التعليق على عقيدة السلف للصابوني 6

التعليق على عقيدة السلف للصابوني 6

الدرس في التعليق على عقيدة السلف للصابوني 6، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

مسألة لفظ القرآن وآراء العلماء

يشرح المقطع آراء العلماء في مسألة لفظ القرآن، ويبين ثلاثة مذاهب في التعامل مع قول 'لفظي بالقرآن مخلوق'. يوضح تفسير الإمام أحمد لكون من يقول ذلك جهميًا أو مبتدعًا.

عقيدة أهل السنة في العلو والاستواء

يتناول المقطع شرح عقيدة أهل السنة والجماعة في صفة العلو والاستواء لله تعالى، مستندًا إلى الآيات القرآنية والأدلة الشرعية. يبين أن الله عز وجل مستوٍ على عرشه، وعالٍ بذاته على خلقه.

تفسير الاستواء ومقولة الإمام مالك

يناقش المقطع مقولة للإمام مالك حول تفسير قوله تعالى 'الرحمن على العرش استوى'. يوضح أن الاستواء معلوم لكن كيفية ذلك غير معقولة، ويؤكد على وجوب الإيمان به واعتبار السؤال عن كيفية الاستواء بدعة.

إثبات الكيفية لله تعالى وتوضيحها

يؤكد المقطع على ثبوت الكيفية لله تعالى، مع التأكيد على أنها تليق بجلال الله وعظمته. يتم ذلك من خلال الإشارة إلى رواية عن الإمام.

