الدرس في شرح الفرائد البهية 2، تابع : المقدمة . ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يبدأ الناظم منظومته الفقهية بالحمد والثناء على الله والصلاة على النبي، ويبين أهمية العلم والقواعد الفقهية المأخوذة من الكتاب والسنة. كما يشير إلى فضل العلم والفقه في الدين وأهمية شكر الله على نعمه.
يشرح المقطع أهمية الفقه في الدين وأنه أساس التقوى وأحد العلوم الشرعية الهامة. كما يشير إلى أن الفقه واسع ويمكن ضبطه بالقواعد الكلية، ويبين أهمية هذه القواعد في فهم الأحكام الشرعية.
يشرح المؤلف سبب نظم المنظومة الفقهية "الفرائد البهية" بناءً على طلب شيخه، ويعترف بفضل شيخه ومشايخه. كما يطلب من الله الإخلاص والقبول، ويظهر أدب الطالب مع شيخه وحسن الظن بالله.
يتناول المقطع نظرة عامة على منهج الإمام النووي وتأمل مؤلفاته، ويبين أنه يتفق مع معظم علماء الشافعية في بعض القضايا مثل التصوف وبعض مباحث الأسماء والصفات.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. قال الناظم -رحمه الله تعالى- وهو أبو بكر سليل الأهدلي، أي ناظم هذه المنظومة، الذي قال في أولها: يقول. هو أبو بكر، وهو ابن أبي القاسم. وقوله: سليل الأهدلي، أي الذي سلالته مستلة من صلب الأهدل، والأهدل لقب لعلي بن عمر المشهور عند المتصوفة الملقب بغوث الوجود. وأبو بكر هذا أحد أهل العلم الذين كانوا في فترة سابقة، كان من تلامذة تلامذة ابن حجر الهيتمي، كما سيأتي -إن شاء الله- في ذكر شيخه. فقد توفي -كما هو مذكور عندكم- في ألف وثلاثين أو خمسة وثلاثين للهجرة، وتوفي وهو ابن إحدى وخمسين سنة. وله بعض المؤلفات والمنظومات، من أشهرها هذه المنظومة التي قد أجاد فيها وأفاد. وذلك أولًا لكونها نظمًا لكتاب مشهور عند أهل العلم، وهو كتاب "الأشباه والنظائر" للسيوطي، وهو من أشهر كتب الشافعية في القواعد الفقهية، اختصره ونظمه بهذا النظم. وثانيًا لأنه جاء نظمًا سلسًا احتوى على اختصار ما ذكره السيوطي في تلك القواعد والمسائل في ذلكم الكتاب المذكور. فقد استطاع أن يحويها على وجه الإجمال ويستوعب أكثر مسائلها. فقد قسم هذا النظم -كما سيأتي- إلى ثلاثة أقسام: ذكر أولًا القواعد الكلية الخمس، ثم ذكر أربعين قاعدة، ثم ختم بعشرين قاعدة، فهي على خمس وستين قاعدة: منها الكل، ومنها الجزء -كما سيأتي- إن شاء الله. ومع ذلك فقد اختار أن يكون نظم هذا النظم على بحر الرجز، الذي هو من أسهل بحور الشعر المعروفة. وهو كذلك ضمنه ألفاظًا سهلة وسلسة كانت سببًا في اشتهار هذه المنظومة، ثم بعد ذلك البركة من الله والتوفيق منه سبحانه وتعالى. قال -رحمه الله-: الحمد لله الذي فقهنا ولسلوك شرعه نبهنا. وابتدأ بعد ذكر ناظم النظم بالحمد اقتداءً بكتاب الله وبما اشتهر من فعل أهل العلم في ابتداء كتبهم، وما كان معناه في سنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم-. ويروى في الباب أحاديث لا تصح، لكن معناها صحيح، يعني حديث: "كل أمر أو كل ذي بال لا يبدأ ببسم الله"، وفي رواية: "بالحمد لله فهو أقطع