الخطبة بعنوان من فضائل عشر ذي الحجة، والتي كانت بدار الحديث بالفيوش 27 ذو القعدة 1444هـ الموافق 16 يونيو 2023م ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
العشر الأول من ذي الحجة أيام عظيمة للاجتهاد في الطاعات والقربات، وقد فضلها الله تعالى عن غيرها من الأيام. العمل الصالح فيها أحب إلى الله من الجهاد في سبيله.
يوم عرفة من أعظم أيام عشر ذي الحجة، وصيامه يكفر سنتين. الله عز وجل أكرم المسلمين في هذه العشر بأصناف الطاعات مثل الحج والصيام والأضحية.
يجب أن تكون الأضحية من بهيمة الأنعام وبسن معتبرة، ويحرم الأضحية بالعيوب مثل العوراء والمريضة. نية التقرب إلى الله مهمة في الأضحية.
دعاء لحفظ البلاد من المكر والبغي ودفع السوء عن المسلمين وطلب الهداية. يتضمن الدعاء طلبًا للحماية من كل مكروه والتوفيق للهداية.
من فضائل عشر ذي الحجة قال: «ما من أيام العمل الصالح فيهن أحب إلى الله من هذه الأيام العشر»، قالوا: ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: «ولا الجهاد في سبيل الله، إلا رجل خرج بنفسه وماله فلم يرجع من ذلك بشيء». وكما قال سبحانه: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾. ولا تقل: عشر ذي الحجة فضلًا وشرفًا ومنزلة عنها، فإن كان أنزل القرآن أول ما أنزل في العشر الأخير من رمضان، وكذلك آخر ما أنزل من القرآن كان في العشر الأول من ذي الحجة. وجاء في البخاري وغيره عن عمر رضي الله عنه أنه سأله يهودي عن قول الله عز وجل: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾، قال اليهودي: أما إنها لو نزلت فينا معشر اليهود لجعلنا يومها عيدًا -يعني لعظيم ما فيها من معاني جليلة امتن الله عز وجل بها على أهل هذا الدين- فقال عمر رضي الله عنه: أما إني أعلم متى أنزلت، وأين أنزلت، أنزلت في يوم عرفة في البلد الحرام -أو كما قال رضي الله عنه-. فإن من آخر ما أنزل على النبي صلى الله عليه وسلم من القرآن ما أنزل عليه لعشر ذي الحجة، وفي يوم عرفة خاصة. خطبة لفضيلة شيخنا العلامة أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي حفظه الله، كانت بتاريخ السابع والعشرين من شهر ذي القعدة لعام 1444 من الهجرة النبوية. سجلت هذه المادة في دار الحديث بالفيوش، حرسها الله. إن الحمد لله، نحمد الله تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته، ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون. يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالًا كثيرًا ونساءً، واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام، إن الله كان عليكم رقيبًا. يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولًا سديدًا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم، ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزًا عظيمًا. أما بعد، عباد الله، إن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدى هدى محمدٍ صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثةٍ بدعة، وكل بدعةٍ ضلالة، وكل ضلالةٍ في النار. أيها المسلمون، عباد الله، إن الله سبحانه وتعالى الكريم الرحيم أكرمنا جل وعلا بأن جعل لنا من مواسم الخيرات ومن مواضع الاجتهاد في الطاعات والقربات ما هو عونٌ لنا في الاستزادة من الحسنات وتكفير السيئات. ما هو عونٌ لنا نتزود فيه، فتكون لنا كالمحطات نتزود فيها