أهمية التفقه في الدين

أهمية التفقه في الدين

الخطبة بعنوان أهمية التفقه في الدين، ألقاها الشيخ عبدالرحمن بن مرعي العدني

أهمية التفقه في الدين ووجوب تلقي العلم من أهله

تؤكد الخطبة أن التفقه في الدين علامة لخيرية العبد وسعادته، مستشهدةً بالحديث النبوي، وتوضح أن العلم النافع يشمل العقيدة والعبادات والمعاملات والأخلاق، ويجب تعلمه من العلماء لا بالقراءة الذاتية فقط.

مثل الغيث والأرض: تفاوت الناس في تلقي العلم

يشبه النص العلم بالغيث النازل على أنواع الأرض: طيبة تثمر، وصلبة تحتفظ بالماء، وقيعان لا تحتفظ، مبيناً أن العلماء العاملون هم الأرض الطيبة، والحفاظ الناقلون هم الأرض الصلبة، والمعرضون هم القيعان.

فضل العالم على العابد ووجوب نشر العلم والتحذير من كتمانه

يؤكد المقطع تفوق العالم الداعي إلى الله على العابد المنقطع، مستدلاً بأحاديث تبرز فضل نشر العلم وخطورة كتمانه، ويحث طلاب العلم على التبليغ والصبر محذراً من تقاعس أهل الحق.

التفريغ النصي الكامل

موقع دار الحديث بالفيوش يقدم هذه المادة: أهمية التفقه في الدين، خطبة الجمعة لفضيلة شيخنا العلامة عبد الرحمن بن مرعي العدني رحمه الله تعالى. إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾. أما بعد، فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. أيها المسلمون، عباد الله، يقول الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿أَفَمَن يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾، ويقول الله: ﴿وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ هُوَ الْحَقَّ وَيَهْدِي إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾، ويقول الله تبارك وتعالى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾، ويقول الله عز وجل: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾. وهكذا أحاديث كثيرة عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في فضل هذه العبادة التي هي عبادة القلب وصلاة السر، وهو طلب العلم النافع، وبيان منزلته ورفيع درجته. فالله تبارك وتعالى جعل هذا العلم هدى ونوراً وبصيرة، بخلاف الجهل فإنه ضلال وظلمة وخسار. هذا العلم، عباد الله، الذي رغبنا الله عز وجل فيه وحثنا عليه ودعانا إليه في كتابه الكريم، وهكذا النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في سنته. هذا العلم الذي هو نور القلوب وزكاة النفوس وصلاح للجوارح، هذا العلم الذي يقود إلى تعظيم الله وإلى خشية الله تبارك وتعالى، هذا العلم الطريق المفضي إلى أعظم سلعة وأغلى سلعة وأعظم أمنية، ألا وهي جنة الله تبارك وتعالى. فلذلك، عباد الله، فنحن في أمس الحاجة في هذا الزمن الذي قل فيه العلماء وكثر فيه الأدعياء، وعظمت فيه الفتن والمحن والبلايا والشهوات والشبهات، نحن في أمس الحاجة إلى الاهتمام بعلم الشرع، علم القرآن والسنة، في الوقت الذي يتدافع فيه كثير من الناس ويتسابكون ويهرولون إلى تحصيل هذه العلوم الدنيوية التي هي علوم معاشية لأجل البطون والأجسام والفروج، لا يستحق أصحابها مدحاً ولا ذمة. بل قال الله عز وجل نافياً عنهم العلم: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ * يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِّنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ﴾. وهكذا ذمهم الله عز وجل فقال: ﴿بَلْ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِّنْهَا بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ﴾. نعم، عباد الله، فلذلك فنحن جميعاً في أمس الحاجة للقيام بتلكم الوظيفة وأداء تلكم المهمة، ألا وهي عبادة الله سبحانه وتعالى. في أمس الحاجة إلى أن نتعلم ديننا، فإننا لا نستطيع أن نقوم بما لأجله خلقنا الله تبارك وتعالى في قوله: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾. لا نستطيع أن نقوم بعبادة الله التي هي شرف لنا وعز لنا وسعادة وغنيمة وفوز وفلاح في الدنيا والآخرة إلا من طريق العلم النافع. لا نستطيع أن نعبد الله بأهوائنا ولا بعقولنا ولا بأذواقنا واستحساناتنا، وإنما أرسل الله الرسل وأنزل عليهم الكتب وجعلهم مبشرين ومنذرين ليرسموا لنا الطريق وليدلوا على أعظم سبيل. فمن هنا، عباد الله، يظهر أهمية العلم النافع الذي من رزقه الله إياه فاز بسعادة الدنيا والآخرة. العلم النافع المشتمل على العلم والعمل، هذا الذي ينتفع به الإنسان، وهذا الذي ينور به ربنا تبارك وتعالى القلوب، وهذا الذي يصلح به ربنا عز وجل المجتمعات. بهذا العلم النافع، وفي هذا يقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كما في الصحيح من حديث معاوية: «مَن يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ». مَن يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ. فعلامة الخيرية للأمة وللدولة وللجماعة والأسرة وللفرد والمجتمع أن يتفقه في دين الله تبارك وتعالى. مَن يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ، فهذا دليل الخيرية، وهذا علامة السعادة. مَن يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ، فإن الأمور بأسبابها، فمن وقف على سبب الخير فإنه يهدى إليه، ومن حرم من سبب الخير فإنه يحرم الخير. مَن يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ. نعم، عباد الله، نحن في أمس الحاجة إلى أن نعبد الله على بصيرة، وإلى أن نكون على بينة، وإلى أن نتفقه في الدين. مَن يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ. الدين هو كتاب الله، والدين هو سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، الدين هو ما بعث الله عز وجل به نبيه صلى الله عليه وسلم من هذا الهدى وهذا الخير وهذه الأحكام وهذه الواجبات وهذه الفرائض. مَن يُرِيدُ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ. يفقه في الدين يشمل أمور العقيدة، ويشمل أمور العبادة، ويشمل أمور المعاملة، ويشمل أمور الأخلاق والآداب. مَن يُرِيدُ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ، فالمسلم بحاجة إلى أن يتعرف على عقيدته، يتعرف على أنواع التوحيد وأقسامه، ويتعرف على أنواع الشرك وأقسامه، يكون على عقيدة سليمة وصافية، لأنه يمشي في ظلمة وفي جهل وفي عمياء وغواية، لا يميز بين توحيد وشرك، ولا يميز بين صواب وخطأ. مَن يُرِيدُ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ، يتعلم أمور العقيدة التي هي الأساس للبناء، والتي هي أساس القبول للأعمال. وكذلك يتعلم أمور العبادة، لا سيما في أركان الإسلام، يتعلم أحكام الصلاة وأحكام الزكاة وأحكام الصوم والحد وسائر العبادات. كيف تصلي؟ ما هي الواجبات؟ ما هي الأركان؟ ما هي المستحبات؟ ما هي النواقض لهذه الطهارة؟ أو كيف تتطهر؟ ما هي نواقض الطهارة؟ وما هي مبطلات الصلاة؟ وما هي الأمور المحرمة؟ وما هي الأمور المكروهة؟ أنت قد خاطبك النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي». كيف تصلي كما صلى؟ هل بالتقليد؟ هل بالتبعية العمياء؟ أم بالتعلم والتفقه؟ وكذلك في شأن الزكاة لأهل الأموال، وكذلك في شأن الصوم: ما هو الصوم؟ ما هي آدابه؟ ما هي واجباته؟ ما هي مبطلاته؟ وكذلك الحج، كثيراً من الناس يكتفي أن يمشي إلى مكة ويسير مع السائرين ويرجع مع الراجعين ويقول: قد حججت بيت الله سبحانه وتعالى، والله أعلم هل تقبل الله منه حجة؟ هل تمت حجة وصحت؟ لأن جمهور المسلمين لا يفقهون دينهم ولا يتعلمونه. وهكذا رب شخص أو امرأة يصلي أربعين سنة صلاة قد أخل بأركانها ولم يعرف واجباتها ويقع في شيء من نواقضها إلى أن يتوفاه الله سبحانه وتعالى. والنبي صلى الله عليه وسلم كما تعرفون قال لذلكم الرجل الذي جاء ودخل المسجد وصلى صلاة لا يطمئن فيها: «ارْجِعْ فَصَلِّ فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ». مَن يُرِيدُ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ، يحتاج أن يتعلم أحكام المعاملات، يعرف حقوق الله ويعرف حقوق الناس، ويعرف كيف يبيع ويشتري، يعرف الأخلاق والآداب، ويعرف الحقوق التي للوالدين، التي للزوجة، التي للأولاد، كيف يعلمهم، كيف يربيهم، كيف يتحمل المسؤولية ويؤدي الأمانة. فهذا حديث عظيم: مَن يُرِيدُ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ، يفقه في علم الكتاب والسنة، لا في علم الحساب، ولا في علم الهندسة، ولا في علم الطب والكيمياء والتاريخ والجغرافيا، ولا في علم الزراعة والصناعة والعسكرة، ولا في هذه العلوم الدنيوية، وإنما مَن أَرَادَ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا فَقَّهَهُ فِي الدِّينِ، ومَن فُقِّهَ فِي دِينِ اللَّهِ كَانَ دَلِيلًا وَعَلَامَةً عَلَى أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَرَادَ بِهِ خَيْرًا. نعم، عباد الله، ليست كل العلوم محموداً تعلمها، فمن العلوم ما لا يدني منها أصحابها إلا الشك والارتياب في دين الله سبحانه وتعالى، تتزلزل الأقدام وتهتز العقيدة، ويحصل الشك والارتياب، ويطمع في الدنيا ويزهد في الآخرة. قال الله عز وجل: ﴿بَلْ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ﴾، لهم علم لكنه علم مذموم، علم لا يتجاوز هذه الدنيا ولا يتجاوز هذه المادة، أما ما وراء الدنيا وما وراء هذه الحياة فإنهم يخفقون ويفشلون. ويقول الله عز وجل: ﴿فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِندَهُم مِّنَ الْعِلْمِ﴾، عندهم علم لكن لا ينفع. ويقول الله في شأن السحر: ﴿وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنفَعُهُمْ﴾. ويقول عليه الصلاة والسلام: «مَنِ اقْتَطَفَ شُعْبَةً مِنَ النُّجُومِ فَقَدِ اقْتَطَفَ شُعْبَةً مِنَ السِّحْرِ، زَادَ مَا زَادَ». فهكذا يحرص المسلم على أن يتعلم دينه، فهو السبيل والوسيلة إلى أداء ما أوجب الله تبارك وتعالى في جميع حياته، من أن يستيقظ إلى أن ينام، من أول حياته