وأبتر". وكلها ألفاظ لأحاديث لم تصح من جهة السند. وأما من جهة معناها فقد صح عن النبي -صلى الله عليه وسلم- افتتاح خطبه ومواعظه بالحمد والثناء على الله بما هو أهله. وقد جرى على هذا عمل أهل العلم. وقوله: الذي فقهنا، هذا من براعة استهلاله؛ إذ ذكر الفقه تنبيهًا إلى ما سيأتي ذكره من القواعد الفقهية في هذه المنظومة. وقوله: لِسُلُوكِ شَرْعِهِ نَبَّهْنَا، كذلك يريد بهذا أن يشير إلى ما سيأتي ذكره من مباحث الفقه وقواعده التي هي من الشرع، وأنها مأخوذة منه. وقوله: عَلَّمْنَا سُبْحَانَهُ بِالْقَلَمِ فَضْلًا وَمِنَّهُ مَا لَمْ نَعْلَمْ، إشارة إلى ما منَّ الله -عز وجل- به على هذه الأمة، إذ علمهم ما لم يكونوا يعلمون. وكذلك إشارة إلى ما نزل على النبي -صلى الله عليه وسلم- في أول ما نزل عليه: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق: 1 - 5]. وقد تضمن هذا مع هذا الظاهر إشارة أخرى تحتويه مضمون هذه الألفاظ، وهي الإشارة إلى ابتداء هذا العلم، وأن أصله مأخوذ من نصوص الكتاب والسنة، وهو شرع الله. وأن هذا العلم ليس بعلم مستحدث، بل كغيره من العلوم الشرعية التي أصلها في نصوص الكتاب والسنة. وهنا يبسط بعض أهل العلم القول في ذكر أصل هذا العلم، وكذلك مبدأه ومبتدأه. قال: وَخَصَّنَا بِأَفْضَلِ الْأَدْيَانِ وَالسُّنَّةِ الْغَرَّاءِ وَالْقُرْآنِ. كذلك هذا من مواضع الحمد؛ فالله -عز وجل- يحمد لكماله -سبحانه وتعالى- في ذاته وأسمائه وصفاته، ولعظيم إنعامه وإحسانه إلى خلقه؛ فأسباب محامده كثيرة، ومنها ما ذكر. وهذا كذلك: وَخَصَّنَا بِأَفْضَلِ الْأَدْيَانِ وَالسُّنَّةِ الْغَرَّاءِ وَالْقُرْآنِ، وهي أعظم نعمة أنعم الله -عز وجل- بها على أهل هذا الدين، كونه من عليهم بدين الإسلام الذي هو أفضل الأديان، ولا يقبل الله -عز وجل- لهذا دينًا سواه. والسنة الغراء: أي سنة النبي -صلى الله عليه وسلم-. والقرآن كذلك من أسباب محامد الله ومواضع نعمه. وهذا كذلك الظاهر من هذه الألفاظ يتضمن معنى آخر، وهو ما يشار إليه من أن ما أخذ هذا القرآن الذي سيأتي ذكره من نصوص الكتاب والسنة، ومن أصل دين الإسلام؛ فليس هو بعلم مستحدث. قال: فَالشُّكْرُ دَائِمًا لَهُ عَلَامَةٌ أَوْ لِأَهْلِهِ لَا نَحْصِي لَهُ إِنْعَامًا. وهذا كذلك فيه شكر الله -عز وجل- على سائر نعمه التي أنعم بها علينا، وهو كذلك من المعنى العام الذي يدخل فيه ما تقدم من نعمة الإسلام والسنة والقرآن، وهكذا كذلك هذا العلم الذي سيأتي -إن شاء الله- الإشارة إليه. وهكذا يكون العبد شاكرًا لربه -سبحانه وتعالى-، ذاكرًا لنعمه -سبحانه جل وعلا-. قال: شُكْرًا يَكُونُ سَبَبَ الْمَزِيدِ لِعَبْدِهِ مِنْ فَضْلِهِ الْمَدِيدِ؛ لأن شكر نعم الله سبب لزيادتها وحفظها: ﴿وَلَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾ [إبراهيم: 7]؛ فمن أعظم أسباب بقاء النعم وثبوتها وزيادتها شكر الله -عز وجل- عليها. ثم صَلَاتَهُ مَعَ التَّسْلِيمِ عَلَى النَّبِيِّ الرَّؤُوفِ الرَّحِيمِ، كذلك امتثالًا لما جاءت به