الخطبة بعنوان اليوم أكملت لكم دينكم، ألقاها الشيخ عبدالرحمن بن مرعي العدني
تؤكد الخطبة أن الله أكمل الدين الإسلامي وأتم النعمة به، وأن النبي صلى الله عليه وسلم بلغ الرسالة كاملة. لذا لا يجوز إحداث بدع أو خرافات في الدين لأنها طعن في كماله واتباع لغير سبيل المؤمنين.
يؤكد المقطع على خطورة الابتداع في الدين وأن كل بدعة ضلالة، مستدلاً بأحاديث النبي صلى الله عليه وسلم وأقوال الصحابة. العصمة تكمن في لزوم سنة النبي صلى الله عليه وسلم وسير السلف الصالح.
يبيّن المقطع أن كثيراً من الناس يتسابقون إلى بدع في شهر رجب كصلاة الرغائب وصوم أول خميس والاحتفال بليلة 27 رجب. كل ذلك لم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن الصحابة والتابعين.
تذكر الآية أن من آمن بمثل ما آمن به المؤمنون فقد اهتدى، ومن تولى فهو في شقاق، والله كافٍ لهم وهو السميع العليم. ويختتم الدعاء بطلب التوفيق والصلاة على النبي محمد وآله وصحبه.
موقع دار الحديث بالفيوش يقدم هذه المادة. اليوم أكملت لكم دينكم، خطبة الجمعة لفضيلة شيخنا العلامة عبد الرحمن بن مرعي العدني رحمه الله تعالى. إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا. من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. أيها المسلمون، عباد الله: إن من أعظم نعم الله عز وجل علينا أن بعث الرسل مبشرين ومنذرين، وكان من أعظم هؤلاء الرسل قدراً وأعلى مكانة وأعمهم رسالة نبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فقد بعثه الله عز وجل والناس في أمس الحاجة إلى نور النبوة والرسالة، كما قال ربنا تبارك وتعالى في كتابه الكريم: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ أَنْ تَقُولُوا مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلَا نَذِيرٍ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾. فهدى الله عز وجل به من الضلالة، وجمع به بعد الفرقة، وأعز به بعد الذلة، وجعل الله عز وجل به هذه الأمة خير أمة أخرجت للناس. ولم يزل سلفنا الصالح رحمهم الله تعالى في علو ورفعة وصدارة لما كانوا متمسكين بكتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وهكذا هذه الأمة في القرون المفضلة: رفعهم الله وأعزهم الله وجعلهم خير أمة أخرجت للناس. ثم لما حصل الإحداث والتغيير والبدع والخرافات، قلب الله عز وجل على هذه الأمة أحوالهم الجميلة بأحوال قبيحة. فلن تعود لنا عزتنا ولا كرامتنا ولا رفعتنا إلا إذا راجعنا أنفسنا ورجعنا إلى ديننا، وتمسكنا بما بعث الله عز وجل به نبيه صلى الله عليه وعلى آله وسلم في جميع المجالات: في باب العقيدة، والسياسة، وفي باب العبادة والمعاملة، وفي باب الأخلاق والآداب والسلوك، والدعوة والمنهج. هذا هو سبيل العزة، وهذا هو سبيل الكرامة والرفعة. والله عز وجل قد أكرمنا بدين عظيم ورسالة عظيمة، قال الله عز وجل: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾. فالله سبحانه وتعالى أكمل لهذه الأمة دينها الذي هو مصدر سعادتها ورفعتها وكرامتها. الله أكمل لنا الدين وأتم علينا النعمة، ولم يوكلنا إلى أنفسنا، بل أرسل إلينا الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام، فبلغ الرسالة وأدى الأمانة ونصح لهذه الأمة، ولم يخرج من هذه الدنيا حتى بلغ البلاغ المبين، حتى ترك هذه الأمة على البيضاء ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها بعده إلا هالك. بلغ النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بقوله، وبلغ بفعله، وبلغ بإقراره. حتى إن الله عز وجل لا يقيض للصحابة الرجل العاقل من الأعراض فيأتي فيسأل عن دين فيجيبه النبي صلى الله عليه وسلم، فينتفع أهل المجلس بهذا السؤال والجواب. فدين الله كامل، والنبي عليه الصلاة والسلام بلغ البلاغ المبين. ديننا كامل في جميع المجالات وفي جميع الجوانب، والله