الدرس في شرح الفرائد البهية 39، تابع : القاعدة التاسعة عشرة:ما كان أكثر فعلا كان أكثر فضلا. ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يتناول هذا الفصل أفضلية بعض الصلوات النوافل على بعض، مثل أفضلية الوتر بثلاث على الوتر بخمس أو سبع. كما يبين أفضلية صلاة الصبح وركعة الوتر على سنة الفجر.
يشرح هذا الفصل تفضيل بعض الأعمال على غيرها بناءً على السنة النبوية، وليس على أساس الكثرة أو القلة، مستدلًا بأمثلة من صلاة العيد وسنة الفجر. يُظهر أن الأفضل هو ما يوافق السنة.
يناقش هذا الفصل أهمية اتباع السنة النبوية في العبادات، حيث يبين أن كثرة العمل ليست دائمًا أفضل من قلة العمل إذا كانت القلة موافقة للسنة، ويستشهد بذلك بأمثلة من الأحاديث والآثار.
يتناول هذا الفصل أهمية الالتزام بالسنة في العبادات وخطورة الزيادة عليها، ويستشهد بآراء الشافعية ومخالفتهم للإمام الشافعي في بعض الممارسات. يؤكد أن الخير في موافقة هدي النبي.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال رحمه الله تعالى: والوتر مهما بثلاث يفعلوا، فإنها مما يزيد أفضل، وهو يشير بهذا المثال إلى أفضلية الوتر بثلاث، منها بخمس أو ما زاد. وقد استشكل هذا بعض الشراح، والظاهر والله أعلم أنه يريد كونه يصليها ثلاثًا فيوتر ما صلى قبل من ركعتين ركعتين، فتتم الوتر بثلاث خير من أن يوتر بخمس أو بسبع؛ لأن الغالب العام من فعل النبي صلى الله عليه وسلم الوتر بكم بثلاث. فالوتر بثلاث أقل وهي أفضل من الاستمرار والإكثار من الوتر بخمس أو سبع، وإن كان الكثير من الفقهاء لا يقولون أصلًا بالوتر بخمس وسبع. والصحيح أن ذلك صح عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولكن لم يصح في الكثرة والاستمرارية مثل الوتر بثلاث واضح. فصار الوتر بثلاث باعتبار كثرة فعل النبي صلى الله عليه وسلم هو الأفضل. وإذا فعل أحيانًا أن أوتر بخمس أو أوتر بسبع فهذا جائز وهو سنة، لكن لا يجعل ذلك على حساب الوتر ماذا بثلاث، وهو الكثير من فعل النبي صلى الله عليه وسلم. فلعل هذا هو مراده رحمه الله، وهو بمعنى هذا في الأصل. وقوله: لكن على قول ضعيف نقل عن البسيط والإمام ذي العلاء، أشار في التعليق إلى الخلاف في ذلك أن الوتر بثلاث أفضل من خمس أو سبع أو تسع، على ما قاله الغزالي في البسيط تبعًا لشيخ إمام الحرمين، ثم قاله هو ضعيف. والمجزوم به في شرح المهدب خلافه، وهو أن الأكثر أفضل. والصحيح أن ما قاله الغزالي هو الصحيح، لكن بالتوجيه الذي سمعنا، يعني لو قلنا لو أراد الوتر كله ثلاث أو خمس لقلنا الخمس أفضل من الثلاث واضح؟ لكن لو أراد أن يوتر آخر الصلاة بثلاث أو يوتر بخمس، الأفضل كم؟ الثلاث؛ لأنه غالب فعل النبي صلى الله عليه وسلم. مثلا إنسان يصلي ركعتين ركعتين ركعتين، ثم آخر شيء يوتر بثلاث، أو ركعتين ركعتين ثم يوتر بخمس ركعات، والكل سواء الركعات، لكن هل الأفضل يوتر بثلاث أو يوتر بخمس؟ نقول يوتر بثلاث؛ لأنه أكثر فعل النبي صلى الله عليه وسلم، وكونه يفعل الخمس أو السبع أو التسع أحيانًا قد صح معناه عن النبي صلى الله عليه وسلم كما جاءت به السنة في حديث عائشة وغيرها. وأما إن أراد أنه لا يصلي من صلاة الليل أبدًا إلا ثلاث أو يصلي خمس، فنقول نعم، قول صاحب المهدب هو الصواب؛ لأنه كونه يصلي أكثر أفضل من أن يصلي أقل، كل الصلاة. أما آخر الصلاة بماذا يختم فكما تقدم، فإذن فيه تفصيل. ثم قال رحمه الله تعالى: كذا صلاة الصبح كانت أفضلا من غيرها، وإن يكن أطولا، وركعة الوتر لديهم أفضل من سنة الفجر، وأيضا تفضل تهجد الليل وإن كانت أقل، وهو مع الكثرة والطول حصل. قال: كذا صلاة العيد من كسوف من كسوف أزكى ولو مع طولها المعروف. وهذه مسائل أخرى كذلك مما ذكرت في هذه القاعدة، وهي مما استثني صلاة الصبح على ركعتين، وهي أفضل من غيرها. وفي أفضلية صلاة الصبح خلاف؛ لأن من أهل العلم من نظر إلى أن أفضل الصلوات الخمس الصلاة الوسطى، لأمر الرب سبحانه وتعالى بها: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾، ثم اختلفوا ما هي الصلاة الوسطى؟ منهم من قال الفجر، ومنهم من قال العصر، ومنهم من قال غير ذلك. والصحيح أنها العصر بنص حديث النبي صلى الله عليه وسلم. ومع ذلك هل يعني ذلك أن العصر أفضل من الفجر؟ كذلك في هذا خلاف، كونها الوسطى هل يعني أنها أفضل من الفجر؟ قال بعضهم هي أفضل، وقال بعضهم بل الفجر أفضل، قال الله عز وجل: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾، فدل على فضل صلاة الفجر. ومن تأمل الأحاديث الكثيرة عن النبي صلى الله عليه وسلم بفضل صلاة الفجر، يجد أنها أكثر وتدل على فضل كذلك أعلى؛ فإنه لم يرد في فضل صلاة من الصلوات الخمس مثل ما ورد في صلاة الفجر. فإن من صلى الفجر فهو في ذمة الله، وهي الصلاة التي يكون فيها المشاء في الظلم، ويبشر بالنور التام يوم القيامة، وهي الصلاة التي تحضرها الملائكة، وهي كذلك الصلاة التي يكثر فيها من قراءة القرآن، فهي مشهودة. والشاهد الشرع دل على أن الفجر تصلى ركعتان، ومع ذلك فقد جاء فيها فضل لم يرد في غيرها، فدل على أن ركعتي الفجر خير من غيرها، وهي أكثر مثل الظهر والعصر بلا خلاف، مثل الظهر بلا خلاف، والعصر فيه خلاف، والعشاء فيه خلاف، لكن الظهر مثلا بلا خلاف، الفجر أفضل من الظهر. فدل ذلك على صحة ما أشار إليه رحمه الله، يعني هذا مما يستأثنى، واستثني بماذا؟ بالدليل. وقوله: وركعة الوتر لديهم أفضل من سنة الفجر، وأيضا تفضل ركعة الوتر أفضل من سنة الفجر؛ لكون الوتر من قيام الليل. وقد قال عليه الصلاة والسلام: «أفضل الصلاة بعد الفريضة صلاة الليل»، فدل على أن الصلاة الليل أفضل النوافل مطلقًا، ولو كانت صلاة الليل ركعة واحدة؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «فيمن خشي أن يدرك الفجر أن يؤتر ولو بركعة»، فهذه الركعة الواحدة هي من صلاة الليل، وصلاة الليل أفضل النوافل مطلقًا على الصحيح. مع أن النبي صلى الله عليه وسلم حافظ على سنة الفجر، وركعتين الفجر النافلة في الحضر وفي السفر، فدل على فضليتها، لكن لا يعني ذلك أن أفضل من صلاة الليل، فصلاة الليل أفضل. ومن عظيم فضل صلاة الليل أن الله سبحانه وتعالى وتمجد وتقدس ينزل في الثلث الأخير من الليل، نزولًا يليق بجلاله وعظمته، فيقول: «هل من سائل فأعطيه؟ هل من مستغفر فأغفر له؟» حتى ينفجر الفجر. ثم قال: تهجد الليل وإن كانت أقل، وهو مع الكثرة والطول حصل. ومعنى ذلك يعني أن صلاة الليل أفضل من صلاة الفجر، ركعة الوتر أفضل من سنة الفجر؛ لأنها من تهجد الليل؛ لأنها من تهجد الليل، وإن كانت أقل من ركعتين الفجر. وإذا طالت زاد الأجر فيها، يعني صلاة الليل، لكن كما قلنا في حدود السنة، وهذا هو الأفضل. ثم قال: كذا صلاة العيد من كسوف من كسوف أزكى ولو مع طولها المعروف. صلاة الكسوف فيها طول، ومع ذلك فصلاة العيد أفضل؛ لماذا؟ لأنها في يوم عظيم، كما قال عليه الصلاة والسلام: «في يومكم هذا، في بلدكم هذا، في شهركم هذا»، فدل على أن يوم النحر يوم عظيم عند الله سبحانه وتعالى، فهو عيد المسلمين. وكذلك لأن صلاة العيد يشهدها المسلمون، وتكون فيها الدعوة التي يرجى أن يكون فيها القبول. ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم كما في حديث أم عطية: «يأمر بالحيض أن يخرجن إلى الصلاة؛ لاجل أن يشهدن دعوة المسلمين». ولم يكن كذلك في صلاة الكسوف، فدل على أن صلاة العيد أفضل من صلاة الكسوف. مع أن صلاة العيد أقل من صلاة الكسوف، وعلمنا هذا بماذا؟ بالأدلة، عمومات الأدلة الواردة في هذا الباب. إذا ليست القاعدة مطلقًا: الأكثر أفضل، ولا ما كان فيه مشقة فهو أفضل، ولكن يقيد بما ورد به الدليل. فإذا ورد الدليل الدال على ذلك فهو على الأصل، وإذا استثنى الدليل فبما ورد به الدليل يستثنى. ثم قال: وسنة الفجر بلا تطويل أفضل منها معه، للدليل. وسنة الفجر بلا تطويل أفضل منها معه، للدليل. ومعناه أفضل من التطويل، أفضل من التطويل. قال: وفي الصلاة سورة كمال أطيب. هذه مسألة أخرى. أولا: سنة الفجر يستحب فيها التقصير، لا التطويل؛ لأن ذلك فعل النبي صلى الله عليه وسلم. فإذا أنهي على خلاف القاعدة، ليس دائما الأجر على قدر المشقة، ولا ما زاد كان سبب لزيادة الأجر؛ لأن السنة هنا التقصير والتخفيف. فقد صح أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي في الركعة الأولى ب: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾، وفي الثانية: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾، أو كذلك على وجه آخر يقرأ في الركعة الأولى: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ﴾، وفي الثانية: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ﴾ الآية. فدل أنه يخفف حتى كانت عائشة تقول: «كأنه لم يقرأ إلا بام القرآن» من حيث أنه يخفف ركعتي الفجر، حتى تقول: «هل قرأ بام الكتاب أم لم يقرأ؟» يعني لشدة تخفيفه عليه الصلاة والسلام بالصلاة فيها، على خلاف ما عهدت منه عليه الصلاة والسلام. فإذا التخفيف في ركعتي الفجر أفضل من التطويل؛ ليرود السنة بذلك. وقوله: وفي الصلاة سورة كمال أفضل من بعض من بعض، ولو قد طال. يعني التقصير في الصلاة مع قراءة سورة كاملة أفضل من أن يأخذ آيات مقطعات من دون أن يقرأ سورة كاملة. وهذا كان أكثر فعل النبي صلى الله عليه وسلم، ولهذا نبه بعض العلماء، وهو مما وللأسف جهله جهل العلم، وجهل العمل الكثير من الأمة إلا من عصم الله. فيحرصون على قراءة آيات مقطعات