الدرس في شرح الفرائد البهية 55، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يناقش المقطع قاعدتين فقهيتين مختلف فيهما، الأولى تتعلق بالظهار وهل يغلب فيه مشابهة الطلاق أو اليمين، والثانية تتعلق بفرض الكفاية وهل يتعين بالشروع أم لا. كما تطرق إلى تطبيقاتها الفقهية المختلفة.
يناقش حكم الاستمرار في فروض الكفايات بعد الدخول فيها، ويشرح القواعد الفقهية المتعلقة بالزائل العائد، مثل حكم العودة إلى فرض الكفاية بعد الانصراف عنه.
تناول قاعدة فقهية تتعلق بما إذا كانت العبرة بالحال أو بالمآل، واختلاف العلماء في هذه القاعدة وتطبيقاتها المختلفة. كما تطرق إلى قاعدة أخرى متعلقة بتنزيل اكتساب المال منزلة الحاضر.
يناقش ثلاث قواعد فقهية مختلف فيها، وهي: إذا بطل الخصوص هل يبقى العموم، والحمل هل يعطى حكم المعلوم أو المجهول، مع تقديم أمثلة وتفصيلات حول كل قاعدة.
لا يجوز بيع حمل الشاه الحامل بشكل مستقل لأنه مجهول، لكن يجوز زيادة سعر الشاه الحامل بسبب الحمل لأنه معلوم وواضح، وهذا يندرج تحت قاعدة أن ما يثبت تبعًا لا يثبت استقلالًا إذا كان فيه غرر.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال رحمه الله تعالى: القاعدة الثانية عشرة: قال: «الظهار هل يغلب فيه مشابهة الطلاق أو اليمين؟» قال: «قالوا: وفي الظهار هل المغلب شبه الطلاق أو بل المغلب شبه اليمين؟ فيه خلف، قد وصف، ومنهج الترجيح فيه مختلف». وهذه قاعدة أخرى من القواعد المختلفة فيها في الظهار. والظهار كما هو معروف في مباحث الفقه: قول الرجل لامرأته «أنت علي كظهر أمي» أو ما كان بمعناه من العبارات. فمن نظر إلى الظهار باعتبار معاملته وتحريم زوجته له، فقالوا: «فيه شبه بالطلاق». ومن نظر إلى الكفارة وما ألزمه الله عز وجل به قبل المجامعة، قالوا: «هذا فيه شبه بالإيلاء». تعرفون الإيلاء: فيه حكم التكفير قبل المجامعة للذين يؤلون من نسائهم «تربصوا أربعة أشهر فإن فاء فإن الله غفور رحيم وإن عزم الطلاق فإن الله سميع عليم». فإذا أراد أن يرجع فلابد أن يكفر. فلهذا صار الخلاف في تفاصيل من مسائل الظهار: هل يلحق باليمين أو يلحق بالطلاق؟ لأن من ألحقه باليمين نظر إلى ما فيه من مشابهة الإيلاء: كونه يمنع من الزوجة وأنه ألزم بالكفارة. فقوله رحمه الله: «قالوا: وفي الظهار هل المغلب شبه الطلاق أو بل المغلب شبه اليمين؟» يعني: كما تقدم في معنى لفظ القاعدة: هل يجعل الغالب مع الاتفاق أن الظهار فيه معنى الطلاق وفيه معنى اليمين، لكن هل يغلب هذا أم يغلب هذا؟ ولأن المسألة لا تضطرد في معنى واحد أو المسائل في القاعدة لا تضطرد في معنى واحد، لهذا لم يغلب هذا ولا هذا، بل الصحيح: يحكم عليها بأحدها كل شيء بحسبه. فالأصل في الكثير من المسائل كما نرى في التعليق وفيما يذكره الفقهاء والأصوليون في المطولات: أنه يشبه بالطلاق، هذا هو الغالب من جهة أنها لفظة تعامل معاملة الطلاق، لكن ليس هو له أحكام الطلاق مطلقًا. وإنما لأنها لفظة ترتب عليها حكم في علاقة الرجل مع امرأته، فإنه يعامل بتلك المعاملات في بعض المسائل. فمن تلك المسائل: أن لفظة الطلاق يصلح لأكثر من امرأة في وقت واحد. لو قال لمجموعة من نساء: «كل كن طالق» ثبت حكم الطلاق للجميع على الصحيح. صح فهو كذلك في الظهار، لو قال: «أنتن جميعًا عليك ظهر أمي» بلفظة واحدة يقع كذلك حكم الظهار للجميع. وهكذا كذلك في مسائل هي نحو هذا. فباعتبار هذا الشبه صار يعامل معاملة الطلاق. ونستطيع أن نقول: مما يقرب فهم وتصور التفصيل والتفريق: أنه ما كان متعلقًا باللفظ فيشبه بالطلاق. يعني الآن لفظ أطلق لفظًا فيشبه بالطلاق. وما كان متعلقًا بالكفارة فيشبه بماذا؟ باليمين. وإذا تأملنا المسائل التي ذكرت، فإن سنجدها تدور حول هذا المعنى والله أعلم. فمثلًا ذكر من المسائل: إذا كرر لفظ الظهار في نفس المرأة. الآن نحن نقول: كرر لفظ الظهار، لكن هل نحن حقيقة نريد اللفظ أو نريد ما بعد اللفظ وهو ماذا؟ الكفارة. لأن الآن السؤال: ماذا يترتب على تكرار هذا اللفظ؟ هل أكثر من كفارة أم كفارة واحدة؟ كفارة واحدة لو قال: «أنت عليك ظهر أمي، أنت عليك ظهر أمي، أنت عليك ظهر أمي» كرر أكثر من مرة، فلا يكون إلا كفارة واحدة. مثل لو قال: «والله لا أدخل بيت فلان» ثم دخل عشر مرات، فهل تجيب عليه عشر كفارات؟ كفارة واحدة. كذلك رجل جامع في نهار رمضان ليس مرة مرات كفارات أم كفارة واحدة؟ كفارة واحدة. فإذا نظرنا إلى شيء يتعلق باللفظ فيلحق حكمه بماذا؟ بالطلاق. وإذا نظرنا إلى شيء يتعلق بالكفارة فيلحق بماذا؟ باليمين. قال رحمه الله تعالى: القاعدة الثالثة عشرة: «فرض الكفاية هل يتعين بالشروع أم لا؟» قال: «ثم الشروع هل به تعين مفروض الاكتفاء أم لا عندنا؟ فيه خلاف، الرجح الأول في مطلبنا والبارزي المقتفي». ولكن الشيخان لم يرجحا شيئًا كما في خادم قد شرح. لأنها لا يطلق الترجيح فيها لما مر به التصريح. قال السيوطي: «بأصله الأتم» ولك أن تبدل هذا بأعم. بأن تقول: «فرض الاكتفاء هل نعطيه حكم فرض أو نفل؟ فيه خلاف». والفروع مختلف في حكم الترجيح حسب ما عرف. هذه قاعدة أخرى من القواعد المختلف فيها. وهي كما نرى تتعلق بفرض الكفاية: هل يتعين بعد الشروع فيه أم لا؟ وفرض الكفاية هو ما طلب الشرع فعله على وجه الإلزام من جميع المكلفين، فإن فعل سقط عن الكل، وإن لم يفعل أثموا الكل. وهذه كذلك لأجل ما تحتها من فروع تختلف، لم يجزم الشافعية وهكذا غيرهم في الحكم بشيء في هذه القاعدة. فقوله: «ثم الشروع هل به تعين مفروض الاكتفاء أم لا عندنا؟» ومعنى الشروع في فرض الكفاية: فيه خلاف، الرجح الأول فيه. ومعنى رجح الأول: وهو يتعين الشروع مطلبنا والبارزي والبارزي المقتفي. يعني رجح أنه يتعين بالشروع في كتاب المطلب في شرح البسيط للغزالي، وهو لنجم الدين أحمد بن محمد الأنصاري المشهور بابن الرفعة، وهو من كتب الشافعية المشهورة. ولهذا قال: «مطلبنا» أي معشر الشافعية. لأن الناظم منهم. والبارزي المقتفي يعني كذلك البارزي المقتفي يريد به ما ذكر في التعليق: هبة الله ابن عبد الرحيم المعروف بابن البارزي، ذكر ذلك بكتابه التمييز. فالبارزي المقتفي رجح الثاني كما يفهم من الأبيات بعده: وهو أنه لا يتعين. ثم قال: «ولكن الشيخان لم يرجحا شيئًا كما في خادم قد شرح». ويريد بقوله «الشيخان»: يريد بالشيخين هنا باب الحكاية، يريد بهذين الشيخين ما أشار إليهما في التعليق: الرافعي والنووي. ويريد بالخادم: كتاب الخادم للزركشي. والسبب في ذلك كما تقدم: أن مسائل هذه القاعدة لا تضطرد. ولهذا كان الصحيح: أن يحكم على كل مسألة بحسبها. ثم قال: «قال السيوطي: بأصله الأتم» ولك أن تبدل هذا بأعم. ومعنى ذلك: أن السيوطي