مشكلة الفقر

الخطبة بعنوان مشكلة الفقر، والتي كانت بدار الحديث بالفيوش 25 شعبان 1444هـ الموافق 17 مارس 2023م ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

حكمة الله في الابتلاء بالفقر والغنى

الله يبتلي عباده بالفقر والغنى ليختبرهم، وله حكمة في توزيع الأرزاق. الغني والفقير كلاهما ممتحن بما أعطي أو منع.

علاج الفقر والأخذ بالأسباب

الإسلام يعالج الفقر بالأخذ بالأسباب الشرعية والكونية، وتحفيز العمل، والتوسعة على الفقراء، ومؤاخاة المسلمين. يُذم التسول وتُبيّن شروط جواز المسألة.

التعاون والصدقة وفق الضوابط الشرعية

يجب السعي للاكتساب وترك سؤال الناس، وعلى الأغنياء إعطاء الفقراء حق الله في أموالهم. التعاون مطلوب وفق ضوابط شرعية.

الدعاء بالحماية والصلاح للمسلمين

يدعو المسلم ربه بدفع البلاء وإصلاح الأمة وولاة أمورها، ويطلب الولاية للمتقين. يتضمن الدعاء طلبًا للحماية والصلاح والتوفيق لطاعة الله.

التفريغ النصي الكامل

مشكلة الفقر ما يفتلينا لنرجع إليه سبحانه وتعالى، فنتفقد أمر أنفسنا، إنما أصابنا فإنما هو بذنوبنا ومعاصينا. للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله، لا يستطيعون ضربًا في الأرض، يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف، تعرفهم بسيماهم، لا يسألون الناس إلحافًا. وما تنفقوا من خير فإن الله به عليم. ومع ذلك، فإذا جاء السائل وظهرت عليه آثار الصدق، فلا ينبغي أن يرد، وينبغي أن يعطى. قد تبدأ بالصحيح من حديث عائشة رضي الله عنها أن امرأة مسكينة جاءتها ومعها ابنتان، فلم تجد عائشة في بيتها إلا ثلاث تمرات، أعطت كل واحدة تمرة. قالت عائشة: فأكلت كل بنت ما عندها من التمرة، فلما أرادت الأمة أن تأخذ ما عندها من التمرة، استطعمتها، قالت: فشقتها شقين، فأعطت كل واحدة منهما تمرة. قالت عائشة رضي الله عنها: فأعجبني شأنها، فأخبرت النبي صلى الله عليه وسلم بأمرها، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لقد أدخل الله الجنة بهذه التمرة، لقد أدخل الله الجنة بهذه التمرة». فرحمة أمثال هؤلاء كذلك يأمر بها ديننا، وديننا بين الغالي والجافي. قطعة لفضيلة شيخنا العلامة أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي حفظه الله، كانت بتاريخ الخامس والعشرين من شهر شعبان لعام ألف وأربعمائة وأربعين من الهجرة النبوية. سجلت هذه المادة في دار الحديث بالفيوش، حرسه الله. إن الحمد لله، نحمد تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا. من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وصفيه وخليله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا ۞ يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾. أما بعد، عباد الله، إن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدى هدى محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. عباد الله، إن الله سبحانه وتعالى الحكيم العليم جل وعلا جعل للناس في هذه الدنيا من الخير والشر ما فيه من معاني الامتحان والابتلاء، كما قال سبحانه وتعالى: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾. فيبتلي ربنا سبحانه وتعالى عباده بالسراء والضراء لعلنا نرجع إليه سبحانه وتعالى. ومما ابتلاه الله عز وجل به مشكلة الفقر، مشكلة عظيمة، ابتليت بها المجتمعات، عمت بها البلوى، وانتشرت فيها آثارها، فصار الناس إلا القليل يئنّون من عظيم آثارها وشدتها. ولله سبحانه وتعالى حكمة في ذلك، أول