من هنا وهنا، دون الحرص على قراءة سورة كاملة. بينما كان النبي صلى الله عليه وسلم الغالب عليه بصلاة يقرأ سورة كاملة، إما في كل ركعة سورة، وإما سورة يقسمها في الركعتين. هذا هو الغالب العام من فعل النبي صلى الله عليه وسلم. فإذا من أراد السنة في الصلاة فعليه بذلك، وهذا أفضل من قراءة تكون طويلة فضلا أن تكون مثلها، ليس سورة كاملة. ثم أشار بعده فقال: وقيل بل من قدرها وذاك ما لم يرد. البعض وإلا قدما والمعنى أن مختلف، فبعضهم قال: قراءة آيات طويلة كثيرة أفضل من قراءة سورة كاملة إذا كانت هي أكثر، وإذا كانت سواء فقراءة السورة أفضل. ولكن الصحيح أن المداومة على ذلك خلاف السنة، بل السنة الأغلبية في فعل النبي صلى الله عليه وسلم الحرص على قراءة السورة الكاملة، يقرأ سورة كاملة سواء يقسمها في ركعتين أو يقرأ في كل ركعة سورة. هذا هو أكثر فعل النبي صلى الله عليه وسلم لمن تتبع سنته. وفي حديث مسعود: «عشرون سورة من نظائر القرآن كان يكثر النبي صلى الله عليه وسلم من قراءتها»، يعني يرددها في الصلوات. وهذه العشرون سورة ما كان يقرأ بعضها، وإنما يقرأها كاملة، إما كل واحدة في ركعة، وإما أن يجمع الواحدة في ركعتين. وهي ما يسمى ما سمي بالنظائر، مثل مثلا: المدثر والمزمل، ومثل المرسلات وعمة، هذه نظائر، ومثل القيامة والدهر، ومثل سأل سائل والنازعات، ونحو ذلك. أو تبارك ونون، أو الرحمن والواقعة، ونحو ذلك مما كان يفعله النبي صلى الله عليه وسلم من النظائر التي يجمع بينها في الصلاة. أو كذلك في السور الصغيرة، مثل صلاة العشاء لما علم معاذ يقرأ ب: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾، و﴿اللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى﴾. انظروا على خلاف يوم الجمعة يقرأ بماذا؟ ب: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ مع: ﴿الْغَاشِيَةِ﴾، لكن في العشاء: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾، و﴿اللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى﴾. وهكذا كذلك: ﴿وَالضُّحَى﴾، و﴿الشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾، ونحو ذلك من النظائر. أو كذلك: ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ﴾، و﴿وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ﴾، أو: ﴿الِانْشِقَاقِ﴾، و﴿الِانْفِطَارِ﴾، ونحو ذلك من النظائر. قال رحمه الله تعالى: والجمع في مضمضة بالماء لا أفضل من فصل بست حصل. كذلك الفصل بغرفتين أزكى من الست بغير مين كذلك. هنا القليل أفضل من الكثير؛ لأن القليل وافق السنة. فالمضمضة بالماء ثلاث مرات أفضل من ست؛ وذلك بأن تقسم الغرفة إلى نصفين، نصف للفم ونصف للأنف، نصف للفم ونصف للأنف، فتتمضمض وتستنشق ثلاثًا بثلاث غرفات، كما صحت به السنة عن النبي صلى الله عليه وسلم، هذا أفضل من أن تتمضمض ثلاث للفم وثلاث للأنف، صارت كم ست. فالأقل أفضل من الأكثر؛ لماذا؟ لأن الأقل هي السنة؛ لأن الأقل هي سنة النبي صلى الله عليه وسلم، كما صحت به الأحاديث، ثلاثًا بثلاث غرفات، حديث عبد الله بن زيد وغيره، وفي الصحيحين. وهكذا كذلك قال: كذلك الفضل بغرفتين أزكى من الست بغير مين. حتى ولو فعل مرتين غرفتين، يعني أربع أفضل من ست؛ لأنه صح عن النبي صلى الله عليه وسلم: «توضأ مرة مرة، ومرتين مرتين، وثلاثًا ثلاثًا»، فهذه كلها سنة، لكن ست ليس من السنة، ست ليس من السنة. فإذا ليست الزيادة دائما أفضل. ومثله أعضاء الوضوء، صح عن النبي عليه الصلاة والسلام: «توضأ مرة مرة»، كما في حديث ابن عباس، و«مرتين مرتين»، و«ثلاثًا ثلاثًا»، لكن إذا زاد جعل بدل الثلاث قال: «أحطاب خمس»، نقول: «خالفت السنة»، بل ربما إذا داومت على ذلك وقعت في البدعة. نعم، قال: والحج والوقوف ممن ركب أفضل منه ماشيا تأدبا. والآن انتقل إلى أفضلية ليس بالكثرة والقلة، ولكن من جهة المعنى. وهذا ما تقدم في القاعدة التي سبقت: إذا تقابل عملان، أحدهما ذو شرف في نفسه، وواحد والآخر متعدد، فأيهما يقدم؟ اختلف أهل العلم في ذلك. والصحيح أن الذي يقدم الأقرب إلى موافقة الشرع. فقد يكون أحيانًا الواحد أفضل، وقد يكون أحيانًا الأكثر أفضل، ولو كان الأكثر أقل. ويستدلون على تصحيح تفضيل الواحد ذو الشرف على الكثير المتعدد دونه في الفضل، بحديث رواه أبو داود وغيره عن عمر رضي الله عنه. أنه كان له نجيب من الإبل أعطي فيها ثلاثمائة دينار، فسأل النبي صلى الله عليه وسلم يريد أن يضحي ثلاثمائة دينار كثير، يعني قيمة النصاب ونصف، فسأل النبي صلى الله عليه وسلم: «أيضحي به فقط، أم يشتري أي بيعه ويشتري به بدنًا؛ لأنه ستأتي له بكثير من البدن ويضحي بها؟» فجاء في الحديث أنه «يضحي به إياه فضحي». والحديث ضعيف لا يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأن فيه جهم وهو مجهول، كما ذكر المنذري، ابن القيم، وجماعة من أهل العلم والحفاظ. فهو من جهة الرواية والدراية لا يصح على الصحيح. بل الصحيح التفصيل في ذلك بحسب ما دل عليه الدليل. فليس دائما يكون هكذا، فتارة يكون هكذا وتارة يكون على خلاف ذلك. ومن هذا يروون حديث: «تفكر ساعة خير من قيام ليلة»، «تفكر ساعة خير من قيام ليلة». وهذا كذلك لا يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولكن قد يصح بما صح به الدليل، مثل ما جاء في الصحيح مسلم في حديث عمران حين رخص له النبي صلى الله عليه وسلم أن يصلي قاعدًا؛ لأجل مرضه. فإن لم يستطع أن يصلي قائمًا، فإن لم يستطع فقاعدًا، فإن لم يستطع على جم، ومع ذلك فقد حدث عمران رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم: «أن صلاة القاعد نصف صلاة القائم، وصلاة المتمطي نصف صلاة القاعد». وحمله العلماء بأحاديث أخرى أنه في حق من يصلي ذلك في النفل. أما في الفرض مع العذر فإنه يكتب له ما كان صحيحًا سليمًا، كما في حديث موسى وغيره، ومقيما؛ لأنه معذور فيكتب له ما كان في صحته. وفسره بعض أهل العلم إذا كان أذن له بالعذر، لكنه توسع في العذر فيكتب له نصف أجره، يستطيع صلي قاعدًا لكن صلى متمطيًا، فهنا ماذا؟ يكتب له نصف أجر القاعد؛ لأنه ترك الذي يستطيع. طيب، قول: «والحج والوقوف ممن ركب أفضل منه ماشيا تأدبا». الآن المشي فيه مشقة أليس كذلك؟ بلى، ومع ذلك قال العلماء: «الحج والوقوف بعرفة راكبًا أفضل من ماشيا»؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم فعله، واختلفوا: هل فعله لأنه أرفق به وأرفق بالحجاج، ويدلهم على الأرفق فهو أفضل، يعين الحاج وأعنى له في قوته؟ أم أنه فعل ذلك لحكمة كونه الحجاج يسألون عنه ويظهر لهم؟ قال بعضهم بهذا، وقال بعضهم بهذا. والصحيح أنه لا مانع من اجتماع العلتين؛ لأن كلا هذين الأمرين يصح، فهو كان راكبًا ليراها الناس، وكذلك يظهر للناس أن من استطاع ذلك فهو أفضل؛ لأنه أعنى له على أداء حجه. انظر إذا ذهب الإنسان من مزدلفة إلى عرفة، ومن عرفة إلى مزدلفة، ومن مزدلفة إلى منى، ومن منى إلى مكة ماشيًا، يستطيع، وربما فعل هذا الكثير من الشباب، ودفعنا هذا قديما بالشباب، لكن إذا جاء وقت الطواف ربما يؤدي الطواف وخصوصا مع المشقة بشيء من المشقة الشديدة، فلا يكاد يؤدي الطواف على الوجه الذي يحب أن يؤديه لربه ومولاه سبحانه وتعالى؛ بسبب ما سبق من مشقة. لكن لو فعل تلك الأعمال راكبًا، وجاء إلى الطواف فإنه سيجد نشاطًا في أداء هذا النسك. وهكذا كذلك يقال في هذا الموضع، والله أعلم. فإذن كذلك ليس دائما هذا على هذا المعنى. قال رحمه الله تعالى: كذلك الميقات للإحرال أفضل من دويرة الأهالي. يعني كذلك من المسائل كون الإنسان يحرم من الميقات أفضل من أن يحرم من بيته، ولو كان الإحرام من بيته فيه مشقة أكثر، لكنه خلاف السنة. وكونه خلاف السنة فيكفي في ترك هذه المشقة؛ فليست المشقة دائما سبب لزيادة الأجر، بل إذا خالف السنة قد تدخل في الوزر. وروي عن مالك رحمه الله في رجل يريد أن يحرم من مسجد النبي صلى الله عليه وسلم، فأمره أن يحرم من الميقات. قال: «أريد أن يحرم من مسجد النبي صلى الله عليه وسلم»، قال: «لا تفعل»، قال: «لما؟» قال: «أخشى عليك قول الله عز وجل: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾، أنت تخالف أمر النبي صلى الله عليه وسلم». النبي عليه الصلاة والسلام إنما أحرم وعلم أصحابه أن يحرموا من أين؟ من الميقات. فأهل المدينة من ذي الحليفة، ليس من مسجد النبي صلى الله عليه وسلم. ففي الحقيقة بعض الأفعال قد يريد الإنسان بها الأجر، فيحصل له بها الإثم؛ لأن فيها من التغيير والتبديل للسنة وللشرع ما قد يوقع في الإثم. وهذا هو معنى المتابعة: أن تتابع في القليل وفي الكثير، ليس أن تجتهد برأيك فتخرج عن السنة، ولو ترك الناس آراءهم لغيرت وبدلت دين الله. حتى حصل التغيير الذي حصل عند أهل الكتاب. ثم قال رحمه الله: ومرة جماعة إن صلى أفضل من صلاته وأعلى منفردا خمسا وعشرين جعل. وهكذا تصدق وقد أكل طيب. هذا حكم آخر. أولا: قوله: «ومرة جماعة» إلى آخره، يريد كون يصلي مرة واحدة في جماعة مع المسلمين خير له من أن يصلي خمسًا وعشرين مرة منفردًا، بقول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث ابن عمر، ومعناه في حديث ابن هريرة، في فضل صلاة الجماعة: «أنها أفضل من صلاة الفذ ببضع وعشرين درجة»، وفي رواية: «بضع خمس وعشرين درجة»، وفي رواية: «سبع وعشرين درجة». فالشاهد من هذا: صلاة الجماعة مرة واحدة هي أفضل من هذا. طيب، إذا صلى منفردًا فإنه كذلك على الصحيح لا يحصل له فضل الجماعة، حتى لو صلى