من حكم وأسرار الحج

الخطبة بعنوان من حكم وأسرار الحج، والتي كانت بدار الحديث بالفيوش 6 ذو القعدة 1444هـ الموافق 26 مايو 2023م ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

حكم وأسرار الحج ومقاصده

الحج يرد العبد إلى عبوديته لله ويغسل ذنوبه، وللحج أسرار وحكم عديدة لصلاح الإنسان. كما أنه يحمل حكمًا وأسرارًا منها التأسي بالأنبياء وتجديد الدين.

تتمة الكلام عن حكم وأسرار الحج

الحج يطهر البيت الحرام من الشركيات ويجمع المسلمين على التوحيد ويعزز التآخي بينهم. كما أنه يعزز الوحدة والقوة للأمة الإسلامية ويبني الإيمان ويطهر النفس.

دعاء ختامي للمغفرة والهداية

دعا الله تعالى أن يغفر للمسلمين الأحياء والأموات وأن يجعلنا هداة مهتدين. كما حمد الله على نعمه وطلب المغفرة والهداية للجميع.

التفريغ النصي الكامل

من حكم وأسرار الحج رداء وإزار يذكر نفسه ومن حوله افتقاره إلى ربه وخالقه وأنه لا يملك شيئًا من هذه الدنيا وأنه راجع إليه كما خرج وبدأ حياته في هذه الدنيا. كل هذا وغيره فيه من الحكم والأسرار، وفيه من أصناف ما يصلح الله عز وجل به الإنسان الشيء العظيم. قبل مبعث النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم عندهم من أنواع العبادات فيه ما يناهي دين الإسلام، ومن ذلك تلك الشركيات والوثنيات، فكان حول الكعبة أكثر من ثلاثمئة وستين صنمًا يعبد من دون الله عز وجل ومع الله، فكانوا يشركون بأقوالهم وأفعالهم وعباداتهم حتى في حجهم، ويزعمون أنهم يحجون لله سبحانه وتعالى. فشرع الله عز وجل حج أهل الإسلام على التوحيد الصافي الخالي من الشرك والوثنيات والخرافات والخزعبلات. خطبة لفضيلة شيخنا العلامة أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي حفظه الله، كانت بتاريخ السادس من شهر ذي القعدة لعام 1444 من الهجرة النبوية. سجلت هذه المادة في دار الحديث بالفيوش حرسها الله. إن الحمد لله، نحمد تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا. من يهديه الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله وصفيه وخليله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا ۞ يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾. أما بعد، عباد الله، إن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدى هدى محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. عباد الله، يقول الله عز وجل بكتابه الكريم: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾، حج بيت الله الحرام موضع من مواضع هذا الدين العظام، ركن من أركانه، وواجب من عظيم واجباته. شرعه الله سبحانه وتعالى لأسرار عديدة ولحكم كثيرة. والله سبحانه وتعالى إنما شرع لعباده أنواع العبادات وصنوف الطاعات والقربات ليصلح شأن هذا الإنسان في هذه الدنيا وفي الدار الآخرة. وهو الغني عن عباده سبحانه وتعالى، كما قال جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾. فالله سبحانه وتعالى غني عن عبادة العابدين وطاعة الطائعين، ولكنه سبحانه وتعالى خلق خلقه وشرع لهم من شرائعه ودينه ليصلحهم به بالدنيا وكذلك بالدار الآخرة. ومن ذلك أن من أعظم حكم وأسرار الحج أنه يرد هذا العبد إلى عبوديته