ذلك عباد الله أن الله عز وجل يذكرنا بما يبتلينا لنرجع إليه سبحانه وتعالى، فنتفقد أمر أنفسنا، فإنما أصابنا فإنما هو بذنوبنا ومعاصينا، كما قال سبحانه: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾. ولهذا عباد الله، لو أننا رجعنا إلى الله وتبنا إليه واستغفرناه، لنزلت علينا الخيرات من السماء والأرض، كما قال الله سبحانه: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾. فإن سنة الله سبحانه وتعالى ماضية، وكما قال سبحانه مبينًا هذا المعنى فيما يحكي عن نبي من أنبيائه ورسول من رسله يدعو قومه أن يستغفروا الله، فإن فعلوا ذلك فإن السماء تنزل بالماء مدرارًا، والأرض تنبت الكثير من الأرزاق والخيرات. هذه سنة الله سبحانه وتعالى. فإذا كان كذلك، فلنعلم أن من عظيم حكمته أن نراجع أنفسنا وحساباتنا، فنرجع إليه ونتوب إليه. ولنعلم أننا متى ما رجعنا إليه وتبنا إليه سبحانه وتعالى، فتح الله عز وجل لنا أبواب الخيرات من السماء والأرض، وبما يكون من عظيم فضله وواسع عطائه. ومن ذلك أن لله حكمة حين يبتل الناس، يبتل الغني بما أعطاه، ويبتل الفقير بما منع منه. فلله الحكمة الواسعة، فما أعطى أعطى بفضل، وما منع منع بعدل، سبحانه وتعالى، وهو الحكيم العليم جل وعلا. عباد الله، ومع ذلك فإن الإسلام دين عظيم، جعل الله عز وجل فيه من الأحكام المحكمة والتشريعات المتقنة ما هي كفيلة في إصلاح أحوال الناس في أنفسهم ومجتمعاتهم، وفي حاضرهم ومستقبلهم. ومن ذلك أن الله عز وجل ما أنزل من داء إلا وأنزل له دواء. ومن ذلك داء الفقر، فإن الله سبحانه وتعالى جعل في شرعه ودينه من الأحكام المحكمة والتشريعات المتقنة ما هي كفيلة بحل مثل هذه المشكلات ودفع مثل هذه المعضلات. ولله الحكمة البالغة، ومن ذلك أن الله سبحانه وتعالى أمر الأغنياء بالزكاة والصدقة، أمر الأغنياء بالزكاة الواجبة والصدقة المستحبة، وذلك ليحصل التكافل الاجتماعي، ويحصل مواساة الأغنياء للفقراء. ولله الحكمة البالغة في ذلك، فيخرج الغني مما أعطاه على وجه الوجوب، لا على وجه الاستحباب، في أصناف من الأموال معلومة. وهكذا أيضًا من كان له فضل من مال، مركوب أو غيره، فإنه عليه أن ينفق من ذلك المال، كما جاء في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك. حتى قال الصحابي: «ظننا أنه ليس لأحدنا حق فيما أعطاه أو فيما أغناه الله سبحانه وتعالى». فأمر النبي صلى الله عليه وسلم من كان له فضل أن يتصدق من فضل ماله، أو فضل مركوبه، أو فضل كذلك محلوبه، أو غير ذلك. وأن الله سائله يوم القيامة عن ذلك. وهكذا كذلك من ذلك ما أمر الله عز وجل به من العمل في كتابه وبسنة رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، كما قال سبحانه وتعالى مبينًا هذا المعنى: ﴿فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ﴾. فأمرنا بالمشي في المناكب لنأخذ الأسباب الشرعية والكونية التي يكون بها تحصيل الرزق. وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لأن يغدو أحدكم فيحتطب فيحمل حزمة من حطب على ظهره فيغني نفسه ويتصدق، خير له من أن يسأل الناس أعطوه أو منعوه». واليد العليا خير من اليد السفلى، وابدأ بمن تعول. وفي هذا أمران اثنان، الأمر الأول ما أمر به النبي صلى الله عليه وسلم من التسبب والتكسب. وما فيه كذلك من أمر أن تكون يد المسلم هي العليا، أي المعطية المنفقة، لا تكون يده السفلى، أي الآخذة السائلة. وهكذا في هذا الحديث كذلك علاج آخر مما يكون به حل مشكلة الفقر، وذلك ما يكون