بأصناف الطاعات والقربات مع الحسنات المضاعفات، وما يلحق ذلك من تكفير السيئات، فيكون لنا عونًا في إصلاح حالنا في هذه الدنيا، مع ما يكون من تقصيرنا وتفريطنا وضعفنا وفتورنا. وهذا من فضل الله سبحانه وتعالى. والله جل وعلا يخلق ما يشاء ويختار، فإنه سبحانه وتعالى خلق بمخلوقاته أنواع المخلوقات، واختار منها وفيها ما يشاء. وهكذا اختار سبحانه وتعالى أن تكون أيامًا من أيام هذه الدنيا مواضع اصطفاء، خصها الله عز وجل بأن جعلها مواسم عظيمة للاجتهاد في الطاعات والقربات. ومن ذلك هذه العشر، العشر الأول من ذي الحجة، جعلها الله عز وجل موسمًا عظيمًا من مواسم الطاعات والقربات والاجتهاد فيها. فقد جاء في البخاري وغيره عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «ما من أيام العمل الصالح فيهن أحب إلى الله من هذه الأيام العشر»، قالوا: ولا الجهاد في سبيل الله يا رسول الله؟ قال: «ولا الجهاد في سبيل الله، إلا رجل خرج بنفسه وماله فلم يرجع من ذلك بشيء». تأملوا هذا الحديث العظيم لتعلموا عظيم ما اكتنز الله عز وجل في هذه العشر، عشر ذي الحجة. هذه العشر التي ذكرها الله عز وجل في كتابه، فقد فسر العلماء من المفسرين وغيرهم قول الله عز وجل: ﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ﴾ أن الأيام المعلومات هي عشر ذي الحجة. وهكذا كذلك في قول الله عز وجل: ﴿وَالْفَجْرِ وَلَيَالٍ عَشْرٍ﴾ أنها العشر الأول من ذي الحجة. ولا تقل: هذه فضلًا وشرفًا وعظمة ومنزلة عن الأولى، فكلاهما لهما منزلة عظيمة عند الله. فالله عز وجل عظم العشر الأخير من رمضان، ومن عظمتها أن أنزل القرآن فيها، فإن أول ما أنزل القرآن في شهر رمضان وفي العشر منه وفي ليلة القدر، كما قال الله عز وجل: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾، وكما قال سبحانه: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ﴾، وكما قال سبحانه: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾. ولا تقل: عشر ذي الحجة فضلًا وشرفًا ومنزلة عنها، فإن كان أنزل القرآن أول ما أنزل في العشر الأخير من رمضان، فكذلك آخر ما أنزل من القرآن كان في العشر الأول من ذي الحجة. فجاء في البخاري وغيره عن عمر رضي الله عنه أنه سأله يهودي عن قول الله عز وجل: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾، قال اليهودي: أما إنها لو نزلت فينا معشر اليهود لجعلنا يومها عيدًا -يعني لعظيم ما فيها من معاني جليلة امتن الله عز وجل بها على أهل هذا الدين- فقال عمر رضي الله عنه: أما إني أعلم متى أنزلت، وأين أنزلت، أنزلت في يوم عرفة في البلد الحرام -أو كما قال رضي الله عنه-. فإن من آخر ما أنزل على النبي صلى الله عليه وسلم من القرآن ما أنزل عليه في عشر ذي الحجة، وفي يوم عرفة خاصة. هذا اليوم الذي يعتبر من أعظم أيام عشر ذي الحجة، فقد جاء في صحيح مسلم من حديث أبي قتادة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن صيام يوم عرفة، فقال: «احتسب على الله أن يكفر السنة الماضية والباقية». فإنه يدل ذلك على عظيم منزلتها وشرفها، ولهذا شرع لغير الحاج أن يصوم هذا اليوم، وأن الله عز وجل يكفر به سنتين كاملتين: السنة الماضية والسنة الباقية، فضلا منه سبحانه وتعالى ومنه. أيها المسلمون، عباد الله، إن الله عز وجل أكرمنا في هذه العشر بأصناف الطاعات والقربات، نجتهد فيها. وهكذا كذلك بغيرها من الطاعات