كتاب الجهاد من الاختيارات الفقهية 15

كتاب الجهاد من الاختيارات الفقهية 15

الدرس في كتاب الجهاد من الاختيارات الفقهية 15، الدرس الخامس عشر:( باب قسمة الفيء ... وعمال الفئ إذا خانوا فيه أو قبلوا هدية أو رشوة..وإن قلنا:لا يجوز لهم الأخذ خيانة ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

مفهوم الفيء وقسمته وحرمان الرافضة

شرح مفهوم الفيء وقسمته وفق الشريعة الإسلامية، ومناقشة حرمان الرافضة منه لبدعتهم وعدم ترحمهم على الصحابة. يناقش أحكام توزيع الفيء ووجوب تقديم المحتاجين عليه.

أحكام توزيع الفيء والتحذير من الاستئثار

يناقش أحكام توزيع الفيء ووجوب العدل في توزيعه، ويحذر من الاستئثار بالمال العام أو توزيعه بالمحاباة. كما يبين حكم أخذ عمال الفيء لما ليس بحق لهم.

تحريم الخيانة وضبط الناس بالثوابت الشرعية

يشرح تحريم الخيانة في الأمانة والعمل، ويبين أهمية الثوابت الشرعية في ضبط الناس. يحذر من التأويل الفاسد ويؤكد على ضرورة الصبر والبحث عن حلول شرعية.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، قال شيخ الإسلام بن تيمية، رحمه الله تعالى، فيما نقل عنه من اختياراته: قال: «باب قسمة الفي»، قال: «ولا حق للرافضة في الفي». قوله: «باب قسمة الفي»، أي: هذا مدخل لمعرفة قسمة الفي، والفي كما مر وتقدم، قسمه الله عز وجل بقوله سبحانه: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ﴾ الآية. فالفي يقسم كما أمر الله بقسمته، ويجتهد في ذلك الإمام بحسب ما يراه ويرى فيه المصلحة. وقد صحت أحاديث كثيرة عن النبي صلى الله عليه وسلم في قسمة الفي، فإنه قسمه لفقراء المهاجرين والأنصار. ولما كان الفقر في المهاجرين أكثر، أعطاهم وأغناهم. وكان أول ما بدأ به المهاجرون، بأمر النبي صلى الله عليه وسلم، أن ردوا أموال الأنصار إليهم، لأن الله أغناهم بهذا الفي، فبهذا ردوا أموال الأنصار. فرد الغنى للأنصار، ومن كان غنيا من الأنصار كفي بما رد إليه، ومن كان فقيرا من الأنصار أعطي من هذا الفي. ثم بعد ذلك جعل النبي صلى الله عليه وسلم من ذلك لنفقته وبعض حوائج المسلمين، ومنها ما زاد للكراع والسلاح. وقد نص العلماء أن الفي أحد أموال ثلاثة من الأموال السلطانية التي يجوز للسلطان أن يجتهد فيها، وهي: الفي والغنيمة والصدقة. وإذا كان كذلك، فيجوز للإمام أن يعطي من يجوز إعطائه، ويمنع من يجوز منعه. وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم من غير وجه أن أهل المعصية والشقاق للمسلمين يجوز أن يمنعون من حقهم، وإن كان لهم حق. فكيف إذا كان الذي يُعطى فضل وليس بحق؟ ومر معنا قريبا قصة الرجل الذي قتل القتيل اليماني، وكان له سلبه، فلما حصل التطاول على الأمير، منع النبي صلى الله عليه وسلم ما بقي من السلب عن هذا الرجل، لأن في هذا تأديب له. هذا منعه حقه الذي قد يستحقه، فكيف إذا كان العطاء فضلا؟ وبهذا قال العلماء: إن من كان من أهل الأهواء، وكان رجعه بمنع العطاء له، فإنه يمنع. فكيف إذا كانت بدعته تفضي إلى الكفر، كالرافضة وغلاتهم؟ بدعة الرافضة توصلهم إلى الكفر، كالإثنى عشرية ونحوهم. فمن هذا الوجه منع من أهل العلم الرافضة من الفي، وهكذا أمثالهم ممن بدعتهم تصل إلى الكفر. هذا وجه في منع الرافضة، لأنهم -أي غلاتهم- كفار. والمعنى الثاني: أن الرافضة يمنعون، ولو لم يكونوا كفارا، لأن الله عز وجل ختم آيات الفي بقوله: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ﴾ وهؤلاء لا يترحمون ولا يترضون عن الصحابة، بل يطعنون فيهم، فلا يستحقون الفي. قال هذا غير واحد من أهل العلم. فلهذين المعنيين لا حق ولا حظ للرافضة في الفي. بل نص العلماء في كتب الفقه المطولات منها: أنه ليس فقط الفي، بل كل مال يجتهد فيه الإمام بالعطاء، يجوز للإمام أن يتفضل بالعطاء فيه، كالرفادة ونحوها من العطاءات التي يجوز للإمام أن يجتهد فيعطي من يرى أن له مصلحة في ذلك. ومن باب أولى أن لا يمكن هؤلاء من ولايات الدولة المسلمة. لا يمكنون إذا كان لا يعطون هذا الفضل، فكيف يمكنون؟ لا يمكنون من باب أولى. فلا تحل لهم عطايا ولا مناصب ولا شيء من ذلك، حتى تظهر توبتهم. فكل ما كان من جهة السلطان ودولة الإسلام، يمنع منها أهل البدع والأهواء وأهل الضلال، حتى يرجعون عن بدعهم وعن ضلالهم، وتظهر توبتهم. نص على هذا غير واحد من أهل العلم، واستدلوا بكلام أهل العلم في هذه المسألة، وما ورد فيها من أدلة. وهذا كما يقال من دقيق استنباطاتهم، رحمهم الله. قال رحمه الله: «وليس لولاة الأمور أن يستأثروا منه بما فوق الحاجة، كالإقطاع يصرفونه فيما لا حاجة إليه، ويقدم المحتاج على غيره». في الأصح عن أحمد. وقوله: «وليس لولاة الأمور أن يستأثروا»، يعني: من الفي بما فوق الحاجة، يعني: لأنفسهم ولمن حولهم، كالإقطاع، يعني: الأراضي التي تستقطع وتعطى لمن ينتفع بها. فإنه ينبغي أن يصرف بقدر الحاجة، بل يقدم الأحوج. فالنبي صلى الله عليه وسلم، كما صح عنه، أنه لم يعط كل الأنصار من الفي، وإنما أعطى ذوي الحاجة، حتى قيل: إنه لم يعط إلا ثلاثة من الأنصار فقط، لأن أكثر الأنصار لهم أراضي يمتلكونها في المدينة. ولما كان المهاجرون فقراء، تركوا دورهم وبلادهم وأراضيهم، أغناهم الله عز وجل بهذا الفي، وأعطاهم النبي صلى الله عليه وسلم منه، لأنهم هم الأفقر والأشد حاجة. وهذا هو قوله: «ويقدم المحتاج على غيره». فإن كان الفي كثير والمحتاجون قليل، فيوسع على غير المحتاجين، لكن الأحوج فالأحوج، والأقرب فالأقرب. ويجتهد الإمام في ذلك، بشرط أن لا يكون فيه أثرة. ومعنى الأثرة: أي الاستئثار والبخل به عن من يستحقه، مثل أن يقدم القريب مع عدم شدة حاجته على من هو أشد منه حاجة. الآن القريب محتاج، ويوجد غيره محتاج، لكن حاجة غيره أشد من حاجة القريب، فلا يجوز أن يقدم القريب عليه، بل يقدم الأحوج فالأحوج. فكيف إذا كان القريب غنيا؟ إذا كان غنيا، فمن باب أولى أن لا يعطى، ويعد هذا من الأثرة الذي هو من الظلم الذي لا يجوز. وإذا وقع مثل هذا الظلم، فهل تنزع يد من طاعة؟ الجواب: لا شك لا. فمن عقيدة أهل السنة والجماعة، ومما صحب به النصوص: أنه يصبر على الولاة ما داموا مسلمين، ولو وجد الأثرة، ولو وجدت هذه الأثرة، فإنه يصبر على ذلك. قال رحمه الله: «عمال الفي إذا خانوا فيه أو قبلوا هدية أو رشوة، فمن فرض له دون أجرته أو دون كفايته وكفاية عياله بالمعروف، لم يستخرج منه ذلك القدر». وإن قلنا: لا يجوز لهم الأخذ خيانة، فإنه يلزم الإمام الإعطاء، كأخذ المضارب حصته، أو الغريم بلا إذن. فلا فائدة في استخراجه ورده إليهم. بل إن لم يصرفه الإمام في مصارف الشرعية، لم يعن على ذلك. وقد ثبت أن عمر شاطر عماله، كسعد وخالد وأبي هريرة وعمر بن العاص، ولم يتهمهم بخيانة بينة، بل بمحاباة اقتضت أن جعل أموالهم بينهم وبين المسلمين. هذه مجموعة من المسائل، أولها: في عمال الفي إذا حصلت منهم خيانة أو قبلوا هدية أو رشوة، وهذا محرم لا يجوز. لا يجوز لعامل الفي وعامل الفي جامعه وموزعه والقائم عليه، ومن كان بمعنى هؤلاء الثلاثة. فلا يجوز لهم الخيانة، ومن الخيانة الأخذ بغير إذن، فضلا عن أن يأخذ بغير إذن وبغير حق. فإذا أخذ بغير إذن ما هو حق، فهو خيانة. وإذا أخذ بغير إذن وليس بحق، فهو أعظم من الخيانة. وهكذا قبول الهدية والرشوة، لأنها من هدايا العمال المحرمة، وهي غلول، كما صح معناه من غير وجه عن النبي صلى الله عليه وسلم. قوله رحمه الله: «فمن فرض له دون أجرته أو دون كفايته وكفاية عياله بالمعروف، لم يستخرج منه ذلك القدر»، المراد به أحد أمرين: إما أن يكون المراد به أجرة هذا الذي أخذ ما أخذ بغير حق، بالخيانة أو بالهدية أو غيره، أنه لا يجوز له أن يفعل ذلك. فإذا فعل ذلك، فإنه لا يستخرج منه ذلك القدر لكونه أخذ بشبهة. وقد تقدم أنه يعفى عنه، وهذا هو الأولى. والمعنى الثاني: أنه لم يستخرج منه ذلك القدر الذي أخذه بغير حق، وإن كان يجوز أخذ الزائد. وإن كان يجوز أخذ الزائد إذا كان أخذ شيئا زائدا بغير حق. قال: «وإن قلنا لا يجوز لهم الأخذ خيانة»، وهذه المسألة الثانية، فإنه يلزم الإمام لإعطاء كأخذ المضارب حصته. ومعنى أنه ولو كان لا يجوز له الأخذ خيانة، فها هنا مثل هذا الإنسان، لو ترتب على فعله حد لسقط الحد. ولو ترتب على فعله عقوبة معلومة تسقط عين العقوبة، وإن كان يبقى عليه التعزير. لماذا؟ لأن الحدود والعقوبات تدرأ بالشبهات. وهذا عنده شبه. ما هي الشبه؟ الشبه أنه لم يعط عطاء يكفي به. واضح العطاء لم يكن كافيا، فكان هذا شبه في حقه. فهذه الشبه تمنع من الحد إذا وجد حد، ومن كذلك العقوبة إذا وجدت عقوبة، ولكن تبقى يعني عقوبة معلومة، يبقى التعزير. يجوز أن يعزر بشيء آخر. ولو علم أنه لم يبين له، لكان نصحه وزيره يكفي في ذلك. على أن الإمام عليه أن يتق الله ويعطي هذا حقه. يعطي حقه إن كانت الأجرة غير كافية، زاده. أو كان يستحق لعمل زائد عطاء أكثر، أعطي. أو كان صاحب عيال لا يكفيه مثل هذه الأجرة، أن يزيد. ونحو ذلك. وقوله: «ولا يجوز لهم الأخذ خيانة»، كما تقدم. وقد صح عن النبي عليه الصلاة والسلام في حديث أبي هريرة وغيره: «ولا تخن من خانك». فلو حتى ظن هذا الإنسان أنه مظلوم ومهضوم، وقد حصلت له الخيانة بإلزامه بعمل أكثر من الأجرة، فيقال له: أنت