من التواسي بين أهل الحق بما أعطاهم الله عز وجل. وأن يبدأ المسلم بالأقرب فالأقرب، فينبغي أن يعطي الأقرب، كما قال سبحانه وتعالى: ﴿وَالْأَقْرَبُونَ أُولَى بِالْمَعْرُوفِ﴾. وهكذا كذلك من مواضع العلاج في كتاب الله وفي سنة رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم ما أمر به ديننا العظيم من أن ينظر المسلم إلى من هو دونه في الدنيا، ولا ينظر إلى من هو فوقه. فإن ذلك أدعى ألا يزدري نعمة الله عز وجل عليه. ومن هذا القناعة، فما أعطي المسلم شيئًا أعظم من القناعة. فالقناعة كنز عظيم، إذا وصل في قلب العبد القناعة، فإنه عند ذلك يرضى بما آتاه الله سبحانه وتعالى. ودائمًا ينظر في أمر دينه إلى من فوقه، وفي أمر دنياه إلى من هو دونه، حتى لا يزدري نعمة الله سبحانه وتعالى عليه. ومن ذلك عباد الله ما جعل في الإسلام من واجب على أولي الأمر بالتوسعة على الفقراء والمساكين والمحتاجين بأنواع التوسعة من الأموال العامة، كما كان يفعل النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. ومن ذلك كذلك ما جعل في الإسلام من الإقطاع، فقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم قوله: «من أحيا أرضًا مواتًا فهي له». فإن ذلك فيه أن الإنسان يتسبب، ومن هذا التسبب أن يعين ولي الأمر المسلمين بإقطاعهم الأرض، فيعطيهم من الأراضي ما يزرعون، وما يبنون، وما يتاجرون، فيكون سببًا في تكسبهم ودفع أسباب الفقر عنهم. ومن ذلك كذلك ما جعل في هذا الدين العظيم من أمر مواسات المسلمين بعضهم لبعض، ومؤاخاتهم بعضهم لبعض، فينظر بعضهم لبعض، ويتفقد بعضهم بعضًا. فوق الزكاة المفروضة، ما يكون من أمر المؤاخاة. فقد أعجب النبي صلى الله عليه وسلم بأمر الأشعريين، كانوا إذا أصابهم شيء جمعوا ما عندهم، فوزعوه فيما بينهم. وهكذا كذلك ما وقع في زمن النبي صلى الله عليه وسلم حين هاجر المهاجرون، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم الأنصار أن يواسوا إخوانهم المهاجرين. فما من أنصاري إلا وأدخل معه من المهاجرين من كان معه، فأشركه في بيته ومسكنه وقوته، حتى إن بعضهم عرض على بعض أن يشاركوا في ماله. وهكذا كذلك في زوجته، فقال له: «بارك الله لك في مالك وأهلك، ولكن دلني على السوق». فذهب فتاجر، فأغناه الله سبحانه وتعالى. وهكذا ينبغي للمسلم عباد الله أن يأخذ من الأسباب الشرعية الصحيحة ما يكون به الغنى، وما يكون به التعفف، وما يكون به كذلك يده أن تكون العليا، ولا تكون يده السفلى. وما يكون به كذلك دفع هذه المشكلة والمعضلة. وكل ذلك بالرجوع إلى الحلول الشرعية التي جاءت في كتاب الله، وفي سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. نسأل الله أن يفقهنا بموجب شرعنا، وأن يبصرنا بموجب ديننا، وأن يجعلنا هداة مهتدين. والحمد لله رب العالمين. الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ولي الصالحين. وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، الصادق الأمين. أما بعد، عباد الله، وإن مما يناسب ذكره هنا أن المجتمع ابتلي ببعض التصرفات التي ينبغي أن يتعاون أهل الإسلام على علاجها بالوجه الشرعي الصحيح. ومن ذلك ما ابتليت به المجتمعات من آفة التسول، هذه الآفة التي ذمها ديننا، دين الإسلام. فالتسول في دين الله عز وجل من الأمور المذمومة، فقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم ذمه في عدة أحاديث، ولم يجزه صلى الله عليه وعلى آله وسلم إلا لدفع ضرورة. كما قال عليه الصلاة والسلام: «لا تحل المسألة