التفريغ النصي الكامل

يصر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدم لكم التعليق على كتاب «عقيدة السلف أصحاب الحديث» للإمام أبي إسماعيل عبد الرحمن بن إسماعيل الصابوني -رحمه الله تعالى-، تعليق فضيلة الشيخ عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، القائم على دار الحديث بالشحر ودار الحديث بالفيوش. والآن مع الدرس السادس. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله -صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-، أما بعد. مر معنا في الدرس الماضي ما ذكره المؤلف -رحمه الله- من مسائل تتعلق بمسألة الكلام والقرآن. وكان مما مر معنا ما ذكره -رحمه الله- في مسألة قولهم: «لفظي بالقرآن مخلوق». فما هي الأقوال فيمن قال في هذا اللفظ؟ نعم، عندك فضيلة الشيخ... نعم، واحد... نعم، لفظي بالقرآن غير مخلوق. طيب، نحن نتكلم الآن عن لفظة من قال: القرآن مخلوق، فهذا فيه ثلاثة مذاهب بالتعامل مع هذا القول. القول الأول: أن من قال ذلك فهو جهمي. طيب، سببه لماذا؟ لأنه يقصد به أن القرآن مخلوق، فهذا قول الجهمية. نعم، ولهذا قال: فهو جهمي؛ لأن القرآن ليس بمخلوق، واللفظ محتمل. المذهب الثاني: عند من فضل... يعني يغلق هذا الباب، يغلق هذا الباب. نعم، فيترك القول. يقال: اترك هذا اللفظ. المذهب الثالث: تفصيل. ما هو؟ نعم، تفصيل بين فعل العبد مخلوق، وبين القرآن وما وصف به، فهو كلام الله. فالملفوظ والمكتوب والمقرؤ والمسموع من القرآن هو كلام الله، كله كلام الله. نعم، والكتابة والقراءة واللفظ والسماع، هذا فعل العبد مخلوق. طيب، وعلى هذا فقوله الإمام أحمد -المنقول عنه- رحمه الله: «من قال: لفظي بالقرآن مخلوق، فهو جهمي، ومن قال: غير مخلوق، فهو مبتدع»، ما تفسيره؟ وجهه تفسيره؟ نعم، أحد في الخلف... هم... المن... ما تفسيره؟ تفضل. عندك الآخر... نعم... نعم... لا، أنا أرى... سآتي عندك الدور. تفضل. نعم، لفظي بالقرآن مخلوق يحتمل توجه إلى كلام الله أو فعل العبد. فمن قال: لفظي بالقرآن مخلوق، فهو جهمي؛ لأنه أدخل في لفظة «لفظي» الذي يدخل فيه القرآن، فيكون ماذا؟ يكون مخلوقًا؛ لأنه جهمي. إذا قال: مخلوقًا، فهو جهمي. طيب، وغير مخلوق صار مبتدعًا. لماذا؟ الذي خلفك الآن... عندك... لأن فعل العبد... نعم... لأن فعل العبد ليس بمخلوق، هذا هو. وجاء كذلك عنه أنه قال: «شر من الجهمية». كيف هم شر من الجهمية؟ ما وجه ذلك؟ لأن التلبيس به على العامة أكثر. هذا إذا كان قصد التلبيس. وكذلك المقولة نفسها، المقولة نفسها يقع بها التلبيس أكثر؛ لأن قول الجهمية نفسه الناس تبغضه وتكرهه، تبغضه وتكرهه. لكن القول المشتبه يحصل فيه لبس، فيغتر به بعض الناس. ولهذا قال: «شر من الجهمية»؛ لأن أصل هذه المقولة -كما مر عنه من كلام المؤلف- ابتدأ ببعض هؤلاء الذين خافوا أن يقولوا بقول الجهمية، فصاروا يقولون بقول فيه مكر وحيلة، فقالوا هذه المقولة. نعم، آخر ما وقفنا عليه. وأما ما حكاه محمد بن جرير... مما اليوم هنا، قال المؤلف -رحمه الله تعالى-: «وأما ما حكاه محمد بن جرير عن أحمد -رحمه الله- أن من قال: لفظه بالقرآن غير مخلوق، فهو مبتدع، فإنما أراد به أن السلف من أهل السنة لم يتكلموا في باب اللفظ، ولم يحوجهم الحال إليه. وإنما حدث الكلام في اللفظ من أهل التعمق وذوي الحمق، الذين أتوا بالمحدثات وعتوا عما نهوا عنه من الضلالات وذميم المقالات، وخاضوا فيما لم يخض فيه السلف من علماء الإسلام». وهذا وجه. ولكن هناك وجه آخر، وهو الذي سبقت الإشارة إليه، قال: فقال الإمام أحمد -رحمه الله- هذا القول في نفسه بدعة، ومن حق المتسن أن يدعه، ولا يتلفظ به، ولا بمثله من البدع المبتدعة. فيقتصر على ما قاله السلف من الأئمة المتبعة: «أن القرآن كلام الله غير مخلوق»، ولا يزيد عنه إلا بتكفير من يقول بخلقه. وهذا ظاهر، قد سبق الكلام على هذا المعنى. فالقول بأن القرآن غير مخلوق، قول فيه معنى الكفر؛ لأن من قال: لفظي بالقرآن مخلوق، كان بهذا مدخلًا للقرآن أنه مخلوق، وهذا كفر. ومن قال: غير مخلوق، أخرج القرآن، ولكن ماذا أخرج كذلك؟ أفعال العباد. ومن أخرج أفعال العباد من أن تكون مخلوقة لله، وهو قوله: قول الضلال من القدرية. وهذا هو سبب قول الأئمة والعلماء: أنه بدعة. وهو لم يذكر هذا هنا، وذكره غيره من أهل العلم. وإذا حصل مثل هذا، فهذا من التفسير ببعض المعنى. ومما كذلك قد يكون وجهًا. وهناك وجه آخر، ولا يعني ذلك أن غيره ليس بصحيح، بل ينبغي أن يتأمل القول، فإذا كان موافقًا للصواب، فيقبل. قال -رحمه الله تعالى-: «أخبرنا الحاكم أبو عبد الله الحافظ، قال: حدثنا أبو بكر محمد بن عبد الله الجراحي بمرو، قال: حدثنا يحيى بن ساسويه. وفي نسخة: كما شار عندكم القراجي. قلت: والصواب الجراحي. وفي نسخة: سالو كويه. والصواب ساسويه. سالو كويه... سالو كيه، سبحان الله! لكن الصواب ساسويه. قال: حدثنا عبد الكريم السكري. وفي نسخة: السدي يشكري. وفي نسخة: اليشكري. وفي نسخة: السدي. وفي نسخة: السكري. ورجح هنا المعلق أنه السكري. قال: قال وهب بن زمعة، أخبرني علي الباشاني. وفي نسخة: الباساني. ماذا عندكم؟ في نسخة: باساني. قال: سمعت عبد الله بن المبارك يقول: من كفر بحرف من القرآن، فقد كفر بالقرآن. ومن قال: لا أؤمن بهذه اللام، فقد كفر. عندي اللام... هذا سبحان الله! خطأ فاحش. هذا سقط من النسخة الأخرى. أيش عندك يا رجال؟ كلام واضح أنه لابد أن يكون الكلام كلام أبي... قال: يقول: من كفر بحرف من القرآن، فقد كفر بالقرآن. ومن قال: لا أؤمن بهذا الكلام، فقد كفر». والمعنى أنه لا يجوز إنكار شيء من القرآن، وكل ما في القرآن هو قرآن، وهو كلام الله؛ لأن -كما مر- معنى الجهمية والكلابية والأشاعرة والماتريدية يزعمون أن القرآن الموجود المتلو ليس هو كلام الله. فمنهم من ينفيه بالكلية -كالجهمية والمعتزلة-، ومنهم من يقول: وحكاية أو عبارة عن كلام الله، فهو عندهم معنى كلام الله. فهذا كذلك ماذا؟ كفر. وهو من أقوال أهل البدع والضلال. قال -رحمه الله-: «ويعتقد أصحاب الحديث، ويشهدون أن الله -سبحانه- فوق سبع سماواته، على عرشه، مستوٍ كما نطق به كتابه، في قوله عز وجل في سورة الأعراف: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف:54]، وقوله في سورة يونس: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَدَبِّرُ الْأَمْرِ﴾ [يونس:3]، وقوله في سورة الرعد: ﴿اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الرعد:2]، وقوله في سورة الفرقان: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا﴾ [الفرقان:59]، وقوله في سورة السجدة: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [السجدة:4]، وقوله في سورة طه: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:5]، وقوله -سبحانه-: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الحديد:4]، وقوله: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ [فاطر:10]، وقوله: ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ﴾ [السجدة:5]، وقوله: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ﴾ [الملك:16]». فهذه الآيات كلها تدل على استواء الله -عز وجل- على عرشه، وعلوه -سبحانه وتعالى- على خلقه. فهنا عندنا صفتان: صفة العلو، وصفة