السنة من فضل الصلاة عليه -صلى الله عليه وسلم-، ولما جرى عليه عمل أهل العلم من افتتاح كتبهم بالحمد والثناء على الله بما هو أهله، والصلاة على النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-. وقوله: عَلَى النَّبِيِّ الرَّؤُوفِ الرَّحِيمِ، وأصل الصلاة -ونحن نختصر، لا نبسط القول في مثل هذا- فهذا محله موضع آخر. أصل الصلاة مأخوذ من الحنو والعطف، هذا هو الذي رجحه الإمام ابن القيم -رحمه الله-: حسي ومعنوي. والتسليم: أي التنزيه من كل نقص وعيب، ومن كل سوء ومكروه على النبي الرؤوف الرحيم، أي نبينا محمد -صلى الله عليه وسلم-، من وصفه الله بهذا الوصف في كتابه بالمؤمنين: ﴿رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: 128]، وكفى به مدحًا وثناءً. وقد أثنى الله -عز وجل- عليه بذلك. وفي هذا التنويه على عظيم فضله، وثناء الله -عز وجل- عليه. وَآلِهِ الْأَطْهَارِ وَصَحْبِهِ الْأَفَاضِلِ الْأَبْرَارِ، أي تسمية نبينا محمد -صلى الله عليه وسلم- الذي في تسميته كذلك ما يدل على فضله؛ فهو محمد -كاسمه عليه الصلاة والسلام-، جعل الله -عز وجل- اسمه قدرًا موافقًا لوصفه شرعًا؛ فصاحب المحامد الكثيرة؛ إذ "محمد" مأخوذ من هذا المعنى. وَآلِهِ الْأَطْهَارِ، اشتهر عند أهل العلم أن الآل إذا ذكروا قصدهم بهم بنو هاشم وبنو عبد المطلب، وهو الذي جاءت به السنة. وذهب بعض أهل العلم أن الآل إذا أطلق ذكرهم يراد بهم جميع أتباع النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-. وكلا المعنيين قد وردت به الأدلة. وَأَمَّا مَا ذُكِرَ فِي الصَّلَاةِ عَلَيْهِ -عليه الصلاة والسلام-، ففيه الخلاف الذي سبقت الإشارة إليه. ولكن ها هنا فيما يظهر من كلام المؤلف أنه أراد تخصيص آل بيته -عليه الصلاة والسلام-؛ فيكونون بني هاشم وبني عبد المطلب؛ لقوله: الْأَطْهَارِ، أي من طهرهم الله -عز وجل-. وصفهم بهذا الوصف، وهذا الوصف كما جاء في كتاب الله هم لخاصة أهل بيته -عليه الصلاة والسلام-. وَعَلَى الْمَعْنَى الْآخَرِ، فيكون قوله: وَصَحْبِهِ، من ذكر الخاص بعد العام تنبيهًا على فضلهم وذكرهم. وبهذا يكون الرد على من ضل في أمر الصحابة: من ناصب ورافضه. ومن ناصب ورافضه. وَصَحْبِهِ الْأَفَاضِلِ الْأَبْرَارِ، هذا علم بالشرع؛ أي أن لهم فضلًا ولهم وصف البر، أثنى الله -عز وجل- عليه من فوق سبع سماوات: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة: 100]، والآيات كثيرة. وفي سنة النبي -صلى الله عليه وسلم- من هذا الشيء الكثير. قال: وَتَابِعِيهِمْ بِالِاسْتِقَامَةِ عَلَى سَبِيلِهِمْ إِلَى الْقِيَامَةِ، أي إشارة منه -رحمه الله- أن الصلاة كذلك لكل من اتبعهم وسار بسيرهم على تلك الاستقامة التي كانوا عليها من لزوم الكتاب والسنة. وهذا هو معنى قول أهل العلم: وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِينِ. وفي هذا إشارة وتوضيح منه في منهجه ومذهبه في هذا الباب -رحمه الله-. ثم قال -رحمه الله-: وَبَعْدُ فَالْعِلْمُ عَظِيمُ الْجَدْوَى لَا سِيَّمَا