عز وجل يقول في كتابه الكريم: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾. ففيه بيان العقائد والمعاملات والعبادات، بين الله سبحانه وتعالى حتى آداب المجالس والاستئذان. وقد أدهش ذلك أعداء الإسلام. روى الإمام مسلم من حديث سلمان الفارسي أن رجلاً من المشركين أتى إليه وقال: «لقد علمكم نبيكم كل شيء حتى الخراءة» -أي حتى آداب قضاء الحاجة-. قال: «أجل، لقد نهانا أن نستقبل القبلة بغائط أو بول، أو أن نستنجي برجيع أو عظم، أو أن نستنجي بأقل من ثلاثة أحجار». نعم عباد الله، بلغ البلاغ المبين عليه الصلاة والسلام. ولهذا تقول عائشة رضي الله عنها: «من زعم أن محمداً صلى الله عليه وعلى آله وسلم قد كتم شيئاً مما أوحاه الله إليه فقد أعظم على الله الفرية». والله يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾. رواه مسلم. ولهذا عباد الله، إذا عرفنا أن الدين قد كمل، وأن النبي صلى الله عليه وسلم قد بلغ البلاغ المبين، فلا يجوز الإحداث في دين الله، ولا يجوز التقرب إلى الله بالبدع والخرافات والضلالات. فديننا كامل بنص القرآن الكريم. فمن أحدث في دين الله سبحانه وتعالى فإنه يطعن في كتاب الله، وإنه يطعن في النبي الكريم عليه الصلاة والسلام. فمن حاول أن يتقرب إلى الله سبحانه وتعالى بما لم يدل عليه القرآن والسنة فكأنه يتهم دين الله عز وجل بعدم الكمال، إما بقوله وإما بفعله. وهكذا من ابتدع في دين الله عز وجل فإنه يطعن في النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: إما أن يكون غير عالم بأن هذا الشيء يقرب إلى الله، أو يكون قد علم ذلك ثم كتم. وهكذا فيه خروج عن طاعة الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فإن الله عز وجل يقول: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. ولهذا عباد الله، فإن الشرع جاء بالتهديد والتحذير والتنفير من هذه البدع. كما قال الله عز وجل: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا﴾. ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾. وهكذا النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كانت حياته حرباً على البدع والزيادات والمحدثات. روى الإمام البخاري من حديث ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم بينما هو يخطب إذ رأى رجلاً قائماً، وهو أبو إسرائيل، قائماً في الشمس. فقال: «ما هذا؟» قالوا: نذر أن يقوم في الشمس ولا يستظل ولا يتكلم ويصوم. فقال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «مروه فليتكلم، وليستظل، وليجلس، وليتم صومه». فلما أراد أن يتقرب إلى الله سبحانه وتعالى بما لم يدل عليه كتاب الله ولم يرشد إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، نهاه عن ذلك. القيام في الشمس ليس بعبادة مقربة إلى الله، والصمت وعدم الكلام ليس مما يتقرب به إلى الله، وأما الصوم فإنه مما يتقرب به إلى الله. قال: «مروه فليتكلم، وليستظل، وليجلس، وليتم صومه». أمره بإتمام الصوم لأنه عبادة، وأما هذه الأمور فنهاه عنها. وهكذا في الصحيحين من حديث أنس أن النبي -أو أن ثلاثة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم- جاءوا إلى بيوت أزواج النبي عليه الصلاة والسلام يسألون عن عبادته. فلما أخبروا كأنهم تقالوها -أي رأوها قليلة-، ثم اعتذروا للنبي عليه الصلاة والسلام بقولهم: «قد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر» -أي إن سبب القلة في عبادته أن الله سبحانه وتعالى قد غفر له-. فلما جاء النبي قال أحدهم: «أما أنا فأصلي الليل أبداً ولا أنام». وقال الثاني: «أما أنا فأصوم الدهر ولا أفطر». وقال الثالث: «أما أنا فلا أتزوج النساء». قال الثالث: «أما أنا فلا أتزوج النساء». فجاء النبي صلى الله عليه وسلم فأخبروه، فأتى إليهم وقال: «أنتم الذين قلتم كذا وكذا؟» قالوا: «بلى يا رسول الله». قال: «أما