كتاب الجهاد من الاختيارات الفقهية 5

كتاب الجهاد من الاختيارات الفقهية 5

الدرس في كتاب الجهاد من الاختيارات الفقهية 5، الدرس الخامس:من( فإن أبا بكر الصديق رضي الله عنه عهد أن لا يستعمل من أهل الردة أحد ... فإذا أغنمناه وعرف ربه قبل قسمته رد إليه إن شاء وإلا بقي غنيمة ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

أحكام التعامل مع الأسرى والكفار في الجهاد

يناقش أحكام التعامل مع الأسرى والكفار في الجهاد، ويبين صلاحية الإمام في التصرف في المال والأسرى بناءً على المصلحة. يشرح حكم المثلة بالكفار ومتى تجوز.

حكم التمثيل بالكفار وملكهم لأموال المسلمين

يتناول حكم التمثيل بالكفار عند قيامهم بتمثيل المسلمين، ويناقش آراء أهل العلم في جواز الانتقام منهم. يبحث في مسألة ملك الكفار لأموال المسلمين التي أخذوها بالقهر.

أحكام الغنيمة وتوزيعها

يتناول حكم المال المغنوم الذي يتبين له مالك، وحكم أم الولد عند قسم الغنيمة. يفرق بين ما إذا كان المال المغنوم قبل القسمة أو بعدها، ويستند إلى أدلة من السنة النبوية وآثار الصحابة.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى فيما نقل عنه من اختياراته: قال: فإن أبا بكر الصديق رضي الله عنه عهد أن لا يستعمل من أهل الردة أحدًا، وإن عادوا للإسلام؛ لما يخاف من فساد نياتهم. وهذا تبع لما سبق من مسألة الاستعانة بأهل الذمة وجعلهم في شيء من الأعمال أو الولايات. ومر معنا تنبيه بالنسبة للنسخة التي عندنا، فيها «الخوارج»، وأكثر النسخ فيها «الخراج». فكما مر معنا، الأصل لفظ «الخراج» هو الذي وافق السياق، لكن على تقدير صحة «الخوارج» فيوجه بالتوجيه الذي سمعنا، إذا صحت، وإذا لم تصح فيبقى الكلام على ما تقدم، ومنه هذا الذي بين أيدينا، وما قبله، وما قبله من كلام؛ فإنه يحمل على الذم إذا عمل عملًا فإنه لا يؤمن، ونحو ذلك. قال رحمه الله تعالى: قال: للإمام عمل المصلحة في المال والأسرى كعمل النبي صلى الله عليه وسلم بأهل مكة، ومعناه: وللإمام الاجتهاد في هذا الباب؛ فالنبي صلى الله عليه وسلم في المال أعطى وقسم كما أمره الله، وربما أعطى بعض الناس إما يتألفهم، وإما كذلك لبعض عمل قاموا به، أو نحو ذلك مما سيأتي إن شاء الله الإشارة إليه، وبسطه في كتب الفقه وشروح الحديث التي تتعلق بمثل هذه المباحث. ومن لا معرفة له بعلم هذه المسائل قد يظن أن هذا مما لا يجوز، وليس الأمر كذلك، كما وقع لبعض الأعراب الذين اعترضوا على النبي صلى الله عليه وسلم قسمته، والواقع أنه عليه الصلاة والسلام إنما يقسم بما أمره الله، وكذلك الأسرى؛ فالإمام ينظر الأصلح في ذلك. والصحيح بما دلت عليه الأدلة أن الإمام مخير كذلك في هذا، فهو مخير بين القتل والاسترقاق، أو المن أو الفداء، وكله صح عن النبي صلى الله عليه وسلم. قال