الْفِقْهُ أَسَاسُ التَّقْوَى فَهُوَ أَهَمُّ سَائِرِ الْعُلُومِ؛ إذ هو للخصوص والعموم. وفي هذا كذلك استهلال آخر منه -رحمه الله- للتنويه والتنبيه على أهمية تعلم الفقه؛ فهو المقصود من العلم، كما قال -عليه الصلاة والسلام- كما جاء في الصحيحين من حديث معاوية -رضي الله عنه-: "مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ". بل قال الله -عز وجل-: ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ [التوبة: 122]؛ فالفقه في الدين هو من أعظم المطالب وأنفعها. ولهذا قال: وَبَعْدُ فَالْعِلْمُ عَظِيمُ الْجَدْوَى، العلم عمومًا. وأخص العلم بهذا الفضل علم الفقه. وإذا ذكر الفقه في نصوص الكتاب والسنة فهو أخص من الفقه في اصطلاح أهل العلم والفقهاء؛ إذ هو يتناول العلوم الشرعية بجميع أنواعها: سواء علم التفسير أو علم الحديث أو علم العقيدة أو علم الفقه بالاصطلاح المتأخر، والذي يتناول ما يسميه بعض الناس "بالفروع" أو ما يسميه بعضهم "بالعمليات"؛ أي الأمور العملية. وقوله: لَا سِيَّمَا الْفِقْهُ أَسَاسُ التَّقْوَى، يعني تخصيص للفقه وأنه أخص هذا العلم مما هو له منزلة عظيمة في هذا الدين. وقوله: أَسَاسُ التَّقْوَى، أي به يتحقق تقوى الله -عز وجل-؛ لأن تقوى الله هو ما يكون من امتثال العبد لأمره ونهيه؛ فيكون بذلك فعل المأمور وترك المنهي عنه المحظور: أن تجعل بينك وبين غضب الله ومساخطه وقاية. وكيف يمكنك ذلك وأنت لا تعرف الحلال من الحرام؟ وأنت لا تعرف كيف تؤدي الواجب على الوجه الذي يحبه الله؟ ولا تفرق بين المسائل المشتبهة من المحرمة، فضلًا عما هو أدق وأخفى من ذلك. ولهذا كان تعلم الفقه مما يتحقق به تقوى الله. وقوله: فَهُوَ أَهَمُّ سَائِرِ الْعُلُومِ؛ إذ هو للخصوص والعموم. أما إن أراد الفقه في المعنى الشرعي فنعم هو أهم العلوم، وهو العلم الشرعي الذي قصد. وأما إن أراد الفقه في المعنى المتأخر، فالصحيح أن هناك ما هو أعظم منه، وهو علم العقيدة؛ إذ بتعلمها يكون سلامة المرء، وكذلك صلاح أمره في دنياه وفي آخرته. وقوله: إِذْ هُوَ لِلْخُصُوصِ وَالْعُمُومِ، يعني لا يستغني عنه أحد: لا من ينتسب إلى العلم، ولا حتى عامة الناس. وكلا المعنيين للفقه هو كذلك: بمعناه المجمل؛ فالعقيدة لا يستغني عنها أحد، وسائر علوم الشرع، وهكذا كذلك علم الفقه بالمعنى الأخير: لا يستغني عنه أحد؛ ويحتاج الناس -حتى عامة الناس- أن يتعلموا أحكام الصلاة والزكاة وغيرها من أحكام مما يمر بهم في حياتهم. وقوله: وَهُوَ فَنٌّ وَاسِعٌ مُنْتَشِرٌ فُرُوعُهُ بِالْعَدِّ لَا تُحْصَى، معناه أن هذا العلم علم واسع منتشر. وأصل الفقه -كما هو معلوم- هو الفهم، لكنه في اصطلاح أهل العلم يذكر ويراد به علم خاص، وهو العلم بالأحكام الشرعية العملية بأدلتها التفصيلية. فإذا كان كذلك، ففروعه كثيرة لا تعد ولا تنحصر؛ إذ يتناول مسائل كثيرة في العبادة والمعاملة وغير ذلك من أبواب على معنى الفقه بالمعنى الأخير. فكيف إذا كان بمعناه الأوسع؟ فهو أشد كثرة وأعظم؛ وأن يحصر. والظاهر أنه يريد المعنى الأخير. قال: وَإِنَّمَا تُضْبَطُ بِالْقَوَاعِدِ فَحِفْظُهَا مِنْ أَعْظَمِ الْفَوَائِدِ. وهذا يؤكد ما سبق. ومعناه: يضبط هذا العلم بما يكون فيه استيعاب مسائلها، وانضباط كذلك الفتوى فيها؛ أن تعلم القواعد التي بها تضبط تلك المسائل الكثيرة. وسيأتي الكلام على ذلك -إن شاء الله-. فَحِفْظُهَا مِنْ أَعْظَمِ الْفَوَائِدِ، أي حفظ هذه القواعد التي تضبط مسائل الفقه الكثيرة التي لا تعد ولا تحصى هو من أعظم الفوائد؛ لماذا؟ لأنك تستطيع به أن تحصر هذا العلم بهذه الضوابط والقواعد. فمثلًا: "الأمور بمقاصدها" تجمع كل مسألة في جميع أبواب الفقه فيما لها تعلق بمعنى هذه القاعدة. "الشك لا يزيل اليقين" تجمع كل مسائل الفقه مما له تعلق بهذه القاعدة، وهكذا -كما سيأتي- إن شاء الله. وقوله: وَهَذِهِ أُرْجُوزَةٌ مُحَبَّرَةٌ وَجِيزَةٌ مُتْقَنَةٌ مُحَرَّرَةٌ، هذه إشارة إلى النظم. وقد تقدم معنا في دروس سابقة أن أهل العلم لهم في هذا توجيهان: في مثل هذا يوجهونه بأحد توجيهين: التوجيه الأول: أن يكون قد تم النظم ثم كتب المقدمة؛ فتكون الإشارة إلى شيء محسوس. والمعنى الآخر: أن يكون لم يكتب المنظومة؛ فتكون الإشارة إلى شيء في الذهن موجود، ليس إلى شيء محسوس. والمقصود بهذا: أن الإشارة هنا على ظاهرها: إما لشيء محسوس موجود؛ فتكون هي بعد انتهائه من النظم كتب المقدمة. وإما أن تكون قبل نظم النظم؛ فيكون لما في الذهن من معنى هذه الأرجوزة. وقول: أُرْجُوزَةٌ، مأخوذة من معنى الرجز، وهو بحر من بحور الشعر المعروفة. وقول: مُحَبَّرَةٌ، أي متقنة ومجتهد فيها. وَجِيزَةٌ مُتْقَنَةٌ مُحَرَّرَةٌ، يعني اجتهد صاحبها على اختصارها مع حصول الاتقان في هذا الاختصار. وَمُحَرَّرَةٌ، يعني اجتهد على تحريرها؛ أي مراجعتها وتكرار النظر فيها بما يكون سلامتها على ما استطاع -ما استطاعه- -رحمه الله-. نَظَمْتُ فِيهَا مَا لَهُ مِنْ قَاعِدَةٍ كُلِّيَةٍ مُقَرِّبًا لِلْفَائِدَةِ، يعني نظم في هذه الأرجوزة ما يناسب ذكره من القواعد الكلية. وسيأتي أنها ليست في كل كتب أهل العلم، ولكن فيما ذكر في كتاب "الأشباه والنظائر" للسيوطي خاصة. سَمَّيْتُهَا الْفَرَائِدِ الْبَهِيَّةِ لِجَمْعِهَا الْفَوَائِدِ الْفِقْهِيَّةِ، سمى هذه المنظومة والأرجوزة "بالفرائد البهية". وَالْفَرَائِدُ: جمع فريدة، وهو ما ندر مما ليس له نظير. وقيل: هو مأخوذ مما يوضع بين الذهب واللؤلؤ أو الجوهرة؛ فيفرد هذا عن هذا؛ فيكون فاصلًا بينهما. وقيل: بل هي الجوهرة النادرة. وقيل: بل هو كل شيء نادر يسمى "فريدًا"؛ أي بالنسبة لغيره متميزًا. وَالْبَهِيَّةِ: من البهاء والحسن، وهي كذلك كما ذكر -رحمه الله-. قال: لِجَمْعِهَا الْفَوَائِدِ الْفِقْهِيَّةِ؛ أي لجمع هذه المنظومة الفوائد الكثيرة الفقهية. سماها بهذا المسمى. خَصَصْتُهَا بِعَوْنِ رَبِّ الْقَادِرِ مِنْ لُجَّةِ الْأَشْبَاهِ وَالنَّظَائِرِ، يعني يشير بهذا من أين جمع هذا النظم. أشار إلى أنه جمعه من كتاب "الأشباه والنظائر" لإمام عبد الرحمن السيوطي -رحمه الله- من أئمة