بالخيار، لك أن تواصل ولك أن تخرج وتترك العمل. يقول: أنا محتاج، ما أستطيع أترك العمل. يقال: إذن لا تخن من خانك. لا تخن من خانك. وهذه مسألة يحصل فيها اللبس كثيرا، والشبهة مما أوجب الخطأ عند الكثير من الناس. يأخذون بالتأويل الفاسد ما لا يستحقون. يأخذون بالتأويل الفاسد ما لا يستحقون، سواء أكان يعمل مثل هذه الأعمال، وما كان بمعناها من أبواب الخير التي يكون فيها بعض العمال. أو كذلك الأموال العامة في أموال الدولة. فإن من الناس من يتأول فيأخذ الأموال العامة بحجة أن هذا في مقابل ما ينقصه من عطاء. وهذا خطأ ولا يجوز، وهو حرام. وهذا كثير، ربما تجد بعض الناس ببعض الدوائر الحكومية يأخذ المكيف الجديد ويحط المكيف القديم. ويقال إذا قيل له: ماذا صنعت؟ يقول: الراتب ما يكفي. وهذه الدولة ما تستحق إلا هذا إلا هكذا. قال: لا، لا يجوز. كالواجب عليك الصبر إذا ما ناسبك العمل، يبحث عن عمل آخر يعطيك صاحب أجر كاملة. أما أنك تستعمل الخيانة في هذا الباب، فهذا مع ما فيه من الخلق الذميم الذي ينافي خلق المؤمن، فهو كذلك إعان على نشر الفساد. لأنك لو فعلت أنت وتظن أنك محق، فعل غيرك وهو غير محق. وعند ذلك تفسد أحوال الناس ومصالحهم. تصور يعني مثلا الدولة تهب عشرين سيارة لأجل خدمة المجتمع، ويأتي أصحاب السيارات يشلحون هذه السيارات مر مرين بسيارة آخر موديل. وإذا بنشر فيها كفرين ويريد مساعدة يريد كفر. نظرنا أين كفرات هذه السيارة الجديدة؟ هذه السيارة جديدة ما يمدي هذه الكفرات أن تكون قد صارت مثل هذه القديمة. فيقول: بيعناها. ما عندنا المصروف. بيعناها. باع الجديد وأركب القديم. وعند ذلك كل يوم هم متعطلين، وتعطلهم نقصان في مصالح الناس. نقصان في مصالح الناس وإضرار بالناس. وأتأمل مثل هذا كثير مما يحصل، لأن الناس إذا فتح هذا الباب ماذا؟ توسعوا. يفتح مستشفى جديد، وتؤتى له بأجهزة حديثة. فإذا إدارة المستشفى يتحايلون يبيعون جميع الأجهزة الحديثة ويأتون بأجهزة قديمة. ما يمر ستة أشهر إلا وكل الأجهزة خربانة. إذا المستشفى بذلت له أموال عظيمة وأتلفها هؤلاء بمثل هذا التأويل الفاسد الذي حصل فيه توسع. وهكذا يتحمل من سن هذه السنة السيئة مثل هذه الأوزار وهذه الآثام مثله. تحايل بعض الناس في الكهرباء يأتي ويقول: والله نحن رفع علينا الكهرباء وصار ظلم علينا. إذن كل الناس تحايلون بالكهرباء ولا أحد يدفع. يعملون حيا للساعات. وعند ذلك يحصل الضرر على الجميع. لأنه إذا صار هناك كهرباء ولا أحد يدفع والكل يتحايل، إذن تعجز الدولة. وإذا عجزت الدولة فشلت. وإذا فشلت انقطع الكهرباء عن الكل. انقطع الكهرباء عن الكل. وهذا ضرر. وهذا ضرر وربما أنت تبدأ وتظن نفسك مظلوم ويأتي الغني ويفعل مثلك وأشد. يأتي الغني ويفعل مثلك وأشد. أنت ربما عندك مكيف واحد ويأتي الغني عنده عشرين مكيف وهو في نفس الوقت يتحايل مثل ما تتحايل. من الذي سيمنع الناس؟ ومن سيضبط الناس؟ إذا لم ننضبط بالثوابت الشرعية التي يجب أن نقف عندها. طيب نقف عند هذا الحد ونترك الباقي إن شاء الله إلى الدرس اللاحق. والله تعالى أعلم.