والقربات. ومن ذلك أن شرع حج بيت الله الحرام في هذه العشر، فإن أول أعمال يوم الحج يكون يوم الثامن، وتنتهي أعمال يوم الحج كذلك في يوم الثالث عشر، فتكون هذه العشر قد ملئت بأصناف الطاعات والقربات لمن حج بيت الله الحرام. وهكذا كذلك من لم يوفق لحج بيت الله الحرام، فإنه شرع له من الطاعات والقربات ما يشارف فيه من وفقه الله عز وجل لحج بيت الله الحرام. قال الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى: «معنى كلامه: كان من كرم الله ورحمته ولطفه بخلقه أن جعل من لم يتيسر له الذهاب إلى الحج ومناسكه أن يشارك من ذهب بأعمال في هذه العشر». وهذا من فضل الله سبحانه وتعالى. ولهذا شرع صيام يوم عرفة الذي يكفر السنة الماضية والباقية لغير الحاج. وهكذا كذلك شرع الاجتهاد في الطاعات والقربات في هذه العشر، كما مر معنا في حديث ابن عباس: «فما من أيام العمل الصالح فيها أعظم وأحب وأفضل عند الله من هذه العشر». ومعناه: أن يحث المسلمون على الاجتهاد في الطاعات والقربات في هذه العشر، وأنها تضاعف، فإن الحسنات تضاعف بشرف الزمان والمكان. وهكذا كذلك جعل الله عز وجل فيها الأضحية لمن تيسر له، وهي نوع آخر من أنواع القربات التي تشرع في هذه العشر. جعلها الله عز وجل سببًا كذلك لأن يتنافس فيها المتنافسون. وقد ثبت بالصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم ضحى بكبشين سمينين أملحين عليه الصلاة والسلام. فمن تيسر له أن يضحي فليضحي اقتداءً بسنة إبراهيم عليه الصلاة والسلام، شكرًا لله عز وجل على ما أنعم به عليك من نعم كثيرة لا تعد ولا تحصى، واقتداءً بسنة إبراهيم عليه الصلاة والسلام ومن بعده من الأنبياء والمرسلين عليهم أفضل الصلاة والتسليم. ويكون لك فيها كذلك توسعة لنفسك وأهلك، ومن تيسر ممن تهدي أو تتصدق. وهذا من حكمة الله عز وجل في شرعية هذه الأضحية. وهكذا كذلك الطاعات الأخرى من الصيام لمن تيسر له. وقد اختلف أهل العلم في صيام العشر كاملة، فمن أهل العلم من قال: لا يصام العشر كاملة، لما ثبت في صحيح مسلم من حديث عائشة رضي الله عنها قالت: «ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصوم العشر قط». وفي رواية: «لم أره يصوم العشر». وجاء من حديث أم سلمة وحديث حفصة وبعض أزواج النبي صلى الله عليه وسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم صام تسعًا، وفي رواية: العشر -يعني إلا يوم العاشر- فهو يوم عيد فلا يصام فيه. وقد وجه العلماء الجمع بين هذه الأحاديث: أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يحافظ على صيام العشر كاملة، أو أنه كان في بعض الأعوام يصومها، وفي بعض الأعوام يترك منها، أو يتركها كل ذلك فعله عليه الصلاة والسلام. فنقلت عائشة ما علمت، ونقل غيرها ما علم. على أن بعض أهل العلم لهم كلام في لفظة حديث عائشة. وهكذا كذلك فيما جاء في حديث أم سلمة وحديث حفصة. لكن أقرب الأوجه هو ما سمعنا: الجمع بين الأدلة. ولعموم فضل الصيام، وفي هذه العشر يكون كذلك من باب أولى. فمن تيسر له أن يصوم من العشر فهو كذلك من الاجتهاد في الطاعات والقربات والتقرب إلى الله سبحانه وتعالى بمضاعفة الحسنات. فإن أبواب الحسنات تأتي من أبواب كثيرة: من الصلاة والصيام والصدقة والصلة والبر وغيرها من أبواب الطاعات والقربات. فلا تبخل على نفسك أيها المسلم في هذه العشر المباركات أن تجتهد بأصناف الطاعات والقربات، فكلها