الشافعية. وقوله: مُصَنِّفِ الْحَبْرِ السُّيُوطِيِّ الْأَجَلِّ، يعني هذا الكتاب المسمى "الأشباه والنظائر" لهذا الحبر؛ أي العالم الكبير. فهذا معنى "الحبر". وأصل هذا اللفظ يطلق على علماء اليهود؛ ولما كانوا هم أعلم الناس قبل النبوة والرسالة صار هذا اللقب يطلق على العالم الكبير من علماء المسلمين. فالمقصود به: صاحب العلم الكبير. ومنه حديث ابن عباس في دعاء النبي -صلى الله عليه وسلم- له: "ثم دعا له". وهكذا أدب حامل العلم مع حملته. جَزَاهُ خَيْرًا رَبُّنَا عَزَّ وَجَلَّ، وَقَوْلِ: إشَارَةٍ مِنْ شَيْخِنَا الشِّهَابِ عَالِي الْجَنَابِ، إِلَى آخِرِهِ، إشارة إلى أن كتابة هذا النظم كان بطلب من شيخه أحمد بن الناشري. وهو -كما ذكر في ترجمته- كان من كبار أهل العلم في زمانه، ومن مشايخ المؤلف الناظم ها هنا. وهذا أحمد بن الناشري كان من تلامذة ابن حجر الهيتمي المكي، وقد درس عليه في مكة وقرأ عليه. وقوله: جَزَاهُ رَبُّ أَفْضَلَ الْجَزَاءِ، إِلَى آخِرِهِ، هذا كذلك من أدب الطالب مع شيخه، وأدب حامل العلم مع حملته؛ أن يحسن الذكر لمشايخه وحملة العلم، وأن كذلك يكثر من الدعاء لهم بلسان المقال، وهكذا كذلك بلسان الحال: ما يكون من الإحالة إلى علمهم والاشادة بفضلهم. وقوله: فَإِنَّهُ أَمَرَنِي فِيمَا غَبَرَ، يعني طلب مني في زمن مضى قديمًا بنظم هذه القواعد. وفي إشارة إلى أن نظم هذا النظم لم يكن مباشرًا بعد طلب الشيخ، وإنما تأخر بعده بفترة. ولهذا اعتذر بعد ذلك عن السبب في تأخره. وقوله: وَقَدْ رَأَى كُرَّاسَةً كَتَبْتُهَا، يعني سبب طلبه هذا الطلب أنه رأى كراسة فيها ما دعاه لأن ينظم هذا النظم. وقوله: وَلَمْ أَكُنْ فَرَغْتُ مِنْ نِظَامِهَا، يعني هذا النظم المشار إليه: مِنْحَةِ الْوَاهِبِ. فكان هذا مدعاه لحث الشيخ على أن ينظم هذا النظم. ومعناه: أنه لو نظم شيئًا في هذا الباب لكان مما يستحسن ومما ينتفع به الطلاب؛ أي قواعد الفقه؛ لأن النظم يسهل حفظ العلم، وهو مطلوب. وقوله: فَلَمْ يُسَاعِدْنِي الْقَضَاءُ وَالْقَدَرُ، لو ترك مثل هذا التعبير لكان أولى؛ فقضاء الله -عز وجل- وقدره محكم. ولكن هو يريد -رحمه الله- أنه اعترضه ما كان من قدر الله مما لم يكن معه تحقق ما يريد هو وما أراده منه الشيخ. وأنه لا يعترض على قضاء الله وقدره، وإنما هو يريد أن من القدر ما كان سببًا في عدم تحقيق ما يريده. وقوله: بِالسَّعْيِ فِي مَأْمُورٍ عَلَى الْأَثَرِ، يعني في مبادرة تحقيق ما طلبه. وقوله: لِكَثْرَةِ الْأَشْغَالِ وَالْعَوَائِقِ، إِلَى آخِرِهِ، إشارة إلى السبب أو بعض السبب مما ناسب ذكره مما هو عذر له. وقوله: بِالنَّفْسِ وَالْعِيَالِ وَالْعَلَائِقِ، إشارة إلى ما لا ينفك عن الإنسان من الشواغل. وهكذا حال أهل العلم مع قيامهم بالعلم والتعليم؛ فهم كذلك يحرصون على أداء الحقوق الأخرى. وهكذا ينبغي أن يكون حامل العلم يؤدي حق ربه وحق نفسه وعياله وسائر الحقوق، مع ما يتيسر من الاجتهاد الذي يسعه الإنسان في طريق العلم والتعليم؛ فلا ينبغي أن تتزاحم الحقوق