شرح الفرائد البهية  18

شرح الفرائد البهية 18

الدرس في شرح الفرائد البهية 18، تابع : القاعدة الرابعة:الضرر يزال. ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

مقدمة في مراتب إزالة الضرر

شرح مراتب إزالة الضرر الخمسة وتوضيح أهمية فهم هذه المراتب في تطبيق القواعد الشرعية. بين أن الضرورة تبيح المحظورات بينما المنفعة والزينة لا تبيح ذلك عادة.

تفاصيل تطبيق قاعدة الضرورات وتقديم درء المفسدة

يتم توضيح تفاصيل تطبيق قاعدة 'الضرورات تبيح المحظورات' وتقديم درء المفسدة على تحصيل المصلحة عند التعارض، مع تقديم أمثلة وتوضيح استثناءات هذه القواعد.

استثناءات القواعد الشرعية وتطبيقاتها العملية

يتناول استثناءات القواعد الشرعية وتطبيقاتها في الحياة اليومية، مثل الجعالة والحوالة واستعمال الذهب والفضة في بعض الحالات، ويشرح الشروط التي تحكم هذه الاستثناءات.

التوكل على الله والاعتماد على الأسباب

التوكل على الله يحتاج إلى شروط، منها عدم إهمال الأسباب مع التوكل على الله ليبارك فيها ويعين على تحقيق الخير، موضحًا العلاقة بين التوكل والأسباب.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. مر معنا في الدرس الماضي ما ذكره المؤلف رحمه الله تعالى من أبيات تتعلق بالقاعدة الرابعة من القواعد الكلية، وهي: الضرر يزال. وأخذنا مجموعة من المباحث فيما يتعلق بهذه القاعدة وما تضمنه ما أشار إليه في أوائل النظم فيما يتعلق بهذه القاعدة من مباحث. ثم قال رحمه الله تعالى: قال فائدة، ثم المراتب هنا تعد خمسة كما قد زكنا: ضرورة، وحاجة، ومنفعة، وزينة، ثم فضول تبعة. ومعناه أن هذه فائدة ذكرها بعض أهل العلم، وهو يشير خاصة إلى ما ذكر في الأصل فيما ذكر في كتاب «الأشباه والنظائر» للسيوطي رحمه الله، من أن مراتب ما ذكر في هذه القاعدة -الضرورات تبيح المحظورات أو الضرر يزال- خمسة مراتب. وقوله: «تعد خمسة كما قد زكنا» أي: عدوه ونصوا على خمسة مراتب فيما جاء التنصيص عليه وذكره. أولها: الضرورة. فالضرر يزال إذا وجدت الضرورة. وقد تقدمت أمثلة له، وأدلة لهذه القاعدة. ومعنى الضرورة كما تقدم: ما يغلب على الظن وليس شرطه تحقق الضرر، ما يغلب على الظن حصول الضرر في النفس أو العرض أو العقل أو كذلك المال. فالضرورات تبيح المحظورات. وقد تقدمت معنا بعض الضوابط فيما يتعلق بذلك، وسيأتي إن شاء الله زيادة التنبيه على هذا. وهذا هو قوله رحمه الله: «وفيما أشير إليه في الأصل» وهكذا في شروحه هذا الموضع من النظم، بأن المقصود من الضرورة التي تتناول معنى استباحة المحرم لدفع معنى الهلاك. وهذا كما تقدم أوسع من أن يكون فيه اليقين، بل بغلبة الظن. فإذا غلب على الظن حصول الهلاك -سواء لحق هذا الضرر بالنفس أو العرض أو كذلك الدين أو العقل أو المال- وهي الضرورات الخمس المشهورة، فإنه تباح المحظورة وهي بحسبها وبقدرها، على ما هو معلوم في النصوص الشرعية وفي ما بين في القواعد الفقهية بضوابطها، وفي الأمثلة التي ذكرها العلماء. وأما قوله: «وحاجة» هذا هو النوع الثاني والمرتبة الثانية مما يدخل في معنى «الضرر يزال». فهل يزال الضرر الآن يزال الضرر لأجل الضرورة هذا واضح. وهل يزال الضرر لأجل الحاجة؟ الصواب أن هذا فيه تفصيل، فهو يقيد بما دل عليه الشرع وما كان بمعناه. فإن الشرع لا يجمع بين مفترق ولا يفرق بين مجتمع. فإطلاق بعض العلماء أن الحاجة تنزل منزلة الضرورة هذا غير صحيح. وسيأتي إن شاء الله التنبيه عليه. وأن الضرر يزال لأجل الحاجة مطلقا هذا غير صحيح. لكن يصح أن يقال: الضرر يزال عند الحاجة في أحوال. الضرر يزال عند الحاجة في أحوال، وهو مثال جواز لبس الحرير اليسير منه لحاجة الناس لهذا اليسير فيما يكون لهم فيه منفعة من الاستفادة بلينه وبرودته. وقد صح في حديث عمر في «السنن» ترخيص النبي صلى الله عليه وسلم للبس الحرير قدر أربعة أصابع. فإن قيل: رخص النبي صلى الله عليه وسلم في الحرير لأجل الحكة لعبد الرحمن بن عوف وجماعة، وصح فعله وصح فعله عن الصحابة. فالجواب: ذاك من باب الضرورة، فالضرر يزال. وذاك ليس مشترطا بأربعة أصابع، حتى ولو كان حريرا خالصا من به حساسية تحسس مثل ما نقول: يتضرر في وقت الحر بما يلبس من لباس، ولا يدفع عنه الضرر إلا لبس الحرير، جاز له لبس الحرير لدفع الضرر عن نفسه. لكن ترخيص النبي صلى الله عليه وسلم لبس أربعة أصابع من الحرير هو منزلة الحاجة المرخص بها. فالحاجة تنزل منزلة الضرورة فيما تعم به البلوى. هذا هو الضابط فيما تعم به البلوى. فالناس يحتاجون للشيء اليسير من الحرير في التخفيف من أذى الحر وغيره، فيجوز لبس اليسير المختلط بغيره قدر أربعة أصابع. لو خلط في ثوب إنسان حصلت المنفعة. ومعناه أن يخلط قدر أربعة أصابع في الحياكة مع غيره من القطن أو نحوه، فهنا مثل هذا يقال: الحاجة تنزل منزلة الضرورة في مثل هذا الأمر. ومثله كذلك: تضبيب النبي صلى الله عليه وسلم كما في حديث أنس لإنائه الذي احتاج إلى تضبيبه تضبيبا بفضة، صح عنه النهي عن آنية الذهب والفضة، لكن الشيء اليسير من الفضة لأجل التضبيب يجوز. ومثله كذلك ما روي في حديث عرفجة أنه أذن له أن يتخذ أنفا من ذهب، والحديث فيه ضعف، وبعض أهل العلم يحسنه. وهو يجري على هذه القاعدة: الحاجة تنزل منزلة الضرورة عند عموم البلوى ومظنة الضرر. فيجوز أن يتخذ الإنسان سنًّا من ذهب أو ما كان بمعناه، ما دام أنه ينتفع به على الوجه الذي لا يتأذى به. وإن كانت الأذية لا تصل إلى حد الضرر. لو اتخذ غير الذهب، بخلاف من اتخذه لأجل الزينة، فهذا لا يجوز؛ لأن الذهب -وبخبرة أهل الخبرة- وما كان بمعناه لا يتعفن. الذهب لا يتعفن كغيره من المعادن الأخرى. وهكذا كذلك قوله: «ومنفعة» أي: من مراتب هذه القاعدة. هل يزال الضرر لأجل المنفعة؟ والجواب: أنه لا يزال الضرر لأجل المنفعة. فالمنفعة ليست سببا في الترخيص في المحظورة. وهكذا كذلك من مراتب هذه القاعدة: الزينة. فالزينة ليست كذلك سببا في الترخيص في المحظورة. فالضرر لا يزال لأجل التزين. فلا يجوز أن يلبس الإنسان الحرير مثلا لأجل الزينة. لكن يجوز أن يلبس الحرير لأجل دفع الضرر عن نفسه -كمن به حكة- ويجوز لبس يسير الحرير لأجل الحاجة إليه. فإن قيل: أنه من هذا الباب ينتفع. فهذا نعم. والخامس قوله: «ثم فضول تبعة» ومعنى الفضول: هو الشيء الفضلة الذي قد يستغنى عنه. بل مثل له العلماء بالتوسع في المباح على الوجه المحذور، مثل اتخاذ آنية الذهب والفضة، فهذا حرام. فلا يجوز استباحة المحذور لأجل الفضول بلا شك. فالأول -أو نقول بالعكس ترتيب تصاعدي- الخامس هو فعل الكفار ومن لا خلاق له، وحرم ذلك على أهل الإسلام. فلا يجوز فعل مثله -كاتخاذ آنية الذهب والفضة- للرجال