تضاعف، ويكون لها أجر عظيم، وكذلك جزاء جزيل عند الله سبحانه وتعالى. وقد سمعنا في حديث ابن عباس ما يدل على ذلك. وقد كان السلف من الصحابة والتابعين يجتهدون في هذه العشر ما لا يجتهدون في غيرها، فكان بعضهم يتفرغ في هذه العشر لعبادة الله وطاعته وقربته، كما يتفرغون لذلك في العشر الأخير من رمضان، لأنه موسم عظيم من مواسم الطاعات والقربات والاستزادة من الحسنات، واستغلال الطاعات في تكفير السيئات. فنسأل الله سبحانه وتعالى أن يوفقنا لطاعة ربنا، وأن يجعلنا هداة مهتدين. والحمد لله رب العالمين. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ولي الصالحين. وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، الصادق الأمين. أما بعد، عباد الله، وإن مما ينبغي أن ينبَّه عليه هنا: أنه شرع في هذه العشر لمن تيسرها -كما تقدم- لمن تيسر له أن يضحي، وهي سنة مؤكدة لمن تيسر له. فمن تيسر أن يضحي فليضحِ، وأهل البيت الواحد -ولو اختلفت الأسر فيه- وكان مطبخهم واحدًا تغنيهم أضحية واحدة. وإن تنوع واختلف مطبخهم، فلكل أسرة أضحية، كما جاء معناه عن عددٍ من الصحابة والتابعين، وعمومات الأدلة تدل عليه. وشروط الأضحية التي ينبغي أن تراعى -وخصوصًا أن الناس يتهيأون لشرائها في هذه الأيام- فينبغي أن يراعى في ذلك شروط هذه الأضحية التي لا تصح إلا بها. أولها: أن تكون من بهيمة الأنعام: الإبل والبقر والغنم. وثانيها: أن تكون في السن المعتبرة. وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم في صحيح مسلم من حديث جابر رضي الله عنه أنه قال: «لا تذبحوا إلا مسنة»، والمسنة: الثني. «إلا أن يتعسر ذلك عليكم، فإن الجذع من الضأن يجزئ -أو قال: يغني- عن ذلك». والمسنة من الإبل ما بلغ خمس سنين، ومن البقر ما بلغ سنتين، ومن الغنم: المعز والضأن ما بلغ سنة. ومن لم يتيسر له ووجد الجذع -وهو ما بلغ ستة أشهر- فإنه يجزئ، ما يجزئ ما كان سنة، لكنه شرط أن يكون من الضأن لا من المعز، كما صحت بذلك السنة عن النبي صلى الله عليه وسلم. وهكذا كذلك أيها المسلمون، عباد الله، ينبغي أن تجتنب العيوب التي تضر وتنقص هذه الأضحية. فقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم حين سئل عما يشرع من الضحايا أمر باجتناب ما فيه هذه الصفات الأربع. وفي رواية: «لا تجزي». وفي رواية: «أربع لا تجزئ في الأضاحي». فقال عليه الصلاة والسلام: «العوراء البين عورها، والمريضة البين مرضها، والعرجاء البين ضلعها، والعجفاء». وفي رواية: «الكبيرة التي لا تنقي». فهذه أربع صفات، فما كان مثلها أو كان بمعناها، فإنه مما لا يجوز التضحية به. فالعوراء البين عورها لا تجزئ، والعمياء من باب أولى. وأما إذا كان ليس بيّنًا شيئًا يسيرًا، فإنه لا يضر، والأفضل أن تكون من كامل الصفات. وهكذا المريضة البين مرضها -أي ظهر ذلك- فأثر على جسدها ومظهرها وقوتها، فهذه لا تجزئ. وأما إذا كان شيئًا يسيرًا فهو ليس بيّن، فهذا لا يضر، يجوز، ولكنه خلاف الأفضل والأكمل. وهكذا كذلك العرجاء البين ضلعها -أي كسرها- فهذه لا تجزئ. وأما إذا كان عرج يسير، فإنها تجزئ، وهو خلاف الأفضل والأكمل. وهكذا العجفاء -أي الضعيفة- أو الكبيرة -في السن- التي لا تنقي -لضعفها ولكبر سنها- فإنها لا تنفع، فعند ذلك لا تجزئ. فإذا كان كذلك فيجتنب، ويجتنب ما كان بمعناها أو أولى منها. وأما العيوب اليسيرة -كقصير القرن اليسير- أو ما كان بمعناه، فإنه