إلى آخرها. وكذلك، عباد الله، يقول النبي صلى الله عليه وسلم كما في مسلم من حديث أبي هريرة: «وَمَا اجْتَمَعَ قَوْمٌ فِي بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِ اللَّهِ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَيَتَدَارَسُونَهُ بَيْنَهُمْ إِلَّا نَزَلَتْ عَلَيْهِمُ السَّكِينَةُ وَغَشِيَتْهُمُ الرَّحْمَةُ وَحَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ وَذَكَرَهُمُ اللَّهُ فِيمَنْ عِندَهُ». مجتمع قوم في بيت من بيوت الله، انظروا إلى شرف هذه البقاء وفضيلة هذه الأماكن، في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه. بيوت الله سبحانه وتعالى بركة إلهية في التعلم فيها والاجتماع فيها والمسارعة والحضور فيها. مجتمع قوم في بيت من بيوت الله، فضيلة التعلم في المساجد، يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم. ليس الذكر مقصوراً على التسبيح والتحميد والتهليل والتكبير، لا، الذكر أشمل من هذا، فقراءة كتاب الله وتعلمه وتفهمه وتدبر معانيه هذا من أعظم الذكر. قراءة أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وتعلمها وتفهم معانيها والاستنباط الأحكام والفوائد التي فيها هذا من أعظم الذكر. تعلم العقيدة والتفسير والفقه والفرائض والحديث والعلوم الآلية التي تعين على فهم القرآن والسنة، هذا أيضاً من الذكر. وَمَنِ اجْتَمَعَ قَوْمٌ فِي بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِ اللَّهِ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَيَتَدَارَسُونَهُ بَيْنَهُمْ إِلَّا حَرَوْا بِهَذِهِ الْفَضَائِلِ وَهَذِهِ الْمَزَايَا، إِلَّا نَزَلَتْ عَلَيْهِمُ السَّكِينَةُ وَغَشِيَتْهُمُ الرَّحْمَةُ وَحَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ وَذَكَرَهُمُ اللَّهُ فِيمَنْ عِندَهُ. هذا الحديث فيه إشارة إلى أن العلم لا يؤخذ بالخمول والكسل، ولا يؤخذ من طريق القراءة في البيوت والمطالعة في الكتب، إنما العلم، عباد الله، يؤخذ من بابه ويؤخذ عن أهله، كما كان دأب سلفنا الصالح، فإنهم تعلموا وسافروا وجاعوا وعطشوا وبذلوا وسهروا في سبيل تحصيل العلم. إذا قرأت في تراجم بعض العلماء تجد أن بعض العلماء له خمسمائة شيخ، وهذا له ألف شيخ، وهذا له ألوف شيخ، وبعضهم ذكروا في ترجمته أن له ثلاثة آلاف شيخ. هذا فيه رد على الذين يقبعون في البيوت وينزوون في المكاتب لعقل المطالعة والقراءة، ثم يخرجون بعد فترة وإذا هم مرشدون، وإذا هم موجهون، وإذا هم معلمون. أين تعلموا وأين درسوا؟ من أين تخرجوا؟ هذه ليست طريقة الأنبياء، وليست طريقة سلف هذه الأمة من الصحابة والتابعين. العلم لا يأخذ، عباد الله، من طريق المطالعة والقراءة في الكتب، لا شك أن المطالعة والقراءة فيها خير كثير لكن بعد التحصيل والتأصيل، فإن من حرم الأصول منع الوصول. وكما قال بعض العلماء: أعظم البلية تشييف الصحيفة. وفي هذا يقول جماعة من السلف: لا تأخذ العلم أو القرآن عن مصحفي، ولا العلم عن صحفي. ويقول الإمام الشافعي رحمه الله: «مَنْ أَخَذَ الْعِلْمَ مِنْ بُطُونِ الْكُتُبِ ضَيَّعَ الْأَحْكَامَ». وفي هذا يقول القائل: وَمَنْ لَمْ يُشَافِهْ عَالِمًا بِأُصُولِهِ فَيَقِينُهُ فِي الْمُشْكِلَاتِ ظُنُونُهُ نعم، عباد الله، ينبغي العناية بجثو الركب والصبر والمصابرة في حلق العلم، والسعي والمسافرة والبذل والتحمية في سبيل تحصيل العلم النافع. هذه سبيل العلماء وهذا هدي السلف، وإلا لماذا أقيمت الحلقات ولماذا سعى الناس وتركوا دنياهم؟ فلذلك، عباد الله، يقول النبي صلى الله عليه وسلم كما في مسلم من حديث أبي هريرة: «مَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَلْتَمِسُ فِيهِ عِلْمًا سَهَّلَ اللَّهُ لَهُ بِهِ طَرِيقًا إِلَى الْجَنَّةِ». مَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَلْتَمِسُ فِيهِ عِلْمًا، هذا يدل على أنه يسعى، وعلى أنه يسافر، وعلى أنه يبذل، وعلى أنه يصبر ويصابر، وعلى أنه يجلس ويمكث ويستمر في طلب العلم عند أهله. هذه الطريقة المطلوبة من الجميع أن يتعلموا وأن يصبروا وأن يذلوا أنفسهم عند المعلمين والمدرسين. مَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَلْتَمِسُ فِيهِ عِلْمًا سَهَّلَ اللَّهُ لَهُ بِهِ طَرِيقًا إِلَى الْجَنَّةِ. فضيلة عظيمة للعلم النافع أنه من الطرق المفضية إلى الجنة، ليس تحصيل العلم مضيعة ولا دروشة، يتخرج يصير درويشاً أو راعياً. لو لم يكن في فضيلة العلم إلا أنه يقود إلى الجنة لكفى به شرفاً. وَمَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَلْتَمِسُ فِيهِ عِلْمًا سَهَّلَ اللَّهُ لَهُ بِهِ طَرِيقًا إِلَى الْجَنَّةِ. ويقول النبي صلى الله عليه وسلم مبيناً أحوال الناس كما في الصحيحين من حديث أبي موسى الأشعري: «مَثَلُ مَا بَعَثَنِي اللَّهُ بِهِ مِنَ الْهُدَى وَالْعِلْمِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَصَابَ أَرْضًا، فَكَانَتْ مِنْهَا طَائِفَةٌ طَيِّبَةٌ قَبِلَتِ الْمَاءَ فَأَنْبَتَتِ الْكَلَأَ وَالْعُشْبَ الْكَثِيرَ، وَكَانَتْ مِنْهَا أَجَادِبُ أَمْسَكَتِ الْمَاءَ فَنَفَعَ اللَّهُ بِهَا النَّاسَ فَشَرِبُوا وَزَرَعُوا، وَكَانَتْ طَائِفَةٌ أُخْرَى إِنَّمَا هِيَ قِيعَانُ لَا تُمْسِكُ مَاءً وَلَا تُنْبِتُ كَلَأًا. فَذَلِكَ مَثَلُ مَنْ نَفَعَهُ اللَّهُ بِمَا بَعَثَنِي بِهِ مِنَ الْعِلْمِ وَالْهُدَى فَعَلِمَ وَعَلَّمَ، وَمَثَلُ مَنْ لَمْ يَرْفَعْ بِذَلِكَ رَأْسًا وَلَمْ يَقْبَلْ هُدَى اللَّهِ الَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ». انظروا إلى هذا الحديث العظيم، عباد الله، الذي فيه تشبيه العلم والوحي بالغيث والمطر، وتشبيه الناس بالأرض. مثل العلم كمثل الغيث النازل من السماء وهو صافٍ نقي، ومثل الناس كمثل أحوال الأرض، الأرض تتفاوت وتختلف، وهكذا الناس يتفاوتون ويختلفون. أما الغيث فهو غيث صافٍ من السماء، مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل غيث أصاب أرضاً، فكان منها طائفة طيبة، هذا القسم الأول. القسم الأول: الأرض الطيبة الخصبة التي تنتظر مجيء المطر ومجيء السيول، فإذا ما جاء المطر فإنها تنتعش وتخضر وتخرج من الحنطة والزروع والثمار الذي ينتفع به الناس والدواب والأنعام. كمثل: فَكَانَتْ مِنْهَا طَائِفَةٌ طَيِّبَةٌ قَبِلَتِ الْمَاءَ فَأَنْبَتَتِ الْكَلَأَ وَالْعُشْبَ الْكَثِيرَ. هذا القسم الأول: أرض خصبة إذا جاء الغيث من السماء شربت، أو شربت هذا الماء، انتفعت في نفسها، شربت هذا الماء ثم أخرجت الزهور