إلا لثلاثة: وذكر من هؤلاء الثلاثة رجل تحمل حمالة، أي تحمل ما يكون به الصلح بين طائفتين من المسلمين اقتتلوا، فيصلح بينهم، فيدفع من الأموال ما يكون به الصلح، فيثقله ذلك الحمل، فعند ذلك يجوز له أن يسأل، ليدفع ما كان قد تحمله مما كان فيه الإصلاح بين الناس». وهكذا كذلك المعنى الثاني مما جاء الإذن به، ما يكون ممن أصيب بفاقة، وأخذت أمواله مصيبة، فإنه يجوز أن يسأل ليدفع مصيبته، إذا اجتمعت عليه الديون، ولم يستطع سدادها، إعانة لأصحاب الديون، وإعانة لهذا المكلوم. ولكن أن يأتي بشهود على ذلك، وأنه لا يستطيع دفع هذه المضرة. ومن تأمل هذا الحديث وغيره من الأحاديث مع ما يقابلها من ذم المسألة، علم أن أمر المسألة شديد في دين الله. ففي الصحيحين عن عبد الله بن عمر رضي الله عنه قال: قال صلى الله عليه وسلم: «لا تزال المسألة بأحدكم حتى يأتي يوم القيامة، وليس في وجهه مزعة لحم». أو كما قال صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وهكذا كذلك صح عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ذمه للمسألة، بقوله فيمن يسأل الناس أعطوه أو منعوه. وأنه حري أن يتكسف، كما جاء بحديث أبي هريرة، وجاء بحديث الزبير، وجماعة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم. بل حث النبي صلى الله عليه وسلم على الاكتساب، ولو أن يحتطب، كما جاء بحديث أبي هريرة وغيره فيما تقدم. وذلك حث منه عليه الصلاة والسلام أن يعاني المسلم أشد الأعمال إذا كان في ذلك غنى له. وأن لا يسأل الناس شيئًا، فإن ذلك خير له عند الله سبحانه وتعالى. وكيف وقد تيسرت أسباب الاكتساب التي أحلها الله عز وجل، وهي كثيرة. فينبغي للمسلم أن يلتفت إلى هذا الباب، ولا ينبغي أن يذل نفسه، ويذهب الحياء عن وجهه بالمسألة التي هي مذمومة في دين الله سبحانه وتعالى. وهكذا كذلك عباد الله مما ينبغي أن يعلم أن الأغنياء ينبغي عليهم كذلك أن يعطوا الفقراء، وأن يوصلوا لهم من حق الله الذي في أموالهم ما يغنيهم عن السؤال. وينبغي أن يتحروا ذوي الحاجات، وأن يبحث عنهم، فإنهم أولى من أن يعطي غيرهم ممن يسأل الناس. كما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم: «ليس المسكين الذي ترده اللقمة واللقمتان، ثم بيّن النبي صلى الله عليه وسلم أن المسكين الذي يتعفف، ولا يؤبه له». فينبغي أن يتفقد من أمثالهم أولًا. بل قال الله عز وجل: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾. فهؤلاء هم الذين ينبغي أن يتفقدوا، وأن يبحث عنهم، وهم الذين أولى بهذه الصدقات وهذه العطيات، لأنهم عندهم من العفة ما يمنعهم من سؤال الناس. ومع ذلك، فإذا جاء السائل وظهرت عليه آثار الصدق، فلا ينبغي أن يرد، وينبغي أن يعطى. فقد تبدأ بالصحيح من حديث عائشة رضي الله عنها أن امرأة مسكينة جاءتها ومعها ابنتان، فلم تجد عائشة في بيتها إلا ثلاث تمرات، أعطت كل واحدة تمرة. قالت عائشة: فأكلت كل بنت ما عندها من التمرة، فلما أرادت الأمة أن تأخذ ما عندها من التمرة، استطعمتها، قالت: فشقتها شقين، فأعطت كل واحدة منهما تمرة. قالت عائشة رضي الله عنها: فأعجبني شأنها، فأخبرت النبي صلى الله عليه وسلم بأمرها، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لقد أدخل الله الجنة بهذه التمرة، لقد أدخل الله الجنة بهذه التمرة». فرحمة أمثال هؤلاء كذلك يأمر بها ديننا، وديننا بين الغالي والجافي. وفي السنن، في إسناد صحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم، من حديث عمر بن شعيب، عن