لله رب العالمين بأقوال الحج الكثيرة وأفعاله العديدة التي كلها خضوع وذل لله سبحانه وتعالى، وتعبد وانكسار بين يديه، وتوبة وأوبة ورجوع إليه. توبة من الذنوب والمعاصي والسيئات، وانكسار بين يديه، واعتراف بالخطيئات، يرجع إلى ربه عبدًا ذليلًا منكسرًا يطلب عفو ربه الكريم ورحمة خالقه العظيم. يقف بين يديه داعيًا مهللًا مكبرًا، يقف بين يديه ساجدًا وراكعًا، يقف بين يديه وقد تخلى عن كل ما في هذه الدنيا، يلبس رداء وإزارًا يذكر نفسه ومن حوله بافتقاره إلى ربه وخالقه. أنه لا يملك شيئًا من هذه الدنيا، وأنه راجع إليه كما خرج وبدأ حياته في هذه الدنيا. كل هذا وغيره فيه من الحكم والأسرار، وفيه من أصناف ما يصلح الله عز وجل به الإنسان الشيء العظيم. يمر بأعمال الحج مرحلة مرحلة وخطوة خطوة، يحقق توحيد الله عز وجل بقوله: «لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك لا شريك لك». وهكذا يلبي ويدعو الله ويهلل ويكبر، وهو قادم إلى بيت الله الحرام، يتذكر سير الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام إلى بيت الله الحرام، موحدين متعبدين خاضعين في غاية من الذل والانكسار بين يديه سبحانه وتعالى. ومن حكم وأسرار الحج أن العبد يسافر ويرحل لله سبحانه وتعالى، فعند ذلك يتجرد قصده وتخلص عبادته خالصة لله عز وجل. ولهذا جاء في الحديث في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، قول النبي صلى الله عليه وسلم: «من حج لله فلم يرفت ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه». أي مخلصًا خالصًا لله سبحانه وتعالى، فيتعلم العبد إخلاص العبادة لله عز وجل، فيترك الملذات والشهوات ويفارق الأهل والأحباب، رحلة في سبيل الله متعبدًا لله عز وجل متقربًا إليه، يرجو ما عنده سبحانه وتعالى، يرجو تقواه ومغفرته سبحانه وتعالى ورحمته. حتى يرجع وقد غسل ذنوبه وخطاياه بما كان من إخلاصه وعبادته ورحلته وسيره إلى ربه وخالقه سبحانه وتعالى. وفي حديث ابن مسعود -وجاء معناه عن غيره في مسند الإمام أحمد وغيره بإسناد صحيح- قال النبي صلى الله عليه وسلم: «تابعوا بين الحج والعمرة، فإنهما ينفيان الذنوب والخطايا كما ينفي الكير خبث الحديد». فالحج والعمرة ينفيان الذنوب والخطايا كما ينفي الكير خبث الحديد. وهذا من حكم وأسرار الحج. ومن حكم وأسرار الحج أن العبد يرحل هذه الرحلة لله عز وجل، وهو يتأسى بالأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام كيف تعبدوا لله بهذه العبادة. فما من موضع من مواضع الحج إلا وكان فيه من أنبياء الله ورسله من أتى لله حجا وجاء متعبدًا لله سبحانه وتعالى. وصح عن النبي صلى الله عليه وسلم بصحيح مسلم قوله عليه الصلاة والسلام -كما جاء من حديث جابر-: «خذوا عني مناسككم»، فأمرهم بأخذ المناسك عنه عليه الصلاة والسلام. وأخبر عليه الصلاة والسلام أنه إنما استن بسنة الأنبياء والرسل من قبله، وسنة إبراهيم عليه الصلاة والسلام، فقال عليه الصلاة والسلام: «أثبتوا على مشاعركم، فإنكم على إرث أبيكم إبراهيم». وفيه من الحكم والأسرار رد الناس إلى الدين الحق الصراط المستقيم والدين القويم الذي بعث الله عز وجل به الأنبياء والمرسلين. إن الدين غير وبدل من قبل بعض أتباع الأنبياء