الله عز وجل: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾، وقد أمر بقتل المشركين في مواضع، وهكذا كذلك الاسترقاق؛ وقد قال عليه الصلاة والسلام في حديث عائشة: «اعتقيها»، وغيرها من الأحاديث التي تدل على وقوع الاسترقاق. وهكذا المن والفداء، كما قال سبحانه: ﴿فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً﴾، وقد من النبي صلى الله عليه وسلم على ثمامة، وهكذا كذلك صح أنه كان يفدي الرجل بالرجلين، وعفى عن أهل مكة عليه الصلاة والسلام، وكله يدل على أن الإمام ينظر في هذا الأصلح؛ ينظر في هذا الأصلح، فهو مخير في هذا، ولا ينافي ما جاء في قصة أسرى بدر؛ فتلك قضية خاصة، وما وقع بعد ذلك يدل أن هذا الحكم باقٍ على هذا التخيير، ولا أدل على ذلك ما وقع عام الفتح، وقبله وبعده كثير. فإذن كما قال رحمه الله: وللإمام عمل المصلحة في المال والأسرى كعمل النبي صلى الله عليه وسلم بأهل مكة، وخص أهل مكة؛ لأنهم كانوا في آخر الأمر حتى لا يظن أن ما وقع يوم بدر معناه استلزام القتل بالنسبة للمشركين المأسورين، وهذا ليس بلازم؛ فمما يدل على ذلك ما وقع لأهل مكة. قال رحمه الله تعالى: وقال أبو العباس في رده على الرافضي: الأمة يقع منها التأويل في الدم والمال، والعرب... ثم ذكر قتل أسامة للرجل الذي أسلم بعد أن علاه بالسيف، وخبر المقداد، فقال: ثبت أنهم مسلمون يحرم قتلهم، ومع هذا فلم يضمن المقتول بقود ولا كفارة ولا دية؛ لأن القاتل كان متأولًا، وهذا قول أكثرهم؛ كالشافعي وأحمد وغيرهم. هذا هو الأصل؛ الأصل أن ما وقع من قتل بتأويل في الجهاد، أو أخذ مال، أو انتهاك عرض، فإنه لا يستلزم إقامة الحدود؛ فقصة أسامة في الصحيحين، ونحوها خبر المقداد تدل على ذلك؛ لم يقم النبي صلى الله عليه وسلم عقوبة؛ لا بقود ولا بكفارة ولا بدية، فضلًا عن الحد. فعلم بذلك أن هذا الموضع مما يكون محل تأويل؛ فلا تقوم فيه الحدود، ولكن لا يعني ذلك أن لا تكون عقوبة؛ قد يجتهد الإمام فيرى إذا حصل شيء من التفريط إقامة عقوبة من باب التعزير، لا من باب إقامة الحدود، وفرق بين التعزير وبين إقامة الحدود. فمثلًا الغال أخذ المال بشبهة، ولهذا فرق العلماء بين من غل وله سهم، ومن غل وليس له سهم؛ فمن غل وله سهم فإنه لا تقطع يده، وإنما يعاقب عقوبة الغال، ومن كان ليس كذلك فإنه بحسبه؛ إن كانت له شبهة وإلا لحقه عموم الأدلة في هذا الباب. وهكذا كذلك العرب؛ فمن مثلًا أخذ امرأة من السبي قبل القسم فإنه يلحقه تعزير إذا رأى الإمام أنه مفرط، ولكن لا يلحقه الحد؛ فالمقصود والإشارة إلى هذه المسائل بهذا التفصيل. قال رحمه الله: وإن مثل الكفار بالمسلمين فالمثلة حق لهم؛ لهم فعلها للاستيفاء وأخذ الثأر، ولهم تركها، والصبر أفضل، مع أن الأصل هو تحريم المثلة؛ فقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم في أحاديث كثيرة نهي عن التمثيل بالكفار، كما في حديث بريدة وغيره: «ولا تمثلوا»، نهى عن التمثيل. والتمثيل هو التشويه في القتل، سواء أكان ذلك قبل القتل أو بعد القتل؛ قبل أو بعد يعني قطع أذن أو فقع عين أو قطع يد أو غير ذلك، فهذا لا يجوز، إلا ما استثناه الشيخ رحمه الله هنا؛ فيما إذا كان قد حصل من الكفار تمثيل بالمسلمين؛ فإنه يجوز، وليس هو الأفضل، ولهذا قال: «لهم فعلها للاستيفاء وأخذ الثأر، ولهم تركها، والصبر أفضل». والصبر أفضل؛ لأن هذا هو الذي يكون به بيان نبل أهل الإسلام وفضلهم وعظيم منزلتهم. قال: وهذا حيث لا يكون في التمثيل بهم زيادة في الجهاد، ولا نكال لهم عن نظيرها؛ فأما إذا كان في التمثيل السائغ لهم دعوة إلى الإيمان وزجر لهم عن العدوان؛ فإنه هنا من إقامة الحدود والجهاد. ومعنى أنه قد يخرج عن الأصل السابق لكذلك مطلب شرعي آخر؛ فمثلًا أنت تفرق بين عدو مستهتر ومتسلط متجبر، وبين عدو ليس كذلك، وتفرق بين تمثيل حصل خطأ ولا تعلم أنه عن عمد، وبين تمثيل حصل عن عمد؛ لابد من التفريق حتى يردع هؤلاء الأعداء. كما قال: لأن ذلك يكون زيادة في الجهاد والنكال للعدو، بما يكون به الدعاء إلى الإيمان والزجر لهم عن العدوان؛ فإذا رؤي في المسلمين مثلًا من مثل بهم وعلم أنه عن عمد، وعرف كذلك بالأخبار المستيقنة أنه عن تجبر وتسلط، وكذلك شيء من الاستهتار؛ فهنا الجروح قصاص على أقل الأحوال. وعند ذلك يبحث المسلمون إن استطاعوا الوصول إلى الفاعل فعلوا به مثل ما فعل؛ فإذا قبضوا مثلًا على الكفار قالوا: من فاعل هذا؟ قالوا: فلان، أخذوه ففعلوا به مثل ما فعل بقتل المسلمين، فإن لم يجدوا هل يجوز أن ينتقل إلى غيرهم؟ اختلف أهل العلم في هذا. وأفتى كثير من أهل العلم، وهذا ظاهر كلام شيخ الإسلام، وقد أفتى شيخنا محمد بن صالح رحمه الله بفتوى في أيام جهاد الأفغان نحو هذا؛ أنه يجوز أن يفعل المثل ولو لم يعلم المعين، لكن بغلبة الظن؛ بغلبة الظن مثلًا فعل تمثيل بالمسلمين فلا يعلم من الفاعل، لكن بغلبة الظن أنها السرية هذه التي أسرت؛ فهنا يبحث، فإذا لم يوجد من الفاعل فيفعل يؤخذ رؤوس هذه السرية؛ رؤوس هذه السرية فيمثل بهم كما مثل بالمسلمين؛ حتى يكون أدعى للتنكيل والزجر والردع. وهذا هو كلام شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في هذا الموضع. قال رحمه الله: ولم تكن القضية في أحد كذلك؛ فلهذا كان الصبر أفضل؛ يعني يوم أحد لم يحصل التمثيل من المسلمين بالمشركين مع ما حصل في يوم أحد، ولا كذلك فعل المسلمون مثله بعده؛ فدل هذا على هذا الأصل. دل هذا على هذا الأصل؛ يعني إذا أمكن العفو والصبر بدون منقصة للمسلمين، بل العكس من حصل منه العفو تكون له الرفعة؛ فالعفو أفضل، وأما إذا كان العفو يكون فيه تمادي هذا الكافر في غيه وباطله؛ فهنا لا ينبغي السكوت عن ذلك. قال رحمه الله: فأما إن كانت المثلة حقًا لله تعالى؛ فالصبر هنا واجب؛ كما يجب حيث لا يمكن الانتصار، ويحرم الجزع. قال شيخنا رحمه الله معلقًا: قال في الفروع نقلًا عن الشيخ: فأما إن كان المغلب حق الله؛ فالصبر هنا واجب. وهذه لفتة من شيخنا رحمه الله توضح كلام شيخ الإسلام ها هنا؛ فابن مفلح في الفروع نقل عن شيخ الإسلام: إن كان المغلب حق الله؛ فالصبر واجب. مثاله لو كان المغلب حق الله؛ يعني ليس فيه حق للآدمي، مثل: حصل التمثيل بالخطأ؛ حصل التمثيل بالخطأ لم يقصد تعيين هذه المثلة؛ لم يقصد تعيين هذه المثلة؛ فإنه يكون عند ذلك الصبر؛ فالصبر ها هنا واجب. فإن قتال الكفار يستلزم الأذية ويستلزم البلاء، وقد يكون منه شيء من المثلة؛ وهكذا كذلك علق شيخنا على قوله: «فالصبر هنا واجب»، قال: معنى هذه العبارة أننا إذا قلنا: المثلة حق لله تعالى؛ فإنه لا يجوز التمثيل بالكفار وإن مثلوا بنا؛ بل يجب الصبر، وهذا كما تقدم بالعبارة التي قبلها؛ فيما إذا كان هناك شيء مغلب يغلب أن هذا حق لله سبحانه وتعالى، وليس حقًا للآدميين. فإذا كان كذلك؛ فهنا يجب الصبر، ولا يمكن الانتصار؛ لأن الانتصار عند ذلك يكون فيه نوع من الجزع، ومثاله: أن يكون التمثيل بالخطأ؛ أن يكون التمثيل بالخطأ؛ مثلًا ترمى بقذيفة فيحصل فيها تشويه لبعض الأسرى أو لبعض المسلمين؛، وتقطع يد هذا، وتحرق هذا، وتفعل بآخر كذا، والمسلمون يرمون بقذائف على الكفار. فإذا أسر الكفار لا يقال: أنتم فعلتم بماذا إخواننا كذا وكذا؛ فيفعل بهم كذلك؛ فهذا الظاهر والله أعلم يلحق بهذا الاستثناء. قال رحمه الله تعالى: باب قسمة الغنائم وأحكامها. قال: لم ينص الإمام أحمد على أن الكفار يملكون أموال المسلمين بالقهر، ولا على عدمه، وإنما نص على أحكام أخذ؛ على أحكام أخذ؛ منها ذلك. عندكم ماذا؟ مثل الذي عندي، أو شيء آخر، أو كلنا نسخة واحدة؟ أحد عنده نسخة أخرى نفسه طيب. قال: فالصواب أنهم يملكونها ملكًا مقيدًا لا يساوي ملك المسلمين من كل وجه، وإذا أسلموا وفي أيديهم أموال للمسلمين؛ فهي لهم، نص عليه الإمام أحمد. فهنا مسألتان: المسألة الأولى: أن يكون للكفار أموال يملكونها هي للمسلمين أخذوها بالقهر؛ فما حكم هذه الأموال؟ وسأتي إن شاء الله الكلام عليه أنها على أوجه. والثانية: إذا أسلموا وفي أيديهم أموال للمسلمين؛ يعني لم تكن عن قهر؛ ذهبت مثلًا خطأ أو غير ذلك؛ فهاتان مسألتان، ونهايتها شيء واحد؛ وهو ما حكم ذلك بعد حصولها وكونها تقع في المغنم؟ ما حكم هذا المال؟ هل يقسم مع الغنائم؟ أم يرد لأصحابه؟ أو ماذا يصنع به؟ فهنا بالنسبة للمسألة الأولى يقول الشيخ: فالصواب أنهم يملكونها ملكًا مقيدًا لا يساوي ملك المسلمين من كل وجه؛ يعني إذا أخذ بعض الكفار أموال المسلمين قهرًا؛ تارة يكرون عن المسلمين، وتارة المسلمون يكرون عليهم؛ فهم وإن ملكوها ملكوها ملك مؤقت؛ لا يعني ذلك أنها خرجت عن ملك ذاك المسلم إذا علم صاحبه بعينه. فإذا مرد المسألتين إلى ما سيأتي ذكره من تفصيل. قال رحمه الله: وقال في رواية أبي طالب: ليس بين المسلمين اختلاف في ذلك. قال أبو العباس: وهذا يرجع إلى أن كل ما قبضه الكفار من الأموال قبضًا يعتقدون جوازه؛ فإنه يستقر لهم بالإسلام؛ كالعقود الفاسدة والأنكحة والمواريث وغيرها. ولهذا لا يضمنون ما أتلفوه على المسلمين بالإجماع؛ هذا هو محل الإشكال؛ إذا كان بيد الكافر ثم رجع للمسلمين؛ قد يقال: الحق لصاحبه؛ لأنه أخذ من مسلم فرجع للمسلمين؛ فيرجع لصاحبه، لكن استشكل بعضهم: كيف إذا كان هذا الكافر أسلم ومعه هذه الأموال؟ هل يقر عليها؟ يقول الشيخ: أنه قد يقر عليها؛ كالعقود الفاسدة والأنكحة والمواريث؛ فإنها عند الكفار على أوجه باطلة، ومع ذلك إذا أسلموا أقروا على ما هم عليه؛ عنده مال حرام؛ كان يبيع خمرًا وخنزيرًا ومخدرات وأشياء، أو كذلك تزوج بالزواج ليس فيه شروط النكاح عند أهل الإسلام؛ هل تصير هذه زوجته؟ أم يؤمر بتجديد العقد؟ الجواب: أقر الكفار على ما هم عليه، وقد بسط العلماء الكلام على هذه المسائل في مواضع؛ هذه المسائل ففي كتاب الأنكحة ذكروا أنكحة الكفار؛ أنهم إذا أسلموا أقروا على ما هم عليه، وبسط الإمام ورحمه الله الكلام على ذلك في مواضع من كتبه، واستدل بأدلة؛ منها قصة أبي لهب؛ فسمى ربنا جل وعلا امرأته امرأة له، وامرأته «حمالة الحطب»، وهكذا من أسلم من الكفار لم يؤمر أحد منهم بتجديد عقد ويعاد نكاح؛ فكانوا يقرون على أنكحتهم السابقة. يريد أن يقول: وكذلك بالنسبة لهذه الأموال؛ فإنهم ما دام قد امتلكوها فيقرون عليها إذا كانت في أيديهم، لكن إذا رجعت إلى المسلمين؛ وقد قاس الشيخ بقياس؛ قال: ولهذا لا يضمنون ما أتلفوه على المسلمين بالإجماع، لكن إذا رجع إلى المسلمين؛ والآن نحن في باب قسمة الغنائم وإحكامها؛ والغنائم جمع غنيمة؛ وهي المال المأخوذ من الكافر الحربي قهرًا بقتال، وما يلحق به. فكل مال أخذ من كافر حربي قهرًا بقتال؛ فإنه غنيمة، وهكذا ما ألحق بهذا المال؛ فقولهم: المال المأخوذ من الحرب؛ خرج به ما أخذ من أهل الذمة؛ فما يؤخذ من أهل الذمة من الجزية وغيرها؛ ليس من الغنيمة، أو ما يؤخذ بغير قتال؛ كالفيء. وسيأتي إن شاء الله الكلام عليه؛ وهكذا كذلك ما ألحق به؛ مثل المال المأخوذ من الفداء؛ فدوا بعض الكفار مقابل المال؛ هذا المال يلحق بالغنيمة، أو ما أهدي إلى الجيش؛ فإنه كذلك من الغنيمة، وله أدلة كثيرة في السنة؛ بل في كتاب الله عز وجل. فهنا إذا وقع هذا المال في الغنيمة؛ ما حكمه؟ قال رحمه الله: وما باعه الإمام من الغنيمة وقسمه؛ وقلنا: لم يملكوه؛ ثم عرف ربه؛ فالأشبه أن المالك لا يملك انتزاعه من المشتري مجانًا؛ لأن قضى الإمام بحق ظاهرا وباطنًا؛ لأنه أخذه غنيمة من الكافر؛ فكونه رجع إلى المسلمين لا يعني أن صاحبه يأخذه من غير مقابل. وقد وردت في هذا الباب أدلة مرفوعة وموقوفة؛ استدل بها العلماء على تقسيم مثل هذا المال إلى ثلاثة أحوال؛ الحالة الأولى: أن يكون قبل القسمة؛ يعني يأخذ المسلمون المال فيكون هذا المال الذي عرف صاحبه من ضمن الغنائم، ولم تقسم في هذه الغنائم؛ فهنا يرجع لصاحبه، ولا يغنم بحال؛ إلا أن يسمح ويعفو صاحبه. ودليله ما جاء في حديث ابن عباس؛ وهو حديث رواه البيهقي والدارقطني، وفيه متروك؛ الحسن بن عمارة، لكن معناه صحيح؛ تؤيده آثار ومراسيل وأدلة أخرى صحيحة؛ جاء في حديث ابن عباس؛ وهو أوضح الأحاديث المروية من جهة التفصيل؛ أنه قال عليه الصلاة والسلام: «إن وجدته قبل القسمة فهو لك بغير شيء، وإن وجدته بعد القسمة فهو لك بالقيمة». فهو لك بالقيمة، وهذا المعنى صحيح، وإن كان لم يصح الحديث بهذا الإسناد؛ ففي إسناد الحسن بن عمارة وهو متروك، لكن جاء معنى في حديث أبي هريرة رضي الله عنه عند النسائي وابن ماجة، وصححه العلامة الألباني في صحيح ابن ماجة؛ في قصة بعير ادعاه رجلان؛ فجعل النبي صلى الله عليه وسلم اليمين بينهما فيه؛ فاستأنس به أهل العلم على هذا المعنى، ونحوه من حديث أبي موسى وفيه ضعف. وهكذا جاءت آثار عن عمر، ومراسيل عن جماعة تؤيد هذا المعنى؛ تؤيد هذا المعنى؛ بل جاء بصحيح البخاري، وأصله في الصحيح، وجاء عند أبي داود بإسناد حسن؛ أن غلامًا لعبد الله بن عمر فر إلى العدو؛ فظهر المسلمون فرده النبي صلى الله عليه وسلم على ابن عمر، ولم يقسم؛ يعني لم يجعل هذا العبد الآبق الذي فر إلى العدو من ضمن المغنم؛ بل رده لعبد الله بن عمر. وهذا يحمل على ما ورد في حديث ابن عباس الضعيف الذي معناه صحيح؛ فتؤيده هذه الأدلة والمراسيل والآثار على هذا التفصيل؛ فإذا كان قبل القسمة فيرجع المال لصاحبه، وإن كان بعد القسمة؛ فإنه يأخذه بثمنه وقيمته. والحالة الثالثة: أن لا يأتي إلا بعد قسمة المغنم وتفرق الثمن؛ فعند ذلك لا شيء له؛ خلاص كان عنده بعير والبعير قسم واشتراه رجل ووزع الثمن وذهب به؛ فإذا لا شيء له، ولا يلزم أن يعوضوه بشيء. قال رحمه الله تعالى: ويشبه هذا ما يبيعه الوكيل أو الوصي؛ ثم يتبين مودعًا أو مغصوبًا أو مرهونًا؛ وهي قاعدة في كل من قبض مال الغير وهو لا يعلم به؛ إما من المباح أو المغصوب أو المرهون؛ والقبض منه واجب، ومنه مباح؛ وكذلك صرفه منه واجب، ومنه مباح. قال في المحرر: وكل ما قلنا قد ملكوه؛ ما عد أم الولد؛ فإذا أغنمنا وعرف ربه قبل قسمته رد إليه إن شاء، وإلا بقي غنيمة؛ هذا أولًا قياس يؤكد المعنى السابق ويوضحه؛ ثم أتبعه رحمه الله بهذا الاستثناء. ونقف إلى هنا ونترك الباقي إن شاء الله إلى درس لاحق، والله تعالى أعلم.