والثمار والحنطة، ويعني ما يحتاج إليه الناس والأنعام. هذا مثل العلماء الذين حفظوا النصوص وفجروا العيون والينابيع واستنبطوا الأحكام واستخرجوا الفوائد والآداب التي في هذه النصوص. هؤلاء العلماء الذين يسمون بعلماء الرواية وعلماء الدراية: علماء الرواية الذين يحفظون النصوص، وعلماء الدراية الذين يفهمون معاني هذه النصوص ويتفقهون في معاني هذه النصوص. مثلهم كمثل هذه الأرض تنتفع في نفسها ثم ينتفع بها غيرها. سهروا لأجل حفظ هذه النصوص وتعبوا لأجل تحصيلها، ثم رزقوا العلم والفهم والذكاء فاستنبطوا واستخرجوا وأفادوا وأفادوا غيرهم، استفادوا وأفادوا. هذا القسم الأول. القسم الثاني: الذين حفظوا النصوص ولم يكن عندهم من الأهلية والكفاءة على تفهم معاني هذه النصوص، وهؤلاء الذين يسمون بعلماء الرواية، حفاظ الحديث الذين قطعوا المسافات وسهروا الليالي وجاعوا لأجل جمع حديث رسول الله ولأجل تنقيته والدفاع عن حديث رسول الله، ميزوا بين الصحيح والضعيف، بين الغث والسمين، وبلغوا هذه الأحاديث. هذا مثلهم كمثل الأرض التي عبارة عن حفر وهي صلبة لا تشرب الماء، فإذا جاء الغيث من السماء فإن هذه الحفر تحفظ الماء، لا يذهب الماء سدى، وإنما ينزل على هذه الحفر فتكون قيعاناً وتكون يعني لا تكون... تكون مجمعاً للماء. فبعد انتهاء المطر يأتي الناس وقد رأوا البرك الكثيرة يأخذون لأجل شربهم ويأخذون لأجل مزارعهم ويأخذون لأجل دوابهم. أما هو فمن فسر هذا القسم الثاني بأنهم الذين رزقوا العلم ولم يرزقوا العمل، فينتفع بهذا العلم غيرهم وهم لا ينتفعون في أنفسهم، مثل الأرض الصلبة التي فيها حفر يأتي المطر فتحفظ هذا الماء للناس وهي لا تنتفع في نفسها، بمعنى لا تشرب هذا الماء، فيكونون في الشموع التي تحرق نفسها لتضيء لغيرها. أما القسم الثالث فهم لا علم ولا حفظ ولا فهم ولا دراية ولا فقه لهذه النصوص، مثل القيعان. القيعان، عباد الله، هي الأرض الصلبة المستوية، يسمى قاعاً، يسمى هذا الأرض قاعاً، أرض قوية وصلبة ومستوية. إذا جاءت السيول وجاءت الأمطار الغزيرة التي تستمر أياماً أو أشهراً، بعد انقطاع المطر تنظر ولا تجد قطرة من الماء، لأنها عبارة عن أرض قوية صلبة وليس فيها حفر، تأتي الكميات الكبيرة من المياه ثم لا تبقى، لم تشرب من هذا الماء ولم تحفظ هذا الماء. هذا مثل المعرضين عن الاستفادة بما بعث الله عز وجل به نبيه صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فهذا الحديث فيه فضل العلماء وطلاب العلم والراغبين في الخير، فنسأل الله تبارك وتعالى أن يجعلنا وإياكم منهم. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، فإن الحديث، عباد الله، عن العلم ذو شجون ويطول الكلام فيه، لكن نقتصر على شيء منه. فقد كما سمعتم، عباد الله، سمعتم شيئاً من فضل العلم وأهله، وأن الله سبحانه وتعالى كما في قوله عز وجل: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾، رفعة في الدنيا ورفعة في الآخرة. يرفع الله الذين آمنوا منكم، لا يكفي العلم وكثرة المحفوظات والتوسع، لكن يحتاج طالب العلم أن يهتدي بهذا العلم وأن ينتفع بهذا العلم. يرفع الله الذين آمنوا منكم، أما مع الفسوق والفجور والضلال والانحراف والبدع والأهواء، يكون العلم حجة ووبالاً على