إني لأخشاكم لله وأتقاكم له، ولكنني أصلي وأرقد، وأصوم وأفطر، وأتزوج النساء. فمن رغب عن سنتي فليس مني. فمن رغب عن سنتي فليس مني». انظروا عباد الله: ترق الطاعات تديناً وتقرباً إلى الله سبحانه وتعالى، هذا يعتبر من البدع. فلذا نهاهم النبي صلى الله عليه وسلم. فيه اعتداء على الله عز وجل في حق التشريع. وفي هذا يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ * وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ﴾. انظروا إلى هذه الآية الكريمة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا﴾. فمن حرم على نفسه ما أحل الله كان معتدياً على شرع الله ودينه. ثم قال الله: ﴿وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾. إشارة إلى أن تحريم الطيبات ليس من تقوى الله سبحانه وتعالى في شيء. وهكذا عباد الله، كان السلف الصالح شديد الإنكار على البدع والمحدثات. فأبو بكر الصديق رضي الله عنه رأى امرأة حجة ساكتة مصمتة لا تتكلم، واسمها زينب. قال: «ما لك؟ تكلمي، فإن هذا لا يحل، هذا من عمل أهل الجاهلية». فتكلمت وقالت: «من أنت رحمك الله؟» قال: «إني امرؤ من المهاجرين». وهكذا كان النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في حياته كلها. وقد كان النبي عليه الصلاة والسلام يفتتح خطب الجمعة بقوله: «من يهد الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له». ويقول: «فإن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة». «كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة». كل من ألفاظ العموم، فتشمل جميع البدع. ليس في ديننا بدع مضلة وبدع حسنة، بدع سيئة وبدع حسنة، بل كل البدع بنص هذا الحديث تعتبر من الضلال. ودين الله عز وجل هدى، فماذا بعد الحق إلا الضلال؟ وهكذا يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد». متفق عليه من حديث عائشة. هذا حديث عظيم ينبغي على كل مسلم أن يحفظه وأن يعرف معناه: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد». حديث عظيم وأصل كبير في رد جميع البدع والخرافات والمحدثات التي لم يدل عليها كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وعلى آله وسلم. «من أحدث في أمرنا» أي في ديننا وشرعنا «ما ليس منه» ما لم يأت في كتاب الله ولم يرشد إليه النبي صلى الله عليه وسلم، «فهو رد» على صاحبه، هو مردود على صاحبه، وإن زعم أنه يقربه إلى الله، وإن ابتغى الأجر من الله، فلا يزاد من الله إلا بعداً، ولن يخرج إلا بالوزر والعقاب. «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد». هكذا عباد الله، سنة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وهكذا كان سلف هذه الأمة من الصحابة والتابعين، كانوا كذلك. وفي هذا يقول ابن مسعود: «اتبعوا ولا تبتدعوا، فقد كفيتم. اتبعوا ولا تبتدعوا، فقد كفيتم». فأهل السنة أهل اقتداء وليس أهل ابتداء، هم أهل اقتداء وليس أهل ابتداء، لا يبتدعون وإنما يقتدون ويتبعون بمن سلف من هذه الأمة. والإمام مالك رحمه الله حينما جاء رجل وقال: «إني أريد أن أحج، من أين أحرم؟» قال: «من ذي الحليفة، من حيث أحرم رسول الله صلى الله عليه وسلم». فقال: «إني أريد أن أحرم من المسجد، من عند القبر». قال: «إني أخشى عليك الفتنة». قالوا: «أي فتنة؟ إنما هي بضعة أميال أزيدها». قال: «أي فتنة أعظم من أن ترى أنك سارعت إلى فضيلة قصر عنها رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم؟» والله عز وجل يقول: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾. وهكذا ابن مسعود رضي الله عنه حينما أخبره أبو موسى الأشعري بخبر أولئك الجماعة الذين تحلقوا في المسجد، وعلى كل حلقة رجل، وبين أيديهم حصى، يقول لهم: «كبروا مائة» فيكبرون مائة، «هللوا مائة» فيهللون مائة، «سبحوا مائة» فيسبحون مائة، «احمدوا مائة» فيحمدون مائة. وقف عليهم وقال: «ويحكم ماذا تفعلون؟» قالوا: «محصى نعد بها التكبير والتسبيح». قال: «ويحكم، ما أسرع هلكتكم! إنكم... قال: ويحكم، هؤلاء أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم متوافرون، وهذه ثيابه لم تبلَ، وهذه آنيته لم تكسر. والله، أو الذي نفسه بيده، إنكم لعلى ملة أهدى من ملة رسول الله، أو إنكم مفتتحوا باب ضلالة». قالوا: «يا أبا عبد الرحمن، ما أردنا إلا الخير». قال: «وكم من مريد للخير لن يصيبه» -أو «لن يدركه»- «إن النبي صلى الله عليه وسلم حدثنا بأن قوماً يقرؤون القرآن لا يتجاوز تراقيهم، يمرقون من الدين مروق السهم من الرمية، ولا أدري لعل أكثركم منهم». قال الراوي لهذه الحكاية هو عمر بن سلمة: «فرأيت عامة هؤلاء يطاعنوننا يوم النهروان مع الخوارج». هكذا من آثار البدع عباد الله. فالذي يعصم من هذه البدع هو لزوم السنة والعض عليها، والسير على ما سار عليه سلف هذه الأمة. الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد: فكما سمعتم عباد الله، الواجب على المسلم أن يلزم السنة وأن يحذر البدع. وهكذا أوصى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم هذه الأمة. ولكن للأسف إن كثيراً من الناس من لم يستجب لهذه النداءات ولم يعمل بهذه الأوامر والإرشادات، فتراهم يتسابقون إلى البدع والخرافات والضلالات، أعظم من حرصهم وتسارعهم إلى السنن النبوية وإلى الآثار عن سلف هذه الأمة. فمن هذه البدع التي تسارع إليها كثير من الناس: البدع التي تكون في شهر رجب. فإن كثيراً من الناس يعتقد في شهر رجب، ويجعلون لهذا الشهر من المزايا والفضائل والخصائص ما لم يدل عليه كتاب الله، أو يدل عليها كتاب الله ولا سنة نبيه صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وإنما كانت عادات جاهلية عرفتها هذه الأمة. فلم يثبت في ديننا وشرعنا فضيلة لشهر رجب: لا بصلاة، ولا بصيام، ولا بقيام، ولا بذبائح، ولا بنذر، ولا بعمرة، ولا بشيء من أنواع العبادات. معلوم أن العبادات مبنية على التوقيف، أي أنها تأخذ من طريق الشرع. ولا يعبد الله سبحانه وتعالى بالعوائد، ولا يعبد الله عز وجل بالأذواق والاستحسانات، ولا يعبد بالآباء والأسلاف والتقاليد، وإنما يعبد الله ويتقرب إليه بما وجدناه في كتاب ربنا وبما أرشد إليه نبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم. ولهذا فلم يثبت عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم شيء في فضيلة أو خصيصة لشهر رجب. بل شهر رجب من جملة الشهور، ليس له فضيلة ولا ميزة إلا أنه من الأشهر الحرم التي حرم الله عز وجل القتال فيها. وما زاد على ذلك فليس من هدي النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وقد اعتاد كثير من الناس في أول ليلة جمعة من شهر رجب أنهم يصلون صلاة تسمى بصلاة الرغائب، ولم تثبت هذه الصلاة عن النبي صلى الله عليه وسلم، كما بين ذلك أئمة الحديث. وهكذا اعتادوا على صوم أول خميس في شهر رجب. وهكذا تسارعوا إلى فعل الذبائح والنذور في شهر رجب. وهذا كله على خلاف هدي النبي صلى الله عليه وسلم. وهكذا يحرص كثير من الناس على إيقاع العمرة في شهر رجب، وهذا لم يثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام. بل إن جميع عمر النبي صلى الله عليه وسلم كانت في أشهر الحج. فأفضل أوقات العمرة في شهر رمضان، كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم: «عمرة في رمضان كحجة معي». وهكذا أفضل أوقات العمرة في أشهر الحج، كما كان فعل النبي صلى الله عليه وسلم، فإنه اعتمر العمر الأربع كلها في الأشهر، أشهر الحج. فلذا علينا أن ننتبه لذلك، وأن نحذر غيرنا من الاعتقاد في شهر رجب. وهكذا من هذا الضعف والخرافات التي اعتاد عليها كثير من الناس في شهر رجب: الاحتفال بما يسمى بذكرى الإسراء والمعراج. فقد اعتاد جمهور المسلمين في جميع الأقطار الإسلامية على الاحتفال