والرسل، فهؤلاء اليهود غيروا وبدلوا بعد موسى عليه الصلاة والسلام، وهؤلاء النصارى -وهم أقرب الناس زمانًا بمبعث النبي صلى الله عليه وسلم- ومع ذلك غيروا وبدلوا بعد رفع عيسى عليه الصلاة والسلام. فجاء الله عز وجل بنبينا صلى الله عليه وسلم ليجدد للناس دينهم ويردهم إلى الحق والصواب الذي أراده الله عز وجل وتعبد به الناس. ولذلك كان الحج محرفًا قبل مبعث النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم عندهم من أنواع العبادات فيه ما يناهي دين الإسلام. ومن ذلك تلك الشركيات والوثنيات، فكان حول الكعبة أكثر من ثلاثمئة وستين صنمًا يعبد من دون الله عز وجل ومع الله، فكانوا يشركون بأقوالهم وأفعالهم وعباداتهم حتى في حجهم، ويزعمون أنهم يحجون لله سبحانه وتعالى. فشرع الله عز وجل حج أهل الإسلام على التوحيد الصافي الخالي من الشرك والوثنيات والخرافات والخزعبلات. فلما شرع الحج بالسنة التاسعة أرسل النبي صلى الله عليه وسلم أبا بكر يحج بالناس، وأمر عليًا رضي الله عنه أن ينادي بالناس: «ألا يحج البيت مشرك ولا عريان»، توطئة أن يطهر البيت وتصفى هذه الشعيرة من أنواع الشركيات والوثنيات والخرافات والسيئات. فلما كانت السنة العاشرة حج النبي صلى الله عليه وسلم وحج المسلمون معه، فكانوا قرابة مئة ألف، كلهم يهل لله عز وجل بالتوحيد، كما صحت بذلك الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم. فمنع المشركون من شركهم، وأهل الوثنيات من وثنياتهم، وأهل الخرافات من خرافاتهم، وأهل السيئات من سيئاتهم، وأهل البدع من بدعهم. كان من عادة العرب أنهم يحجون إذا كانوا ليسوا من أهل مكة عراة، زعمًا منهم أن لا يحجوا بملابس قد عصوا الله عز وجل فيها. فإن وجدوا من يعيرهم من أهل مكة، وإلا طافوا عراة الرجال والنساء. فجاء الإسلام بالنهي عن ذلك كله، وردهم على ما كان عليه إبراهيم عليه الصلاة والسلام. وهكذا في تفاصيل الحج كانوا لا يرون التمتع في وقت الحج، فشرع الله عز وجل لنبيه -وهو من سنة إبراهيم عليه الصلاة والسلام- التمتع في أشهر الحج. حتى عظم ذلك على الصحابة في أول الأمر، قالوا: «أي الحل يا رسول الله؟» قال: «الحل كله». أي كل شيء حتى النساء، ولم يكن ذلك مما تعودوا عليه. وهكذا كذلك كان من سنة أهل الجاهلية أنهم لا يخرجون -أي أهل مكة- من حدود الحرم، ويجعلون غير مكة يخرجون إلى عرفة. وهذا من الغلو والتعالي على الخلق، والتحريف والتبديل لسنة الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام في حج بيت الله الحرام. فلما حج النبي صلى الله عليه وسلم خرج إلى عرفة، موذنًا ومبينًا أنه حج الإسلام، وأنه سنة إبراهيم عليه الصلاة والسلام. وهكذا كذلك غيرها من المواضع الكثيرة التي فيها توحيد الله عز وجل واتباع سنة الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام. نسأل الله أن يبقينا بموجب شرعنا، وأن يبصرنا بموجب ديننا، وأن يجعلنا هداة مهتدين. والحمد لله رب العالمين، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ولي الصالحين، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، الصادق الأمين. أما بعد، عباد الله، وإن من حكم وأسرار الحج أن يجتمع المسلمون جميعًا بلباس واحد، وفي