والنساء، فهو لا يجوز. والثاني -أو نقول من الأسفل- الرابع: استباحة بعض المحظورات لأجل الزينة، كذلك لا يجوز. وهو ما قد يقع فيه بعض المترفين ومن سلك مسلكهم من فسقة المسلمين -كلبس الحرير لأجل التزين به- ولبس الذهب للرجال لأجل التزين به، واتخاذ الآنية الذهب والفضة لأجل التزين ولو لم يستعمل لأجل الزينة، فهذا حرام كذلك لا يجوز. والثالث: استباحة المحذور لأجل المنفعة. وهذا فيه تفصيل. وأكثره لا يجوز. والتفصيل هو ما تعم به البلوى، ويقيد بما دل عليه الدليل -مثل أربعة أصابع من الحرير-. والرابع كذلك: الحاجة التي تستباح معها المحظورة، فهو مثل ما تقدم مما دل عليه الدليل وتعم به البلوى، وهو مظنة تخفيف المشقة ومظنة تخفيف المعاناة، فهو مما يترخص فيه في حدود المأذون به في الشرع. والخامس -أو إن شئت قل الأول المذكور في ترتيب البيت- الضرورة. وهي التي عليها مدار هذه القاعدة: الضرر يزال لأجل تستباح المحظورة لأجل الضرورة. ثم قال رحمه الله تعالى: «وكل ما جاز لعذر بطل عند زواله كما تأصلا» ومعناه أن الحكم يدور مع علته وجودا وعدما. فما جاز لأجل الضرورة العارضة، فإذا زالت هذه الضرورة العارضة زال الجواز. جاز للإنسان لأجل دفع الهلاك عن نفسه أن يأكل من الميتة، فإذا زال هذا العذر امتنعت أو منع من هذه الرخصة. جاز له أن ينتقل إلى التيمم لأجل عدم وجود الماء، فعند وجود الماء لا يجوز له التيمم. وهكذا قل في أمثلة لا تعد ولا تحصى في هذا المعنى. وكل ما جاز لعذر بطل عند زواله كما تأصل. ومعنى الحكم يدور مع علته وجودا وعدما. تطبق هذه القاعدة في قاعدة «الضرورات تبيح المحظورات». فيقال: الضرورات تبيح المحظورات ما دامت الضرورات موجودة. فإذا انعدم الضرورة أو انقطعت فلا تباح المحظورة. وهو يدخل في عموم ما تقدم بشرط عدم نقصانها عنها أو الضرورة تقدر بقدرها. وهكذا قول الله عز وجل: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾. لكن نص العلماء على ذلك من باب التأكيد. قال رحمه الله تعالى: «وعد من تلك القواعد: الضرر على الدوام لا يزال بالضرر» يعني: ومما نص عليه العلماء من القواعد مما يدخل تحت هذه القاعدة القاعدة: أن الضرر لا يزال بالضرر على وجه الدوام. وعد من تلك القواعد: الضرر على الدوام لا يزال بالضرر. فلا يجوز للإنسان أن يدفع الضرر عن نفسه بالضرر على غيره مع استواء هذا الضرر. كما مثل فيه: دفع القتل عن نفسه بأن يقتل غيره، هذا لا يجوز؛ لأنه قد تقدم: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾. وهذا باغ وعاد ما دام أنه دفع القتل عن نفسه بقتل غيره ممن نفسه محترمة لا يجوز قتلها. فالضرر لا يزال بالضرر يعني: يقيد إذن بالضرر المساوي له. الضرر لا يزال بالضرر هذه القاعدة معناها: الضرر المساوي له. وهكذا قوله: «وعد من تلك القواعد: الضرر على الدوام لا يزال بالضرر» على الدوام يعني: أن هذا مضطرد أنه لا يزال الضرر بالضرر. والمراد: الضرر بالضرر المساوي له. مثل المثال الذي تقدم: دفع القتل عن نفسه بقتل غيره، هذا لا يجوز. وقل كذلك في أمثلة لا تعد ولا تحصى فيها دفع الضرر بالضرر بغيره. مثلا: أراد أن يدفع الضرر عن أرضه بالماء الوارد إليها، فأزاح ضرر الماء بما يضر بجاره، هل هذا يجوز؟ الجواب: لا يجوز. فالضرر لا يزال بالضرر. الضرر لا يزال بالضرر ما دام متساويا. لكن إذا كان الضرر يدفع بضرر أخف منه، فهنا يدفع الضرر بالضرر ولو أدى إلى ضرر. مثاله: ما استطاع أن يدفع ضرر الحيوان المعتدي الباغي إلا بقتله، فهنا الضرر يجوز أن يزال بالضرر ما دام أخف منه. وهو ما تقدم بشرط عدم نقصانها عنها. فلو اعتدى على إنسان جمل، ولم يستطع أن يدفع ضرره إلا بقتله، جاز أن يقتله. طيب فإن قال قائل: كيف نفهم جواز قتل الصائل إذا لم يندفع ضرره إلا به؟ الجواب: هذا ليس من باب تساوي الضرر؛ لأن الصائل معتد. وما دام اعتداؤه لا يندفع إلا بالقتل، جاز له أن يقتله. على أنه لا يجوز أن يدفع قتله في أول الأمر. فلأجل اعتدائه صارت نفسه غير محترمة. واضح. فلم يتساو هو مسلم نعم، لكن مسلم معتد. فلما كانت نفسه في الأصل محترمة، لكن لعدم اندفاع ضرره إلا بالقتل، جاز قتله بنص حديث النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. ولكن مع ذلك لا يبادر بذلك إلا إذا لم يجد أن يدفع ضرره إلا به. كما قال عليه الصلاة والسلام حين سئل: «أفرأيت إن قتلني؟ قال: أنت في الجنة. قال: أفرأيت إن قتلته؟ قال: هو في النار» لأنه هو المعتدي الباغي. وهذا من باب قتال ودفاع أهل الباغي. قال رحمه الله تعالى: «لكنه استثني مهما يكن فردهما أعظم ضررا فافطني» ومعناه: استثنى من الضرر لا يزال بالضرر إذا كان أحدهما أعظم ضررا من الآخر، فهنا يرتكب الأخف لدفع الأشد. يرتكب الأخف لدفع الأشد. ومن أمثلته ما تقدم الآن: هذا حيوان معتد ما استطعت أن تدفع ضرره إلا بضرر أن تضر به. إن استطعت أن تضر به بدون أن تقتله، فهذا هو الواجب. فإن لم تستطع أن تدفع ضرره إلا بقتله، فهنا تفعل هذا. وهو من باب دفع المفسدة الكبرى بالصغرى. الكبرى ما هي؟ المحافظة على نفسك. والصغرى ما هي؟ إلحاق الضرر بهذا الباغي المعتدي. ولو كان هذا الباغي المعتدي إنسانا مسلما، فإنه من باب دفع المفسدة الكبرى بالصغرى. وهذا هو قوله: «لكنه استثني مهما يكن فردهما أعظم ضررا فافطني» قال: فإنه يرتكب الذي يخف كذاك في المفسدتين قد وصف. وهو ما تقدم إذا تعارضت مفسدتان ارتكب الأخف لدفع الأشد. وهذا له أمثلة لا تعد ولا تحصى في أبواب كثيرة من أبواب الفقه وغيره. وهنا ذكر مثالا في شق جوف المرأة لإنجاء الجنين، فهذا يصح إذا كان معه بقاء نجاة المرأة. وأما إذا كان ليس كذلك فلا. أو كذلك إذا هلكت المرأة وعلم أن الجنين ما زال حيا، فهل يجوز أن يشق بطنها؟ والأصل أن الميت لا يعتدى عليه. فكسروا عظم الميت ككسره حيا. فهنا يقال: ترتكب المفسدة الصغرى لدفع المفسدة الكبرى. قطع بطن المرأة لإخراج الجنين مفسدة صغرى مع موت الجنين وهي مفسدة كبرى. قال رحمه الله تعالى: «قال ورجحوا درء المفاسد على جلب المصالح كما تأصل» ومعناه: رجح العلماء درء المفسدة على جلب المصلحة. وذكر مما له أصل في الشريعة. وقد تقدمت معنا هذه القاعدة ولها أمثلة كثيرة. ومن أمثلتها: ترك المسلم الجمع والجماعات وفيها مصالح لأجل المفاسد التي قد تلحقه بذلك -مثل المريض الذي لا يستطيع معه تحصيل هذه المصلحة لأجل المفسدة التي معه- أو لاجتهاد المفسدة التي قد تلحقه. ومثله: اقتحامه مع البرد، فإنه يمنع المصلحة وهي الطهارة لأجل المفسدة وهي لحوق الضرر به إذا اقتحم مع شدة البرد. وغير ذلك من الأمثلة التي لا تعد في هذا الباب. ثم قال رحمه الله تعالى: «فحيثما مصلحة ومفسدة تعارض قدما دفع المفسدة» ومعنى: إذا تعارضت مصلحة ومفسدة قدم دفع المفسدة على تحصيل المصلحة. المصلحة مثاله: إذا تعارضت مصلحة ومفسدة. قد يقول قائل: ما الفرق بين هذا والذي قبله «ورجحوا درء المفاسد على جلب المصالح كما تأصل»؟ الآن عندنا مصلحة مطلوبة ولكن يعارضها مفسدة حاصلة. مثل ما تقدم: أعمى بينه وبين المسجد واد وليس عنده من يقوده، تسقط عنه الجمع والجماعات لماذا؟ لوجود هذه المفسدة. وهكذا كذلك إنسان آخر وطبعا إذا وجد من يقوده ليس له عذر. عند شدة البرد خاف على نفسه من الاغتسال، فالاغتسال لا شك فيه مصلحة دينية ودنيوية، لكن لأجل البرد لم يحصل المصلحة لأجل درء المفسدة. وهنا «وحيثما مصلحة ومفسدة تعارض قدم دفع المفسدة» فيما إذا كان قد اجتمع في مسألة واحدة. يعني: الآن عندنا شيء عملين قدم درء المفسدة على تحصيل المصلحة. مثل عدم الاغتسال لأجل الضرر أو نقول مثلا عدم الذهاب للصلاة لأجل الضرر مع تحصيل منفعة صلاة الجماعة. لكن إذا تعارضت مصلحة ومفسدة في الأمر الواحد فهنا كما تقدم يقدم درء المفسدة على تحصيل المصلحة. فحيثما مصلحة ومفسدة تعارض قدم دفع المفسدة. فمثلا عندنا أمر يريد أن يأمر به معروف أو منكر يريد أن ينهى عنه، فهنا ينظر في المصلحة والمفسدة في هذا. فإذا رأى أن نهيه عن المنكر والحال هذه فيها مفسدة، فهنا آثر دفع المفسدة على تحصيل المصلحة. آثر دفع المفسدة على تحصيل المصلحة. فكونه يترك الأمر بالمعروف لأجل أن لا يترتب على ذلك مفسدة هذا مطلوب أو هو مما يطلبه الشرع. وقد أشار في الشرح تبعا للأصل أنهم استثنوا من ذلك مسائل -كفاقد الطهورين وفاقد السترة وما لا يجد ما يزيل النجاسة- فإنه يستثنى من ذلك. والجواب: هذه في الحقيقة هي من باب درء المفسدة الكبرى بالصغرى. فهو ليس يدخل في هذه الأمثلة. وفي هذه القاعدة: عندنا رجل ما عنده لا ماء ولا تراب أو لا يستطيع للماء ولا للتراب -كالذي به حريق أو الذي كذلك هو مأسور ولا يجد الماء ولا التراب وهو موثق- هو بين أمرين: إما أن يصلي وهو تارك وفاقد للطهارتين، وإما لا يصلي. فأي المفسدتين أشد؟ صلاته بغير طهارة أخف من عدم الصلاة. ولأنه مأمور بالصلاة على كل حال، فهنا يدفع الأشد بالأخف. والشرع دل على ذلك كما في حديث عائشة قبل نزول آية التيمم. كما في ذلك فإنهم صلوا بغير ماء ولا تيمم. «إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا» ومثله: لو أن الإنسان افتقد سترته ما عنده ما يستر عورته قد يحصل هذا. فإذا كان كذلك كيف يفعل؟ هل لا يصلي؟ الجواب: يصلي. الجواب: يصلي على هيئته لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «وما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم» «فاتقوا الله ما استطعتم». لكن نبه العلماء هنا وهو كذلك من باب درء المفسدة الصغرى بالكبرى. قد تسقط بعض أركان وواجبات الصلاة لأجل درء المفسدة الكبرى باستباحة الصغرى. فمثلا لو كانوا جماعة قال العلماء: لا يقف الإمام أمامهم وهم كذلك على هذا الوصف، بل يقف وسطهم. بل يقف وسطهم ولو كانوا رجالا ونساء، تأخر النساء وصلت كل امرأة بما يكون به سترها. وهذا قد يبتلى به ونسأل الله عز وجل أن يحفظنا يحفظ المسلمين فيما يكون من مواضع الحروب والفتن ونحوها، فإنه قد يحصل مثل هذا. وقد نص عدد من العلماء أنه قد وقع وحصل مثل هذا. فالمهم مثل هذا لا يمنع من أداء الصلاة. فهو من هذا الباب درء المفسدة الكبرى بالصغرى. وهكذا لو لم يجد ما يغسل النجاسة عن نفسه، فإنه لا يترك الصلاة لأجل وجود النجاسة في نفسه أو في جسده أو في المكان الذي يصلي فيه. إنسان مسجون في مكان وهو مأسور ومربوط فيه، فالنجاسة لا شك تلوث ثوبه وبدنه والمكان الذي هو فيه يصلي. فكيف يفعل؟ هل يترك الصلاة؟ الجواب: لا يصلي على ما هو عليه. «فاتقوا الله ما استطعتم» «وما أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم». وهذا من هذا الباب. قال رحمه الله تعالى: «خاتمة والحاجة المشهورة قد نزلت منزلة الضرورة» قوله: «خاتمة» أي: تختم بها هذه القاعدة قاعدة ذكرها صاحب الأصل وهي مشهورة عند الشافعية. وهي من القواعد التي فيها خلاف بين أهل العلم: الحاجة تنزل منزلة الضرورة. وهذه القاعدة بهذا الإطلاق غير صحيحة. والصواب أن يقال: قد تنزل الحاجة منزلة الضرورة بما دل عليه الدليل وذلك عند عموم البلوى وكذلك دفع المشقة. وهو يقيد بما دل عليه الدليل. فالشرع لا يجمع بين مفترق ولا يفرق بين مجتمع. مثل ما تقدم في مسألة التضبيب إناء بالفضة في حديث أنس. ومثل كذلك لبس أربعة أصابع من الحرير. وهكذا ما كان بمعناه. فمثاله مما نص عليه بعض العلماء: الحاجة قد تنزل منزلة الضرورة إذا عمت البلوى -مثل التعامل بالصور في هذا الزمان- التعامل بالصور في هذا الزمان. الأصل في التصوير ما هو؟ الحرمة. لكن عمت به البلوى. طيب وكان هذا محل إشكال عند بعض العلماء. فإذا عمت به البلوى إذن لا يجوز إلا للضرورة أم يجوز كذلك للحاجة؟ إذا قلنا: لا يجوز إلا للضرورة إذن لا يستعمله الإنسان إلا فلا يجوز الإنسان أن يتخذ أوراقا ويسافر إلا لأجل المرض الذي يحصل به الضرر على الاعتبار أن هذا محرم ولا يباح إلا للضرورة. طيب سفره للحج والعمرة ضرورة لا ليس ضرورة هذا حاجة. وهكذا كذلك اغتناء المسلم للسيارة يحتاج إلى تصوير وتعامله بأنواع من المعاملات يحتاج إلى تصوير. فما هو المرخص في ذلك؟ الصحيح المرخص في ذلك هو هذا. هذا من الحاجة التي تنزل منزلة الضرورة. حاجة تنزل منزلة الضرورة دل دليل الشرع على الترخيص بمثله إذا عمت البلوى. وهذا مما عمت به البلوى ومما يحصل للناس فيه مشقة في معاملاتهم. والشرع لا يجمع بين مفترق ولا يفرق بين مجتمع. فلهذا كان الصحيح أنه يجوز اتخاذ الأوراق ولو لغير الضرورة. والإثم على من فرض ذلك. الإثم على من فرض ذلك. وهكذا كذلك التعامل بالعملة الورقية التي فيها صور. هذا مما عمت به البلوى. والإثم على من فرض ذلك؛ لأنه مما يشق على الناس ترك ذلك. والمشقة تجلب التيسير. وقد دل الشرع على أن مثل هذا يرخص فيه. فإذن القاعدة ليست على إطلاقها لكن فيها تفصيل. قال رحمه الله تعالى: «قال لا فرق أن تعم أو تخص عندهم كما عليه نص» يعني: لا فرق أن تكون عامة أو خاصة. يعني: عمت به البلوى لعموم الناس أو خاصة تخص أحوال معينة لبعض الناس. وهذا كما تقدم: الصحيح فيه التفصيل بما يدل عليه عمومات الشرع. فمثلا مثلوا للعام بأمثلة -مثل مشروعية الإجارة والجعالة والحوالة- فهذه الثلاثة قالوا: الأصل فيها المنع؛ لأن فيها ما ينافي عمومات الشريعة من وجه. والجواب: أن هذا أجيز من باب درء المفسدة الكبرى بالصغرى. وليس فيه تمام المحظور الذي نهي عنه. فمثلا الجهالة الموجودة في الإجارة جهالة يسيرة تغتفر مع العلم