في ليلة السابع والعشرين من رجب بهذه المناسبة، ألا وهي ذكرى الإسراء والمعراج. لا شك أن الإسراء والمعراج آية عظيمة من آيات الله تبارك وتعالى الكبرى، التي فرض الله عز وجل فيها الصلوات، والتي لقي فيها النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ربه تبارك وتعالى، وارتفع إلى أعلى مستوى ممكن أن يصل إليه البشر، إلى فوق السماوات العلى، فكلمه الله سبحانه وتعالى، خاطبه الله عز وجل، ولم يره ربه تبارك وتعالى بعينه، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «نور أنى أراه». لا شك أن هذه الحادثة حادثة عظيمة وحادثة جليلة. لكن لم يثبت في ديننا مشروعية الاحتفال بهذه الليلة. ثم إن الذي عليه المحققون من أهل العلم: بأن تعيين الليلة التي أسري فيها بالنبي صلى الله عليه وسلم وعرج به إلى السماء لم يثبت، كما نص على ذلك العلامة ابن القيم والحافظ ابن كثير. أن تعيين ليلة الإسراء والمعراج بأنها ليلة السابع والعشرين من رجب هذا لم يثبت تاريخاً. بل منهم من قال: كان ذلك في شهر ذي القعدة، ومنهم من قال: كان ذلك في شهر ربيع الأول، ومنهم من قال... وأغلب جمهور أهل التاريخ أن هذه الحادثة كانت في شهر رجب. ولكن تعيين ليلة السابع والعشرين من شهر رجب لوقوع هذه الحادثة العظيمة لم يثبت ذلك بالسند الصحيح. ثم لو ثبت أن ليلة السابع والعشرين من رجب هي ليلة الإسراء والمعراج، لم يشرع لنا أن نحتفل بهذه الليلة، وأن يجتمع الناس في المساجد لإلقاء المحاضرات والخطب، والتوجه إلى الله سبحانه وتعالى بأنواع من البدع، سواء كانت في الدعوات، أو كانت في الصلاوات، أو كانت في الصدقات، أو كانت في غير ذلك. هكذا اعتاد جمهور المسلمين الاجتماع والاحتفال، وتحضر وسائل الإعلام المختلفة. وللأسف الشديد يحضر بعض المسؤولين الذين يمثلون الدول، فتبث وقائع هذه الاحتفالات على جميع المستويات وفي جميع وسائل الإعلام، حتى يظن العوام والطغام أن هذا من الدين، وأن هذا من السنة، وأن هذا مما يقرب إلى الله تبارك وتعالى. فتعظم الفتنة بذلك. وكما تقدم: أنه لو ثبت أن ليلة الإسراء والمعراج كانت في ليلة السابع والعشرين، لم يجز لنا الاحتفال بهذه الليلة. لماذا؟ لأن هذا لم يثبت عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ولم يثبت عن الصحابة، ولا الخلفاء الراشدين، ولم يثبت عن سلف هذه الأمة. ولو كان خيراً لسبقون إليه، ولو كان مما يقرب إلى الله لدلنا وأرشدنا إليه نبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم. لكن لم يفعله النبي عليه الصلاة والسلام، ولم يفعله الخلفاء الراشدون، ولا الصحابة الأكرمون رضوان الله تعالى عليهم. هذا يدلنا على أنه من البدع والضلالات والخرافات التي يتسارع إليها كثير من الناس، ويحرصون عليها أعظم وأكثر من حرصهم على تطبيق السنن وفعلها. فالواجب علينا عباد الله أن نتمسك بالسنة، وأن نجلي إليها، وأن نحذر من الشر والخرافات والبدع. فإن هذه تعتبر من الداء العضال الذي أصيبت به هذه الأمة: الإكبال على البدع والخرافات، وإهمال السنن النبوية. فعلى الجميع أن يحرص على الاعتصام بالسنة. فإن المخلص والمنقذ من هذه الخرافات والبدع هو الرجوع إلى كتاب الله، وهو التمسك بسنة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وهو السير على ما سار عليه سلف هذه الأمة من الصحابة والتابعين. فإنهم كانوا شديدي التمسك بالقرآن والسنة، لا يخرجون عن هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم قيد شعرة ولا أنملة. فعلينا بالسير على ما ساروا عليه، وعلينا بلزوم طريقتهم، والعض على منهاجهم. فإن الله سبحانه وتعالى هو القائل: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾. ويقول الله: ﴿فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾. وفق الله الجميع لما يحب ويرضى، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.