موضع واحد، لا فرق بين رئيس ومرؤوس، ولا فرق بين أعجمي وعربي، ولا فرق بين أسود وأبيض، الكل عبيد لله، فاضعين لله سبحانه وتعالى، مفتقرين إليه. ومن حكم وأسرار الحج حصول التآخي والتراحم، وولين الجانب والرفق فيما يكون في الحج وبين الحج. فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يزل ولا يزال يقول -كما جاء في حديث عائشة رضي الله عنها-: «ما كان الرفق في شيء إلا زانه، وما نزع من شيء إلا شانه». وكان ينهى عن الشدة في الحج والغلظة فيه. بل كان يفعله عليه الصلاة والسلام -أي الرفق- حتى مع دابته، فكان إذا وجد فرجة -أي في السير- نص -أي أسرع- بدابته قليلًا، وإذا وجد الناس مزدحمين شد على عنق راحلته، فجعلها تقف ولا تتقدم. عليه الصلاة والسلام. وهكذا قوله عليه الصلاة والسلام ونهيه وأمره في أمر الإضاعة -أي الشدة- وكذلك الجفاء. ومن ذلك ما يكون من اختلاط الناس بعضهم ببعض في هذا المجمع العظيم الذي فيه من الحكم والأسرار الشيء الكثير. فإن الناس يجتمعون من مشارق الأرض ومغاربها، يجتمعون لا لأحساب ولا لأنساب، ولا لأعراض ولا لأغراض، ولكن لله سبحانه وتعالى. وبه نعلم أن قوة هذه الأمة باجتماعها على دين الله عز وجل، لا بأي اعتبارات أخرى، لا اعتبارات مناطقية، ولا اعتبارات عرقية، ولا اعتبارات قبلية، ولا اعتبارات بالأحساب أو الأنساب أو غير ذلك. ولكن قوة هذه الأمة باجتماعها على دين الله عز وجل، وقوتها بقوتها مع الله عز وجل. كما قال الله سبحانه: ﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾. وكما قال الله عز وجل: ﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾، والخطاب لأهل الإيمان والإسلام. فالنزاع والخلاف لأي سبب من الأسباب المناطقية أو العرقية أو غير ذلك من الاعتبارات الأخرى سبب للضعف والفرقة وتسلط الأعداء علينا. تأملوا أيها المسلمون أمة الإسلام، أمة المليار، إذا اجتمعوا على دين الله عز وجل، عربها وعجمها، وأسودها وأبيضها، وطويلها وقصيرها، ورئيسها ومرؤوسها، ماذا يكون من القوة؟ وماذا يكون من المكنة؟ وماذا يكون كذلك من الخير؟ لا شك أنه شيء كثير. ومن حكم الله عز وجل أن الله عز وجل شرع للمسلمين أسبابًا لهذا الاجتماع، فجعل اجتماعًا صغيرًا في اليوم والليل خمس مرات، وهو ما يكون بين الرجال الأشداء الذين هم محل القوة، يجتمعون في المساجد. وأما من لم يأت للمساجد في الصلوات الخمس فهو مثل النساء والأطفال الذين هم ليسوا محل الشدة والقوة. وبه نعرف حكمة الله عز وجل في فرض صلاة الجماعة وجوبًا على الرجال دون النساء والأطفال، لأنهم هم محل القوة ومحل القرار ومحل كذلك الخير للمجتمع. وهكذا اجتماع آخر أكبر منه لأهل الأحياء المتقاربة يوم الجمعة، يجتمعون لا لأحساب ولا لأنساب، ولكن يجتمعون لله سبحانه وتعالى ولعبادة من عبادة الله. ثم يجتمعون اجتماعًا أعظم منه في السنة مرتين في العيد، في عيد الفطر وعيد الأضحى، يجتمع أهل المنطقة اجتماعًا أكبر من الاجتماعات السابقة، فيكون بينهم من الأخوة والتراحم والتواد وتوصل ما يكون سببًا في قوتهم واجتماعهم. وهكذا اجتماع أكبر منه يكون مرة في الحياة أو يكون مرات لمن وفقه الله عز وجل، وهو اجتماع حجيج بيت الله الحرام. حجيج بيت الله الحرام