منفردًا خمسًا وعشرين مرة، فإنه لا يحصل له أجر الجماعة. ويذكر أن بعض الصالحين فاتته صلاة الجماعة، ولم تكن تفته، فتأسف أسفًا شديدًا، وأراد أن يعوض في ذلك، فتذكر الحديث، فصلى خمسًا وعشرين أو سبعًا وعشرين مرة، فلما نام من ليلته رأى في المنام من يناديه ويقول له: «إنك لم تدرك القوم بعد»، يعني حتى ولو صليت هذه الصلوات، فأنت ما بلغت فضلهم وأجرهم. والأمر كذلك؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم جعلها أفضل، فإذا الكثرة ليست دائما والمشقة تدل على الفضل؛ لأن السنة هنا دلت على ذلك. وهكذا قال: «وهكذا تصدق». وهكذا تصدق وقد أكل البعض من أضحية تبرك، فهو على بدل الجميع قد زكى. يعني كونه يأكل من أضحيته، فيتصدق بأضحية ناقصة، أفضل من أن يتصدق بأضحية كاملة. واضح الآن، هذا الذي سيخرج أضحية كاملة، تصدق بشيء كثير، وهذا الذي أكل من أضحيته وتصدق ناقصة الأضحية، لكن أيهما أفضل؟ الأفضل الذي أكل من أضحيته، ولو لم يتصدق. لماذا؟ لأنه طبق السنة، فتصدق على نفسه بفعل السنة. نعم، ثم قال رحمه الله: وينبغي عدك كل ما أتى فيه الدليل للقليل مثبت. يعني كذلك اجعل هذه قاعدة: أن موافقة الدليل للقليل هو الذي فيه أجر أكثر، فليس دائما الكثرة فيها فضل أكثر. قال: كركعة تحية المساجد، وبعضهم قال: هذا مما زاده عن صاحب الأصل، مما زاده الناظم عن صاحب الأصل، ولكن فيه فائدة؛ لأنه وجد هذه الأمثلة كما ترون بالدليل، صارت كذلك. قال: كركعة تحية المساجد أفضل من إتيانه بزائد. واللفظ في استعادة بما ورد في الذكر من زيادة في المعتمد. وقس على ذلك بالتأمل. والحمد لله على التفضلي. كذلك يعني يقول: ركعة تحية المسجد ركعتين، كونك تصلي أربعًا خلاف السنة، الاكتفاء على ركعتين خير من أربع. وهكذا لفظ الاستعادة، الاكتفاء على السنة: «أعوذ بالله من الشيطان الرجيم»، أو: «أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم»، ونحو ذلك، خير من الزيادة على ذلك وتخرج عن السنة. وقس على ذلك بالتأمل، يعني في كل شيء. ومنها زيادة الأذكار بعد الأذان أو قبل الأذان. وللأسف هذا كلام الشافعية، وأين الشافعية من كلام الإمام الشافعي، ومن كلام الشافعية؟ والقواعد التي ذكرها علماء الشافعية اليوم، تسمع أكثر مؤذنين من الشافعية إلا من رحم الله، يزيد أذكار قبل الأذان. لماذا؟ قال: «نريد زيادة الأجر»، الأجر بموافقة السنة لا بالإحداث والزيادة. وهكذا بعد الأذان يزيدون أذكارًا، وبعد الصلاة يزيدون أذكارًا، وقبل الصلاة يزيدون أذكارًا، وإذا كان يوم الخميس أو ليلة الجمعة زادت الأذكار. وهذا من أين؟ موافقة السنة هو المطلوب. «خير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور ومحدثاتها»، كما قال عليه الصلاة والسلام. وكان يكرر في خطبة الحاجة. وقال: «من عمل عمل ليس عليه أمرنا فهو رد». طيب، إلى هنا والله تعالى أعلم. هذا السؤال: يقول: «النشأ أو العسل لعلاج فرج المرأة، ما حكمه؟» الجواب: «إن ذكر ذلك من يعرف وهو مختص فلا بأس، ما أنزل الله من داء إلا أنزل له دواء، علمه من علمه». نعم، والله تعالى أعلم. صلى الله عليه وسلم عن نبي محمد، وآله وصحبه وسلم.