الحاصل في تحديد الأجرة وتحديد كذلك الزمان. فهي شيء يسير يغتفر مثله. وقد دل الشرع على اغتفار ما هو مثله؛ لأنه من باب: المشقة تجلب التيسير. لا يجوز أن تشتري شيئا مجهولا، لكنه إذا كان تبعا فيجوز تبعا ما لا يجوز استقلالا. لا يجوز أن تشتري أساس البيت في الأرض، لكن يجوز أن تشتري بيتا وأنت لا تدري ماذا أساسه، يجوز تبعا. ما لا يجوز استقلالا لا يجوز لك أن يبيع لك صفار البيض وأنت لا تدري هل البيض به صفار أم ليس به صفار. لكن تشتري بيضا بأكملها، يجوز. تشتري بطيخا شماما حبا حبا ولا تدري ماذا فيه بما ظهر لك من ظاهره، يجوز. يجوز تبعا ما لا يجوز استقلالا. فهذا من المشقة التي تجلب التيسير. وهو من الجهالة اليسيرة المعفو عن مثلها بالتبعية. ومثله الجعالة ما فيه من جهالة هو بهذا المعنى. وأما الحوالة وقولهم: أنه بيع دين بدين، فهذا ليس بالصحيح؛ لأن حقيقة الحوالة -من حيل على مليء اليحتل- هو عبارة عن تحويل الدين من المعسر إلى المقتدر. من المعسر إلى المقتدر فهذا جائز. وهو ليس فيه بيع دين بدين، بل فيه دفع ضرر بقيام تعاون المسلمين بعضهم مع بعض. ولا يصح تمثيله بهذا الباب. لكن قد يقول قائل: فيه إحالة إلى ما فيه معنى الجهالة. فيقال: هذا يغتفر وهو من باب درء المفسدة الكبرى بالصغرى. الآن المفسدة الكبرى عند هذا الرجل الذي يطالب بدينه هو عدم سداد الدين من قبل هذا المعسر. والمفسدة الصغرى إحالته إلى من هو يستطيع، لكنه ما هو الأصل. فهذه مفسدة صغرى. فهو من باب ارتكاب المفسدة الصغرى بالكبرى. فإذن ليس فيه معنى ما ذكر. وإباحة مثل هذه الأشياء ليس هو على الصحيح، بل هو من أبواب أخرى. بل هو من أبواب أخرى كما سمعنا وفهمنا. فهو إما من باب: يثبت تبعا ما لا يثبت استقلالا. وإما من باب: المشقة تجلب التيسير. وإما من باب: درء المفسدة الكبرى بالصغرى. وما كان كذلك هو مما استثناه الشرع. فيكون فيه معنى أن القاعدة ليست على إطلاقها: الحاجة تنزل منزلة الضرورة. بل بما استثناه الدليل أو استثنى الدليل معناه. وهذا عام وهذا عام لكل الناس: الجعالة والإجارة والحوالة وغير ذلك مما سبقت الإشارة إليه. والخاص مثل تضبيب الإناء بالفضة، هذا خاص هذا فعل خاص ومصلحة خاصة. كيف يمكن أن يعلل مثل هذا؟ يعلل هذا كذلك بأنه من باب دفع المفسدة الصغرى بالكبرى هذا وجه. وقد يكون هناك وجه آخر؛ لأن هذا الإناء الذي ضبب بالفضة إذا علم أنه لا يمكن أن يستفاد منه إلا بذلك، كان هذا من باب استعمال اليسير في حفظ هذا الإناء الكثير. هذا إناء إذا ترك لصار في إضاعة للمال. فكونه يحفظ بقليل الفضة هذا من باب ارتكاب المفسدة الصغرى بالكبرى. ومثله كذلك استعمال يسير الذهب في بعض الأعضاء -كالسن أو الأنف أو ما كان بمعناه- مما قد يحتاج معه إلى هذا الشيء الذي هو في أصله محظور. لكن الشيء اليسير يغتفر فيه. وهو قد يقاس على حديث أنس. ويقاس كذلك على حديث عمر في اليسير من الحرير. فلو قال إنسان مثلا: إنسان يتضرر من وضع المعدن في عظمه، فهل يمكن أن نستعمل مثلا البلاتين وما كان بمعناه أو الذهب حتى؟ الجواب: إذا علم أن هذا أنفع له فهو يجوز لعموم ما يدل عليه في هذا الباب. وهذا أولى لا شك من تطبيب إناء بالفضة. فإذن هو تطبيق القاعدة في الشيء العام والشيء الخاص. حتى ولو كان خاصا بإنسان معين جاز. ولكن بهذا الشرط والقيد أن يكون هناك ما يدل على جواز أصله بالشرع على جواز أصله بالشرع. فيدخل تحت أصل دل الشرع على جواز مثله. وهذا تحته معاني كثيرة -كالأمثلة التي مرت معنا-. طيب وبهذا نكون قد انتهينا من أهم ما يذكر في هذا. وهناك أمثلة كثيرة ذكرت في بعض الشروح تحتاج إلى مناقشة وأشياء، لكن حسبنا أن نفهم الأبيات وأن نعرف أهم ما يمكن أن يذكر. قال رحمه الله تعالى: «لكن خرج عن ذا صور» وزن البيت: «لكنه خرج عن ذا صور» منها: العرايا واللعان يذكر. لعل الصواب: «لكن خرج عن ذا صور» حتى يستقيم وزن البيت. والله أعلم. فإذا قرئ خلاف هذا فهو خلاف الصواب. هذا هو الصواب. الله أعلم. الجواب: قد جاء فيها النص: «إن الله لم يجعل شفاء أمتي فيما حرم عليها». الآن فرق الخمر محرم لم يجعل الله فيه شفاء. وهو محرم حتى ولو كان يسيرا منه. ما أسكر كثيره فقليله حرام بنص حديث النبي صلى الله عليه وسلم. لكن آنية الذهب والفضة المنهي عنها -الآنية المنهي عنها- استعمال الشيء اليسير كالتضبيب هنا محل شبهة. هل هو آنية؟ النص دل أنه ليس آنية. نعم النص دل أنه ليس آنية. فيجوز استعمال هذا اليسير لدفع هذا الضرر. لا إشكال إن شاء الله ولا تعارض في هذا المعنى. هذا استعمال الذهب والفضة كسن وأنف ليس علاج. هو حفاظ على هذا العضو. حفاظ على هذا العضو وانتفاع الإنسان به. وأصلا عضو فيه أنف قطع فيحفظ ما بقي بهذا. ليس من باب العلاج، لكن من باب العوض. ما أن استعمال الفضة بمثل هذا واستعمال الذهب خاصة؛ لأن الفضة قالوا: تعفن. استعمال الذهب ليس هو من التحلي أنه ليس زينة المنهي هو التحلي المنهي عن الرجل حلية الذهب. وهذا ليس حلية. ولهذا نقول: لو فعله على وجه الحلية لحرم. مثلا بعض الناس يلبس السن بغير حاجة ولا دفع مضرة بالذهب لأجل الزينة، فهذا حرام لا يجوز. يقول بعض إخواننا في بلاد الكفر يعرفون حكم الهجرة ويريدون أن يقوموا بها، لكن يخافون من قلة الرزق ويخشون أن يصيبهم الفقر. فالسؤال: كيف يزداد المرء التوكل على الله؟ كيف يزداد في هذا الباب؟ الجواب: أن يقال على وجه الاختصار: عليه بثلاثة أمور. أولها: أن يتأمل ما ذكره العلماء من أدلة الكتاب والسنة في الأمر بالهجرة. فتأمله وتدبره لما قال العلماء يجعل في قلبه ما يكون به محل العظة. وكذلك الاستجابة للنص الشرعي ولكلام أهل العلم. والأمر الثاني: أن يستحضر ويقرأ ويتأمل فيما كان عليه حال الصحابة في هذا الباب. فسيرتهم مليئة بالعضات والعبر، وهم أشد فقرا وأشد فاقة وأقل أسبابا للرزق. ومع ذلك لم يترددوا في الهجرة رجالا ونساء وأفرادا وجماعات. وما ضيعهم الله. وأرض الله واسعة. ألم تكن أرض الله واسعة كما قال الله سبحانه؟ والأمر الثالث: أن كذلك يقرأ في معنى التوكل؛ لأن التوكل قد يكون من أسباب عدم تحقق فعله الجهل به. فكونه يعرف حقيقة التوكل الذي أمر الله عز وجل به يعينه ذلك على الشجاعة وعلى الإقدام. وليس من التوكل ترك الأسباب. ولا كذلك الاعتماد على الأسباب. والناس في هذا طرفان ووسط. فإن من الناس من يتواكل ويظن نفسه متوكلا. ومن الناس كذلك يضر بنفسه وبغيره ويظن نفسه متوكلا. والصواب هو الوسط. فلا يتم التوكل إلا بشروطه التي ذكرها العلماء. ومن ذلك أن لا يدع الأسباب. وهكذا لا يعتمد على هذه الأسباب. فهو بإمكانه أن يتخذ أسبابا يسيرة يبارك الله له فيها ويعينه على ما يريد من خير الدنيا والآخرة.