بما يكون فيه تخصيص بعضها على بعض؛ بل يقدم الأَوْلى ثم ما بعده. وقول: ثُمَّ أَفِقْتُ فَامْتَثَلْتُ أَمْرَهُ، يعني انتبهت بعد حين من الدهر؛ فانتبه؛ فاجتهد؛ فاجتهد في نظم هذه المنظومة. وقول: وَخَطَّ لِلْدَرِّ النَّثِيرِ بَحْرَهُ، يعني على ما تقدم أنه اجتهد أن يكون هذا النظم متقنًا ومحبرًا، واختار له هذا البحر من أبحر الشعر، وهو بحر الرجز. وقول: وَإِنْ أَكُنْ لَسْتُ لِذَاكَ أَهْلًا، مطلب منه الدعاء فضلًا؛ يعني تواضع واعتذار؛ إن كان قد حصل شيء من التقصير أو الخطأ؛ لأنه يرى نفسه أنه ليس أهلًا لهذا. ولكن حتى لا تذهب الفائدة، وطمعًا في تأدية طلب الشيخ، مع ما يرجوه من النفع؛ دفعه ذلك كله لنظم هذا النظم. وكان -كما أراد- وزيادة؛ نفع الله -عز وجل- به نفعًا كثيرًا. وقول: وَأَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى فِيهَا إِعَانَةً بِحَقِّهِ وَفِيهَا، كذلك هذا من افتقار العبد إلى خالقه في مواضع الافتقار؛ طلبًا لعون الله -عز وجل- له. وكلما افتقر العبد إلى ربه وخالقه وجد العون من الله -سبحانه وتعالى- والتوفيق. وقوله: أَنْ يَكُونَ نَظْمُهَا مِنْ الْعَمَلِ لِوَجْهِهِ وَخَالِصًا مِنْ الْعِلَلِ، كذلك تأكيد وتعليم لما ينبغي أن يتوجه به طالب العلم في أي عمل يعمله؛ أن يكون خالصًا لله -عز وجل-. وكما يقوله بلسان المقال كذلك ينبغي أن يكون هو بلسان الحال؛ يعني يجتنب كل لفظ وكل معنى وفعل يخرجه عن معنى طلب الإخلاص لله -عز وجل-. فمثلًا: ليس من الصواب أن يأتي إنسان فيقول: "نسأل الله -عز وجل- الإخلاص؛ أن يخلص لنا أعمالنا". ثم يأتي فيثني على نفسه؛ فثناءك على نفسك منافي لطلب الإخلاص؛ فثناءك على نفسك منافي؛ لماذا؟ لطلبك للإخلاص؛ طلبك للإخلاص يقتضي أن تعمل العمل ولا تذكر معنى إثباته؛ بل على العكس: تفتقر إلى الله -عز وجل- وتعتذر من المخلوقين من التقصير. وَالْحَمْدُ لِلَّهِ؛ الله لا يضيع عمل المحسنين. وَكَذَلِكَ النَّاسُ لَا يَخْفَى عَلَيْهِمْ جُهْدُ الْمُجْتَهِدِينَ وَعَطَاءُ الْبَاذِلِينَ. قال: وَأَنْ يَدُومَ نَفْعُهَا لِي وَلِمَنْ حَصَّلَهَا عَنِّي بِكُلِّ زَمَنٍ، كذلك من الأدب الذي تناقله العلماء جيلًا بعد جيل، وطبقه خلف لخلف، وطلبًا بعد مشايخ؛ أن يدعو المرء لغيره كما يدعو لنفسه. وهو كذلك فيه إظهار حسن السريرة، وحب الخير للغير، وغير ذلك من المعاني الجميلة التي ينبغي أن يحرص عليها حامل العلم. وقوله: فَإِنَّهُ يَجِيبُ مَنْ دَعَاهُ وَلَا يَخِيبُ أَحَدٌ رَجَاهُ، كذلك حسن الظن بالله -عز وجل- مطلوب. وهذا من طيب المنقلب -إن شاء الله-. طيب، هذا يسأل عن عقيدة المؤلف: عقيدته لم يذكر في ترجمته له ترجمة مختصرة ذكرها الشوكاني -رحمه الله- في "البدر الطالع"، ونقل بعض أهل العلم منه، ولم يذكر شيئًا مفصلًا عن عقيدته. لكن في التأمل في مؤلفاته وكتبه يظهر أنه على أكثر حال علماء الشافعية؛ يعني ممن لم يسلموا من بعض ما وقع فيه الكثير من فقهاء الشافعية في باب التصوف، وهكذا في بعض مباحث الأسماء والصفات. والله تعالى أعلم.