين يبقى ثلث الليل الآخر، فيقول: من يدعوني فأستجيب له، ومن يسألني فأعطيه، ومن يستغفرني فأغفر له». فهذا الحديث الصحيح في الصحيحين، يخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن الله عز وجل ينزل في كل ليلة، وهذا معناه: أنه يستمر في كل ليلة إلى السماء الدنيا، أي السماء الأقرب إلى الخلق، حين يبقى ثلث الليل الآخر، أي آخر الليل. فيقول: «من يدعوني فأستجيب له»، الله سبحانه وتعالى هو القائل، وهو السائل. وهكذا: «من يسألني فأعطيه»، «ومن يستغفرني فأغفر له». ففيه إثبات النزول، وفيه إثبات الكلام لله عز وجل. والله سبحانه وتعالى أخبر بذلك نبيه صلى الله عليه وسلم، وهو حق وصدق، يجب الإيمان به وإثبات ذلك، لا يقتضي شيئا من المماثلة للمخلوقين. وأما أهل الأهواء، لما اعتقدوا الاعتقاد الفاسد: أن إثبات هذه الصفات يقتضي المماثلة للمخلوقين، نفوا هذه الصفات. وهذا النفي سبب ذلك من الفهم السيء. فظلوا مرتين: المرة الأولى بالظن السيء فيما أخبر الله به، أو أخبر به نبيه صلى الله عليه وسلم. والثاني: بأن حرفوا هذا المعنى الثابت في النص الصحيح الصريح. والواجب أن يمر اللفظ على ما جاء، من غير اعتراض، لا بفهم، ولا بتفسير، إذا كان هذا يحرفه عن ظاهر لفظه. والثاني: أنه يجب التسليم، وأن لا يصرف ذلك من الله، ولا معنى ذلك من الله. فإن صرف اللفظ أو المعنى إلى شيء آخر، خلاف ما يدل عليه الله، كان هذا من التحريف والتعطيل. وإن وضع له معنى في الأذهان، كمعاني ما يقع للمخلوقين، فهذا هو التكييف والتمثيل. وعقيدة أهل السنة في باب الأسماء والصفات: أن تمر كما جاءت، من غير اعتراض، فلا يعترض بتحريف ولا تعطيل، ولا يعترض بتكييف ولا تمثيل. وقد مر معنا معنى ذلك. قال رحمه الله تعالى: «ولهذا الحديث طرق إلى أبي هريرة رضي الله عنه، أو الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلام، عن أبي هريرة -حا-، رواه يزيد بن هارون، وغيره من الأئمة، عن محمد بن عمر، عن أبي سلامة، عن أبي هريرة». والإسناد الأول أخرجه الإمام مسلم، وجماعة. والإسناد الثاني جاء عند أحمد، والدارمي، وجماعة كذلك. وفي هذا الإسناد الثاني شيء من الضعف، لكنه يرتقي للحسن؛ لأنه ورد من أسانيد أخرى كثيرة. فمحمد بن عمر ضعيف في روايته عن أبي سلام، لكن الحديث له طرق يرتقي بها إلى الحسن، تكفي الطرق الصحيحة. قال: «ومالك، عن الزهري، عن الأعرج، عن أبي هريرة». وهذا كذلك إسناد صحيح. وأشار إلى أنه علقه ابن عبد البر في التمهيد. قال: «ومالك، عن الزهري، عن سعيد، عن سعيد المسيب، عن أبي هريرة -يعني عن النبي صلى الله عليه وسلم-». وهذا كذلك فيه ضعف. فأولا كما ذكر في إسناده: عبد الله بن صالح، كاتب الليث، وكذلك شيء من الانقطاع فيه، لكن الحديث أصله صحيح كما مرنا في الصحيحين، وله أسانيد يرتقي بها إلى الحسن. قال: «وعبد الأعلى بن أبي المساور -أو ابن أبي المساور-، وبشير بن سليمان -عندكم: بشير بن أبي سليمان، يعني أبي سليمان، أو سلمان، يعني الراجح: سلمان- قال: عن أبي حازم، عن أبي هريرة رضي الله عنه». وهذا كذلك إسناد ضعيف، ولكن لا يضعف هذا الحديث؛ لأن أصل الحديث