الاستواء. فصفة العلو صفة ذاتية لله -عز وجل-، والصفة الاستواء صفة فعلية له -سبحانه وتعالى-. فالله -سبحانه وتعالى- استوى بعد أن لم يكن مستويًا. وأما علوه -سبحانه وتعالى- فهو لم يزل ولا يزال عال عن خلقه -سبحانه وتعالى-. وله -سبحانه وتعالى- علو الذات، وعلو القدر، وعلو القهر. فلله -سبحانه وتعالى- معنى العلو كله. ومن ذلك علو الذات؛ فالله -سبحانه وتعالى- عال بذاته -سبحانه وتعالى-. وعلو القدر، وعلو القهر كذلك. فأهل البدع والأهواء؛ لوجود هذه القاعدة المغلوطة عندهم، زعموا أن إثبات شيء من صفات الخالق مما يوجد مثله للمخلوق، يقتضي المشابهة. فنفوا تلك الصفات -زعمًا منهم تنزيهًا-. فلذلك يحرفون صفة العلو الذاتي، ويجعلونها من علو القدر وعلو القهر. وهذا باطل، ليس بصحيح؛ لأن الأدلة -كما سيأتي معنا- صريحة وصحيحة في إثبات علو الذات. والله -سبحانه وتعالى- أعلم بنفسه وبغيره. فإذا أخبر الله -سبحانه وتعالى- عن نفسه أن له علو الذات، فلا يجوز لنا أن نكذب بذلك، أو نحرف ما أخبر الله -سبحانه وتعالى- به عن نفسه. بل الواجب أن نثبت هذا الذي أثبته الله -سبحانه وتعالى- لنفسه، من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل. نثبته إثبات وجود -كما أثبته الله-، نثبته لا نحرف شيئًا من ذلك. فقولهم: «أنه علو قدر أو علو قهر»، هذا تحريف. هذا تحريف الله -عز وجل-. قال: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ [فاطر:10]، وقال: ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ﴾ [السجدة:5]. وهذا معناه أن هناك صعودًا ونزولًا. وهذا الذي دلت عليه الأدلة الأخرى. والنزول يكون من أعلى إلى أسفل، والصعود يكون من أسفل إلى أعلى. وهو يقول: ﴿إِلَيْهِ﴾، فعلم أن من صفات ذاته -سبحانه وتعالى- أن له العلو -جل وعلا- الذي يليق بجلاله وعظمته، لا يشبه شيئًا من خلقه، ولا يشبه شيئًا من خلقه. وهكذا قول: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ [الملك:16]، فهذه كذلك الآية. وما سيأتي من أدلة، كلها تدل على علو الله -سبحانه وتعالى-. فالله في السماء، أي في العلو. فالسماء يطلق ويراد به العلو، ويطلق ويراد به كذلك السحاب، ويطلق ويراد به كذلك الفضاء. وبالسياق والسباق والقرائن وغيرها، يفهم المعنى. فهنا المعنى المقصود العلو. ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾، أي من في العلو، أن يخسف بكم الأرض؛ لأنه ذكر الخسف، وهو يكون في الأسفل. فبهذه القرينة علمنا أن السماء هنا المراد به ماذا؟ العلو. المراد به العلو. وهكذا صفة الاستواء، صفة فعلية لله -عز وجل-. أثبتها الله لنفسه، فنثبتها له -سبحانه وتعالى- من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل. والمؤلف -رحمه الله- أتبع صفة الكلام بصفة العلو والاستواء؛ لأن هاتين الصفتين من أبرز الصفات التي خالف فيها أهل البدع والأهواء. ولذلك إذا وقفت على كتاب في العقيدة، فأردت أن تعرف عقيدة صاحب هذا الكتاب في باب الأسماء والصفات، ابدأ بالنظر في هاتين الصفتين: ماذا يقول في الكلام؟ ماذا يقول في العلو والاستواء؟ فإذا وجدته يوافق قول أهل السنة والجماعة في ذلك، فالغالب أنه على طريقة أهل السنة. نادرًا أن يوافق في هاتين الصفتين، ويخالف في الصفات الأخرى، هذا قليل. ولكن الغالب من هنا يظهر مذهب هذا الرجل. وذلك كما تقدم؛ لأن أكثر الخلاف مع أهل الأهواء في هاتين الصفتين: القرآن، وما بحث العلو، ومن العلو مبحث الاستواء. قال -رحمه الله تعالى-: «أخبرنا أبو الحسن عبد الرحمن بن إبراهيم بن محمد بن يحيى المزكي، قال: حدثنا محمد بن داود بن سليمان الزاهد، قال: أخبرني علي بن محمد بن عبيد أبو الحسن الحافظ، من أصله العتيق، قال: حدثنا أبو يحيى بن كيسبة». هكذا عندنا. ش... عندكم؟ «يحيى بن بشر». طيب، «بشر» أو «بسر»؟ طيب، هذا يحتاج مراجعة. عندي في نسخة: «بسر» أو «بسر» يجوز... ما عندك يا جابر؟ نفسه... «أبو بشر» بشين... «أبو يحيى» أو «يحيى»؟ طيب، «أبو يحيى»... في نسخة: «بن بشر». وفي نسخة: «بن بسر». وفي نسخة: «ابن كيسبة». والوراء... وهنا يرجح أنه «ابن كيسبة». لكن لا مانع أن يكون بعض أجداده «بسر» أو «بشر». يحتاج أو «بشر» أو «بسر» يحتاج النظر في ترجمته، وحالتي للإكمال لابن ماكولا. ولكن يحتاج النظر كذلك. يقول: «حدثنا محمد بن الأشرس الوراق أبو كنانة، قال: حدثنا أبو المغير الحنفي، قال: حدثنا قر بن خالد، عن الحسن، عن أمه، عن أم سلمة، في قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:5]، قالت: «الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، والإقرار به إيمان، والجحود به كفر». وهذا الأثر لم يصح. يعني بعضهم يضعفه عن أم سلمة. وصحة عن مالك: «قالت: الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، والإقرار به إيمان، والجحود به كفر». وهذا الأثر بهذا الإسناد ضعيف؛ فعدد من الضعفاء في إسناده -كما ذكر غير واحد-. وشار إلى تضعيف الدارقطني وغيره من الأئمة. لكن معناه صحيح؛ فقد جاء وصح عن إمام مالك -كما سيأتي معنا إن شاء الله-. والمعنى: «الاستواء غير مجهول»، أي غير مجهول المعنى؛ فله معنى معروف. «والكيف غير معقول»، أي لا يمكن أن نعقل هذا الكيف؛ لأنه من الغيب الذي لا يمكن الوصول إليه. فهل معنى أن هناك كيف أم لا؟ نعم، هناك كيف، ولكن هذا الكيف مجهول، وهو بعبارة أخرى: غير معقول. معناه: لا يمكن إدراكه؛ لأنه من الغيب. «والإقرار به إيمان»؛ لأنه جاء في القرآن، وصحت به السنة. فالواجب إثبات ذلك الذي جاء في الكتاب والسنة على ما يليق بجلال الله وعظمته. «والجحود به كفر». والمراد أن الجحود بهذا الذي أثبته الكتاب والسنة -بعد أن علمنا أنه ثبت- تكذيب للقرآن. ولا يجوز تكذيب حرف في القرآن. قد أجمع العلماء أن من كذب بحرف في القرآن، فهو ماذا؟ كافر. فكيف بمن كذب بصفة من صفات الله، أو اسم من أسمائه؟ فإنه من باب أولى أن يكون كذلك ماذا؟ كافرًا. فمعنى هذا الأثر صحيح، لكن إسناده غير صحيح. لم يصح عن أم سلمة -رضي الله عنها- أنها قالت هذا الكلام. أولًا: من جهة الإسناد. وثانيًا: لأن هذه البدعة ظهرت بعد عهد الصحابة. لم تظهر هذه البدعة في عهد الصحابة حتى يتكلم فيها الصحابة -رضي الله عنهم أجمعين-. وهذا مما يعرف به كذلك ضعف بعض الآثار والأحاديث المروية. قال -رحمه الله تعالى-: «وحدثنا أبو الحسن ابن أبي إسحاق المزكي». طيب، في نسخة: قال عندكم «المدني» أو «المدلي» بالنون، ولا باللام؟ عجيب! يعني إذن ثلاث نسخ. في نسخة: «المزكي». وفي نسخة: «المدني». وفي نسخة: «المدلي». يقول: هو الصواب «المزكي». وفي نسخة: «ابن المزكي». طيب، قال: «حدثنا أحمد بن الخضر أبو الحسن الشافعي، قال: حدثنا شاذان، قال: حدثنا ابن مخلد بن يزيد القهستاني، قال: حدثنا جعفر بن ميمون، قال: سئل مالك بن أنس عن قوله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:5]، كيف استوى؟ قال: «الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة. وما أراك إلا ظالمًا». وأمر به أن يخرج من مجلسه». وهذا الأثر بهذا الإسناد فيه ضعف. لكن أصله صحيح. وشار في التعليق إلى صحته، ورؤية بأسانيد صحيحة في عدد من كتب الاعتقاد المسندة -ككتاب الدارمي في «رد الجهمية»-. وله أسانيد كثيرة. وأبي نعيم، واللالكاي، والبيهقي في الاعتقاد، وغيرهم من الأئمة. وقوله: «الاستواء غير مجهول»، يعني أنه معلوم المعنى. ولهذا جاء في رواية: «الاستواء معلوم». وقوله: «والكيف غير معقول»، يعني الكيف لا يمكن إدراكه؛ لأنه من الغيب. «والإيمان به واجب»؛ لأنه جاءت به أدلة الكتاب والسنة. «والسؤال عنه بدعة»؛ لأن في هذا السؤال التشكيك في إثبات هذه الصفة. وهذه طريقة أهل البدع والأهواء. طريقة أهل البدع والأهواء تعطيل هذه الصفة. فمن كانت عنده شبهة، بينت له هذه الشبهة. وإلا فالأصل أن جحود وإنكار هذه الصفة كفر بالله -سبحانه وتعالى-. ولكون هذا السؤال فيه نوع من البدعة؛ إذ أن صاحبه يشكك في إثبات ما أثبت الله لنفسه بالسؤال. فلذلك قال: «وما أراك إلا ظالمًا». وأمر به أن يخرج من مجلسه. وهكذا يقال لمن يفتح باب الأسئلة التي تشكك في أدلة الكتاب والسنة في باب العقائد: إنه ينبغي أن يؤمر بلزوم ما أمرت به أدلة الكتاب والسنة، من الإمرار كما جاء، والإثبات من دون أي اعتراض. فنحن نثبته إثبات وجود. والله أعلم بنفسه -سبحانه وتعالى- وبغيره. قال -رحمه الله تعالى-: «أخبرنا أبو محمد المخلدي العدل، قال: حدثنا أبو بكر عبد الله بن محمد بن مسلم السرائيني، قال: حدثنا أبو الحسين علي بن الحسن، قال: حدثنا سلمة بن شبيب، قال: حدثنا مهدي بن جعفر بن ميمون الرملي، عن جعفر بن عبد الله، قال: جاء رجل إلى مالك بن أنس... يعني فسأله عن قوله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:5]، كيف استوى؟ قال: فما رأيت وجدت من شيء كوجدي من مقالته، وعلاه الرحضاء، وأطرق القوم، فجعلوا ينظرون... الأمر به... فيه. ثم سري عن مالك». والمعنى أنه استعظم هذه المقالة. كيف يمكن إنسانًا يتجرأ على مثل هذا القول؟ «كيف استوى؟» هذا جرأة. فالله -سبحانه وتعالى- عظيم. ولا يمكن لأحد أن يعلم كيفية أفعاله -سبحانه وتعالى-. ومن ذلك الاستواء. ومن يسأل هذا السؤال نقص منه عظمة الرب -جل وعلا-؛ لأن كل أحد يعلم -بفطرته- فضلًا عن أدلة الشرع: أن الله -سبحانه وتعالى- لا ند له، ولا كفء له، ولا مثل له. ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى:11]، ﴿لَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:4]. وغير ذلك من الأدلة الكثيرة في الكتاب والسنة، التي تدل على تفرد الله -سبحانه وتعالى- في أسمائه وصفاته وأفعاله -جل وعلا-. فإذا كان كذلك، كان الواجب أن يمر ما أثبت الله لنفسه، وما أثبته له رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من غير اعتراض. ومن الاعتراض: الاستفهام بمثل هذا الاستفهام؛ لأن كل أحد يعلم أن الله إذا أثبت لنفسه شيء، فهو ثابت. وأما كيفية هذا، فهذا لا يمكننا الوصول إليه؛ لأنه من الغيب. فالواجب أننا نمره كما جاء، ولا نعترض على شيء مما جاء في أدلة الكتاب والسنة. قال -رحمه الله تعالى-: «فقال: الكيف. فقال: الكيف غير معقول، والاستواء غير مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة. وإني لا أخاف أن تكون ضالًا. ثم أمر به فأخرج». وهذا بمعنى الذي سبق. وبعض هذه الألفاظ جاءت بأسانيد أقوى من بعض. ولكن الصحيح أنه ليس هناك فرق كبير بين هذه الألفاظ. فـ«الكيف غير معقول» بمعنى ما سبق في قوله -رحمه الله-: «الاستواء غير مجهول». قال نفسه: «والإيمان به واجب». جاء في بعضه: «الكيف غير معلوم». وهنا: «الكيف غير معقول». يعني معناه: لا يمكن إدراكه. «وغير معلوم»، أي: لم يبلغنا العلم به. ولا يعني ذلك نفي الكيف. بل الكيف ثابت. نثبت كيفًا لله، لكنه على ما يليق بجلال الله وعظمته. قال -رحمه الله تعالى-: «أخبرنا أبو الحسن ابن أبي إسحاق...». إلى آخره.