التعليق على عقيدة السلف للصابوني 5

التعليق على عقيدة السلف للصابوني 5

الدرس في التعليق على عقيدة السلف للصابوني 5، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

مقدمة في عقيدة السلف وأصول الإيمان

يبدأ الدرس بتوضيح أهمية عقيدة السلف وأصول الإيمان، حيث يشرح الشيخ عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك تعليقه على كتاب عقيدة السلف لأبي إسماعيل الصابوني، مركزًا على أن القرآن كلام الله غير مخلوق.

تفصيل القول في خلق اللفظ بالقرآن

يتناول الدرس مسألة اللفظ بالقرآن مخلوق أم لا، ويوضح أن الصحيح هو التفصيل بين القراءة والمقروء، حيث إن القراءة فعل العبد وهي مخلوقة، والمقروء هو كلام الله غير مخلوق.

الاختلاف في أقوال الأئمة وسبب التفصيل

يناقش الدرس الاختلاف في أقوال الأئمة حول مسألة لفظ القرآن وخلقه، ويوضح أن هذا الاختلاف يعود إلى اختلاف المقام والمقال، وأن الأئمة يهدفون إلى سد الباب لمنع الفتنة أو التفصيل لتوضيح الحق.

تحليل موقف الإمام أحمد من اللفظية والجهمية

يتناول الدرس شرحًا لموقف الإمام أحمد بن حنبل من القائلين بخلق لفظهم بالقرآن، ويبين أنهم فرقة من الجهمية حاولوا إخفاء بدعتهم بتغيير العبارة، ويشرح سبب وصفهم بأنهم شر من الجهمية.

التفريغ النصي الكامل

يصر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدم لكم التعليق على كتاب عقيدة السلف أصحاب الحديث للإمام أبي إسماعيل عبد الرحمن بن إسماعيل الصابوني رحمه الله تعالى، تعليق فضيلة الشيخ عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، القائم على دار الحديث بالشحر ودار الحديث بالفيوش. والآن مع الدرس الخامس. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله ورحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد، مر معنا في الدرس الماضي ما ذكره المؤلف رحمه الله من شروعه لذكر بعض مباحث الصفات، وأشار في مقدمة ذلك أنه قد اشترط في أول الكتاب أنه سيسلك مسلك الاختصار والاقتصار، وعلمنا أنه قد أورد وغيره من أهل العلم بعض الأدلة التي تذكر هذه المباحث بشيء من البسط والتوسع في كتب أخرى مسندة. فمن يذكر لنا بعض هذه الكتب؟ بعض هذه الكتب تذكر مباحث العقيدة والتوحيد والصفات بالأحاديث والآثار المسندة عند من؟ عندك؟ طيب، الذي خلفك؟ جارك؟ عن يمينك؟ ها؟ فضل. هذا الشرح السنة لللالكائي، «شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة» لللالكائي، ومثل «السنة» للخلال، «السنة» لإمام أحمد، «التوحيد» لابن خزيمة، «توحيد» لابن مندة، وغيرها من كتب التوحيد والإيمان وأصول الاعتقاد. نعم، ومر معنا أنه ذكر رحمه الله مبحث القرآن، وأن القرآن كلام الله وكتابه ووحيه وتنزيله غير مخلوق. ما هو الدليل أنه كلام الله؟ ها، الدليل أنه كلام الله. ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾، أي كلمه كلاما حقيقيا؛ لأنه أكده بمصدر التكليم. ومن السنة: «أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق»، طيب، هذا كلمات الله عامة تشمل الشرعية والكونية، ومن الشرعية القرآن، دليل خاص أن القرآن كلام الله، دليل خاص. «وأبلغ كلام ربي»، حديث جابر في دعوة النبي صلى الله عليه وسلم في الحج، فإن هذا سببه أنه كان يريد أن يبلغ الناس كلام الله، فمنعه المشركون، فقال ذلك عليه الصلاة والسلام. طيب، والدليل أنه كتابه ووحيه: ﴿كِتَابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾، كتابه ووحيه. نعم، عندك: ﴿وَأُوحِيَ إِلَى عَبْدِهِ﴾، وحي إلى النبي صلى الله عليه وسلم، لكن نريد القرآن كتابه ووحيه. علمنا كتاب الله سبحانه وتعالى، هذا عام للنبي صلى الله عليه وسلم القرآن والسنة، صحيح، لكن شيء خاص بالقرآن: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ﴾، ﴿وَأُوحِيَ إِلَى عَبْدِهِ﴾ نعم، قرآن. طيب، وكونه كذلك تنزيله: ﴿بَلْغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾، ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ�، نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾. وعلمنا ما ذكره رحمه الله أننا نفرق بين صفة الخالق وبين فعل المخلوق، فماذا نقول في القرآن إذا حفظ؟ ماذا نقول في القرآن إذا حفظ؟ المحفوظ والمقرؤ والمتلو والمكتوب ماذا؟ كلام الله؛ لأن كلها ترجع إلى ما هو صفة لله سبحانه وتعالى. والكتابة والقراءة والحفظ هذه أفعال المخلوقين مخلوقة. أعد: الحفظ فعل المخلوق، المحفوظ والمقرؤ والمثلو والمكتوب كلام الله. انتبه، ركز على هذا: المقرؤ والمحفوظ والمتلو والمكتوب كل هذا كلام الله، أي القرآن، والقراءة والكتابة والحفظ هذا إيش؟ فعل المخلوق. فنفرق. قال رحمه الله تعالى: سمعت الحاكم أبا عبد الله الحافظ يقول: سمعت أبا الوليد حسان بن محمد يقول: سمعت الإمام أبا بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة يقول: القرآن كلام الله غير مخلوق، ومن قال إن القرآن مخلوق فهو كافر بالله العظيم، لا تقبل شهادته، ولا يعاد إن مرض، ولا يصلى عليه إن مات، ولا يدفن في مقابر المسلمين، يستتاب فإن تاب وإلا ضربت عنقه. وهذا الأثر صحيح بهذا الإسناد كله أئمة يروي بعضهم عن بعض، وقد ذكره الحافظ الذهبي رحمه الله في «التذكرة»، وهكذا هو من كلام ابن خزيمة مذكور في كتاب «التوحيد»، ومعناه نقل عن عدد من الأئمة. وفي هذا دليل أن القائل بأن القرآن مخلوق عند علماء وأئمة أهل الحديث والأثر كأئمة الإسلام والعلماء الكبار الأعلام يعد كافرا. وسبب كفره أنه كذب بالقرآن، وأنه ثانيا ماذا؟ نعم، جعل صفة الخالق مخلوقة، وكلا الأمرين كفر. فمن كذب بالقرآن، وجعل ما هو صفة الخالق كمال المخلوق، مثل مال المخلوق فقد كفر بالله، ولهذا قال: لا تقبل شهادته؛ لأنه ليس بمسلم، ولا يعاد إن مرض؛ لأنه ليس بمسلم، ولا يصلى عليه إن مات؛ لأنه ليس بمسلم، ولا يدفن في مقابر المسلمين؛ لأنه ليس بمسلم. يستتاب فإن تاب؛ لماذا؟ لأنه ربما عنده شبهة، ربما عنده شبهة، بعض الناس يلبس عليه من قبل أهل البدع والأهواء، أو يكون عنده جهل وتقليد، فيبين له هذا الذي تقوله خطير، هذا كفر بالله. انظر إلى الأدلة من الكتاب والسنة، واسمع إلى كلام أهل العلم، فإن استجاب وأرجع وتاب فالحمد لله، قبلت توبته، وإن لم يتب وكان هناك ولي أمر مسلم ضربت عنقه. كما ضربت عنق من قال عنه أحد الأئمة: «لئن أخذت بجهما بن صفوان لأذبحنه كما يذبح الكبش»، أتله خالد القسري. نعم؛ لأنه كان زعم أن الله لم يكلم موسى تكليما. قال رحمه الله تعالى: فأما اللفظ بالقرآن، فإن الشيخ أبا بكر إسماعيل الجرجاني ذكر في رسالته التي صنفها لأهل جيلان: من زعم أن لفظه بالقرآن مخلوق -يريد به القرآن- فقد قال بخلق القرآن. وقوله: فأما لفظ القرآن، وفي نسخة: قال الشيخ أبو عثمان: فأما اللفظ بالقرآن، وفي نسخة التي صنفها لأهل جيلان قال فيها: إن من زعم أن لفظه بالقرآن... يعني مسألة قالها بعض أهل الأهواء لإدخال بدعتهم بحيلة. لما قال علماء الإسلام: من قال إن القرآن مخلوق فهو كافر، وكان لأهل السنة وأئمة السنة القوة والشأن، إن خنس أهل الباطل وأهل البدعة، فجاءت الطائفة تبث البدعة بطريقة خفية، قالوا: لفظي بالقرآن مخلوق، لفظي بالقرآن مخلوق، لا يريدون الفعل، ولكن يريدون الجمع بين القرآن وبين ماذا؟ فعل المخلوق. فلهذا شد عليهم في أول الأمر بعض علماء وأئمة السنة الأعلام، فقالوا: من قال لفظي بالقرآن مخلوق فهو مبتدع، وبعضهم قال: كافر. لماذا؟ لأن الذي قال هذا هو نفسه الذي كان يقول القرآن مخلوق، فلما سكت عن قول القرآن مخلوق تحول إلى قول ماذا؟ لفظي بالقرآن مخلوق. ثم لما وجد بعض العلماء وأئمة أن هذا اللفظ محتمل، فصار بعض الناس يلبس فيه ويشوش على من ليس له معرفة ودراية، فيقولون لهم: أليس فعلنا مخلوق؟ فيقولون: بلى، فيقولوا: إذن لفظي بالقرآن مخلوق. فلما وقعت الشبهة، فصل من فصل من العلماء وأئمة، كالإمام البخاري، بكتاب «خلق أفعال العباد». ألم يكتب «خلق أفعال العباد»؟ لأن الناس صاروا في هذه المسألة طرفان ووسط. طرف لا يريد التفصيل، يقول: كل من قال لفظي بالقرآن مخلوق فهو مبتدع وضال وكافر، وآخرون قالوا: كذلك، لفظي بالقرآن مخلوق حق وصحيح وليس فيه شيء. وهذا خطأ، وهذا خطأ، والصحيح التفصيل والتفريق. فألف الإمام البخاري رحمه الله، وجماعة من أهل العلم، كتبا، منهم من ألف مصنفا خاصا، كالإمام البخاري ألف كتابه «خلق أفعال العباد»؛ لماذا؟ لأجل أن يبين أن هناك فرق بين ما هو صفة لله فليس بمخلوق، وما كان من فعل المخلوق فهو ماذا؟ مخلوق. فإذن، لا يصح أن تقول: لفظي بالقرآن مخلوق، لكن قل: الملفوظ إيش؟ كلام الله. أنت تتكلم الآن على القرآن، واللفظ فعلك، وما تفعله هذا إيش؟ هذا مخلوق، فعل العبد، والكتابة مخلوقة، والمكتوب من القرآن ليس بمخلوق. وهكذا كما مر معنا: المقروء والمكتوب والمحفوظ كل ذلك إيش؟ من القرآن ليس بمخلوق، والقراءة والكتابة والحفظ فعل العباد، هذا إيش؟ مخلوق. والدليل قول الله عز وجل: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾، يعني خلقكم وأعمالكم، وكل أفعال العباد مخلوق لله سبحانه وتعالى، حتى ولو كان قراءة القرآن، القراءة التي يفعلها العبد مخلوقة لله؛ لأن الله خلقك وخلق أفعالك. وأما المقروء الذي تقرؤه والمتلو الذي تتلوه من القرآن فهو ليس بمخلوق؛ لأنه كلام الله سبحانه وتعالى. فهذا هو الصحيح في مسألة اللفظ. وقوله رحمه الله: أن بعض أئمة من أهل جيلان ألف كتابا، وقال: من زعم أن لفظه بالقرآن مخلوق -يريد به القرآن- فقد قال بخلق القرآن. وانظر إلى قوله: يريد به القرآن، يعني إذا لم يرد به القرآن ففيه تفصيل. ما هو التفصيل الذي سمعناه قبل قليل؟ نفرق بين القراءة والمقروء، القراءة فعل العبد، والمقروء هو كلام الله، نفرق بين الكتابة والمكتوب، نفرق بين التلاوة والمتلو. أيهما كلام الله؟ التلاوة والمتلو، عندك؟ المتلو إيش؟ كلام الله، والتلاوة فعل الإنسان مخلوق. نعم. قال رحمه الله تعالى: وذكر ابن مهدي الطبري في كتاب «الاعتقاد»، وفي نسخة: في كتابه «الاعتقاد» الذي صنفه لأهل هذه البلاد -يعني جيلان- أن مذهب أهل السنة والجماعة القول بأن القرآن كلام الله سبحانه ووحي وتنزيله وأمره ونهيه غير مخلوق، ومن قال مخلوق فهو كافر بالله العظيم. وأن القرآن في صدورنا محفوظ، بألسنتنا مقرؤ، وفي مصاحفنا مكتوب، وهو الكلام الذي تكلم الله به عز وجل. وفي نسخة: الذي تكلم عز وجل به، وهذا يعني شيء يسير لا يضر. قال: ومن قال إن القرآن بلفظي مخلوق، أو لفظي به مخلوق، فهو جاهل ضال كافر بالله العظيم. وكما قلنا: هذا هو الآن ينقل الكلام ابن مهدي الطبري، وهؤلاء إما قالوا هذه العبارات ردا على من لبس البدعة بهذه الشبهة. والصحيح التفصيل كما مر معنا في القول الذي قبله: من زعم أن لفظه بالقرآن مخلوق ماذا يريد به القرآن؟ واضح؟ يريد به القرآن، فإن لم يرد به القرآن إذن لابد من التفصيل. فنفصل بين ماذا؟ بين اللفظ الملفوظ والقراءة والمقروء، والكتاب والمكتوب، والتلاوة والمتلو، وهكذا ننتبه لهذا. قال رحمه الله تعالى: وإنما ذكرت هذا الفصل بعينه من كتاب ابن مهدي؛ لاستحسان ذلك منه؛ فإنه أتبع السلف من أصحاب الحديث فيما ذكره، مع تبحره في علم الكلام وتصانيفه الكبيرة فيه، وتقدمه وتبرزه عند أهله. والمعنى أنه يريد أن يقول: هذا الرجل في هذه المسألة أصاب، ولكن عنده أشياء أخرى لم يصب، فأخذ الصواب وترك ما ليس بصواب. وهكذا العلماء والأئمة ينقلون أحيانا عن بعض الأئمة الصواب؛ لأمرين: الأمر الأول ليردوا به على أتباعه الذين تابعوه في الصواب والخطأ، فيقول لهم: هذا كلامه الصواب الذي وافق العلماء والأئمة فخذوه. لأن بعضهم خالف في هذه المسألة، مثل الإمام الأشعري، أبو الحسن الأشعري رحمه الله، له كلام في كتاب «الإبانة» عظيم وجميل يوافق كلام العلماء وأئمة وأتباع السلف، ولكن الأشاعرة الذين جاءوا من بعده لا يتابعون الإمام الأشعري فيما قاله رحمه الله رحمة واسعة. وهذا من ماذا؟ المفارقات. ولذلك صار العلماء يأخذون من كلام الأشعري ليردون به على من على الأشاعرة. نفس الشيء: بعض أتباع الإمام الشافعي لا يتابعونه في باب الاعتقاد، يأخذون منه الفقه، وإذا نظرت إلى عقيدتهم ليس هم على عقيدة الإمام الشافعي. يقول: لحنوا شافعية، هم شافعية في بعض أبواب الفقه، وأما في باب الاعتقاد فهم قبورية، إلا من رحم الله، وهم أشاعر وكلابية وماتريدية، إلا القليل ممن رحم الله. فإن كانوا شافعية حقا وصدقا فلينظروا ما هي عقيدة الإمام الشافعي في باب الاعتقاد، وفي باب الأسماء والصفات، وفي باب الإيمان، وفي باب القدر، كل هذه الأبواب وغيرها كثير خالف الكثير من الشافعية الإمام الشافعي رحمه الله. وهكذا لإماما الآخرين: سيد الكثير من أتباع أبي حنيفة ماتريدية مرجئة خارجون عن طريقة إمامهم الإمام أبي حنيفة. تجد الكثير من أتباع المالكية كذلك في باب الاعتقاد قبورية ماتريدية وأشاعرة ومرجئة أو جبرية مخالفون لمذهب الإمام مالك رحمه الله. وهكذا وهكذا، كذلك بعض أتباع الإمام أحمد تجد فيهم شيء من التمشر أو كذلك ضلال في بعض مسائل الإيمان أو القدر أو غير ذلك. فإذن لهذا ينقل العلماء النقولات؛ لأجل يردوا على بعض أتباع لإمامه فيما علموا أن إمامهم يخالف فيه الصواب، هم يخالفون فيه ما كان عليه الإمام من الصواب. قال رحمه الله تعالى: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ قال: قرأت بخط أبي عمر المستملي قال: سمعت أبا عثمان سعيد بن إشكاب، وفي نسخة: إشكيب، والصواب إشكاب، قال: يقول: سألت إسحاق بن إبراهيم عن اللفظ، وفي نسخة: ابن راهوي، وهو هو، قال: عن اللفظ بالقرآن. فقال: لا ينبغي أن يناظر في هذا؛ القرآن كلام الله غير مخلوق. ويريد: لا ينبغي أن يناظر في هذا؛ لأجل لا يكون شبهة لأهل الأهواء، ولأجل لا يلتبس على من لا يفهمه؛ لأن الأمر فيه تفصيل، الكثير من العامة لا يفهمون هذا التفصيل. فلذلك بعض العلماء أغلقوا هذا الباب، قالوا: يكفي أن تقول: القرآن كلام الله غير مخلوق، فإن جاء سائل فسأل: ماذا نقول عن لفظي بالقرآن مخلوق؟ يقول: أسكت عن هذا، لا تتكلم بهذا؛ لماذا؟ لأن العامي الذي لا يحسن العلم قد يفهم وقت السماع، يعني هو جالس معك الآن يفهم التفصيل، اسأله في اليوم التالي: هل سيجيب الجواب الصحيح؟ سيخطئ. ولهذا أنا كررت السؤال، فهمتم؟ لماذا أكرر السؤال؟ لأجل لا ينسى الطالب ومن يسمع في اليوم التالي ما هي عقيدة أهل السنة والجماعة في مسألة لفظي بالقرآن مخلوق. فلهذا بعض العلماء سد هذا الباب، يقول: لا تتكلم في اللفظ، يكفي أن تقول: القرآن كلام الله غير مخلوق، فإن سأل السائل: ما تقول في لفظي بالقرآن؟ يقول: اسكت عن هذا، لا تتكلم في هذا. هل معنى أنه ليس عنده جواب؟ عنده جواب، لكن يخشى أن السائل يأخذ الجواب الصحيح، وفي اليوم التالي ينسى ويختلط عليه، فيصير مسألة العقيدة فيها شك، لا يدري ماذا قال لي الشيخ أمس. إذا لقي بعض أهل الأهواء وقال له القول الباطل، يقول: لعل هذا الذي قال لي الشيخ، وهو ليس هذا، إنما هو شيء آخر. لكن هل العامي يميز بين الصواب من الخطأ؟ ما يميز. فلذلك قد لا يحفظ ولا يتقن هذا الباب، فأغلق العلماء هذا الباب. وفي هذا فائدة: أن المسائل الدقيقة من العلم لا تطرق لكل الناس، المسائل الدقيقة من العلم لا تطرق لكل الناس. فمن مسائل العلم ما يكون لخاصة الناس، كما قال علي رضي الله عنه وأرضاه: «حدث الناس بما يعرفون، أتحبون أن يكذب الله ورسوله؟» رواه البخاري. وفي مسلم من حديث ابن مسعود: «ما أنت بمحدث قوما حديثا لا تبلغه عقولهم، إلا كان لبعضهم فتنة». فلكل مقام مقال. وبهذا نفهم ما روي: ليس هو من باب التعارض، ولا هو من باب الاختلاف، الاختلاف بين الأئمة في هذه المسألة، هذه مسألة عقدية، ليس فيها اختلاف، لكن بهذا الجمع نجمع. من قال من العلماء كإسحاق بن الراهوي: يقول اسكت عن هذا، لا تتكلم في اللفظ، ماذا يريد؟ يريد درء المفسدة بأن يخوض إنسان في شيء لا يفهمه، فيلتبس عليه الأمر. ومن قال من الأئمة: من قال لفظي بالقرآن مخلوق فهو كافر، فهو لا يخالف كذلك، إنما يريد أن يرد على من يلبس على الناس بهذا اللفظ المجمل الذي يحتاج إلى ماذا؟ إلى تفصيل. ومن فصل: فهذا هو الصواب. وقوله: لا يخالف الأول، ولا يخالف ماذا؟ الثاني. من يعيد علي هذه الأقوال الثلاثة؟ ها، تفضل. السؤال في مسألة لفظي بالقرآن مخلوق ثلاثة أقوال عن الأئمة، ما هي هذه الأقوال الثلاثة؟ نعم، الأول: القرآن كلام الله غير مخلوق، ولا نتكلم في اللفظ، والثاني: أغلق هذا الباب، والثالث: التفصيل. نعم، نفصل بين اللفظ الملفوظ والقراءة والمقروء، والكتاب والمكتوب، والتلاوة والمتلو. أيهما كلام الله؟ المتلو، كلام الله، والتلاوة فعل الإنسان مخلوق. نعم، هذا هو، إذن ليس بين الأئمة الذين قالوا هذا وهذا وهذا اختلاف. نعم، انتبهوا لهذا. قال رحمه الله تعالى: قال وذكر محمد بن جرير الطبري رحمه الله تعالى في كتاب «الاعتقاد» الذي صنفه في هذه المسألة، وقال: أما القول في ألفاظ العباد بالقرآن، فلا أثر فيه نعلمه عن صحابي ولا تابعي، إلا عن من في قوله الغنى والشفاء. قال: ومن يقول قوله: مقام لأئمة الأولى أبي عبد الله أحمد بن حنبل، فإن أبا إسماعيل الترمذي حدثني قال: سمعت أبا عبد الله أحمد بن حنبل رحمه الله يقول: اللفظية جهمية. قال الله عز وجل: ﴿حَتَّى يُسْمِعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾، ممن يسمع، يعني مستنكرا. ومعنى أن القرآن كلام الله، ويقف عند ذلك، ويقول: أن اللفظية جهمية. قال: ثم سمعت جماعة من أصحابنا لا أحفظ أسماءهم يذكرون عنه رضي الله عنه وأرضاه أنه كان يقول: من قال لفظي بالقرآن مخلوق فهو جهمي، ومن قال غير مخلوق فهو مبتدع. وهذا فيه دليل أن الإمام أحمد ماذا؟ يفصل. لكن طريقته طريقة من؟ طريقة إسحاق بن راهوي، يريد أن يسد الباب حتى لا يفتتن أحد في هذا المكان. فقوله: من قال لفظي بالقرآن مخلوق فهو جهمي؛ لأنه بهذه الكلمة المجملة جعل القرآن مخلوقا، والقرآن ليس بمخلوق. ومن قال القرآن مخلوق فقد كفر لوجهين: ما هذان الوجهان؟ نعم، تكذيب أدلة الكتاب والسنة، ثانيا: جعل صفة الخالق مخلوقة. ومن قال غير مخلوق فهو مبتدع؛ لماذا؟ لأنه جعل أفعال العباد ليست مخلوقة، وأفعال العباد هي ماذا؟ مخلوقة لله، كما قال الله سبحانه وتعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾، يعني وعملكم، خلقكم وعملكم. فأنت مخلوق وعملك مخلوق، فمن قال غير مخلوق أدخل شيئين: أدخل القرآن غير مخلوق، وهذا صحيح، وأدخل فعل العبد وأنه غير مخلوق، وهذا ليس بصحيح. فلهذا صار مبتدعا، ومن قال أنه مخلوق أدخل فعل العبد أنه مخلوق، وهذا صحيح، وادخل القرآن وجعله مخلوق، وهذا ليس بالصحيح، بل هو كفر. ولهذا كان القول الأول: من قال به كان كافرا، ومن قال بالثاني فهو ماذا؟ مبتدع. متى يكون كافرا؟ ومن قال باللفظ ماذا؟ مخلوقا. إذا قال لفظي بالقرآن مخلوق فهو إيش؟ كافرا ومبتدع. لماذا؟ لأنه جعل القرآن مخلوقا، وهذا هو الخطأ، وهو إيش؟ كفر. وطيب، ومتى يكون مبتدع؟ إذا قال لفظي بالقرآن غير مخلوق. لماذا مبتدع؟ لأنه جعل أفعال العباد غير مخلوقة، وأفعال العباد مخلوقة لله. فلهذا سماه مبتدعا. وفي هذا دليل أن الإمام أحمد رحمه الله ماذا؟ يفصل. فمن الخطأ أن تقول: الإمام أحمد ليس على طريقة الإمام البخاري، ويخالف الإمام البخاري فيما ذكره في «خلق أفعال العباد»، هذا خطأ. بل الصحيح أن مذهب الإمام أحمد ومذهب الإمام البخاري مذهب إسحاق برهوي، مذهب غيرهم من الأئمة في هذا، وهم ثلاثة مذاهب، وهي ثلاثة مذاهب، كلها ترجع إلى شيء واحد، ليس بينها اختلاف. لأن هؤلاء أرادوا سد الباب، وهؤلاء فصلوا، وهؤلاء ماذا؟ أرادوا الجهمية ونحو هذا. قال رحمه الله تعالى: قال: ثم سمعت جماعة من أصحابنا لا أحفظ أسماءهم يذكرون عنه رضي الله عنه وأرضاه أنه كان يقول: من قال لفظي بالقرآن مخلوق فهو جهمي، ومن قال غير مخلوق فهو مبتدع. قال محمد بن جرير: ولا قول في ذلك عندنا يجوز أن نقوله غير قوله؛ إذا لم يكن لنا فيه إمام نأتم به سواه، وفيه الكفاية والمقنع، وهو الإمام المتبع، رحمة الله عليه ورضوانه. وقوله رحمه الله: هو قول غيره من الأئمة، ولكن التعبير يختلف بحسب المقام والمقال، وبحسب الزمان والمكان. فأنت إذا كنت بين عوام تقول لهم ماذا؟ اتركوا الكلام في اللفظ، اتركوا هذا لأهل العلم، هذا شيء كبير عليكم، واضح. لماذا؟ لأن العلم إذا أتيت وقت له هذا التفصيل سيفهم منك، وفي وقت وجودك، بعد أن يذهب عنك يوم أو يومين سيلتبس عليه الأمر، سيلتبس عليه الأمر. وربما يجلس معه مبتدع، فيأتيه بتفصيل باطل، فيقول: لعل هذا هو الذي قال لي الشيخ، وهو ليس هو. فلهذا أنت تفرق في الكلام في مثل هذه القضايا الدقيقة، إذا كنت تتكلم مع طلبة علم، أو تتكلم مع عوام، أو تتكلم في مجلس عام، أو مجلس خاص، مجلس علمي يحضره طلبة علم، أو الكثير منه طلبة علم، لا بأس أن تفصل وتبين وتوضح. قال رحمه الله تعالى: هذه ألفاظ محمد بن جرير التي نقلتها، نفسها إلى ما ها هنا من كتاب «الاعتقاد» الذي صنفه. قلت: وهو -يعني محمد بن جرير- يعني القائل، محمد بن جرير رحمه الله قد نفى عن نفسه بهذا الفصل الذي ذكره بكتابه كل ما نسب إليه وقذف به من عدول عن سبيل السنة، أو ميل إلى شيء من البدعة. والذي