يجتمع المسلمون من بقاع الأرض جميعًا. ومن حكم وأسرار الحج، عباد الله، أن الله سبحانه وتعالى شرع لهذا العبد أصنافًا من الطاعات والقربات يبني بها إيمانه ويطهر قلبه وجوارحه وبنانه من الآثام والسيئات ومن علائق القلب وشوائبها. كل ذلك مرحلة مرحلة وخطوة خطوة، كما أنك تبني البيت لا تبنيه دفعة واحدة، فكذلك لا تبني الإيمان دفعة واحدة، ولا تطهر وتنفي شوائبه دفعة واحدة، ولكن بكل خطوة تخطوها في أنواع العبادات والقربات أنت بذلك تبني إيمانك وتعلو في دين الله عز وجل درجة درجة. كما قال سبحانه: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾. فأنت ترتقي في سلم الإسلام ودرجات الإيمان حتى ترتفع إلى الدرجات العلا. ومن ذلك هذا التهليل والتكبير وذكر الله عز وجل في الحج، وتلك العبادات والطاعات التي تتقرب بها لله عز وجل حتى تختم حجك برمي الجمار. ترمي معها ذنوبك وخطاياك، وتتذكر وقوف إبراهيم عليه الصلاة والسلام، وحين تعرض له الشيطان فرماه بتلك الجمرات، نقتدي بإبراهيم عليه الصلاة والسلام، ونتخلى عن كل ما ينافي عبادة الله عز وجل قولًا وفعلًا. ومن حكم وأسرار الحج أن الناس يجتمعون في مصالح دينية كثيرة، وكذلك في مصالح دنيوية. فإنهم يجتمعون للتشاور في أمورهم، ربما لا يتيسر لهم الاجتماع، وإذا تواعدوا لم يستطع الناس أن يجتمعوا. ولكن في الحج في عبادة وطاعة يأتي الناس رغبة في هذه العبادة. فعند ذلك يكون معها ما لا ينافي الحج من الاجتماعات التي تنفع المسلمين في سياستهم وفي اقتصادهم وفي تجاراتهم وفي أمورهم الاجتماعية والأخلاقية وغير ذلك. ولذلك لم يزل ولا يزال ممن تفتح به المسلمون اجتماعهم في مواضع الحج. فكانت الاجتماعات الكثيرة التي انتفع بها رؤساء بلاد الإسلام وساستها وقاداتها في اجتماعهم لهذه العبادة. وهكذا كذلك يجتمع علماؤها ويجتمع تجارها، فيكون لهم من المصالح الدينية والمصالح الدنيوية الشيء الكثير. كم رحل من العلماء إلى مكة ونهلوا من العلم واجتمعوا بعضهم ببعض؟ وكان من أسباب اجتماعهم اجتماعهم للحج في بيت الله الحرام وفي مواضعه تلك الشعيرة والعبادة. ومن حكم وأسرار الحج، عباد الله، أن الله سبحانه وتعالى جعل هذا الحج سببًا كذلك لمواساة الفقراء، وتعليم الأغنياء على العطاء. فإن الغني يبدل بماله بطريقه بسفره وفي رجوعه من سفره للحج. ومن ذلك ما يبدله من اللحوم التي تذبح لله سبحانه وتعالى لفقراء الحرم، وكذلك ما يرسل لمجاورها. كما قال الله سبحانه: ﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ﴾. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يوفقنا وإياكم لحج بيت الله الحرام، وأن يجعلنا وإياكم من عباده الصالحين الطائعين المتقين، وأن يجعلنا هداة مهتدين. اللهم أصلح المسلمين بكل مكان يا رب العالمين، اللهم أصلح المسلمين في اليمن وسوريا والعراق وسائر بلاد المسلمين يا رب العالمين. اللهم ادفع عنا الفتن ما ظهر منها وما بطن، اللهم ول علينا خيارنا، ولا تول علينا شرارنا، واجعل ولايتك في من خافك واتقاك واتبع رضاك يا رب العالمين. اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات الأحياء منهم والأموات، واجعلنا هداة مهتدين غير ضالين ولا مضلين. والحمد لله رب العالمين.