أصحابه. يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات، لم يذكر الله سبحانه وتعالى مقدار هذه الدرجات لأن العلماء متفاوتون في هذه الدرجات بحسب تفاوتهم في العلم والعمل. فمن كمل أو قارب في العلم والعمل، ولا يوجد الكمال في يعني العلماء دون الأنبياء، لكن من قطع شوطاً في علمه ومن قطع شوطاً في العمل فإن الله سبحانه وتعالى يرفعه درجات عالية، ومن كان دون ذلك في علم أو عمل فإنه يرفع ولكن أقل من الذي قبله. وفي هذا كما سمعتم يقول الله: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾، فلا يستوي طالب العلم وذلك من المعرض والجاهل. في هذا يقول الله: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾، ويقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ اللَّهَ لَا يَرْفَعُ بِهَذَا الْكِتَابِ أَقْوَامًا وَيَضَعُ بِهِ آخَرِينَ». بقي، عباد الله، ونحن بين طلاب علم، أن طالب العلم عليه مسؤولية في تحصيل العلم، وعليه مهمة في العمل بهذا العلم، وتبقى أيضاً أمانة ورسالة وهي تبليغ هذا العلم. فطالب العلم يتحمل المسؤولية بتعلمه للعلم، ليس المقصود فقط والقلوب فقط أن تتعلم العلم ثم تبقى حبيسة في بيتك أو منقطعاً إلى مكتبتك، أو يبقى العلم في صدرك بدون نشر ولا تبليغ ودعوة إليه، بل المطلوب على طالب العلم أنه يبلغ هذا العلم وينشر هذا العلم. ولو قام طلاب العلم بما أوجب الله عز وجل عليه من المهمة وقاموا بهذه الأمانة لحصل خير كثير في المجتمعات. يقول الله عز وجل: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَائِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾. وما كان المؤمنون لينفروا كافة، فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة، لماذا؟ ليتفقهوا في الدين. هل المطلوب فقط التفقه في الدين ثم يبقى حبيس البيت إلى أن يتوفاه الله؟ قال: ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون. هنيئاً لك يا طالب العلم الذي وفقك الله لتحصيل العلم، بقيت ثلاث سنوات أو خمس سنوات أو عشر سنوات، ثم رجعت معلماً وداعياً ومرشداً ومنقذاً لأسرتك ولأهل قريتك ولعشيرتك وقبيلتك وأحبابك وأسرتك. ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون. ومن هنا يظهر فضيلة العلماء على العباد، لماذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: «فَضْلُ الْعَالِمِ عَلَى الْعَابِدِ كَفَضْلِ الْقَمَرِ عَلَى سَائِرِ الْكَوَاكِبِ»؟ لماذا فضل العلماء على العباد؟ لأن العباد خيرهم مقصور عليهم، يتعبد يصوم ويصلي ويبكي ويخشع ويتهجد، لكن هو في بيته في ظلمة الليل، حريص على الإخلاص، لا يطلع على عمله أحد. فكان العالم أفضل بدرجات لهذا العابد، لأن العالم خيره لم يكن مقصوراً عليه، بل انتفع في نفسه ونفع غيره وبلغ هذا العلم. هل يستوي الذي يبلغ العلم وينشر الهدى والخير ويدل الناس على هدي المصطفى ويرغب الناس في التمسك بالقرآن والسنة، وبين ذلكم العابد الذي هو في شعب، أو الذي هو في قصر، أو الذي هو في خيمة، أو الذي هو في قرية أو مدينة، أو الذي هو في بادية؟ يعني لا، بعضهم من العباد لا يطلع على أعمالهم إلا الله سبحانه وتعالى، ينتفع، ولعل أسرة تنتفع بعبادته، ويحفظ الله عز وجل عليه أسرته، لكن هل يستويان؟ هذا العالم الذي تعب في تحصيل العلم ووفقه الله للعمل به ووفقه الله لبثه ونشره، لا يستويان. وفي هذا تذكروا قول النبي صلى الله عليه وسلم: «فَضْلُ الْعَالِمِ عَلَى الْعَابِدِ كَفَضْلِ الْقَمَرِ عَلَى سَائِرِ الْكَوَاكِبِ». ويقول النبي صلى الله عليه وسلم: «بَلِّغُوا عَنِّي وَلَوْ آيَةً، وَحَدِّثُوا عَنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَا حَرَجَ». ويقول النبي صلى الله عليه وسلم: «نَضَّرَ اللَّهُ امْرَأً سَمِعَ مِنَّا حَدِيثًا فَبَلَّغَهُ كَمَا سَمِعَ، فَرُبَّ مُبَلَّغٍ أَوْعَى مِنْ سَامِعٍ». ويقول النبي صلى الله عليه وسلم: «أَلَا هَلْ بَلَّغْتُ، اللَّهُمَّ فَاشْهَدْ». ويقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «مَنْ كَتَمَ عِلْمًا أَلْجَمَهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِلِجَامٍ مِنْ نَارٍ»، رواه الحاكم، الحديث عن عبد الله بن عمر بن العاص. ويقول عليه الصلاة والسلام: «مَنْ سُئِلَ عَنْ عِلْمٍ فَكَتَمَهُ أَلْجَمَهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِلِجَامٍ مِنْ نَارٍ»، رواه أبو داود والترمذي وغيرهم من حديث أبي هريرة. فأنت عليك مسؤولية عظيمة يا طالب العلم، أن تحصل العلم، وأن تسأل الله العون على الإخلاص فيه، وأن تسأل الله العون على العمل به، وأن تسأل الله العون على بثه ونشره، وأن تحذر من كتمانه، فإنه من صفات بني إسرائيل، وهم قوم قد ذمهم الله ولعنهم ومقتهم، فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِن بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ * إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾. ويقول الله عز وجل: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ﴾. احذر من الكتمان، بل عليك أن تبلغ، وأن تستعين بالله. في خلق أفعال العباد للإمام البخاري من حديث مالك بن نخلة قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «أَتَتْنِي رِسَالَةٌ مِنْ رَبِّي فَضَقْتُ بِهَا ذَرْعًا وَعَلِمْتُ أَنَّ النَّاسَ سَيُكَذِّبُونَنِي، فَقِيلَ لِي: لِتَفْعَلَنَّ أَوْ لَيُفْعَلَنَّ بِكَ». فهذه مسؤولية وأمانة، أنت ستسأل عن علمك ماذا عملت فيه. فاستعن بالله يا طالب العلم على بث العلم ونشره، واحرص على هداية الناس، فهذه مسؤولية ملقاة على عواتق طلاب العلم. القرى بحاجة، والمدن بحاجة، والبوادي بحاجة، وأهل الشر وأدعياء الفساد وأدعياء الفتن يحرصون في الصباح والمساء على نشر باطلهم ونشر عفلهم، طبلوا وزمروا وعملوا الدعايات لهذه الأباطيل ولهذه الخرافات والبدع والشركيات ولهذه الكفريات، وكثير من أهل الحق والعلم متقاعسون ومتكاسلون في نشر العلم. فاحرص إذا رجعت إلى بلدك أن تفتح درساً وأن تقوم بالخطابة وأن تقوم بالتعليم وأن تقوم بالتحلق في بيوت الله سبحانه وتعالى، في الوقت الذي ينشغل كثير من الناس بالفضائيات والمجلات والجرائد والدنيا وحطامها. فأنت احرص على أن تقوم بالواجب، وإن نفر الناس فإن الثمر ستأتي. استعن بالله واصبر وصابر، والله عز وجل يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾. أسأل الله تبارك وتعالى لنا ولكم العلم النافع والعمل الصالح والثبات على الدين، إنه سميع الدعاء. الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. ترجمة نانسي قنقر