لا يضر، من باب أولى. ولهذا قسم العلماء العيوب إلى ثلاثة أقسام: القسم الأول: يضر بالأضحية ولا تجزئ معها، وهي الأربع المذكورة وما كان بمعناها أو كان أولى منها. وقسم: ينافي كمالها، فالأفضل تركه، ويجوز إن لم يجد غيرها أو لم يتيسر. والثالث: لا يضر البتة ولا ينافي كمالها، وهي الأشياء اليسيرة التي لا يلتفت لمثلها. وينبغي أن نعلم معاشر المسلمين أن الله عز وجل شرع هذه الأضحية لأن تعبد الله عز وجل بها، كما قال الله سبحانه: ﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَقْوَى مِنْكُمْ﴾، المقصود هو الوصول إلى تقوى الله. ولذلك فاحرص على أن تشتري ما يقربك إلى الله سبحانه وتعالى، واحرص على أنه إن تيسر لك أن تصل بها إلى تقوى الله بأن تطعم منها كما أنك تطعم، فتتذكر الفقراء والمساكين والجيران والأقارب ممن يحتاجون لأن تهدي أو تتصدق عليهم، فإنه مما يوصل إلى تقوى الله سبحانه وتعالى. وفي الصحيح من حديث عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم ذبح شاة فتصدق بها كلها إلا الكتف، فقال لعائشة رضي الله عنها: «ما بقي منها؟» قالت: «لم يبق إلا كتفها». فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «بل بقيت كلها إلا كتفها». فبين عليه الصلاة والسلام أن ما أنفق العبد فإنه يبقى، وما أبقى فإنه يفنى. وهكذا ينبغي أن نقتدي به صلى الله عليه وعلى آله وسلم بأن يكون ما نخرج أكثر مما نبقي، إن كان في هذا سعة ولا ضرر على من في البيت. وإن كان من في البيت أحوج، فإنه يقدم، كما قال ذلك الرجل: «والله يا رسول الله ما بين لابتيها أهل بيت أفقر من أهل بيتي». فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «أطعمه أهلك». وكما قال عليه الصلاة والسلام: «فيما يجعل اللقمة في فم أهله له فيها أجر». وله فيها صدقة، فإن الصدقة على الأقربين صدقة وصلة، وأجرها أكبر. وإن كان الله قد وسع عليك فوسع على غيرك. وقد صح أن النبي صلى الله عليه وسلم ضحى بكبشين أملحين، وصح أنه ضحى ببقرة، وصح عنه عليه الصلاة والسلام أنه أهدى بمئة ناقة، عليه الصلاة والسلام نحر ثلاثًا وستين بيده، وأكمل من معه بالباقي، وجعلها عن نفسه وعن أمته عليه الصلاة والسلام مئة ناقة، ضحى بها النبي صلى الله عليه وسلم وأهداها إلى بيت الله الحرام توسعة للمسلمين والفقراء والمحتاجين. فمن وسع الله عز وجل عليه فليوسع على المسلمين، فإن من أبواب الصدقات والقربات في هذا الشهر التوسع بالأضاحي، فإنها أيام العشر. فينبغي أن يحرص على ذلك بشروطها وقيودها. ومن هذا كذلك من هذه الشروط: أن تكون في وقتها المشروع. ووقتها المشروع: من يوم العاشر إلى يوم الثالث عشر، ثلاثة أيام بعد يوم العيد، كلها أيام ذبح. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يفقهنا بمور شرعنا، وأن يبصرنا بمور ديننا، وأن يجعلنا هداة مهتدين. اللهم أصلح حوائجنا وحوائج المسلمين بكل مكان. اللهم أصلح حوائج المسلمين في اليمن والعراق وسوريا وليبيا وأفغانستان وأثيوبيا وسائر بلاد المسلمين يا رب العالمين. اللهم ادفع عنا الفتن ما ظهر منها وما بطن. اللهم أصلح أمتنا وولاة أمورنا، واجعل ولايتك في من خافك واتقاك واتبع رضاك. اللهم احفظ على بلادنا حدودها. اللهم احفظ جيوشنا. اللهم احفظ هذه البلاد من مكر الماكرين وبغي الباغين. اللهم ادفع عنا وعن المسلمين كل سوء ومكروه، واجعلنا هداة مهتدين. والحمد لله رب العالمين.