صحيح. وكون بعض أسانيده ضعيفة، أو شاذة، لا يضر هذا بأصل الحديث الصحيح. قال: «وروي هذا الخبر من غير طريق أبي هريرة، رواه نافع بن جبير بن مطعم، عن أبيه -يعني عن أبيه جبير بن مطعم-، ولكنه كذلك لا يصح، شاذ كما ذكر». قال: «وموسى بن عقبة، عن إسحاق بن يحيى، عن عبادة بن الصامت». وهذا كذلك لا يصح من حديث عبادة. قال: «وعبد الرحمن بن كعب بن مالك، عن جابر بن عبد الله». وهذا كذلك لا يصح عن جابر بن عبد الله. وقد أشار في التخريج لعقوبة هذه الأسانيد. قال: «وعبيد الله بن أبي رافع، عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه». وكذلك هذا لا يصح. قال: «والشريك، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، عن عبد الله بن مسعود». وهذا كذلك لا يصح. قال: «ومحمد بن كعب، عن فضال بن عبيد، عن أبي الدرداء، وأبو الزبير، عن جابر». وهذا كذلك لا يصح. قال: «وسعيد بن جبير، عن ابن عباس». وهو حسن، كما أشار في التعليق. ولفظه: «إن الله يمهل حتى إذا مضى ثلث الليل هبط إلى السماء الدنيا، ثم قال: هل من تائب فيتوب عليه؟ هل من مستغفر فأغفر له؟ هل من سائل يعطى؟». وقد جاء هذا عن عدد من الصحابة موقوفا، وجاء مرفوعا. والمرفوع الصحيح أقل من الموقوف. قال: «وعن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها». وهذا كذلك ضعيف، لم يصح مرفوعا عن عائشة. قال: «وأم سلمة رضي الله عنها». وقد صح عن أم سلمة، ولفظه: أنها قالت رضي الله عنها: «ينزل رب العزة إلى السماء الدنيا يوم عرفة»، يريد إثبات صفة النزول، وليس معنى حديث أبي هريرة في النزول كل ليلة. قال: «كلهم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: ينزل الله كل ليلة إلى السماء الدنيا، حين يبقى ثلث الليل الأخير، فيقول: من يسألني فأعطيه، من يدعوني فأستجيب له، من يستغفرني فأغفر له». وكما مر معنا: إلا حديث أم سلمة، فهو فيه نزول يوم عرفة، ولكن فيه إثبات صفة النزول. قال: «بذلك كانوا يفضلون صلاة آخر الليل على أوله؛ لأنها صلاة مشهودة؛ لأنها صلاة مشهودة». فلذلك النبي صلى الله عليه وسلم حث على صلاة آخر الليل. بل الله عز وجل في كتابه: ﴿قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾، معناه: أنك قم فيما بعد نصف الليل. وفي حديث عبد الله بن عمر: أمره النبي صلى الله عليه وسلم أن ينام نصف الليل، ويقوم ثلثه، وينام سدسه، معناه: أنه يقوم ثلث الأخير من الليل، وينام سدسه؛ لأجل أن ينشط لصلاة الفجر، وما بعد صلاة الفجر حتى يبقى إلى الإشراق، ولا يفوته هذا الفضل. وكما قال العلماء: إذا كان الإنسان يستطيع أن يفعل هذا دون أن يفوت عليه صلاة الفجر، يفعل هذا. وإن كان هذا يضيع عليه صلاة الفجر، فيجعل قيامه في الثلث الأخير؛ لأنه لو نام النصف، وصل الثلث، ونام السدس، معناه: أنه نام ثلثين. وثلثان: نصف زائد سدس يساوي ثلثين، فيبقى ثلث. ولكن هذا الثلث أكثره من الثلث الأخير، أكثره من الثلث الأخير. والأفضل أن يكون الثلث الأخير هو وقت القيام؛ لأنه هو الذي ينزل فيه الرب سبحانه وتعالى، كما سيأتي معنا إن شاء الله في ألفاظ هذا الحديث. والله تعالى أعلم.