أبيه، عن جده، أنه قال عليه الصلاة والسلام: «الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء». وفي صحيح مسلم من حديث جرير بن عبد الله البجلي رضي الله عنه أن أقوامًا من الأعراب فقراء جاءوا إلى مسجد النبي صلى الله عليه وسلم، وعليهم أثر الفقر والفاقة، فنظر إليهم النبي صلى الله عليه وسلم، وأمر أصحابه بالصدقة لهم. بل إنه عليه الصلاة والسلام لامهم أنهم لم يبادروا بالصدقة قبل سؤالهم، لما رأى من شدة فقرهم وفاقتهم. وفي هذا دليل أنه ينبغي أن يعطى المحتاج إذا رئي من حاله ومما هو فيه، قبل أن يسأل الناس، فيغنيه عن السؤال. قال الراوي: فأتى رجل بصرة من ذهب، فوضعها بين يدي المال الذي جمع لهؤلاء، فتتابع الناس بصدقته. يعني: كانت صدقته سببًا لحث الناس على الصدقة. فعند ذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ومن سن سنة حسنة، فكان له أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة، لا ينقص ذلك من أجورهم شيئًا». وفي هذا الموضع لفتة ينبغي أن نقف عندها وقفة، وهي أن هذا الباب باب التعاون على البر والتقوى، الناس فيه طرفان ووسط. فإن من الناس من حسب أن فعل باب من باب التعاون على البر والتقوى هو باب من أبواب المسألة، وقد أخطأ خطأ عظيمًا. فهذا النبي صلى الله عليه وسلم حتى على الصدقة لهؤلاء، بل وبن مسجده صلى الله عليه وسلم بعد أن دعا أصحابه أن يتعاونوا في بنائه. وهكذا قام بأعمال كثيرة وعظيمة، وحث على الصدقة في مواضع كثيرة. ومن ذلك ما وقع يوم الخندق، وما وقع في غزوة تبوك، وما وقع في صلح الحديبية، مواضع كثيرة يحث النبي صلى الله عليه وسلم المسلمين على التعاون على البر والتقوى، وعلى الصدقة. حتى قال في عثمان بعدما أنفق ما أنفق: «ما ضر عثمان ما عمل بعد اليوم، ما ضر عثمان ما عمل بعد اليوم». لعظيم ما تصدق به بعد أن أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالصدقة. ولكن هذا الباب ينبغي أن يكون وفق الضوابط الشرعية والأمور المرعية التي نصت عليها نصوص شرعنا، حتى تحفظ الحقوق، ولا يتلاعب بها متلاعب، ولا يتسور عليها متسور، فيكون بذلك إخراجها عن خطها المستقيم وطريقها القويم الذي يكون به إيصالها إلى محلها التي ينبغي أن تكون. فإن من الناس من اتخذ باب التعاون على البر والتقوى والصدقات مهنة وتجارة، يأكل أموال الناس بالباطل، سواء أكان على مستوى الأفراد، أو كان على مستوى الجماعات، أو كان على مستوى الجمعيات، فكل ذلك مذموم بدين الله سبحانه وتعالى. وأما شيء يغبط بالضوابط الشرعية والقواعد المرعية التي جاءت في دين الله سبحانه وتعالى، فهذا لا يمنع منه الإسلام، بل ربنا سبحانه وتعالى يقول: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾. وفي مقابل هذا من يتوسع في هذا الباب توسعًا عظيمًا، حتى صارت هذه الطريقة مهنة لبعضهم، وهذا كذلك مذموم في دين الله سبحانه وتعالى. ودين الله بين الغالي والجافي، وقليل من يفقه ذلك ويفهمه. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يبصرنا بأمور شرعنا، وأن يعلمنا أمور ديننا، وأن يجعلنا هداة مهتدين، غير ضالين ولا مضلين. اللهم أصلح حالنا وحوال المسلمين بكل مكان، اللهم أصلح حال المسلمين في اليمن، وفي العراق، وسوريا، وليبيا، وأفغانستان، وبورما، وسائر بلاد المسلمين، يا رب العالمين. اللهم ادفع عنا البلاء ما ظهر منها وما بطن، اللهم أصلح أمتنا، ولاة أمورنا، واجعل ولايتك فيمن خافك واتقاك واتبع رضاك، يا رب العالمين. والحمد لله رب العالمين.