قرب ما يمكن أن تضبط به القاعدة: وذلك بقوله «فرض الكفاية هل يعطى حكم فرض العين أو حكم النفل؟». فجعل المسألة في مسألة فرض العين أو النفل. والصحيح كذلك في هذه اللفظة وهذا التعبير: لا تنضبط هذه القاعدة. ولذلك يحكم في كل مسألة بحسبها. فمثلًا في قوله فيما مثل به: من جمع أو نقول من صلى الجنازة قاعدًا مع القدرة يعني على القيام، فيه خلاف. وهو على الراحلة. وهذه المسألة مما اختلف فيها. وهل نستطيع أن نجريها على قول واحد؟ الصحيح: لا. لماذا؟ لأنه أولًا قد يختلف الحال من شخص إلى آخر. فالأمر ها هنا يتعلق بتحقق هذه القدرة وعدمها. فقد يقدر إنسان ولا يقدر إنسان آخر. وفي الغالب أن مثل هذا الفعل فيه خطر وفيه مشقة. وهذا طبعًا إذا اضطر إلى ذلك. فأصل المسألة: أن نتصورها لو كان هناك فرض كفاية ثم شرع في أمر في هذا الفرض الكفاية، فهل يتعين في حقه لكونه مثلًا قد دخل في هذه العبادة وهذا الفرض الذي هو من الفرض الكفايات؟ الصحيح: أنه يفصل بتفصيل. فيقال: الأصل أنه يجوز أن يقطع فرض الكفاية كما جاز أن لا يبتدئه، جاز قطعه بعد الدخول فيه. هذا هو الأصل. لأنه هو من فروض الكفايات. إذا قام به البعض سقط عن ماذا؟ عن الكل. يجوز يجوز أن أدخل وأصلي الجنازة ما دام ناس يصلون. ويجوز على الصحيح في فروض الكفايات: إذا دخلت فيها أن تخرج منها ولا يتعين الاستمرار. هذا هو الأصل. لكن يقيد: أنه إلا إذا كان فيه مخالف في الشرع في وصفها الشرعي. فعند ذلك لا يجوز عدم الاستمرار. فمثلًا الجهاد في سبيل الله في بعض أوصافه من فروض الكفايات. لكن إذا انسحبت قد يلحقني حكم المتولي من الزحف. لما فيه من إدخال الضعف على الجيش. والغالب أن الانسحاب يكون لسبب. فيكون هذا مدخلًا لماذا؟ لما يخالف الوصف الشرعي في الجهاد. فهنا يتعين عليه أن يستمر حتى ينقطع الجهاد. فإذا انقطع جاز له أن لا يستمر. وكذلك من هذه القيود: أن لا يوجد من يقوم بهذا الفرض الكفائي غيره. فهنا يتعين عليه الاستمرار. ربما في أول الأمر كان من فروض الكفايات إذا قام به البعض سقط عن الكل. لكن بعد الدخول فيه لم يوجد أحد. فعند ذلك يتعين عليه. مثاله: إنسان غريق غريق وحوله مجموعة من الناس. إنقاذ هذا الغريق من فروض الكفايات. هل يجب على زيد من هذه المجموعة؟ لا على الجميع. إذا قام به البعض سقط عن الكل. فقفز أحدهم في الماء لينقذه. ذهب الآخرون واشتد الخطر بهذا الغريق. هل يجوز له أن يرجع الآن؟ ما يجوز له أن يرجع. ينقذه تعين في حقه لعدم وجود من يقوم بهذا الواجب. وهو في البداية دخل فرض كفاية. وبعد ذلك صار ماذا؟ فرض عين. صار بعد ذلك فرض عين. إنسان طلب العلم. الأصل في طلب العلم: أنه من فروض الكفايات. إذا قام به البعض سقط عن ماذا؟ عن الكل. لكنه قطع شوطًا طيبًا في طلب العلم. حتى لا يوجد مثله ممن يمكن أن يسد هذا الفرض الكفائي. فيتعين في حقه ما لا يتعين في غيره. يتعين في حقه ما لا يتعين في غيره. لأن غيره ربما يستطيع يؤدي هذا الواجب. وخصوصًا إذا كان الكثير منهم قد انصرف. فإذا يتعين أن يستمر. وهكذا قل في مسائل كثيرة. إذن الضابط: أن الأصل هو عدم الاستمرار في فروض الكفايات. إلا إذا خالف الوصف والوجه الشرعي. أو كذلك وجد وصف ومعنى يكون به التعيين عليه كما مر في الأمثلة. قال رحمه الله تعالى: القاعدة الرابعة عشرة: «الزائل العائد هل هو كالذي لم يزل أو كالذي لم يعد؟» قال: «والزائل العائد هل هو كما لم يزل أو لم يعد؟ فيه خلف، سمى القول بالترجيح فيها اختلف». إذ هو في فروعها مأتلف. لكنه جزم بالأول في أشياء. كذا الثاني كما عنهم قفي. كذلك من القواعد المختلف فيها هذه القاعدة. الزائل العائد هل هو كالذي لم يزل أو كالذي لم يعد؟ ومعنى هذه القاعدة: إذا شيء زال ثم رجع مرة أخرى. فهل إذا رجع يرجع شيئًا جديدًا أو يرجع باعتبار ما كان قبل زواله؟ ولأن فروع ما يدخل تحت هذه القاعدة كثيرة. وحكمها مختلف كما أشار. فلذلك لم تضطرد هذه القاعدة. وينبغي أن نعلم أولًا: أن الأصل إذا زال الشيء بطل حكمه. هذا هو الأصل. فإن عاد بعد زواله. هل يستمر حكمه السابق أم لا يستمر حكمه السابق؟ لأن الساقط لا يعود. وإذا تأملنا في المسائل التي ذكروها. نجد أنها تنقسم إلى أربعة أقسام أو إلى أربعة أحوال. الحالة الأولى: أنه يعتبر به كالذي لم يزل قطعًا. فهو كما كان قبل زواله. ومن أمثلته: ما مثل به بقوله: إذا اشترى معيبًا وباعه. ثم علم بالعيب بعد رده عليه. باع اشترى ثم باع. ثم علم بالعيب بعد أن رده. فهنا لا أرش لهذا العيب. مثلا اشتريت منك سيارة فيها عيب. ثم رددتها عليك أو بعتها لآخر. ثم رده لي. ثم رددتها عليك. ثم تبين لي أن في السيارة عيبًا. هل لي أن أطالب بالأرش؟ ها ما لي شيء. لأن الأمر لم يلحقني فيه ضرر. فيعتبر كالذي لم يزل قطعًا. فهو باقي على ما هو عليه. وجوده وعدمه صار الحكم فيه واحدًا. وهكذا قل في كل مسألة يكون فيها هذا المعنى. والحالة الثانية: أن يعتبر كالذي زال ولم يعد قطعًا. كالذي زال ولم يعد قطعًا. وهذا هو الأصل إذا زال الشيء زال حكمه وبطل. فمن أمثلته: إذا طلق الرجل المرأة. ثم انتهت عدتها. فتزوجت برجل آخر. ثم رجع إليها بعد طلاق الرجل الآخر. هل تعتد له باعتبار أنه نكاح جديد أو باعتبار أنه تبع للنكاح السابق؟ بهذا خلاف. فهمتم المسألة. فهنا من قال في هذه القاعدة بقول واحد. يلزمه أن يضطرد. والصحيح: أن مسائل الباب تختلف. والصحيح في هذه المسألة: أنه كما قال الإمام من القيم رحمه الله في ترجيحه لهذه المسألة. إذا كان الزوج يبطل ثلاث طلقات. فكيف لا يبطل طلقة؟ عرفتم من باب أولى. يعني الزوج الجديد حتى تنكح زوجًا غيره. سيبطل لهذا الرجل يمسح له كم؟ ثلاث طلقات. فكيف لا تمسح له طلقة؟ تمسح له طلقة. فهو إذا رجع إليها يرجع كأنه شيء ماذا؟ جديد. ليس يرجع على نفس ما سبق. هذا هو الصحيح. والثالث: ما فيه خلاف. والأصح فيه: أنه لم يزل على ما هو عليه. مثل من جاوز تجاوز الميقات بغير إحرام. ثم عاد إلى الميقات قبل أن يدخل في الإحرام. يعني لم يدخل في النسك. جاء بالطائرة إلى جدة يريد الحج. ولكنه لم يلبس شيء من الإحرام. وصل إلى جدة. فقالوا له: «ليس جدة ميقات». قال: «خلاص أذهب إلى الميقات». رجع إلى الميقات مثلًا يلملم. وأحرم من يلملم. ودخل إلى مكة. هل عليه شيء؟ الصحيح: الصحيح ليس عليه شيء واضح. فكونه رجع لم يضره على الصحيح. ومثله: من خرج من عرفة قبل غروب الشمس. ثم عاد إلى عرفة قبل غروب الشمس. كذلك على الصحيح ليس عليه شيء. وهذا على قول من يقول بفدية في هتين المسألتين. والحالة الرابعة: ما فيه خلاف كذلك. ولكن الأصح: أنه كالذي لم يعد. ومثاله: لو أن قاضيًا ذهبت أهليته بجنون أو غيره. فإن حكمه لا ينفذ. فلو زال هذا السبب. مثلًا بسبب سحر أو شيء صابه مثل الجنون. ثم زال هذا السبب. زال السحر. فهل يرجع مثل ما كان أو أنه يبنى له حكم جديد؟ الجواب: ينبني حكم جديد. حكمه السابق ملغي. فإن كانت عنده أهلية فأخذ القضاء. فما يأتي أحكام جديدة. ومثله: لو أن إنسان باع أو رهن شاةً. فماتت هذه الشاه عند من عنده هذا الرهن. فإن تفع هذا الذي عنده الشاه بالجلد. فدبغه. وأيما إهاب دبغ فقد طهر. هل يعد هذا الجلد من الرهن باعتبار أن أصل الشاه للأول؟ الصحيح: لا. لأنها ميتة لا قيمة لها. ميتة لا قيمة لها. فإذن لو تأملنا هذه الأحوال الأربعة. نستطيع أن نعرف متى تكون في هذا الحكم ومتى تكون في هذا الحكم. قال رحمه الله تعالى: القاعدة الخامسة عشرة: «هل العبرة بالحال أو بالمآل؟» قال: «ثم هل العبرة بالحال قلي أو بالمآل؟ فيه خلف منجلي ومسلك الترجيح أيضًا مختلف». وعبروا عنها بغير ما وصف. كقولهم: «ما قارب الشيء فهل نعطيه حكم زائل؟ فيه خلف». وقولهم: «هل الذي توقع يجعل في الحكم كما قد وقع؟» والجزم جاء باعتبار الحال في صور. كذاك بالمآل مهمة بهذه تلتحق. قاعدة أخرى كما قد حققوا. وهي تنزيل اكتساب المال منزلة الحاضر أي في الحال. والقول بالترجيح أيضًا مختلف. إذ هو في الفروع غير مؤتلف. فائدة أعم منذ القاعدة. قاعدة أخرى لديهم واردة: «ما قارب الشيء يعطى حكمه أو لا؟» خلاف قد عرفت رسمه. هذه قاعدة أخرى من القواعد المختلف فيها كذلك. وكما رأينا يعبر عنها بأكثر من تعبير. فتارة يقال: «العبرة بالحال أو بالمآل». وتارة يقال: «المتوقع هل يجعلك الواقع؟» ومعبر به في آخر الأبيات. وتارة يقال: «المشرف على الزوال هل يحكم له بالزائل أو بالزوال؟» وقد يقال: «ما قارب من الشيء هل له حكمه؟» وقد يقال: «هل العبرة بالحاضر أو بالمستقبل؟» وهذا هو معنى الحال والمآل. فالحال هو الحاضر ووقت الكلام. والمآل هو المستقبل وما يصير إليه الأمر. ولو تأملنا في هذه المسائل. نجد كذلك تختلف بحسب مواردها. فلا نستطيع أن نضع لها قاعدة تضطرد في جميع أحكامها على هذا الحكم. ولهذا اختلفوا فيها. فقوله: «ثم هل العبرة بالحال قلي أو بالمآل؟ فيه خلف منجلي» يعني: هذه هي القاعدة. وقد اختلفوا فيها لما سمعنا. قال: «ومسلك الترجيح أيضًا مختلف». وعبروا عنها بغير ما وصف. يعني مسلك الترجيح اختلفوا فيه. فليس هناك ضابط منضبط ممكن أن يعبر به في ذلك. وهم اختلفوا في هذا اختلافًا كثيرًا. فلأجل ذلك لم يجزموا بقاعدة في هذه المسألة. وقوله: «كقوله ما قارب الشيء» هذا تتم لقوله: «وعبروا عنها بغير ما وصف». يعني عبروا عن هذه القاعدة بتعابير أخرى. من هذه التعابير التي هي بمعنى القاعدة: «ما قارب الشيء فهل نعطيه حكم زائل؟» كما تقدم فيما يشير إليه كذلك. هذا التعبير فيه خلاف. لأنه بمعنى نفس القاعدة. وقوله: «وقولهم هل الذي توقع يجعل في الحكم كما قد وقع؟» يعني: هل المتوقع المتوقع يجعل كالواقع أي في الحكم؟ وهذا كذلك بمعنى نفس القاعدة. ففيه نفس الخلاف. وقوله: «والجزم جاء باعتبار الحال في صور كذاك بالمآل» يعني: في مواضع جزموا باعتبار الحال. وفي مواضع جزموا باعتبار المآل. فمن الأمثلة فيما يجزم فيه بالحال أو المآل: ما ذكر رحمه الله هنا عندكم في التعليق. إذا حلف ليأكلن هذا الرغيف غدًا. فأتلفه قبل دخول الغد. فهل يحنث أو لا يحنث؟ فيه قولان كما أشار أو وجهان. أصحه ما الثاني. يعني عند الشافعية. وهو أنه لا يحنث. وهذا هو الصحيح. لأن الأصل: البراءة براءة الذمة ما دام تلف. وخصوصًا ولم يأتي الوقت. وهكذا كذلك قد يكون العكس. ومن ذلك: ما مثل به كذلك عندكم في التعليق. من باع جحشًا صغيرًا. فهو وإن لم ينتفع به بالحال. فلتوقع النفع جاز بيعه. باعتبار المآل. وسبب الخلاف في المسألة: كون الجحش الصغير لا ينتفع به في الحاضر. وقد ذكر العلماء: أنه مما لا يجوز أن يباع ويشترى ما لا نفع فيه. لأنه من إضاعة المال. فهذا إذا كان على كل حال. لكن أنا أستفيد أشتريه الآن رخيص. وسأنتفع به فيما بعد إذا كبر. فهذا باعتبار المآل لا حرج. ولا شيء في ذلك. وإن كان الأصل: لا يضيع الإنسان المال فيما لا ينفع. وهكذا كذلك من المسائل: ما مثل به. وبعضها ينظر إلى اعتبارات أخرى. جواز التيمم لمن معه ماء. لكن يحتاجه للشرب. باعتبار مآله. فهل يجوز له التيمم؟ الجواب: نعم. الصحيح: يجوز له التيمم. خصوصًا أنه مستيقن أن الماء الذي معه قليل. وليس هناك ما يغلب به الظن بوجود ماء. مثل الذي في الصحراء. وهو يعلم أن وصوله إلى البلد يحتاج إلى وقت أكثر من حاجته إلى الماء. وهنا لا شك: أنه كونه يبقيه للشرب هو الواجب. ليس فقط يجوز. بل يجب. قد يجب في حقه حتى لا يعرض نفسه للهلكة. وإذا كان الأمر فيه شيء من المشقة. كأهل البادية قد يختلف الحكم. هو يستطيع أن يجلب الماء. لكن ما يريد أن يجلب الماء لأجل الوضوء والاغتسال. فقط للشرب. فيقال: لماذا؟ إن كان جلب الماء فيه كلفة ومشقة. فالحمد لله ما جعل الله عز وجل علينا في الدين من حرج. مثل أن يكون الماء غالي جدًا. أو يؤت به من مكان بعيد. فهنا المشقة تجلب التيسير. وأما إذا كان لكن عليه أن يحرص. إن كان ليس فيه ضرر. أقل شيء أن يجلبه للغسل. ولو يومًا في الأسبوع. لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «حق على كل مسلم أن يغتسل في كل سبعة أيام يومًا». وأما إذا كان فيه كلفة نسبية ومشقة نسبية. لا يلحق شيء من الضرر. فهنا يجب عليه أن يأتي بهذا الماء. لأن بعض الناس قد يكون عندهم كسل. فينبغي أن نفرق بين هذا وهذا. وقوله: «مهمة بهذه تلتحق» يعني: تنبيه مهم. قاعدة أخرى كما قد حققوا. مهمة بهذه تلتحق. قاعدة أخرى كما قد حققوا. يعني قاعدة قريبة من هذه القاعدة. وهي تنزيل اكتساب المال منزلة الحاضر أي في الحال. هي خاصة في مسألة الاكتساب. لكنها بالجملة تدخل في ماذا؟ في قاعدة: «هل العبرة بالحال أو بالمآل؟» وهذه القاعدة كذلك: الصحيح فيها التفصيل. فمثلًا: هل يجب على الابن أن ينفق على أبيه القادر على الاكتساب؟ فهو باعتبار حاله: حاله ليس عنده كسب. وباعتبار مآله: يستطيع أن يكتسب. هل يجب عليه أن ينفق عليه أم يطلب منه أن يكتسب؟ الصحيح في هذا: أنه يجب عليه أن ينفق. حتى يكتسب. هذا من باب البر بأبيه. بخلاف إذا كان الأمر العكس: الأب مع الابن. فإنه لا يجب عليه أن ينفق عليه ما دام يستطيع الاكتساب. لماذا؟ تربية له. ويعانى على أن يتعلم الاكتساب. فهو هنا بر. وهنا بر. فبر الأب براحته. وبر الابن بماذا؟ بتعليمه. لأن عدم تعليمه ليس برًا به. بل إضرارًا به. فيختلف الحكم. وهكذا قل في مسائل هي بمعنى هذه القاعدة. فكل مسألة لها حكمها الخاص. وقوله: «فائدة أعم من القاعدة قاعدة أخرى لديهم واردة ما قارب الشيء يعطى حكمه أو لا؟» خلاف قد عرفت رسمه. يعني ختم هذه الأبيات بفائدة. وهي أن من ألفاظ القاعدة: قاعدة أخرى هي بمعناها: «ما قارب الشيء يعطى حكمه يعطى حكمه أو لا؟» ومثلوا له بأمثلة كثيرة. والصحيح في هذه الأمثلة: التفصيل بحسبه. فمثلًا: تحريم مباشرة الحائض فيما يقرب من موضع الحيض. هل يحمل على هذه القاعدة فيعطى حكم الحيض أم لا؟ فيه خلاف. والصحيح: أنه يفرق بين من يملك نفسه ومن لا يملك نفسه. وبين من كذلك ينتشر وينزل منها الحيض. فقد يصيبه فيضره أو لا ينزل. فإن كان لا ينزل ويملك نفسه. فلو قرب من الموضع ما دام لا يباشر في نفس الموضع. فإنه لا يضر. وهذا هو الصحيح في هذه المسألة. والتفصيل باعتبار ما يؤول إليه الأمر. فإن كان هو مظنة الوقوع في الحرام. فكما قلنا: الوسائل لها أحكام المقاصد. قال رحمه الله تعالى: الفصل الرابع: القاعدة السادسة عشرة: «إذا بطل الخصوص هل يبقى العموم؟» قال: «قالوا: وحيث بطل الخصوص هل يبقى العموم؟ فيه خلف قد وصل». واختلف الترجيح في الفروع. فاحرص على معرفة المشروع. والجزم بالبقاء أتى في صور. كذاك بالعدم أيضًا فاخبري. هذه قاعدة أخرى من القواعد المختلف فيها. واجعلها في هذا الفصل: الفصل الرابع. وهو آخر هذه الفصول فيما يتعلق بالقواعد المختلف فيها. ومعنى هذه القاعدة عندنا: شيء خاص وشيء عام. فإذا بطل ذلك الشيء الخاص بخصوصه. هل يبقى له معنى آخر من المعاني العامة؟ في هذا خلاف. والصحيح: أنه ليس هناك شيء يمكن أن تسير عليه كل المسائل. فتطرد فيكون لها حكم واحد. بل كل مسألة بحسبها يحكم عليها. فهنا قال: «قالوا: وحيث بطل الخصوص هل يبقى العموم؟ فيه خلف قد وصل». وهذه هي القاعدة. قال: «واختلف الترجيح في الفروع». فاحرص على معرفة المشروع. يعني: لأن فروع هذه القاعدة مواردها مختلفة. فلذلك اختلفوا في أحكامها. وإن كانوا في بعض تلك المسائل اتفقوا على حكمها. لكن لا يعني ذلك أن القاعدة تسري على كل المسائل. فممكن أن نقسم المسائل إلى قسم متفق عليه. وقسم مختلف فيه. ومع ذلك فالمتفق عليه لا يعني ذلك أن القاعدة تضطرد في كل المسائل. وقوله: «الله حرص على معرفة المشروع» يعني: مما يوصلك إلى معرفة الصواب فيما يتعلق بهذه المسألة. فمثلًا: لو أحرم بصلاة الفرض. فبان عدم دخول الوقت. مثلا أحرم بصلاة الظهر. كبر الله أكبر. وريد صلي الظهر. فتبين أن وقت الظهر لم يدخل. فهل تبطل صلاة الظهر وتبقى نافلة أم لا؟ الصحيح كما تقدم معنا: تبقى نافلة. إذا علم ذلك في أثناء الصلاة. يحول الهنافلة. ولا يضره ذلك على ما تقدم تفصيله في قواعد سابقة. وقوله: «والجزم بالبقى أتى في صوري كذاك بالعدم أيضًا فاخبري» يعني: بعض الصور جزموا فيها. سواء الجزم بالبقى أو الجزم بالعدم. فمثال من أمثلة الجزم بالبقى: ما مثل له أمثلة كثيرة. مثل إذا أعتق معيبا عن كفارة. يعني من فيه عيب. يقول: «بطل كونه كفارة وعتق». جزما. لأن العتق من الأحكام التي تتعلق باللفظ واضح. العتق من الألفاظ التي تتعلق من الأحكام التي تتعلق باللفظ. فقوله لفلان: «أعتقتك» وهو يريد أن يعتقه كفارة. لكن فيه عيب مما لا يصح أن يعتق به. مثلا فهنا كما قال العلماء: فيجز بالبقاء. ومثله: لو أخرجت زكاة مال لغائب. فبان أخرج زكاة ماله الغائب. فبان أنه تالف. فهنا تقع تطوعًا. ولأنها قد خرجت فيلزمه مرة أخرى. ومثال الجزم بالعدم: ما مثل له. لو أحرم بصلاة الكسوف. ثم تبين أنه لا وجود للكسوف. ومن باب التنبيه: أخبرت أنه سيكون في أيام قادمة ماذا؟ اليوم غد أو كذا كسوف. لكن في وقت قد لا يرى كسوف الشمس قبل طلوع الشمس. أعلنوا عن كسوف الشمس قبل طلوع الشمس. فهل يصلي الكسوف باعتبار الخبر الفلكي؟ مع أننا في الظاهر في العيان ما سنرى الكسوف. ما سنرى الكسوف. الجواب: ما نصلي. لأن العبرة بماذا؟ بما نراه. لا بما نخبر به. لا بما نخبر به. بل على الصحيح من أقوال أهل العلم: لو كان الكسوف موجودًا ولم نره بسبب الغيم. لا نصلي الكسوف. فالعبرة بما يرى. لأن هذه الأخبار أحيانًا لا تصح. ولو كان في الغالب أنها قد تصح. لكن العبرة بالرؤية. مثل ما نقول في الهلال: هل العبرة بالحساب أو بالرؤية؟ بالرؤية. وهكذا كذلك هنا. فمثلًا: لو أحرم بصلاة الكسوف. ثم تبين أنه لا وجود للكسوف. فهل يصح أن يحولها نافلًا؟ الجواب: لا. لماذا؟ لأنه لا يوجد نافلة هيئتها كهيئة صلاة الكسوف واضح. بخلاف الفريضة. حولها إلى نافلة. يوجد نافلة هيئتها كهيئة الفريضة. خصوصًا إذا صلى ركعتين. فإذا المسائل فيها تفصيل. كل مسألة بحسبها. وقد يكون في بعضها خلاف. وفيه راجح. فمن أمثلة ذلك: وقد أشاروا إليه في التعليق. وفي بعض الشروح: قالوا: لو وجد القاعد الذي جاز له أن يصلي قاعدًا لمرض. مثلًا وجد خفة في أثناء الصلاة. هل يجب عليه أن يقوم في أثناء الصلاة؟ طيب إذا قام. إذا كان يجب عليه فلم يقم. هل تبطل الصلاة أو لا تبطل؟ لأنه صلى قاعدًا مع أنه وجد خفة. الصحيح: أنه لا يجب عليه أن يقوم. ولا تبطل الصلاة. لأنه قعد بعذر صحيح. يؤذن لمثله. وكونه عرض عليه هذا الشيء قد يكون إحساس من دون حقيقة. فالمهم: العبرة بالأصل. الأصل: بقاء ما كان على ما كان. وكما تقدم معنا: أننا في القواعد أحيانًا نمضي القاعدة القوية على القاعدة الضعيفة. وهذه القاعدة الآن من القواعد المختلف فيها. وقاعدة: «الأصل بقاء ما كان على ما كان» من القواعد المجزون بها القوية. فالصحيح: أن صلاته صحيحة. ولو فريضة. ولا تتم نفلًا. ما يحتاج أن نقول: «خلاص صلاتك تحولت إلى نافلة». لأنك شعرت في أثناء الصلاة أنك تستطيع أن تقوم. ولم تقم. فهذا ليس بالصحيح. ثم قال رحمه الله: القاعدة السابعة عشرة: «قال: الحمل هل يعطى حكم المعلوم أو المجهول؟» قال: «والحمل هل نعطي حكم ما علم أو حكم ما يجهل؟ فيه خلف قد رسم». ومنهج الترجيح في الفروع قد شاع. اختلاف لديهم واستمد. والجزم قد جاء بكل منهما في صور. فاحفظ لما قد رسم. هذه قاعدة أخرى من القواعد المختلف فيها. وهي تتعلق بالحمل. والحمل هو ما في بطن الأم. ولأننا نرى في الشرع في مواضع له حكم يُعامل معاملة المعلوم. وفي مواضع يُعامل معاملة المجهول. فاختلف أهل العلم في هذه القاعدة. والصحيح في هذه القاعدة: أنه في الموضع الذي تزول فيه معنى الجهالة والغرر. فإنه يُعامل معاملة المعلوم. لكن بالتبعية كما تقدم معنا: يثبت تبعًا ما لا يثبت استقلالًا. لا يجوز أن تبيع الشاه الحامل. تبيع حمل الشاه الحامل من دون أمها. لأنه مجهول. لكن يجوز أن تزيد في سعر الشاه الحامل لأجل حملها. لأن الحمل ماذا؟ أمامك ترى بعينك معلوم واضح. فيثبت تبعًا ما لا يثبت استقلالًا. فالضابط: ما ليس فيه غرر فهو مما يصح فيه ذلك. وقد أشار إلى أن بعض المسائل قد يُجزم فيها. بعض المسائل