حكاه عن أحمد رضي الله عنه وأرضاه: أن اللفظية جهمية، فصحيح عنه. وإنما قال ذلك؛ لأن جهما وأصحابه صرحوا بخلق القرآن، والذين قالوا باللفظ تدرجوا به إلى القول بخلق القرآن، وخافوا أهل السنة في ذلك الزمان من التصريح بخلق القرآن، فأدرجوه في هذا القول ذي اللبس؛ لألا يعدوا في زمرة جهم الذين هم شياطين الإنس يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا. إذن، كما سبق وأن نبهنا على هذا: من قال أن من قال لفظه بالقرآن مخلوق فهو جهمي، أراد به طائفة قاصة في زمانهم، هم من الجهمية، خافوا أهل السنة لما قويت شوكة أهل السنة، فانحرفوا، غيروا العبارة من قولهم: القرآن مخلوق، إلى قولهم: لفظي بالقرآن مخلوق. وهذا من كلام هذا الإمام ما يدلنا على هذا المعنى. قال رحمه الله تعالى: فذكروا هذا اللفظ، وأرادوا به أن القرآن بلفظنا مخلوق، فلذلك سماهم أحمد رحمه الله جهمية. ولأنهم لم يفصلوا: من قال لفظي بالقرآن مخلوق اجتمل هذا على شيئين اثنين: اجتمل على الملفوظ الذي هو إيش؟ عندك؟ الملفوظ: كلام الله. نعم، واللفظ فعل العبد مخلوق. نعم، فلذلك سمي جهميا؛ لأنه جعل الملفوظ الذي هو كلام الله مخلوقا، هذا ليس صحيح، بل هذا قول الجهمية. قال رحمه الله تعالى: وحكي عنه أيضا أنه قال: اللفظية شر من الجهمية. لكن هل المراد لفظية كل من قال لفظه بالقرآن مخلوق؟ الجواب: لا. وإنما أراد من كان في زمانه، فألف اللفظية إيش؟ سمى هذه العهدية، العهدية: يعني شيء معهود معروف. مثلا جاء رجل اشترى مني، فغبنني، ثم ذهب، وفي اليوم التالي جاء الرجل، الرجل في اليوم الثاني ألف الرجل إيش؟ عهدية، المعهود المذكور في أول الكلام. فاللفظية ها هنا هم فرقة وطائفة في زمان الإمام أحمد رحمه الله، كانوا من الجهمية، فزعموا أنهم تراجعوا من مذهب جهم، وأتوا بهذا المكر الذي ذكره هنا هذا الإمام رحمه الله، يعني أدخلوا بدعتهم بشيء من المكر والخفاء في قولهم: لفظي بالقرآن مخلوق. ولهذا قال: اللفظية شر من الجهمية؛ لأنهم يلبسون على الناس دينهم بهذا الخلق. فلذلك سد الإمام أحمد رحمه الله هذا الباب، ومن زمنه، ولذلك تجد كذلك أكثر من قال: اللفظية جهمية، أو شر من الجهمية، هم من كان في طبقة الإمام أحمد. وأما من جاء من بعد الإمام أحمد فصاروا يفصلون؛ لماذا؟ لأن في أول الأمر ما كان أحد يقول اللفظي بالقرآن مخلوق إلا من الجهمية، أول من ابتدأ القول لفظي بالقرآن مخلوق هم من الجهمية، أول من قال بذلك. ثم لما انتشر هذا، وصار بعض الجهلة والمقلدة يسمعون العبارة، ويسمعون أن فيها تفصيلا، صاروا يقولون بها دون تفصيل. فعند ذلك احتاج العلماء إلى التفصيل، وقبل هذا التفصيل كانت المرحلة الثانية: وهي مرحلة من تكلم في هذا اللفظ إلا هو أسكت، وترك مسألة اللفظ، وتركها لمن؟ لأهل العلم والعلماء، ولا إما لا تتكلم أنت في شيء لا تعرفه ولا تحسنه. والمرحلة الثالثة هي مرحلة التفصيل؛ لأجل أن يعرف الإنسان ما هو الصواب وما هو الخطأ، على ما سبقت الإشارة إليه. طيب، نقف لهنا إن شاء الله.